|
|
|
رسائل لم يحملها البريد |
|
للشيخ عبد الرؤوف اللبدي |
|
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية |
|
|
|
أختي العزيزة هل: |
|
لقد كتبت إليك من قبل هذه خمس
رسائل حدثتك فيها عن عشر صيغ من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية
الجازمة للفعل المضارع، وها أنا ذي اليوم محدثتك عن الصيغة الحادية عشرة والصيغة
الثانية عشرة. |
|
أما الصيغة الحادية عشرة فهي:
((ألم يأت...)) وقد وردت في سبع آيات من آيات القرآن الكريم: |
|
الآية الأولى: قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ
رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}
الآية (130) من سورة الأنعام. |
|
الآية الثانية: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ
وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} الآية
(70) من سورة التوبة. |
|
الآية الثالثة: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ
بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا
كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا
إِلَيْهِ مُرِيبٍ} الآية (9) من سورة إبراهيم. |
|
الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا
بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ
الأُولَى} الآية (133) من سورة طه. |
|
الآية الخامسة: قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ
لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ
رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ
حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} الآية(71) من سورة
الزمر. |
|
الآية السادسة: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الآية (5)
من سورة التغابن. |
|
الآية السابعة: قوله تعالى: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ
فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا
مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ}
الآيتان (8-9) من سورة الملك. |
|
وقد جاءت همزة الاستفهام في هذه
الصيغة: (ألم يأت...) الواردة في هذه الآيات السبع على
معنى التقرير والتقريع والتوبيخ. |
|
وكان قد تقدم في الرسالة الأولى من هذه الرسائل أن استفهام التقرير يجيء لأحد
أمرين: |
|
الأول: حمل المخاطب على الاعتراف بالأمر الذي استقر عنده من ثبوت ما تضمنه
الاستفهام أو نفيه. |
|
والثاني: تثبيت النسبة التي اشتمل عليها الاستفهام في الذهن إن كان المخاطب
جاهلا بها، وزيادة تثبيتها إن كان بها عالما. |
|
وقد جاءت همزة الاستفهام في هذه
الصيغة بالمعنى الأول في الآية الأولى والخامسة والسابعة من الآيات السالفة
الذكر. |
|
وجاءت بالمعنى الثاني في الآيات
الباقيات. |
|
وقد تضمنت الآية الأولى من هذه
الآيات مشهدا من مشاهد يوم القيامة حيث يقرع الله سبحانه وتعالى ويوبخ كافري
الجن والإنس ويسألهم (وهو أعلم) ألم يأتكم رسل منكم يخبرونكم ما أوحي إليهم،
ويخوفونكم لقاء يومكم هذا، فيجيب هؤلاء المسؤولون في حسرة وصغار معترفين بما
تضمنه السؤال من إرسال الرسل وتبليغهم آيات ربهم، وتخويفهم لقاء هذا اليوم الذي
كانوا يوعدون، لكن الحياة الدنيا ولذاتها ومتعها وما فيها من زينة حالت بينهم
وبين إيمانهم بالرسل واليوم الآخر. |
|
لقد شهدوا على أنفسهم بالكفر فحق عليهم العذاب، وذاك جزاء الكافرين. |
|
وتصور الآية الخامسة مشهدا آخر
من مشاهد يوم القيامة، حيث يساق الذين كفروا إلى جهنم زمرا فتفتح لهم الأبواب،
ويقول لهم خزنتها الغلاظ الشداد على سبيل التقرير والتقريع والتوبيخ: ألم يأتكم
رسل من جنسكم يتلون عليكم آيات ربكم المنزلة عليهم، ويقيمون الحجج والبراهين على
صحة ما دعوا إليه، وينذرونهم لقاء يوم القيامة هذا. |
|
