طباعة

 توثيق النص

 

 

 

من نماذج الدعاة الصالحين

الإمام أحمد بن حنبل

الشيخ أبو بكر الجزائري

رئيس قسم التفسير بالجامعة

 
 

لما كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى علما من أعلام الدعوة الإسلامية جعلناه الحلقة الأولى في السلسلة الثالثة من سلاسل ثلاث لنماذج من الدعاة الصالحين.

 

نسبته: فمن هو الإمام أحمد؟

إنه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال العربي العدناني، إمام الفقه والحديث يكنى بأبي عبد الله الشيباني قدم به أبوه من مرو، حملا في بطن أمه فهو مروزي، وولد ببغداد ونشأ بها فهو بغدادي.

 

الكمال الأحمدي

إننا إذ نستعرض حياة الرجل العظيم إنما نهدف دائما إلى مكان الإئتساء فيها، فلذا لا نعمد غالبا إلى ذكر الكمالات الوهبية في الرجل العظيم، لأنها محض هبة الله لمن يشاء من عباده، وإنما نعرض للكمالات النفسية الكسبية إذ هي محط الإئتساب ومجال الاقتداء وهكذا فعلنا في استعراضنا لحياة من قدمنا من نماذج الدعاة الصالحين. وكذلك نفعل مع من سنذكر في هذه السلسلة الأخيرة، فلا نستعرض من حياة الداعية المثالي إلا ما كان فيه مجال للقدوة والائتساء وذلك كالعلم والجد في طلبه، والحلم والتفوق فيه، كالورع والزهد، والصبر والثبات والكرم والسخاء والصدق والوفاء.

ومن الكمال الأحمدي الذي نستعرضه طلبا للأسوة فيه: العلم وقوة الحجة فيه والورع والزهد والصبر على المكاره، والثبات على المبدأ، والربانية التي هي أهم الكمالات النفسية.

 

علمه وقوة حجته فيه:

وعن علم الإمام أحمد نقول: إن أبا عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني قد طلب العلم طلبا عاديا فلم يطلب الحديث ولم يجلس بين يدي رجاله إلا بعد أن بلغ السادسة عشرة من عمره كما ذكر ذلك غير واحد من المؤرخين له. غير أنه فارق دياره ورحل في طلب الحديث والفقه في فجاج البلاد طولا وعرضا، ورحل إلى اليمن ماشيا على قدميه، لقلة ذات يديه. وأقام بها زهاء العامين يطلب الحديث من رجالها كعبد الرزاق صاحب المصنف ونالته في ذلك مشقة كبيرة ظهرت على جسمه وصحته العامة ولما وصل مكة وقيل له أجهدت نفسك يا أبا عبد الله قال رحمه الله: ما أهون المشقة فيما استفدنا من عبد الرزاق كتبنا عنه حديث الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. كما روى الحديث عن يحي بن معين وإسحاق بن راهوية، والشافعي رحمهم الله تعالى. وقد دعاه إلى زيارة مصر فلم يقدر لعجزه المادي. ولما التقى به في رحلته الثانية إلى بغداد قال له: يا أبا عبد الله إذا صح الحديث عندك فأعلمني به أذهب إليه حجازيا كان أو شاميا، أو عراقيا أو يمنيا. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: إن في قول الشافعي هذا لأحمد لإجلالا كثيرا وشهادة في العلم عظيمة.

وحسب الإمام شهادة مسنده الذي خرجه من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف وجمع فيه من الحديث ما كاد يحوي الكتب الستة إلا قليلا، وقال ولده عبد الله كان أبي يحفظ ألف ألف حديث أي مليون حديث.

وهاهي ذي شهادات العلماء له بالعلم والسعة فيه، والفضل والكمال لديه قال الإمام الشافعي خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل.

وقال البخاري لما ضُرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة.

وقال أبو عمر النحاس وقد ذكر أحمد يوما في الدين: ما كان أبصره وعن الدنيا ما كان أصبره! وفي الزهد ما كان أخيره! وبالصالحين ما كان ألحقه وبالماضين ما كان أشبهه! عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها!

وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان. وقال يحي بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط كان محدثا وكان حافظا، وكان عالما ورعا، وكان زاهدا وكان عاقلا.

وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه. يعني أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى أجمعين.

 

أما عن قوة حجته في علمه:

فحسبنا للكشف عنها وإثباتها أن نورد بعض ما كان يرد به على أسئلة المبتدعة المبطلين من المعتزلة المارقين في مجلس الامتحان أيام المحنة.

قال المعتصم ناظره يا عبد الرحمن كلمه فقال عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فأبى أن يجيب ويسأل عبد الرحمن قائلا ما تقول في علم الله؟ فلم يجب عبد الرحمن المعتزلي، فيقول أحمد: إن القرآن من عند الله فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن علم الله مخلوق، ومن قال بذلك فقد كفر..... فقال المعتزلي: إن الله كان في الأزل ولم يكن معه القرآن.

فيقول أحمد: لقد قلت إن القرآن من علم الله، فإذا قال قائل كان الله ولا قرآن معه فكأنه قال: كان الله ولا علم له.

المعتزلي: هو ضال مبتدع يا أمير المؤمنين.

الإمام: يا أمير المؤمنين يأتوني بآية من كتاب الله أو بسنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبهم إليها

المعتزلي: فأنت لا تقول إلا ما في كتاب الله وسنة رسوله؟

الإمام أحمد: وهل يقوم الإسلام إلا بهما.

المعتزلي: إن الله يقول {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} والقرآن شيء فهو إذا مخلوق!

الإمام: إن هذه الآية عامة أريد بها الخصوص لا العموم كقوله تعالى عن الريح التي أهلك بها قوم هود: { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} فهل دمرت كل شيء حقا، أو أنها لم تدمر إلا ما أراد الله..

المعتزلي: ويقول إن الله تعالى يقول: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} فهل يكون محدثا إلا المخلوق؟

الإمام: إن الذكر هو في القرآن جاء في قوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} فهو هنا معرف بالألف واللام، وفي الآية الأولى بدون الألف واللام فهذه غير تلك.

المعتزلي: إن عمران بن معين يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله "إن الله خلق الذكر.." وفي ذلك تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم بأن القرآن مخلوق.

الإمام: أخطأت فالرواية التي رويناها عن عمران وغيره من ثقلت أهل الحديث هي "أن الله كتب الذكر"

المعتزلي: أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء هو أحب إليه من كلامه!"

أحمد: بلى، فلا روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المعتزلي: إن فيه دليل على أن القرآن مخلوق!

أحمد: لست أجد فيه هذا الدليل!

المعتزلي: إذا قرأت القرآن لتتقرب به إلى الله تعالى أليست كلمات مؤلفة من حروف وأصوات، وهل يتألف من حروف وأصوات إلا الكلام المخلوق فهل نجد لك مفرا بعد إذ أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتقرب إلى الله بتلك الألفاظ إلا أن تسلم بأن القرآن مخلوق!

الإمام: القرآن كلام الله قديم غير مخلوق، وأما أفعالنا فيه إذا كتبناه أو تلفظنا به فهي مخلوقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول زينوا القرآن بأصواتكم، فالقرآن إذا غير أصواتنا المخلوقة التي نزينه بها. الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ.

المعتزلي: إن تشبثك بأن القرآن كلام الله غير مخلوق معناه أنك تنسب إلى الله تعالى جوارح يتكلم بها كالمخلوقين وتشبيه الخالق بالمخلقات كفر!

الإمام: هو أحد صمد لم يلد ولم يولد، لا عدل له ولا شبيه وهو كما وصف نفسه. حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة، وثلاثة عشرة كلمة فكان الكلام من الله والاستماع من موسى، فقال موسى أي رب أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال الله تعالى يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك"، فهذا ما يخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه، وأنا ما أقول إلا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المعتزلي: كذبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أحمد: إن يك هذا كذبا مني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}.

وقال: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} فهو قول منه وليس خلقا من خلال هذا الحوار الذي دار بين المعتزلة الخصوم، تتجلى لنا حقيقة أن أحمد بن حنبل كان قوي الحجة وذلك ما رمناه من عرض هذا الجزء من المناظرة التي دامت أياما بين الإمام وخصومه وانتصر فيها حقه على باطلهم.

