|
|
|
|
كلمة التحرير |
|
|
التطور
العلمي والفكري في مفهوم الإسلام |
|
|
لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد |
|
|
نائب رئيس الجامعة الإسلامية |
|
|
|
|
|
التطور حقيقة واقعة في الكون
منذ خلق الله الأرض وما عليها، والإنسان - وهو الذي استخلفه الله في الأرض - هو
سر الإبداع في هذا التطور فحاجاته لا تنتهي، وتطلعاته لا تقف عند حد، وطموحه
دونه أقصى ما يتصوره العقل البشري. |
|
|
ويصور هذا المعنى الدقيق قول
الشاعر: |
|
|
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا |
وإنّا
لنرجو فوق ذلك مرتقى |
|
لقد بلغ الشاعر شأوا من المجد
وصل به عنان السماء، ولكنه لم يقنع به، بل ظل يبتغي مرتقى
يصعد إليه، وإني لا أشك في أن الشاعر لو علم شيئا أرفع من السماء ما وقف عندها. |
|
|
تلك فطرة الله التي فطر الناس
عليها ولولا ذلك ما عمرت الأرض، ولتوقفت عجلة الحياة
في مكانها لا تريم، ولكنا لا نزال نركب الجمال
والبغال والحمير، ونعيش في العراء نفترش الأرض ونلتحف السماء، ونستتر بأوراق
الأشجار ونلتهم ما نقدر عليه من الوحوش حيا أو ميتا. |
|
|
إن الحياة التي يحياها الناس الآن دليل واضح على مدى التطور التي أحرزته
الإنسانية في عمرها الطويل المديد منذ خلق الله الكون، وإلى أن يرث الأرض ومن
عليها، ذلك لأن الإنسان بخصائصه الذاتية امتداد لآبائه وأجداده، فهو وريثهم
يتلقف ما تركوه له، ولا يقف عنده بل يحاول دائما أن يشارك في تلك المسيرة،
ويدفعها بكل إمكانياته حتى لا تتوقف. |
|
|
إنني موقن بأن الذين ابتكروا كل
ما تتمتع به الإنسانية اليوم من المخترعات لو رأوا ما بلغته مخترعاتهم من التطور
لم يندهشوا، لأنهم عندما اخترعوا ذلك كانوا يؤمنون بأن اختراعهم إن هو إلاّ خطوة
أولى في مشوار طويل لابد أن يبلغ مداه، بل إنني أعتقد أنهم سيكونون مسرورين
عندما يرون المسيرة التي بدءوها لازالت مستمرة على الدرب. |
|
|
وأستطيع بالتالي أن أؤكد هذا
المعنى في كل إبداع إنساني وصلت إليه عبقرية ذلك المخلوق الفذ العجيب ومن هنا
أستطيع أن أقول: إن أي تطور في الحياة خاضع لتطور الإنسان نفسه، فلولا حاجاته
الملحة في الاستطلاع والضرب في الأرض لما اخترع المراكب ولما حاول تطويرها،
ولولا ميله الشديد إلى الظهور في المجتمعات بمظهر حسن لما تفنن في ابتكار
الأزياء وتحسينها، ولولا ولعه القوي بالسكن الهادئ المريح لما أبدع هذا الإبداع
في الفن المعماري، ولولا شعوره بالحاجة الماسة إلى العافية لما عرف الدواء، ولما
طوره هذا التطور العجيب، وهكذا. |
|
|
ولكن لا يزال هناك سؤال ملح لا يفارق عقل الباحث المحقق وهو: ما السر في
اختصاص الإنسان بهذا التطور المطرد؟ ولماذا لم يشاركه غيره من المخلوقات؟ |
|
|
إننا نلاحظ أن حياة الحيوان
والطير حياة رتيبة لم تفارقها منذ خلقت، ولن تفارقها حتى تقوم الساعة، إنها لم
تحاول أن تطور عشها الساذج أو حظيرتها المتواضعة، ولم تتطلع إلى تغيير طريقة
أكلها أو نمط سلوكها سوى ما كان خاضعا لتطوير الإنسان له كتعليمها وتدريبها على
أنواع معينة وفي نطاق ضيق من السلوك وأداء بعض التصرفات، ومع أن هناك من
