طباعة

 توثيق النص

 

 
 

 

نظرة إسلامية إلى البحث والكشف والابتكار (1)

للدكتور أبو الوفاء عبد الآخر

صيدلي بمستشفى الجامعة

 

 

الحمد للّه ... خلق الإنسان واستخلفه في الأرض، وأنعم عليه بخصائص فاق بها سائر الخلق والصلاة والسلام على أكرم المرسلين، وعلى آله وصحابته وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين,   أمـا بعـد

فلقد تميز التفكير الإنساني بالقدرة على التعلم والحفظ والنمو، وهذه من أفضل وأعظم خصائص الجنس البشري، وبها أصبح الإنسان قادراً على النظر والتأمل، وعلى التعلم والبحث والاكتشاف والابتكار.

ولقد كانت الأمة الإسلامية في عصور نهضتها الفكرية، أمة باحثة ومبتكرة، ثم تخلفت عن ركب الحضارة وأصبحت أمة مقلدة، تلتقط فتات الفكر الحضاري من موائد غيرها من الأمم... ثم بدأت صحوة المسلمين من جديد، وظهرت في العالم الإسلامي بشائر البحث والكشف والابتكار، في ميادين الطب والصيدلة والعلوم الطبيعية، وفي ميادين الصناعة وغيرها من مطالب الحياة.

ولهذا أصبح من الضروري زيادة الاهتمام (بإعداد الباحث المبتكر)، وإيقاظ ملكات البحث والكشف والابتكار، بين أبناء الأمة الإسلامية، حتى تصير أمة الإسـلام خير أمة أخرجت للناس، في ركب الحضارة بقدرتين متلازمتين: قدرة العمل، وقدرة البحث والكشف والابتكار، وحتى تصبح أمة قائدة لا مقودة، ومبتكرة لا مقلدة.

 

مفاهيم:

البحث: هو الوسيلة التي بها يتوصل الإنسان إلى الاكتشاف والابتكار.

الاكتشاف: هو التعرف على الموجودات بالكون من مواد وقوانين، والتي لم تكن معروفة من قبل.

الابتكار: هو بمفهومه العام، كل ما أوجده الإنسان، مما لم يكن له سابق عهد به، سواء كان مادة في حالة معينة، أَم جهازاً وآلة، أم فائدة جديدة لشيء معروف، أم أسلوبا جديداً للعمل والأداء والكشوف والابتكارات، منها الهام الذي يكون بمثابة نقلة ثورية في العلم ومطالب الحياة، كالمضادات الحيوية في علاج الأمراض.. (والصفر) العربى في الحساب. وهناك التطوير والتحسين، وهما أقل درجة من الابتكار.

 

مصادر البحث والكشف والابتكار:

أولا: الكون، بأرضه وسمائه، فقد علم (اللّه سبحانه وتعالى) آدم، أسماء المسميات { وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا }، ثم استخلفه في الأرض، وقد جعلها- سبحانه وتعالى- وما فيها مسخّرة لآدم وذريته  { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً }. وأودع- وهو اللطيف الخبير- في بني آدم الخصائص المناسبة التي تعينهم على التعلم والبحث والاكتشاف والابتكار { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (النحل الآية 78), { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } (سورة العلق- الآيات 3، 4، 5) وأشار- في كتابه العزيز- إلى الأرض وما عليها، والسموات وما بينها، كموضوعات للنظر والتفكير والتأمل { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (آل عمران- الآية 191), {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الآية (يونس الآية 101), { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } (العنكبوت- الآية 20), { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ..} الآية (فصلت- الآية 53), { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ } (الرحمن- الآية 33).

وما دام اللّه سبحانه وتعالى قد أودع في بني آدم القدرة على البحث والاكتشاف والابتكار، ومادام الكون بأرضه وسمائه وآفاقه هو المستهدف للنظر والتأمل والمعرفة، فإن أرجاء الكشف والابتكار فسيحة، وفسيحة جدا، وسوف يصل الإنسان في العلم والمعرفة والسيطرة آمالا بعيدة يظن بها أنه أَصبح قادرا على الأرض- وهذا يذكره الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز في قوله: { حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (يونس- الآية 34).