فيقول لهم الكفار معترفين بلى قد جاءونا وتلوا علينا الآيات وأنذرونا، ولكنا
كذبناهم وخالفتاهم وعدلنا عن الحق إلى الباطل، فحق علينا العذاب عذاب الكافرين. |
|
وتتضمن الآية السابعة والتي
تليها مشهدا آخر من مشاهد يوم القيامة حيث يشتد غيظ جهنم على أولئك الكفار الذين
يلقون فيها فوجا بعد فوج، حتى لتكاد من شدة الغيظ يتميز بعضها من بعض، ولم لا
تحنق هذا وتغتاظ هذا الغيظ، وهي التي ترى خزنتها الملائكة الغلاظ الشداد يسألون
مقررين مقرعين موبخين في حسرة و ذلة: بلى، قد جاءنا نذير، ولكنا كذبناه في أن
يكون نذيرا، ثم –لشقوتنا- بالغنا في التكذيب فقلنا ما أنزل الله على أحد من شيء، وما أنتم أيها النذر في ادعاء إنزال الآيات
عليكم إلا في ضلال كبير. |
|
والاستفهام في الآيات الباقيات (الثانية والثالثة والرابعة
والسادسة) استفهام تقرير على حد {أَلَمْ نَشْرَحْ
لَكَ صَدْرَكَ} أي قد أتتهم - وقد سبقت الإشارة إلى هذا - يدل هذا
الاستفهام أيضا على التوبيخ كما دل عليه في الآيات المتقدمة. |
|
ففي
الآية الثانية والثالثة والسابعة يوبخ الله سبحانه وتعالى الكافرين أن لم يتعظوا
بالأنباء التي قد أتتهم عمن كان قبلهم من الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات
فكذبوهم فاستحقوا العذاب، وما الله بظلام للعبيد. |
|
وفي
الآية الرابعة يوبخ الله سبحانه وتعالى كفار مكة على مطالبتهم الرسول صلى الله
عليه وسلم أن يأتيه بآية من ربه تبين صدقه وقد أتاهم بالقرآن الذي بشرت به الكتب
الإلهية السابقة المنزلة على الرسل، لقد أتاهم بالقرآن الذي هو أعظم الآيات
إعجازا حتى تقوم الساعة، فأي آية بعد القرآن يريدون!!. |
|
وإعراب
هذه الصيغة (ألم يأت) واضح سهل، فالفعل المضارع (يأت) مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه
حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والضمير بهذا الفعل سواء أكان كافا في ( ألم يأتكم ) أم كان هاء في ( ألم يأتهم )
مبني على الضم في الأول وعلى الكسر في الثاني في محل نصب مفعول به ل (يأت)
والميم يدل على جمع الذكور مبني على السكون لا محل له من الإعراب. |
|
وأرى أن الكاف والميم معا في ( ألم يأتكم ) هما الضمير
وليس الكاف وحدها، فالكاف وحدها لا تدل على جماعة المخاطبين، فالميم جزء من لفظ
الدال عليهم، واعتبار الميم حرفا ملحقا بالضمير وليس جزءا منه تحكم لا داعي
إليه، ورأي تعوزه الحجة. وعلى هذا أرى أن يقال في
إعراب (كم) من ( ألم يأتكم ) ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به. |
|
وكذلك
الرأي في (هم) من ( ألم يأتهم )، فالهاء والميم معا هما الضمير وليس الضمير هو
الهاء وحدها، لأنها لا تستقل بالدلالة على جماعة الغائبين، فالميم جزء من اللفظ
الدال عليهم، وليست حرفا ملحقا بالضمير، وأرى أن يقال في إعرابه: (هم) من ( ألم
يأتهم ) ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به. |
|
وهكذا الرأي في (كما) من قولنا مثلا رأيتكما ف(كما) ضمير
متصل دال على المثنى المخاطب مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وليس كما
يقول المعربون: الكاف وحدها هي الضمير، والميم حرف عماد والألف حرف دال على
التثنية. |
|
لأن الكاف وحدها لا تدل على ضمير المخاطب المثنى وإنما
اللفظ الدال عليه هو هذه الأحرف الثلاثة مجتمعة. |
|
ومثله
(كن) من قولنا مثلا (رأيتكن) ضمير متصل يدل على جماعة الإناث مبني على الفتح في
محل نصب مفعول به، وليس كما يقولون: الكاف وحدها هي الضمير والنون المشددة حرف
ملحق بالهاء للدلالة على جماعة الإناث. لأن الكاف
والنون معا هما اللفظ الدال على جماعة الإناث فهما معا الضمير، وليس الكاف
وحدها. |
|
وهكذا القول في ضمير الغيبة (هما) في قولنا مثلا
(رأيتهما) و(هن) في قولنا مثلا (رأيتهن).. |
|
هذا
والاسم الظاهر المرفوع الذي جاء بعد (يأت) في هذه الصيغة وهو: (رسل، نبأ، بينة،