الحيوانات والطيور تميزت بنوع خاص من الذكاء إلا أنها لم تستطع استغلال هذا
الذكاء إلا في محاولات يسيرة من تقليد الإنسان ذاته في بعض تصرفاته. |
|
|
أما الإنسان فإنه كل يوم في جديد يبدع ويبتكر، ويطور ويحسن وكلما وصل إلى
غاية تطلع إلى ما فوقها دون أن يحده حد. |
|
|
|
|
|
التطور
من خلال المفهوم الإسلامي: |
|
|
والتطور من خلال المفهوم الإسلامي هو كل
تقدم سليم يحرزه الإنسان، ويحقق مصلحة للجنس البشري، سواء كان ذلك تقدما فكريا
كالثقافات المختلفة التي تنير للناس طريقهم نحو مجتمع زاخر بالفضائل والمكرمات،
أم كان تقدما ماديا كالمخترعات بأنواعها المختلفة. |
|
|
أما تلك الفوضى التي عمّت المجتمعات باسم التقدم والحرية، وهذه الابتكارات
التي زودت الناس بوسائل القطيعة والتكبر، ومكنتهم من التنابز المقيت، ووضعت بين
أيديهم أسباب الدمار والفناء فالإسلام لا يعتبر شيئا منها تطورا حقيقيا ولو أتى
بالعجب العجاب. |
|
|
إن الإسلام لا ينظر إلى التقدم
العلمي في مصعد التفوق الحضاري من حيث هو تقدم علمي أو تفوق حضاري، ولكنه ينظر
إليه من خلال عوائده على الإنسانية في بيئاتها المختلفة، وظروفها المتباينة،
وأوضاعها المتفاوتة، فبقدر ما يحقق العلم للبشرية من الفوائد يحظى من الإسلام
بالتأييد والمؤازرة. |
|
|
والإسلام ينبذ الأنانية
والعنصرية لأنه دين البشرية كلها شاء الناس أم أبوا، لأن الله سبحانه قد أمر
الناس جميعا بالدخول فيه، فالرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قد أُرسل
إلى الناس كافة. |
|
|
ولهذا فإنه ينشد السعادة
والفائدة لكل الناس في الحقوق العامة لا فرق فيها بين عربي وعجمي ولا أبيض ولا
أسود، ولا فقير ولا غني، ولا مسلم ولا غير مسلم، ولكن الذين يرفضون الإسلام
ويتأبون عليه قد حرموا أنفسهم من نصيبهم من تلك السعادة، وليس الذنب في ذلك إلا
ذنب الذين يرفضون الإسلام، ولا يتخذونه منهج حياة. |
|
|
إن الإسلام قد أقام حضارته على
مبادئ سامية وأواصر وثيقة، وجعل من أهم هذه المبادئ: المساواة، فالناس جميعا ولد
آدم، وجميعهم أبناء حواء، فهم إذا اخوة لا يتفاخرون
بنسب ولا عرق، وكيف وأبوهم واحد وأمهم واحدة،؟ ولا يتفاضلون بقومية ولا وطنية لأنهم يعيشون على أرض واحدة. |
|
|
وبهذا قطع الإسلام كل أسباب
التفاخر بين الناس، وأغلق باب التفاضل بما لا دخل لهم فيه، وفتح بابا واحدا يمكن
للناس كل الناس التنافس فيه بالجهد الشخصي، والتفوق الذاتي وهو باب العمل الصالح
وإفراغ الطاقة في البر والتقوى بكل ما تتسع له الكلمة من
المعاني، وعلى هذا فالعمل الذي يعم نفعه المجتمع أو أكبر قدر منه هو أعظم من
الأعمال القاصرة على الشخص نفسه؟ وأضخمها في ميزان المجتمع المسلم، ومن هنا كان
حث الإسلام على التعاون، ودعوته إلى الاجتماع، وعلى هذا المعنى الرائع يدل قوله:
"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل
الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"[1]. |
|
|
ويوضح هذا المعنى كذلك قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان الذي يروى عنه: "المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما
الأخرى". |
|
|
|
|
|
الدافع والتطور: |
|
|
والتطور نتيجة حتمية للدوافع
التي تحفز الإنسان إلى التطلع للأكمل والأرفع وهذه الدوافع سواء كانت ذاتية
منبعثة من داخل النفس الإنسانية أم كانت خارجية كالحوافز المادية والمعنوية كلها
ذات أثر بالغ في التطوير سواء كان في المخترعات أم في الفكر والسلوك أم في
أساليب الحياة وأنماطها. |
|
|
والإيمان بالله من أعظم الدوافع التي تدعو إلى التطور وذلك لأن المؤمن يعتقد بأن
وعد الله حق، وأن أجله محدود، ورزقه مضمون، وهو مطالب بالعمل حتى يفارق هذه
الحياة. |
|
|
لهذا فهو مقدام لا يهاب المغامرات متى كان ذلك مطلوبا شرعا، كريم لا يخشى
الفقر، مجِدٌ لا يعرف الملل وتلك هي المواصفات التي تدعو إلى الابتكار والتطوير
والإبداع. |
|
|
فالشجاع المقدام لا يهاب الفشل،
والكريم المعطاء يبذل في سبيل تحقيق آماله، والمجد الدؤوب
لا يمل من الدأب حتى يصل إلى مرامه أو يهلك دونه وقديما قيل: |
|
|
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته |
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا |
|
إن المؤمن إذا سمع قول الرسول
صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت القيامة وفي يد
أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها قبل أن تقوم القيامة فليغرسها"،
لا يسعه إلا أن يواصل العمل ليل نهار، ويبذل جهده صباح مساء، وكيف لا ونتيجة هذا
السعي ستعرض على الله، وثمار هذا البذل ستكون في كفة حسناته يوم يلقى الله وكيف
لا والأمر الرباني الكريم يلاحقه في كل حين. {
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(التوبة/105). |
|
|
والرسول صلى الله عليه وسلم
يحرص على الاحتراف واتخاذ المهنة، "ما أكل أحد
طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"[2]. |
|
|
ولما سمع الخليفة الثالث -
عثمان بن عفان - قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من
بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة"[3] فهم من ذلك تحسين البناء
وتطويره حتى يكون بيته في الجنة بقدر تحسينه للمسجد وإتقانه، ومن هنا بني المسجد
بالحجارة المنقوشة، وجعل أعمدته من الحجارة بدلا من جذور النخل، وسقفه بالساج بعد الجريد، وجصصه،
وأحكمه. |
|
|
إن الدوافع التي حدت بعثمان أن
يفعل ذلك على غير سابقة دوافع ذاتية، ألم ترى أنه أراد أن يكون بيته في الجنة
على غرار بناء المسجد وإتقانه، إن رغبته فيما عند الله، وإيثاره الآخرة على
الدنيا هما الدافعان الحقيقيان لهذا التطوير والتجديد. |
|
|
وعثمان_رضي الله عنه_ وإن تعرض
بسبب ذلك للنقد والقيل والقال، إلا أن هدفه كان أسمى
من أن يحجزه عنه نقد أو اعتراض، فالدافع هنا هو سبب ذلك الإبداع في البناء،
وتطلع عثمان_رضي الله عنه_ إلى ما عند الله كان القوة الدافعة التي جعلته يستهين
بعقبات الدنيا مهما كان حجمها، ومهما كانت عواقبها. |
|
|
والغرائز التي أودعها الله في الإنسان تأتي في الدرجة الثانية من دوافع التطوير
