|
|
|
مشروع "اقرأ":
لتعليم اللغة العربية عن طريق القرآن |
|
للشيخ أحمد فؤاد البشبيشي |
|
خبير التعليم بالجامعة |
|
|
|
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على نبيه الكريم محمد بن عبد الله النبي الأمي العربي وعلى آله وصحبه
ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد: |
|
فإن أول ما نزل من القرآن
الكريم قول الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الَّذِي خَلَقَ, اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ,
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الأِنْسَانَ
مَا لَمْ يَعْلَمْ}. |
|
وفي الأيام الأولى لنزول الكتاب الكريم كان نزول آيات {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فالأمر
القرآني الأول أمر بالقراءة. |
|
والأداة الأولى التي ورد ذكرها في الكتاب الكريم هي أداة الكتابة. |
|
والكتابة كما يقول العلماء_
بدأت أولا ثم جاءت القراءة[1]. |
|
ذلك لأن الكتابة
وليدة الحس والرسم، والقراءة وليدة الإدراك والفهم. |
|
والقراءة أشرف من الكتابة لأن سيد البشر كان قارئا ولم يكن كاتبا ولأن القراءة
عملية حسية عقلية يشترك فيها اللسان والعقل والعين فهي إدراك بصري في الغالب ثم
نطق لساني ثم فهم عقلي وربط بعد ذلك. |
|
والكتابة وخصوصا في اللغات القديمة ومنها العربية يرتبط رسمها إلى حد كبير بنطق
الحرف. |
|
والقرآن الكريم من بين الكتب السماوية ومن بين كتب الدنيا كلها هو الذي جمع بين
الاثنين، فهو قراءة محفوظة في الصدور، وكتابة مسجلة على السطور. |
|
والقرآن مصدر على وزن فُعلان بالضم كالغفران. |
|
وقد جاء استعمال كلمة القرآن بهذا المعنى المصدري قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ،
فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ, ثُمَّ
إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}. |
|
ثم صارت الكلمة علما شخصيا لذلك الكتاب، وهذا هو الاستعمال الأغلب ومنه
قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي
هِيَ أَقْوَمُ}. |
|
وروعي في كونه قرآنا كونه متلوا بالألسن[2]. |
|
كما روعي في تسميته كتابا كونه
مدونا بالأقلام. |
|
فكلتا التسميتين
من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. |
|
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حق القرآن على المسلمين العناية
بحفظه في موضعين السطور والصدور. |
|
فلا ثقة بكتابة كاتب حتى يوافق ما عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
والقراءة ضم الألفاظ بعضها إلى بعض في النطق. |
|
والكتابة ضم الألفاظ بعضها إلى بعض في الخط، فمادة (ك ت ب) ومادة (ق ر أ) تدوران
على معنى الجمع والضم. |
|
ولقد خلد القرآن الكريم اللغة
العربية وخدمها وهو سبب بقائها وانتشارها. |
|
فمن ناحية التطوير:
|
|
كان الخط أو الكتابة المعروفة
وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هي كتابة أهل الحيرة، ولقد تعلمت قريش هذه
الكتابة، وأول من نقلها سفيان بن أمية أو أخوه حرب بن أمية، وقد تطور الخط في
صدر الإسلام إلى خط الجزم، ثم تطور مرة ثانية إلى الخط الإسلامي وهو ما يسمى
بالخط الكوفي. |
|
والخط الكوفي تأثر بالكتابة
السريانية، فحروف الكتابتين متشابهة، والحروف المفصولة في العربية هي نفسها
الحروف المفصولة في السريانية، وهي حروف الراء والواو والألف والدال، وكذلك
يتشابهان في حذف الألف في لفظتي هذا وهؤلاء. |
|
والكتابة في المدينة المنورة لم
تتأخر في الظهور فيما عنها في مكة، فقد قيل إن يهوديا كان يعلم الصبيان الكتابة،
وكان هؤلاء الصبيان هم كتبة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم سعيد بن
زرارة، والمنذر بن عمرو، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت،
ورافع بن مالك، وأسيد بن حظير،
ومعن بن عدي، وأبو عيد بن كثير، وبشير بن سعيد
وغيرهم. |
|
وقد دخل الإسلام -كما يقول البلاذري- وفي قريش سبعة عشر رجلا يكتبون هم:
عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة عامر بن الجراح،