 

زهده وورعه:

إن الزهد لتقليل الدنيا زهي قليلة، واحتقارها وهي حقيرة ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة لما سقى الكافر منها جرعة ماء، والرغبة عنها إلى الآخرة إيمانا بها وبخيراتها ودوامها والآخرة خير وأبقى. كما أن الورع هو الكف عن شهواتها وترك محرماتها والتقلل من مباحاتها، والبعد عن متشابهاتها طلبا للسلامة منها حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس.

وبناء على هذا فإن الزهد والورع كل منهما صفة كمال في الإنسان المسلم وهما سلم إلى درجات الفضل والكمال والتفاوت بينها عظيم جدا، ومن هنا لم يكن أهل الورع والزهد في درجة واحدة بل بينهما من التفاضل ما الله بع عليم وهذا الإمام أحمد بين أهل الزهد والورع، يعتبر مثالا عاليا، وقدوة صالحة فلم يسبقه في هذا المجال أحد، ولم يلحقه آخر، والروايات التالية وهي صحيحة السند إلى الإمام أحمد أخرجها البيهقي ورواها عنه ابن كثير في بدايته تثبت الحقيقة وتؤكدها.

ولنكتف في باب الورع بروايتين منها فقط:

الأولى: قال يوما الإمام الشافعي لهارون رشيد: يا أمير المؤمنين إن اليمن يحتاج إلى قاض، فقال له الرشيد اختر رجلا نوله إياه. فقال الشافعي لأحمد وكان يتردد عليه لطلب العلم: ألا تقبل قضاء اليمن يا أحمد؟ فقال أحمد: إنما أنا اختلف إليك لطلب العلم المزهد في الدنيا، فتأمرني أن آتي القضاء، ولولا العلم لما كلمتك بعد اليوم!!!

فاستحي منه الشافعي وسكت.

إن رغبة أحمد عن الولاية وهي مما يتسابق الناس إليه ويتنافسون في الحصول عليه، بل مما يتقاتلون على طلبه والظفر به لم تكن إلا ورعا منه، إذ طلب الولاية طلب مباح، ولكن تركها أحمد وهي لا بأس بها خشية الوقوع فيما به بأس.

والثانية: أنه جاع ثلاثة أيام لقلة ذات يده فاستقرض دقيقا من أحد إخوانه ولما وصل إلى أهله عرفوا حاجته إليه فأسرعوا في خبزه وإنضاجه ووجدوا تنور لولده صالح مسجورا فأنضجوا قرص الخبز فيه، فلما قدم إلى أحمد وكأنه لاحظ سرعة تقديم الخبز له فسألهم فأخبروه أنهم طبخوه في تنور صالح ولده وكان صالح يتقاضى راتبا من الدولة فامتنع من أكله وواصل جوعه من ورعه. فأي ورع أعظم من هذا الورع؟ أمن أجل أن ولده يأخذ الجوائز المالية من السلطان يمتنع من أكل خبز يطبخ في تنوره المسجور، وهو ولده والولد وماله لوالده؟ فضرب أحمد بهذا رقما قياسيا في الورع لا يمكن أن يناله أحد سواه.

أما عن زهده رحمه الله تعالى فحدث ولا حرج قال أبو داود رحمه الله تعالى كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا وما رأيت أحمد ذكر الدنيا قط.

ولم يكن هذا منه رحمه الله تعالى إلا احتقارا للدنيا وعدم التفات إليها وذلك لقلتها وسرعة زوالها وهذا هو الزهد في الدنيا.....

وحكى ولده عبد الله رحمهما الله تعالى معا فقال كنا في زمن الواثق الخليفة العباسي في ضيق شديد فكتب أحد الصالحين إلى أبي -لا شك أنه سمع بحاجة أحمد وما هو فيه من ضيق- كتب إليه: إن عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي، وليست صدقة ولا زكاة، فإن رأيت أن تقبلها أبعثها لك: فامتنع أحمد من قبولها، فكرر عليه الرجل قبولها فأبى أن يقبلها ورضي بحاجته وما به من خصاصة. وعرض عليه أحد التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلها باسمه فأبى أن يقبلها، ورد عليه قائلا: نحن في كفاية وأنت جزاك الله عن قصدك خيرا. كما عرض عليه شيخه عبد الرزاق باليمن يوما ملء كفه دنانير وهو في أمس الحاجة إليها لنفاد ماله وانقطاعه عن بلده فلم يقبلها.