بل إنه قد يصل الحال بالإنسان إلى محاولة التغيير في خلق الله سبحانه وتعالى اتباعا لأمر الشيطان واستعلاء وكفراً وطغيانا، فيحكي القرآن على لسان الشيطان { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً } (النساء- الآية 119)، ومن محاولات الإنسان في هذا المجال ما يقوم به من تحويل بعض خصائص الإناث إلى الذكور وبعض خصائص الذكور إلى الإناث، وما يقوم به من دراسات ومحاولات لتغيير بعض صفات الجنين، اعتمادا على التحكم في بعض عناصر التغيير، وبهذا يتدخل في فطرة المخلوقات ويعمد إلى تغيير حالتها الطبيعية دون أن يكون من وراء ذلك فائدة محققة، وإنما تماديا في اللهو، { إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ..} وتطرفا في العناد والخصام { أَوَلَمْ يَرَ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ } (يس- الآية 77).

ثائيـا: القرآن الكريم: وهو كلام الله، وكتابه الذي يخاطب به عباده، وهو المعجزة الخالدة التي تقوم شاهدا على أن (الإسلام) هو دين اللّه وخاتم الأديان، وهو حجة اللّه على عباده بإعجاز الخلق، إعجازا غير موقوف على فصحاء العرب ومن لف لفهم في الفصاحة والبيان؛ ولكنه إعجاز لا بد أن يتضح لكل إنسان ولو كان أعجمي اللسان، لتلزمه حجة اللّه إن أبى الإسلام، ابتداء من نزول القرآن وبعثة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وإلى أن تقوم الساعة، ويرث الله الأرض ومن عليها.

هذا النوع من النظر والتفكير يؤدي إلى نتيجة لازمة: أن لإعجاز القرآن نواحي غير الناحية البلاغية، وغير ناحية التنبؤات التي كانت غيبا حين نزل القرآن، ثم حققها الله فعلا فيما استقبل الناس من زمان.

الواقع أن موضوع إعجاز القرآن لا يزال بكراً برغم كل ما كتب فيه، لكني لست أريد أن أتناوله إلا من تلك الناحية التي لا يتوقف تقديرها والتسليم بها على معرفة لغة لا تتيسر معرفتها لكل أحد، هذه الناحية هي الناحية العلمية من الإعجاز.

فضلا عن ذلك فإن الإعجاز يشمل الناحية النفسية، إذ قد اقتاد القرآن النفس لردها إلى فطرتها. كما يشمل الإعجاز الناحية التشريعية، والتاريخية التي كشف عنها التنقيب الأثري فيما بعد. وكذلك شمل الإعجاز الناحية الكونية، لما فطر اللّه عليه الكائنات في الكون.

هذه النواحي هي التي ينبغي أن يشمر المسلمون للكشف عنها وإظهارها للناس في هذا العصر الحديث، ولن يستطيعوا ذلك على وجهه حتى يطلبوا العلوم كلها ليستعينوا بكل علم على تفهم ما اتصل به من آيات القرآن، واستظهار أسرار آياته التي اتصلت بالعلوم جميعا. ولا غرابة في أن يتصل القرآن بالعلوم كلها[1] .

والعلماء من عباد اللّه المؤمنين الذين يقوله عنهم الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إنما يخشى الله من عباده العلماء }، يغوصون في أعماق هذا القرآن الكريم، ويتتبعون تصريحاته وإشاراته، ليستخرجوا منها الحقائق العلمية ويستلهموا منها سر الآيات الكونية التي تفتح لهم أبواب البحث، وتقودهم إلى ينابيع المعرفة والابتكار والكشف.