نذير) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. |
|
أما
الواو الواقعة بين همزة الاستفهام ولم في الآية الرابعة من هذه الآيات فعاطفة
على ما قبل الهمزة، وقد تقدم ذكر الخلاف في المعطوف عليه لهذه الواو أكثر من
مرة. |
|
أما الصيغة الثانية عشرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها
على لم النافية الجازمة للمضارع فهي التي دخلت فيها على لم النافية الجازمة
لمضارع كان نحو: ((ألم تكن...)) ((أو لم تكونوا...)). |
|
وقد
وردت هذه الصيغة في إحدى عشرة آية من آيات القرآن الكريم، وقد جئت أنا –همزة
الاستفهام- في هذه الصيغة على معنى التقرير والتوبيخ في تسع من هذه الآيات
الإحدى عشرة المتقدمة، وعلى معنى التقرير وحده في آيتين اثنين، وسوف ترين-أيتها
الأخت العزيزة هل- هذا واضحا مفصلا فيما يلي: |
|
الآية
الأولى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا
مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً
فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}
الآية (97) من سورة النساء. |
|
صيغة
الاستفهام في هذه الآية: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ
اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}
قالها الملائكة الذين توفوا ناسا من المسلمين
ظلموا أنفسهم بأن تركوا الهجرة وأقاموا بين ظهراني المشركين بمكة على حال لا
تمكنهم من إقامة الدين. |
|
والهمزة
هنا تفيد التقرير أي كانت أرض الله واسعة وكانت الهجرة فيها مستطاعة، وتفيد أيضا
التوبيخ توبيخ هؤلاء الناس أن آثروا التمتع بالإقامة في بيوتهم وبين أقوامهم غير
قادرين على إقامة شعائر الدين، آثروا ذلك على الهجرة إلى أرض أخرى يستطيعون فيها
إقامة الدين والوفاء بحقه كما فعل الذين هاجروا إلى الحبشة ثم لحقوا بالمؤمنين
في المدينة. |
|
وجاءت
هذه الجملة الاستفهامية أيضا ردّا على اعتذار هؤلاء الناس بأنهم كانوا مستضعفين
في مكة، فقد كان اعتذار كاذبا غير صحيح، بدليل قوله تعالى عن هؤلاء بعد ذلك في
ختام هذه الآية: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ
جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}. |
|
الآية
الثانية قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ
بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ
وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
سَبِيلاً} الآية (141) من سورة النساء. |
|
في
هذه الآية الكريمة يقول المنافقون الذين كانوا يتربصون بالمؤمنين الخير أو الشر،
وينتظرون بهم ما يتجدد من الأحوال من ظفر لهم أو ظفر بهم، يقولون للمؤمنين إن
كان للمؤمنين فتح من الله أي نصر وتأييد وظفر وغنيمة: {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} أي كنا معكم مساندين
مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة، فالاستفهام هنا للتقرير على معنى الإخبار أي
كنا معكم. |
|
الآية الثالثة قوله تعالى: {وَأَنْذِرِ
النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا
أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ
أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} الآية
(44) من سورة إبراهيم. |
|
هذا
الاستفهام: {أَوَلَمْ تَكُونُوا
أَقْسَمْتُمْ...} يفيد التقرير والتوبيخ |
|
يفيد التقرير على معنى الإخبار أي كنتم أقسمتم من قبل
في ديار الدنيا ما لكم من زوال عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا
بذاك. |
|
ويفيد
أيضا التوبيخ، يوبخ الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم حين يرون
العذاب يوم القيامة، يوبخهم على إنكارهم البعث و إقسامهم على ذلك. |
|
ويوبخهم
تعالى أيضا على أنهم لم يعتبروا بما أوقعه الله تعالى بالأمم التي كذبت الرسل من