وأعظم من هذه وسابقتها أنه سرقت ثيابه باليمن فجلس في بيته ورد عليه الباب، ووفده أصحابه فجاءوا إليه فسألوه فعرضوا عليه ذهبا فلم يقبله ولم يأخذ منهم إلا دينارا واحدا، ليكتب لهم به، فكتب لهم مقابله فكان أخذه منهم بأجرة عمل. ولم يكن بإحسان.

 

صبره على المكاره وثباته على المبدأ:

إن كان الصبر هو حبس النفس على الطاعة بحيث لا تتركها في سراء ولا ضراء وحبسها عن المعصية فلا تغريها في يسر ولا عسر وحبسها على البلاء فلا تضجر ولا تجزع فإن الإمام أحمد كان بذلك إمام الصابرين، وقدوتهم بحق فقد صبر في مواطن الصبر كلها فلم يضعف ولم يهن بحال من الأحوال حتى غدا صبره في محنته مضرب الأمثال وأعني بمحنته تلك التي امتحن فيها ببدعة القول بخلق القرآن حيث أن الخليفة المأمون العباسي كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق –كما قال ابن كثير وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله تعالى، واتفق أن خرج إلى غزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد وهو إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى هذه البدعة، فلما وصل الكتاب إليه قام فاستدعى أئمة الحديث ودعاهم إلى هذا الباطل فامتنعوا فهددهم بالضرب وقطع الرواتب والأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر على الامتناع أحمد ابن حنبل وآخر يقال له محمد بن نوح فحملهما على بعير وسيرا إلى الخليفة، حيث أمر بهما، وكان ببلاد الرحبة جاءها رجل من الأعراب يقال له جابر بن عامر فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، ,وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت عليه فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدا. قال أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي.

ولما اقتربا من جيش الخليفة ونزلا بمرحلة دونه جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول يعز عليه أن أقول لك يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفه، وهو يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بسيفه. فحنى أحمد على ركبته، ورفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤذته فما كان آخر الليل خرج الصريخ ينعي موت المأمون. ولم تكد تنفرج حتى ولى الخلافة المعتصم والتف حوله غلاة المعتزلة وشحنوه بالباطل وكان أشد على أهل السنة من المأمون، فردا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى ومات ابن نوح في الطريق وأودع أحمد السجن مدة ثمانية وعشرين شهرا قضاها والقيد في رجليه لم ينزع عنهما فكان يصلي إماما بأهل السجن والقيد في رجليه رحمه الله تعالى. ولما تمت هذه المدة أحضر أحمد أمام الخليفة وليسأل ويضرب ويطلب إليه القول بالبدعة فيرفض ويعذب، حتى مل سائلوه ومعذبوه.

وضج من هول العذاب من حوله من السامعين والمتفرجين، والإمام صابر ثابت يقرع الحجة بالحجة، ويدفع ضجة الباطل ويعلو الحق. حتى كتب الله له وفاز بلقب بطل المحنة وإمام الثبات والصبر.

وهكذا صبر أحمد وثبت على مبدأ الحق فلم يبدل ولم يغير فكان مثال الكمال في الصبر والثبات على المبدأ فرحمه الله رحمة واسعة وخلد ذكراه، وجعل الجنة مثواه.

 

ربانيته ووفاته: وأخيرا ربانيته ووفاته..

