طباعة

 توثيق النص

 

 

 

سبيل الفلاح

للشيخ أبي بكر الجزائري

رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية

 

 

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 

(الآية 35 من سورة المائدة)

 

بين يدي تفسير الآية:

أخرج بن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن ابن أبي حاتم بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أتاه فقال يا عبد الله اعهد إليّ، فقال: "إذا سمعت الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ} فارعها سمعك: فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.

فهذا القول من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يعتبر غاية الفقه، وغاية النصح، أمّا كونه غاية الفقه فقد دل عليه ما فهمه من أن الله تعالى إذا نادى عباده المؤمنين لم ينادهم إلا لخير يريدهم أن ينالوه، أو لشر يريدهم أن يحذروه، أمّا أولا: فلأن الله تعالى منزه عن اللعب والعبث فلا يمكن أن يناديهم لغير أمر يهمهم في حياتهم، وأمّا ثانيا فلأن ولايته تعالى لهم تستلزم هدايتهم وإرشادهم لما ينجيهم، ويكملهم ويسعدهم.

وأمّا كونه غاية النصح: فلأن العبد إذا أخذ نفسه على أن يُصغيَ دائما لنداء الله تعالى فيعي عنه ما يقول له ويدعوه إليه من فعل خير أو ترك شر، فإنه ينجو حتما ويكمل ويسعد، وهذا ما يرجوه كل عاقل ويعمل له طوال حياته.

 

مباحث ألفاظ الآية:

آمنوا: الإيمان التصديق الجازم. فآمنوا معناه صدقوا بوجود الله ربّا وإلها وبلقائه وعدا حقا.

تقوى الله تعالى المأمور بها في الآية هي الإسلام لله تعالى بطاعته فيما يأمر به ويدعو إليه من الإيمان وصالح الأعمال، وفيما ينهى عنه ويزجر من الشرك والمعاصي.

وابتغوا إليه الوسيلة: الابتغاء: يقال ابتغى الشيء يبتغيه إذا طلبه، والوسيلة: ما يتوصل به إلى تحقيق غرض ما صالح كان أو فاسد وهي هنا – الوسيلة - طلب ما يتوصل به إلى رضوان الله تعالى ومحبته، والحظوة لديه من القرب والكرامة.

وجاهدوا: الجهاد بذل الجهد واستفراغ الوسع. والجهاد المأمور به هنا بذل الجهد في إصلاح النفس والناس.

في سبيله: سبيله تعالى هي ما يوصل العبد إلى إصلاح نفسه وإصلاح غيره، فينجوا ويكمل ويسعد في الدنيا والآخرة.

لعلكم تفلحون: لعل هنا تعليلية أي اتقوا وتوسلوا وجاهدوا لتفلحوا. والفلاح: الفوز وهو النجاة من النار، ودخول الجنة دار الأبرار، مع ما يسبق ذلك من كمال، وطهارة، وعزة، وكرامة في دار الدنيا قبل يوم القيامة.

 

بيان معنى الآية:

اعلم أخي القارئ فتح الله علينا وعليك أن هذه الآية الكريمة المباركة قد اشتملت على ثلاثة أوامر إلهية موجهة كلها إلى المؤمنين به تعالى وبلقائه، وبوحيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأوامر الثلاثة هي الأمر بتقواه عزوجل وبطلب الوسيلة إليه، والجهاد في سبيله. كما اشتملت على علة هذه الأوامر وهي الفلاح المترتب على فعلها. والفلاح هو الفوز بالنجاة من المرهوب. والظفر بالمرغوب، وبعبارة أوضح: الفلاح هو الكمال، والسعادة في الدنيا والآخرة. وإليك شرح هذه الأوامر علّك تقوم بها فتفوز كما فاز بها أهلها.

1_ الأمر بالتقوى، ومعناه: اتقاء عذاب الله تعالى المترتب على مخالفة أوامره وسننه في خلقه، ويتم للعبد هذا الاتقاء إذا هو أطاع الله تعالى، وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرا به من العقائد والعبادات، وفيما نهيا عنه من الشرك والمعصيات.

2_ ابتغاء الوسيلة إليه تعالى وهو طلب التقرب إليه عز وجل بأداء الفرائض مصحوبة بنوافلها، إذ لكل فريضة نافلة للحديث الصحيح: "ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه الحديث....."

وأما التعليق على التوسل فإنا نقول للقارئ الكريم: إن التوسل الصحيح النافع هو ما بيناه في شرح جملة {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. وليس ما عليه أكثر العوام من الذبح على أضرحة الأولياء والنذر لهم، والاستغاثة بهم، ودعائهم، والعكوف على قبورهم وشد الرحال إليها، وسؤال الله تعالى بحقهم وجاههم، ليس هذا من التوسل في شيء وإنما هو الشرك بعبادة الله تعالى. والله يقول: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} (الكهف: من الآية110).

كما أن قول العوام اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو فلان، واللهم إني أسألك بحق فلان أو فلان ليس من التوسل في شيء، لأن التوسل أن تقوم بعمل صالح شرعه الله ليكون قربة لعباده يتقربون به إليه فتفعله ثم تسأل الله تعالى بعبده فيعطيك سؤالك أما قول المرء أسألك بجاه فلان أو بحق فلان فإنه لا معنى له، إذ لم يشرعه الله دعاء ولا ذكرا ولا عبادة فكيف إذا يعطي عليه ويستجيب لصاحبه؟؟

وأغلب الظن أن التوسل بجاه فلان وحق فلان، كان من وضع غلاة الباطنية والزنادقة من أجل صرف العبد المسلم عن الوسائل المشروعة النافعة إلى وسيلة لا تشفع ولا تنفع، ولكن تضر وتغر، والعياذ بالله تعالى.