ولديهم أيضا السنة المشرفة، يبحثون فيها عن الحقائق العلمية التي تقودهم إلى أعظم الاكتشافات. وعلى ضوء هذا الإدراك السليم لكتاب اللّه سوف يزداد المسلم نفعا به، فيتلوه كتابا تعبديا، ويقرؤه حقائق علمية. وما ينطبق على كتاب اللّه الكريم، ينطبق على سنة رسوله الصادق الأمين.

 

هدف الكشف والابتكار:

إن الهدف الأسمى للكشف والابتكار هو التعرف على آيات اللّه، ليزداد المؤمن إيمانا, وليحققوا الحكمة من خلقهم في قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ } .

أما الأغراض الدنيوية من الكشف والابتكار فهي تنظيم أمور الحياة وتيسيرها، وتوفير أسباب الأمن والصحة والراحة بما يتناسب وفطرة الإنسان التي فطره الله عليها.

لهذا يجب أن يراعى في تقييم الكشوف والابتكارات ما يلي:

- مدى مواءمتها للطبيعة البشرية.

- مدى تحقيقها للمصلحة الإنسانية على أساس النظرة الصائبة الشاملة، باعتبار كون الإنسان جسداً وروحاً، وكذلك على أساس النظرة المرتبطة بالأخلاقيات والقيم والغايات التي بينها سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، ودعى إليها رسولنا محمد صلوات اللّه وسلامه عليه.

ولو أننا فرضنا أن ابتكارا يحقق راحة عضلية، أو لذة حسية، أو متعة نفسية، ولكنه يعطل العمليات التنسيقية للجسم أو يسبب إرهاقا للحواس، أو يتعارض مع مكارم الأخلاق، أو يصرف الإنسان عن طاعة اللّه، فيجب أَن نقيم الابتكار، واضعين في الاعتبار أن هذه الأمور من النقائص التي إذا استفحل خطرها، يجب التخلي عن هذا الابتكار.

 

تحذير وذكرى:

على المؤمن أن لاينبهر، ولا ينخدع بأية اكتشافات أو ابتكارات تزيد من قدرات الإنسان وتحكمه وسيطرته على هذه الأرض وما حولها، وعليه أن يصمد أمام كل مفاتن العلوم والاكتشافات والابتكارات، وفتنها؛ بجانب هذا التحذير، فإنني أذكرِّ بالحقائق التالية، وإن الذكرى تنفع المؤمنين:

الإنسان مطالب من قبل المولى سبحانه وتعالى بالنظر والتأمل والبحث في آيات اللّه في الكون،  {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} إذاً فالكون من سموات وأرضين، سخره اللّه سبحانه وتعالى وأمر  الإنسان بالنظر فيه متدبراً متفكراً دارساً وباحثا.

يعلم الحق سبحانه وتعالى بني أدم- على مر العصور، من خزائن علمه- كثيراً من أسرار الكون وسننه كما قال سبحانه: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ....} الآية, (فصلت الآية 53) { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } (الأنبياء80), { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ } (النحل الآية 8), { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ } (الحجر الآية 31).

إذاً فسيحصل الإنسان على معارف كثيرة عن الكون, وكل ما يتعرف عليه الإنسان من أسرار الكون، وما يصل إليه من اكتشافات وابتكارات، ليس تحدياً لقدرة الله.. بل هو عطاء من عند اللّه، وتعطف على الإنسان، الذي كرمه الله سبحانه وتعالى بالعقل والعلم { عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } .

ومهما عرف الإنسان من أسرار الكون وأسرار الحياة، ومهما حقق من اكتشافات وابتكارات، فنهايته الموت { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } (العنكبوت الآية: 57), ومهما عرف الإنسان عن جسمه وعن الأمراض وعلاجها ومهما حاول وفعل لإطالة عمره، فهو إلى موت وفناء, ثم إلى بعث وجزاء { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ } (الرحمن آية 26. 27), { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } (المجادلة الآية 6).