قبلهم مع أنهم سكنوا في مساكنهم ورأوا ما حلّ بهم وسمعوا. |
|
الآية الرابعة قوله تعالى: {أَلَمْ
تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا
رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ} الآيتان
(105-106) المؤمنون. |
|
هذا
الاستفهام: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}
يفيد التقرير والتقريع والتوبيخ. التقرير على معنى حمل
المخاطب على الاعتراف بم تضمنه السؤال على جهة الإثبات أو النفي، وقد اعترف أهل
النار المخاطبون على جهة الإثبات في الآية التي تلت هذه الآية: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا
قَوْماً ضَالِّينَ}. |
|
وأفادت
الهمزة هنا أيضا التقريع والتوبيخ: يقرع الله سبحانه وتعالى أهل النار ويوبخهم
على تكذيبهم بآيات الله واتخاذهم المؤمنين سخريا. |
|
الآية الخامسة قوله تعالى: {وَلَقَدْ
أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ
يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً} الآية
(40) من سورة الفرقان. |
|
في
هذه الآية الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى عن كفار مكة أنهم كانوا يمرون كثيرا
على سدوم عظمى قرى قوم لوط التي أمطرت من السماء بالحجارة فدمرت على من فيها
تدميرا، وأنهم كانوا يرونها ويرون ما حل بها وبأهلها قوم لوط لارتكابهم الفاحشة
ومخالفتهم أوامر الله، ولكن كفار مكة لم يجدوا في هلاك أهلها عبرة وذكرى، لأنهم
كانوا لا يؤمنون بالبعث والنشور ويوم الحساب. |
|
والهمزة
في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا}
تفيد التقرير والتوبيخ: تفيد التقرير على معنى الإخبار أي كانوا يرونها، وتفيد
التوبيخ: يوبخ الله سبحانه وتعالى أولئك الكفار على أنهم لم يعتبروا برؤيتها
وبما حلّ بأهلها فمروا بها كما مرّت ركابهم. |
|
الآية السادسة قوله تعالى: {أَوَلَمْ
يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ} الآية (197) من سورة الشعراء. |
|
همزة
الاستفهام هنا في هذه الآية الكريمة تفيد التقرير والتقريع والتوبيخ: التقرير
على معنى الإخبار أي كان علم علماء بني إسرائيل بأن هذا القرآن قد ذكر في كتب
الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل علامة دالة لكفار قريش على صحته عندهم. |
|
وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين لأنهم
كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب، ويقولون هم أصحاب الكتب
الإلهية، فيظنون بهم العلم، وقد تهود كثير من العرب وتنصر كثير لاعتقادهم صحة
دينهم. |
|
وتفيد
الهمزة هنا أيضا التقريع والتوبيخ: يقرع الله سبحانه وتعالى كفار قريش ويوبخهم
على أنهم لم يؤمنوا بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام الدليل
على صحته وهو علم علماء بني إسرائيل بذكره في الكتب الإلهية المنزلة على
الأنبياء من قبل وعلماء بني إسرائيل في اعتقادهم صادقون لا يكذبون. |
|
الآية
السابعة قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ
جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} الآية (62) من سورة يس. |
|
قبل هذه الآية آيتان يتصل بهما معنى هذه الآية وهما:
{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا
تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} الآيتان (60-61) من سورة يس. |
|
هذا
الاستفهام: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}
للتوبيخ والتقريع: يوبخ الله سبحانه وتعالى الكفار ويقرعهم على مخالفتهم
العقل ومجانبتهم الحق والصواب في اتباعهم الشيطان وهو لهم عدو مبين، وعلى تركهم
عبادة الله وهي الصراط المستقيم.. |
|
الآية
الثامنة قوله تعالى: {قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ
تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا
دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ} الآية (50) من سورة غافر. |
|
وقبل هذه الآية آية يتصل بها معنى هذه الآية وهي: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ
ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ} الآية
(49) من سورة غافر. |
|
تتضمن
هذه الآية الثامنة قول الملائكة خزنة جهنم ردا على الذين يعذبون في النار حين قال
هؤلاء الكفار المعذبون في النار لخزنتها: {ادْعُوا
رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ} فقال خزنتها
لهم: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ}. |
|
هذا الاستفهام يفيد التقرير والتوبيخ والتهكم: التقرير
على معنى حمل المخاطب على الاعتراف بما تضمنه السؤال على جهة الإثبات أو النفي،
وقد اعترف المخاطبون بالإثبات بقولهم: (بلى) أي أتتنا الرسل بالبينات. |
|
وخزنة
جهنم باستفهامهم هذا {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ
رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} يوبخون المعذبين في النار ويسخرون منهم
أن ضيعوا الفرصة الطيبة الملائمة للدعاء وهي الإيمان بالرسل في الدار الدنيا، ثم
جاءوا يطلبونه بعد فوات وقته وهم في النار حيث لا يكون دعاء الكافرين إلا في
ضلال. |
|
الآية التاسعة قوله تعالى: {وَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ
وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ} الآية (31) من سورة الجاثية. |
|
في
هذه الآية يقول الله سبحانه وتعالى للذين كفروا: {وَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ
فَاسْتَكْبَرْتُمْ} وهمزة الاستفهام هنا تفيد التوبيخ والتقريع: يوبخ
الله سبحانه وتعالى في يوم القيامة الذين كفروا ويقرعهم على استكبارهم عن
الإيمان بآيات الله، وعلى إعراضهم عنها. |
|
الآية العاشرة قوله تعالى: {يُنَادُونَهُمْ
أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ
وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ
اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} الآية (14) من سورة
الحديد. |
|
ومعنى
هذه الآية يتصل بمعنى آيتين قبلها وهما {يَوْمَ
تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ
لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا
وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ
بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} الآيتان
(12-13) من سورة الحديد. |
|
في
هذه الآية العاشرة ينادي المنافقون والمنافقات وقد شاهدوا العذاب، وضرب بينهم
وبين الذين آمنوا بسور له باب، ينادون الذين آمنوا: {أَلَمْ
نَكُنْ مَعَكُمْ} أي ألم نكن في الدنيا معكم بحسب الظاهر نصلي ونغزو
كما تغزون ونفعل مثل ما تفعلون. |
|
هذا الاستفهام: {أَلَمْ
نَكُنْ مَعَكُمْ} يفيد التقرير والتعجب: التقرير على معنى حمل
المخاطب على الاعتراف بما تضمنه السؤال على سبيل الإثبات أو النفي. |
|
وقد
أجاب الذين آمنوا بالإثبات قائلين: {بَلَى}
أي كنتم معنا بحسب الظاهر، ثم بينوا لهم حقيقة أمرهم في الدنيا بقولهم لهم: {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي
استعملتموها في الفتنة وأهلكتموها في النفاق {وَتَرَبَّصْتُمْ}
بالمؤمنين الدوائر، {وَارْتَبْتُمْ} في
أمر الدين، وغركم الشيطان بأن الله عفوّ كريم. |
|
ومثار
التعجب لدى المنافقين والمنافقات أنهم رأوا اختلاف الجزاء مع أن العمل –حسب
زعمهم - واحد. |
|
الآية
الحادية عشرة قوله تعالى: { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً
مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} الآية (37) من سورة القيامة. |
|
وليكون
معنى هذه الآية أوضح وأتم أذكر ما قبلها وما بعدها من الآيات
: { أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ
سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ
فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، أَلَيْسَ
ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} الآيات (26-40) من
سورة القيامة. |
|
همزة
الاستفهام في {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ
يُمْنَى} للتقرير على معنى الإخبار، أي كان نطفة من مني يمنى. |
|
وقد
جاء هذا الاستفهام وما بعده ردا على من ينكر المعاد من أهل الزيغ والفساد، الذين
يحسبون أنهم سوف يتركون في قبورهم مهملين لا يبعثون ولا يحاسبون، فالله القادر
على أن يخلق الزوجين الذكر والأنثى من قطرة مني تراق في الرحم قادر على أن يحي
الموتى ويبعث من في القبور، سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ وهو على كل شيء
قدير. |
|
أختي العزيزة هل |
|
إعراب هذه الصيغة واضح بين غير أني سوف أعربها وأعرب ما
يتعلق بها في قوله تعالى: {أَوَلَمْ تَكُونُوا
أَقْسَمْتُمْ...} لاشتمال هذا القول على شيئين أحب أن أنبهك عليهما: |
|
{أَوَلَمْ}مرّ غير مرة إعراب الهمزة والواو ولم، و {تَكُونُوا} فعل مضارع من كان الناقصة مجزوم بلم
وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير جماعة الذكور اسم تكون مبني على السكون في
محل رفع، و{أَقْسَمْتُمْ}: أقسم فعل
ماض مبني على الفتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون العارض بسبب اتصال الفعل
بضمير رفع متحرك، ولك أن تقولي في إعراب هذا الفعل: أقسم فعل ماض مبني على
السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والفعل على كلا الإعرابيين لا محل له من
الإعراب.و ( تم ) ضمير رفع متصل يدل على جماعة المخاطبين مبني
على السكون في محل رفع فاعل، ولك أن تعربيه مجزئا فتقولي: التاء وحدها ضمير
مبني على الضم في محل رفع فاعل، والميم حرف يدل على جماعة الذكور مبين على
السكون لا محل له من الإعراب (وقد سبق بيان الضعف في تجزئة هذا الضمير وأمثاله).
{مِنْ قَبْلُ} من: حرف جر مبني على
السكون لا محل له من الإعراب، وقبل: ظرف
زمان مبني على الضم في محل جر بمن، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل (أقسم). |
|
{مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} {ما}
نافية مهملة حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و{لكم} اللام حرف جر مبني على الفتح لا محل له من
الإعراب و{كم} ضمير متصل يدل على جماعة
المخاطبين مبني على السكون في محل جر باللام، ولك أن تعربيه مجزئا على النحو
الذي تقدم ذكره. |
|
والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف تقديره كائن، وهذا
المحذوف هو الخبر على رأي من أراء ثلاثة لأهل النحو في هذه المسألة. {مِنْ زَوَالٍ} من: حرف جر زائد مبني على السكون
لا محل له من الإعراب و{زَوَالٍ} مجرور بمن وعلامة جره السكون الظاهرة
على آخره. و{زَوَالٍ} المجرور بمن
الزائدة مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الكسرة المأتي بها
لمناسبة حرف الجر الزائد، أما على رأي من يرى أن المجرور بحرف الجر الزائد يكون
إعرابه محليا ف {زَوَالٍ} في محل رفع
مبتدأ مؤخر. |
|
وجملة {مَا لَكُمْ مِنْ
زَوَالٍ} جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة {أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}
في محل نصب خبر تكونوا الناقصة. |
|
وجملة
{أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا
لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} في محل نصب مفعول به لقول مقدر، والتقدير فيقول
الله سبحانه وتعالى لهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوا...} |
|
أختي العزيزة هل |
|
قبل أن أختم هذه الرسالة أرى لزاما علي أن أنبهك على
شيئين: |