والإنتاج. فحب التملك، والرغبة في الاستطلاع، وغريزة
المنافسة، كل ألئك دوافع حقيقية ينبعث عنها أروع آيات التجديد والابتكار. |
|
|
فغريزة التملك تدعو إلى
الاقتناء والحرص، وحب الاستطلاع يكشف الجوانب الخفية للإنسان، وغريزة المنافسة
تؤدي إلى التطوير والإبداع، وتطلع النفس إلى الأحسن والأكمل يجعله لا يقف عند
حد، بل يظل يطور ويجدد، ويبدع ويبتكر ما دام حيا. |
|
|
ويدخل في هذه الغرائز الخبرات
التي يستفيدها الإنسان من ممارسته لعمل ما فاكتساب
الخبرات يجعل المرء يعيد النظر في كل ما حوله، ويعالجة
في ضوء الخبرات المستجدة في حياته، ليتجنب المضار، ويكتسب المنافع وليصل إلى
أرقى ما وصل إليه العقل البشري. |
|
|
وللمسلمين في ذلك قصب السبق،
فإنهم لما أنشئوا المدن كالبصرة والكوفة والفسطاط وواسط
والقيروان وغيرها، ورأوا أن ذلك أخف حملا، وأقل مؤونة
ولكن النار داهمتهم فأكلت بيوتهم، فلم تبق ولم تذر، فبنوا باللبن والقصب، حتى
عرفوا الحجارة فبنوا بها. |
|
|
وأسسوا بيوتهم على نظام الطابق
الواحد، ثم دعت الحاجة إلى تعدد الطبقات، فرفعوا إلى الثلاث. |
|
|
وكان البناء ساذجا بغير تخطيط،
فرأوا في النقوش والزخرفة زينة يجمل أن تتحلى بها البيوت فتفننوا في ذلك
وأبدعوا، وأزالوا الأزقة الضيقة، وخططوا الشوارع والميادين وحددوا أماكن الأسواق
والحمامات والمرافق العامة، وظل التطوير شأن المسلمين حتى وصلوا إلى إنشاء
المجاري لتصريف المياه الزائدة وغير المستفاد منها، وبنوا الجسور ومهدوا الطرق. |
|
|
وهناك أمر هام ينبغي ألا يغفله
الباحث، وهو دور الأخلاق والقيم في التطور والبناء، وهذا ولا شك أمر حيوي يجب أن
يحظى بالعناية والتقدير من الباحثين والمفكرين، فالناس إنما يخططون ويبتكرون
حسبما يطبعون عليه من الأخلاق أو التفسخ، وما يعتنقونه من الفضائل أو الرذائل. |
|
|
وإنه مما لاشك فيه أن الفضائل
والأخلاق الكريمة تتجه بصاحبها إلى ما يتعارض كلية مع اتجاه التفسخ والرذائل،
فلكل من الفريقين اتجاه يعمل جاهدا من الوصول إليه، فالوقار واحترام مشاعر
الآخرين، وغض البصر والاهتمام براحة الجيران، والتعاون القائم على أساس المحبة
والعدالة، كل ذلك يستدعي نمطا معينا يؤدي إلى تحقيق المراد، وبالعكس من يتصف بضد
تلك الأخلاق. |
|
|
ومن هنا كان للاستقامة أثر
إيجابي في مضمار التطور إلى الأفضل من الأعمال، ذلك لأن الاستقامة في مفهوم
الإسلام هي الاعتدال في كل الأمور أو هي التوسط بين طرفي النقيض بحيث لا يميل
صاحبها إلى الإفراط أو التفريط، ولا إلى الإسراف أو التقتير، ولا إلى التهور أو
الجبن ولا إلى التفسخ أو الرهبة، ولهذا كانت الاستقامة دافعا إلى البحث عن
الأفضل من الأقوال والأعمال، فهي إذا دافع إلى التطوير والتشييد. وبقدر ما تكون
تلك الدوافع الذاتية المنبعثة من النفس البشرية عوامل مهمة ومؤثرة على التطور
الإنساني، وبقدر ما يكون الإبداع في التطور والرقي ناجما عن تلك الدوافع يكون
الإنسان سعيدا متمتعا بكل مباهج الحياة، آخذا من متاعها الحلال الطيب بقدر ما
يحتاج. { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ }(لأعراف:
من الآية32). |
|
|
وليست الدوافع الخارجية بنوعيها
المادي والأدبي بأقل تأثيرا في عملية التطوير في حياة الناس من الدوافع الذاتية،
بل لها من الأثر في التطوير والإنتاج ما يضعها مع الدوافع الذاتية في صف واحد،
فمنح الجوائز للمبتكرين، وتقدير الأمة لأبنائها المبرزين من الدوافع الحقيقية
التي لا ينبغي إغفالها أو السكوت عنها، بل يجب إبرازها كعوامل لها خصائصها في
تطوير الحياة وتقدمها. |
|
|
ومن أجل هذا، وتقديرا لأثر تلك
الدوافع الخارجية رصدت الأمم الجوائز المادية والأدبية فجائزة نوبل وجائزة الملك
فيصل - رحمه الله - وغيرهما من الجوائز قد أثمرت وآتت
أكلها، ولها من الفوائد والنفع على العالم ما نلمس فوائده في المجالات التي رصدت
لها. |
|
|
وكلمة أخيرة في الموضوع يجب ألا
تنسى: تلك هي: أن التطور لا يختص بمجال الاختراع والإبداع، في الجانب العملي من
حياة الإنسان، ولكنه ينساق إلى مجالات شتى وغير محصورة في إطار مهما اتسع ذلك
الإطار. |
|
|
فهناك التطور الفكري الذي يلمسه
الإنسان في نفسه وفي غيره عندما ينتقل من بيئة قروية أو بدوية إلى بيئة حضارية،
وما قصة علي بن الجهم مع الخليفة العباسي مما يغيب على الذهن، فالشاعر_علي بن
الجهم_ قد جاء من البادية، ووقف أمام الخليفة ليمدحه فقال: |
|
|
أنت كالكلب في الحفاظ على
الود |
وكالتيس
في قراع الخطوب |
|
وكان الخليفة فطنا أريبا حين
سمع ذلك، فأدرك أن ذلك القول لا يزيد عن انعكاسات خلفتها البيئة في نفس الشاعر،
فأمر بإقامته في قصر منيف تحيط به الحدائق الغناء والزهور الباسمة وترك الشاعر
فترة في ذلك العيش الرغد، والحياة البهجة، ثم جئ به لينشد الخليفة بعض شعره
فأنشد: |
|
|
عيون المهابين الرصافة والجسر |
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري |
|
|
|
|
فأين هذا من ذاك، وأين
الثرى من الثريا؟ |
|
|
وهناك تطور آخر في السلوك،
فكثيرا ما ينشأ الإنسان في بيئة زراعية أو صناعية فيتأثر بسلوك معين تمليه عليه
طبيعة البيئة التي نشأ فيها، فإذا انتقل من هذه البيئة إلى بيئة علمية مثلا،
وترك معاملة الشجر والزرع، ومرافقة الطيور والضرع، وودع حياة المصنع والمعمل أخذ
يتهذب سلوكه ويتشكل بحسب الحياة الجديدة التي يحياها
فهو يتخير الألفاظ اللينة، ويتكلم بصوت معتدل، ويفكر طويلا قبل أن يقدم على ما
يريد، وذلك نوع من التطور ملحوظ في مثل تلك الظروف. |
|
|
وهناك التطور في أسلوب الحياة
التي يتعامل به الإنسان من غيره سواء كان ذلك في المأكل والمشرب، أم كان في
الأخذ والعطاء إلى غير ذلك من متطلبات الحياة. |
|
|
وهكذا يجد الباحث نفسه أمام
تطور مطرد يسير في رحاب الإسلام في نواحي الحياة المختلفة في الصناعة والفن، في
السلوك والفكر، في الأكل والشرب، في العطاء والأخذ وفي كل ما يمت إلى الإنسان
بصلة، ويجد أن هذا التطور نتيجة حتمية لدوافع ذاتية أو خارجية بحيث لو توقفت تلك
الدوافع لركد الكون وأسن، وتوقفت عقارب الساعة تبعا لتوقف العقل البشري من
الإنتاج والتطور. |
|
|
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا
وإمامنا محمد وآله وصحبه. |
|