وطلحة بن عبيد الله، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة
بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو، وأبو سلمة بن الأسد
المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص، وخالد بن سعيد،
وعبد الله سعد بن أبي سرح، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان ومعاوية، وجهيم
بن الصلت رضي الله عنهم أجمعين. |
|
أما النساء اللائى
كن يكتبن فهن: |
|
شفاء بنت عبد العدوية، وهي من رهط عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد تعلمت
منها أم المؤمنين حفصة بنت عمر، وأم كلثوم بنت عتبة، وفروة، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد، أما عائشة أم
المؤمنين رضي الله عنها فكانت تقرأ المصحف ولا تكتب وكذا أم سلمة. |
|
ولقد كان كتاب الوحي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم اثنين وأربعين كاتبا. |
|
وكان أكثرهم في سن الشباب
وكانوا يختارون من بين أجود الكتبة خطا وكتابة وكان لهم دور عظيم في النقل
والرواية عن الرسول الكريم قرآنا وحديثا وتشريعا، كما كان لهم الدور الأول في
جمع المصحف وكتابة المصحف الإمام أيام عثمان رضي الله عنه كما كان لهم دور في
نقل العلم وتأسيس مدارسه في مكة والمدينة ثم في غيرها من الأمصار ومن هؤلاء أبيّ
بن كعب كاتب الوحي الجليل رضي الله عنه. |
|
وكلنا يعرف أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قد قبل فداء بعض أسارى بدر لأنفسهم
بأن يعلم كل واحد عشرة من المسلمين. |
|
ولقد تطور المصحف الشريف بالكتابة العربية مما يجعلنا نقول إن الكتابة
إسلامية أولا وهذا التطور قد أخذ الخطوات الآتية: |
|
1_ المصحف الإمام: وهو مصحف
سيدنا عثمان رضي الله عنه ولا زال الرسم المعمول به هو رسم هذا المصحف الإمام
إلى الآن. |
|
2_ الشكل: وهو ضبط الحروف وقد تم على يد أبي الأسود الدؤلي(ت 69). |
|
3_ الإعجام: وهو إعجام الحروف أو نقطها أيام خلافة عبد الملك بن مروان بأمر من الحجاج لنصر بن عاصم (ت 89) ثم جاء يحي بن
يعمر سنة 129 فوضع الإعجام بنفس المداد[3]. |
|
4_ قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بإبدال
نقط الشكل التي وضعها أبو الأسود بجرات علوية
وسفلية دلالة على الفتح والكسر. |
|
والمصحف في كل هذه المراحل هو مركز الدائرة في كل مراحل تطور الكتابة العربية. |
|
ومن ناحية الحفظ والانتشار:
|
|
كان القرآن الكريم هو الدرع
الواقي للغة العربية ويكفي في هذا قول الله تعالى: {إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كما كان
انتشار المسلمين في كل مكان بالقرآن الكريم مكتوبا بأيديهم ومقروءا بألسنتهم ومحفوظا في صدورهم هو الذي ترك الساحة خالية للغة
العربية فسقطت أمامه اليونانية اللاتينية والفارسية في مناطق كثيرة. |
|
ومن ناحية الإثراء والقيمة: |
|
فلا شك أن القرآن الكريم قد أثرى اللغة العربية ثراء عظيما بلغته وبيانه
وتصويره وقصصه مما جعلها لغة تشريع وحضارة خالدة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها. |
|
ولقد تعددت في هذه الأيام أساليب التعلم ووجد ما يسمى بالتعليم الوظيفي وأخذت
به كثير من الدول العربية والإسلامية والذي نعرضه هنا إنما هو البديل للتعليم
الوظيفي.. ليس هذا فقط وإنما الأساس لتعلم اللغة العربية. |
|
تعليم اللغة العربية عن طريق
القرآن الكريم: |
|
والدراسة التي نعرضها بدأناها
باستعراض ما في القرآن الكريم من محصول لغوي . فالمصحف
يجمع بين دفتيه 114 سورة، 6263 آية، 77460 كلمة،
321250 حرفا، 156051 نقطة. |
|
وقد قمنا بحصر الحروف التي في نصف الجزء الأخير من القرآن من أول سورة
الأعلى إلى نهاية سورة الفاتحة وذلك لتداول هذه الآيات وكثرة الحافظين لها وقصر
فقراتها وقد تبين أن هذه السورة عددها 29 سورة وأنها تشتمل على "100"
سطر. |
|
وبعض الحروف كثر تكراره وهي
الحروف التي تتكرر في الكتابة والقراء العادية. |
|
والنوع الأول يحتاج من المعلم بهذه الطريقة والمتعلم بها أن يكثر المران عليها