إن ربانية أحمد وهي قوة صلته بربه تعالى ونسبته إليه ولصوقه بجنانه تعالى حتى ما كان يعرف إلا به تعالى فيبلغ القول فيها إنها كانت ربانية قائمة على التوحيد الخالص، والعلم اليقين الكامل، والزهد لا فيما عند الله، والفقر إلا إلى الله. ولتجلي هذه الربانية القوية نورد طرفا من موجز كلامه وآخر من مظاهر كماله فنقول:

لما حمل أحمد من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم أتوه بسويق ليفطر من الضعف الذي أصابه فامتنع وأتم صومه، وحين حضرت الصلاة صلى معهم فقيل له صليت في دمك، فقال صلى عمر وجرحه ينصب دما، ولما أقيم ليضرب السياط انقطعت تكة سراويله فخشي أن تنكشف عورته فحرك شفتيه بالدعاء، فعادت سراويله كما كانت، وما حرك به شفتيه هو قوله: يا غياث المستغيثين يا إله العالمين إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة. وقيل له يوما ادع الله تعالى لنا فقال اللهم إنك تعلم أنك على أكثر مما نحب فاجعلنا على ما تحب دائما وسكت. فقيل له زدنا فقال اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض إيتيا طوعا أو كرها فقالتا أتينا طائعين اللهم وفقنا لمرضاتك. اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك. اللهم لا تكثر فنطغى، ولا تقل علينا فنسيء، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغا لنا في دنيانا، وغنى من فضلك.

وقال صالح ولده كان أبي لا يدع أحدا يسقي له الماء ليتوضأ رمى بالدلو فخرج ملآن فقال الحمد لله، فقلت له يا أبت ما الفائدة بذلك؟ فقال يا بني أما سمعت قول الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}.

وعن مظاهر كماله نقول:

لما انكشفت الغمة وزالت المحنة وولى أمر المسلمين المتوكل على الله وكان سلفيا يحب أهل السنة والجماعة بعث بصرة للإمام أحمد فلم يقبلها فأصر الخليفة إلا أن يقبلها وأصر أحمد على عدم قبولها جعلها الخليفة في ولده وأهله. فقال أحمد لولده وأهله يلومهم: إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا وقد نزل بنا الموت فإما إلى الجنة وإما على النار، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء. !!! فاحتجوا عليه بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر: "ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه " وابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان، فقال: وما هذا وذاك سواء، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال.

ولما علم المتوكل ببراءة أحمد مما نسب إليه حيث وشى به الواشون فحوصر بيته ليلا وفتشته تفتيشا دقيقا عما يثبت ولاءه للعلويين وتواطؤه معهم بعث إليه الخليفة مع أحد حجابه بعشرة آلاف درهم، وقال هو يقرئك السلام ويقول لك استنفق هذه فامتنع من قبولها. فوضعها عنده ثم ذهب، فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبني عمه وعياله، وقال لم أنم الليلة من هذا المال، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ولما أصبحوا فرقوها كلها حتى الكيس الذي كانت به تصدق به ولم يعط منها أهله وأولاده شيئا وهم في غاية الجهد والفاقة والفقر وهكذا تجلت ربانية أحمد وصدقه فيها فكان بذلك إماما وقدوة فيها وفي غيرها من سائر الكمالات النفسية.

وعن وفاته نقول: مرض أحمد متى صح ذلك الجسم الذي أضناه الصيام وأقعده القيام. مرض مرضه الذي توفى فيه في أوائل شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، قال ابنه صالح دخلت على والدي يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف فقلت له يا أبت ما كان غداؤك قال ماء الباقلا. وأقبل الناس الأفاضل على عيادته، وتوافد الأكارم على بيته، فكتب رحمه الله تعالى  وصيته، وكان يئن في مرضه، ولما بلغه عن طاووس كراهة الأنين تركه حتى كانت ليلة وفاته وهي ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول. ومن غريب ما حدث له في تلك الليلة أنه سمع وهو يقول لا، بعد، لا، بعد، فقال له ابنه صالح ما هذه اللفظة التي تلهج بها؟ فقال إن الشيطان واقف بزاوية البيت وهو عاض على إصبعه ويقول فتنى يا أحمد، فأقول لا، بعد، لا، بعد. ولما دنا الأجل قال لأهله وضئني وخللوا أصابعي فوضئوه ولما فرغوا من وضوئه فاضت روحه وهو يذكر الله تعالى. فإلى رحمة الله يا أسوة الصالحين وقدوة الزهاد والورعين، والسلام عليك في الأولين والآخرين.