|
لقد
مر في إعراب قوله تعالى {مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}
أن {من} حرف جر زائد، والحكم على هذا
الحرف بالزيادة لا يعني أنه حشو في الكلام لا حاجة إليه، وإنما هو اصطلاح نحوي
يعني أن المعنى الأساسي للجملة يتم بدونه، وأن هذا الجار الزائد لا يحتاج إلى
متعلق وأن مجروره له محل من الإعراب غير هذه الكسرة التي جاءت لمناسبة هذا الجار
الزائد. |
|
وإذا كان المعنى الأساسي يتم بدون هذا الجار الزائد
فهذا لا يعني أن دخول هذا الزائد في الكلام كخروجه منه، فهناك المعاني الفرعية
التي تصاحب المعاني الأساسية فترفع الكلام في سلم البلاغة درجات. |
|
شتان
أيتها - الأخت العزيزة
- ما بين {مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}
مع مِنْ وبين (ما لكم زوال) بدونها فالمعنى الأساسي وهو نفي زوال المخاطبين واحد
في الكلاميين، ولكن هناك فرقا بين النفي مع من والنفي بدونها، فالزوال معها منفي
على سبيل العموم والشمول نصا ل يقبل أي احتمال أو تجوز، فليس هناك نوع من أنواع
الزوال لم يشمله هذا النفي، على حين أن نفي الزوال بدون من وإن أفاد العموم
والشمول ليس نصا، واحتمال التجوز فيه قائم. |
|
والحال
التي كان عليها المخاطبون من أنهم لن يبعثوا البتة ولن يتحولوا من هذه الدنيا
إلى الدار الآخرة بأي حال من الأحوال تقتضي ذكر (من) لأن ذكرها يجعل التعبير
مصورا ما كانوا عليه تصويرا دقيقا، ويجعل الكلام مطابقا لما تقتضيه حالهم، وفي
هذا التصوير الدقيق وفي هذه المطابقة التامة تكون البلاغة. |
|
فـ (من) لا يمكن الاستغناء عنها بلاغة، وإن سماها أهل النحو
زائدة. |
|
الشيء
الآخر الذي أحرص على أن أنبهك عليه هو بلاغة التعبير في قوله تعالى {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ
دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} يطلبون أن يردوا إلى الدنيا
وكأنهم نسوا ما كان منهم فيها من تكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، أو كأنهم يريدون
أن ينكروا ما كان منهم من ضلال، فيقول الله سبحانه وتعالى لهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ
مِنْ زَوَالٍ} توبيخا
لهم على ما كان منهم في الدار الدنيا وردا مقرعا على ما يطلبون. |
|
فالحال
التي كان عليها هؤلاء الذين يطلبون العودة إلى الدنيا ليؤمنوا بالرسل بعد أن
كذبوهم تقتضي أن يساق لهم الجواب قويا مؤكدا، لأنهم كانوا بمنزلة المنكرين. |
|
وقد كان الجواب كذلك إذ اشتمل على أسلوبين هما أقوى
الأساليب التي تجعل المعاني تستقر في الأذهان فلا تنسى، وتتلقاها الأنفس على شوق
فتثبت: |
|
أحدها كان في تكرار المسند إليه والمسند، فـ {تَكُونُوا} فيها مسند ومسند إليه و {أَقْسَمْتُمْ} فيها مسند ومسند إليه أيضا، وأنت
إذا أمعنت النظر رأيت أن المسند إليه في الموضعين واحد، وكذلك المسند غير أنه
جاء في تكونوا عاما وجاء في أقسمتم خاصا. |
|
أما
الأسلوب الثاني فأسلوب الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، فـ {تَكُونُوا} تدل على حدث عام مبهم ناقص، ولهذا
العموم والإبهام والنقصان تتطلع نفس المخاطب راغبة وتستشرق لهفى إلى ما عساه
يأتي، فإذا جاء الخبر وهو {أ َقْسَمْتُمْ مِنْ
قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} استقر
في نفس المخاطب وثبت. |
|
وهذه البلاغة التي جاءت في مطابقة الكلام في هذه الآية
لحال المخاطبين لن تجدي شيئا منها في قول قائل: أو لم تقسموا... بحذف (تكونوا). |
|
أختي العزيزة: هل |
|
أختم
هذه الرسالة وفي النفس أشياء كثيرة تتصل بهذه الصيغة كنت أود أن أقولها لك،
ولكني أتركها على حسرة ومضض خشية الإملال. |
|
أسأل
الله تعالى أن يعين على رسالة قادمة نلتقي فيها عما
قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
أختك |
|
همزة الاستفهام |