أكثر من الحروف الأخرى. |
|
وقد وضعنا ذلك كله في جدول يمكن أن نأخذ منه الآتي: |
|
أولا الحروف
المكررة: |
|
أ_ الهمزة
والألف: وقد اعتبر حرفا واحدا وقد تكررتا 503 مرة
والهمزة من الحروف الحلقية وهي تخرج من أقصى الحلق مما يلي الصدر. |
|
ب_ اللام:
وقد تكررت 499 مرة وهي من الحروف اللسانية السهلة لأنها تخرج من أدنى حافتي
اللسان مما يلي طرفه من أصول الثنايا العليا. |
|
ج_ النون: وقد تكررت 298 مرة ومخرجها من تحت مخرج اللام. |
|
د_ الميم: وقد تكررت 272 مرة وهي أسهل الحروف الشفوية نطقا. |
|
ه_ الياء: وقد تكررت 218 مرة وتخرج من وسط اللسان. |
|
و_ الواو: وقد تكررت 201 مرة وهي حرف شفوي تفتح الشفتان قليلا عند خروج الهواء. |
|
ز_ التاء: وقد تكررت 200 مرة وتخرج من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا
العليا. |
|
أما الحروف
قليلة التكرار فهي: |
|
أ_ الظاء: وقد تكررت مرتين فقط وهي حرف لثوي وتخرج من طرف اللسان مع أطراف
الثنايا العليا. |
|
ب_ الزاي: وقد تكررت 23 مرة وتخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا. |
|
ج_ الغين: وقد تكررت 22 مرة وتخرج من أدنى الحلق مما يلي الفم. |
|
د_ الضاد: وقد تكررت 25 مرة وتخرج من حافة اللسان مع ما يليها من الأضراس العليا
من الجهتين اليمنى واليسرى. |
|
ه_ الطاء: وقد تكررت 27 مرة وتخرج من طرف اللسان مع مع
ما يليه من أصول الثنايا العليا. |
|
و_ الشين: وقد تكررت 36 مرة وتخرج من وسط اللسان مع ما يليه من الحنك الأعلى. |
|
ثانيا: لو ألقينا نظرة على التحليل السابق لتبين أن أكثر الحروف استعمالا هي
الهمزة والألف وذلك لسهولة النطق ويسر الكتابة فهي خط رأسي يمثل خط الهواء وهو
يخرج من أقصى الحلق... واللام وهي أكثر الحروف
اللسانية استعمالا لأنها أسهل نطقا وهي حرف ا يزاد عليها قوس في أسفلها
واستعمالاتها في لفظ الجلالة ولفظ التعريف وبداية
الأسماء كثيرة. |
|
والنون مخرجها من نفس مخرج
اللام. |
|
ويمكن تعليل كثرة استعمالات
النون والميم والياء والواو والتاء على أن كثرة هذه الحروف وتعدد مخارجها يتيح للسان والحلق وحركة الهواء والشفتين أن يؤدوا جميعا حركات منسجمة منظمة تتم بها أصوات الكلمات ومن
ثم تعبر الكتابة بقدر الإمكان عن صورة هذه الأصوات. |
|
وهناك حروف قليلة الاستعمال وقد تكون من نفس المخارج السابقة ولكنها من
المواضع الأصعب كالضاد التي تخرج من موضع اللام والزاي التي تخرج من موضع السين. |
|
والحروف المكررة كثيرة هي
الأسهل في الكتابة وعكسها هو الأصعب. |
|
والقاموس القرآني هو أحسن وأعظم وأصح قاموس لغوي يمكن أن يعتمد عليه من يتعلم
القراءة والكتابة بل من يرتقي بأسلوب كتابته إلى الذروة. |
|
لذا فإن المشروع –وإن لم يكن جديدا- يعتمد لحفظ المسلم لمعظم سور نصف الجزء
الأخير وكله قصار سور، وإذا كانت عملية الحفظ متوافرة لدى المتعلم فإنه يستطيع
بتكرار القراءة والكتابة لسورة من السور أن يتعلم كتابة وقراءة أكثر من حرف...
والبسملة وحدها تتكون من 19 حرفا. |
|
4ل 3ا 3م 2ح 2ر ا ب ا س ا ه ا ي 1ن. |
|
وكل حرف من هذه الحروف يتكرر في
مواضعه المختلفة من الكلمة مرة أولها ومرة وسطها ومرة آخرها. |
|
وقد قلنا أن مجموع هذه السور "100"
سطر فلنعد كراسة يتم تدوين سطرين في كل صفحة منها حتى يمكن للمتعلم أن يكتب على
منوالها وأن تبدأ العملية بالحفظ ثم بالتكرار جملة جملة
ثم كلمة كلمة إلى أن نصل إلى كتابة الحرف وحده ثم
عودة إلى الكلمة ثم الجملة. |
|
وإذا كانت فكرة التعليم الوظيفي
من ربط التعليم بالعمل الوظيفي اليومي فإن ربط التعلم بالقرآن الكريم هو ربط
بالحياة اليومية وربط بالإيمان والقيم، وفرق بلا شك بين كلام تلزم الإنسان به
حياته العملية وبين كلام يعين عقله ويحفظه صدره يشرح به صدره ويتعبد به لسانه.
أن أول الطريق خطوة وعلى الله قصد السبيل... |
|
|
|
[1] الموجز في الطرق التربوية للأستاذ محمد عطية الأبرشي. |
|
[2] النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز. |
|
[3] الخط العربي وتاريخه. |