3_ الجهاد في سبيله تعالى هو بذل الجهد، وما في الطاقة والوسع في مدافعة النفس عن اتباع هواها المفضي بالعبد إلى ترك العبادة التي خلق لأجلها، ولا يكمل ولا يسعد إلا بها، وفي حملها أن تتعلم أمور الدين، وتعمل بها، وتعلمها غيرها من الناس.

وهذا جهاد، يستلزم جهاد أهل الفسق والخروج عن طاعة الرب، وذلك بحملهم على التزام حدود الشرع بواسطة الأمر والنهي المصحوبين بالترغيب والترهيب وهي الموعظة الحسنة المأمور بها في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: من الآية125).

وجهاد الشيطان عليه لعائن الله، وذلك بالتنبّه لكيده، ومعرفة تزيينه وإلغاء شبهه، وعدم الإصغاء إلى وساوسه، والاستعانة على ذلك بذكر الله تعالى، والاستعاذة بجنانه جل وعلا من كل فتنه وشروره.

وجهاد الكفار وهو أكبر من جهاد الشيطان. ويكون بالنفس والمال، وذلك بقتالهم مع إمام المسلمين أو نائبه حتى يسلموا لله رب العالمين، أو يستسلموا لحكم المسلمين، وبذلك يتمكن المؤمنون من عبادة ربهم حيث لم يخلقوا إلا لها، ولن يكملوا ولن يسعدوا في كلا حياتيهم إلا بها وعليها.

وأخيرا أيها القارئ الكريم إن العبد المؤمن إذا امتثل هذه الأوامر الثلاثة فاتقى الله عز وجل ، وتوسل إليه بالإيمان وصالح الأعمال، وجاهد أعداءه ليأمن من شرهم، فيتمكن من العبادة التي هي سبب كماله وسعادته في الدنيا والآخرة، ربح أعظم ربح وفاز أكبر فوز، وذلك هو النجاة من ذل الدنيا وشقائها، وعذاب الآخرة وخزيها ودخول الجنة والتمتع بنعيمها، قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز} (آل عمران: من الآية185)

 

هداية الآية:

إن هذه الآية كغيرها من الآيات القرآنية الكريمة تحمل الهدى للمؤمنين، والموعظة للمتقين والرحمة والبشرى للمسلمين، وهذه بعض مظاهر ذلك:

1) في نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان - يا أيها الذين آمنوا - إشعار بتكريمهم وتقدير لشرفهم، وعلو منزلتهم، وضمن ذلك تذكيرهم بما يتطلبه إيمانهم من الاستعداد للعمل والجهاد، وما يستلزمه من الطاعة بالاستجابة لله والرسول صلى الله عليه وسلم والامتثال:

2) في الأمر بالتقوى القائمة على أساس فعل المأمور، وترك المنهي إعداد للمؤمن لأن يكمل في معارفه ويسمو بأخلاقه، ويطهر في نفسه، فيتأهل للقيادة والسيادة في الدنيا، والسعادة بالنعيم المقيم في الدار الآخرة. بعد أن يكون قد شرف بولاية الله تعالى، وفاز بمحبته، إذ بإيمانه وتقواه يحصل على ولاية الله، قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. فجعل تعالى شرط الحصول على الولاية: الإيمان والتقوى.

3) في الأمر بالتوسل فتح الباب للعبد ليقرب ويحب ويرضى، وهو نعيم روحي ما فوقه نعيم، وكمال نفسي دونه كل كمال، وما كان هذا ليحصل للعبد لولا أن الله تعالى فتح له، وفتح عليه. قال تعالى في حديث صحيح: "من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدّ له من". فتح على العبد باب الإيمان والتقوى فآمن واتقى. وفتح له باب التوسل والتقرب فتوسل وتقرب فأحبَّ وأدْني وقرِّب، وفاز بالخلد والرضوان.

4) في الأمر بالتقوى، والتوسل، والجهاد دعوة المؤمن إلى العلم، والمعرفة، والمفروض أن تكون حاصلة له قبل القول والعمل، إذ لا يتأتى للعبد أن يتقي وهو يعرف لا يعرف ماذا يتقي، ولا أن يتوسل وهو لا يعرف بماذا يتوسل، ولا أن يجاهد وهو لا يعرف من يجاهد، ولا بماذا يجاهد؟ ولا ما الغاية من جهاده؟ ومن هنا كان المؤمن ملزما بطلب العلم، والحصول عليه، ومهما كان الثمن، وكانت المشقة، إذ لا يخطو خطوة واحدة في مضمار طلب النجاة، والكمال، والإسعاد في الدارين إلا بعد العلم والمعرفة. ولذا لا يوجد وليّ لله من عباده جاهل به تعالى، وبالطريق إليه المتمثلة في معرفة محابه، ومساخطه من الاعتقادات، والأقوال، والأفعال.

5) في الأمر بالجهاد في ميادينه الأربعة التي مرت آنفا وهي جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الفساق، وجهاد الكفار. في الأمر به دفع للمؤمن إلى القوة والكمال الذاتي، والخلقي، والروحي، تلك القوة التي بدونها لا يكمل، ولا يسود، ولا يقود، إنه بجهاده في هذه الجبهات الأربعة وبانتصاره فيها يكون قد آمن لنفسه المناخ الصالح، والساحة النقية للعبادة الحرة، والترقي في مدارج الكمال فيها، بأداء الفرائض، والنوافل، مع التخلي عن النقائص، والرذائل حتى يصل إلى مستوى الحب. فيعلن في السماء عن حبه، ويلقى له القبول في الأرض فلا يراه عبد صالح مثله إلا أحبه.

هذا بعض ما في آيتنا هذه من هداية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.