سيصل الإنسان لبعض أسرار الكون، وسيصل باكتشافاته واختراعاته إلى درجة فائقة من التحكم والقوة، يخيل إليه أنه قادر ومسيطر على كل شيء في هذه الحياة الدنيا. وعندما يصل إلى هذه الحالة من التحكم والسيادة، ومن الغرور والطغيان، ستكون نهاية الأرض التي يعيش عليها { حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (يونس الآية 24).

إذاً فأمام الإنسان الكثير من الاكتشافات والابتكارات في كل ميادين الحياة على وجه الأرض التي يعيش عليها، يزداد بها سيطرة، ويزداد بها رخاء وتَرَفا غير أَنه في كل خطوة يخطوها نحو هذا الكسب الدنيوي، يزداد قربا من لحظة الفناء لهذه الأرض التي يعيش عليها.

 

الإعجاز العلمي للقرآن:

إن لكل رسول معجزة، ومعجزة نبينا (محمد)- صلوات اللّه وسلامه عليه- هي (القرآن الكريم) أساسا، وهو المعجزة الخالدة، الباقية في تحديها لكافة الإنس والجن، والمتجددة في تحديها إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها. ومعجزة هذا شأنها، لابد أن تكون متعددة الجوانب في إعجازها، حافلة بالأسرار في أعماقها، دائمة الخير في عطائها. ولمَّا كانت أمة الإسلام في صدر الإسلام، تتميز بالفصاحة والبيان، ولمَّا كانت اللغة العربية عند العرب- أول من دعوا إلى الإسلام- هي صناعتهم المفضلة التي برزوا فيها، وفَنَّهم الأصيل الذي تفاخروا به، وتحدوا بعضهم بعضا نظما ونثرا.... فقد ظهر الإعجاز البلاغي للقرآن أكثر الجوانب إشراقا، وبرز في وجه الكفرة والمنافقين سلاحا فتاكا للتحدي والإعجاز وقد ظل (هذا الإعجاز البلاغي) ، حتى يومنا هذا في الصَدَارة، وكاد أَن يحجب ماعداه من أوجه الإعجاز الأخرى. بشدة وَلَع علماء المسلمين به على مر العصور، ولانصراف المفسرين إليه دون غيره قرنا بعد قرن، حتى سيطر على عقول الكثيرين أن ( الإعجاز البلاغي والبياني للقرآن الكريم) هو الوجه الأوحد لتلك المعجزة الكبرى.

ولقد كان من الواجب والمناسب أن يهتم علماء الأمة الإسلامية، بذلك الإعجاز ويقتصروا على دراسته- دون باقي أوجه الإعجاز القرآنية- في وقت كان له بين العرب وفصحائهم: قوة الإقناع، وعلو الحجة وشدة التأثير، وكان موضوع التحدي للمعارضين الذين كانوا على قمة الفصاحة في اللغة العربية، هذا بالإضافة إلى عدم اتساع دائرة العلوم الطبيعية والدراسات الكونية، والاكتشافات، وعدم اهتمام الحضارات السابقة بهذا الجانب الفكري مما جعل البشرية قاصرة عن إدراك الإعجاز العلمي للقرآن. أما وقد وصلت الدراسات الإسلامية عن (الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن) شأنا عظيما، وتأصلت أهمية ذلك الإعجاز، هذا بالإضافة إلى سيادة العلوم الطبيعية على الحضارات المعاصرة وما حققته من إنجازات ضخمة في حياة الإنسان، فقد برزت أَهمية (الإعجاز العلمي للقرآن) كحجة على الإنسانية المعاصرة أعجميها وعربيها ؛وما دام منطق العصر وأدلة الإقناع، صارت مستمدة من العلوم الطبيعية (التطور- المادية- العلوم التجريبية- الخ) فقد أصبح الإعجاز العلمي للقرآن، أكثر إقناعا من الإعجاز البياني والبلاغي، لهذا أَصبح من الواجب ومن الضروري على علماء المسلمين- في كل مجالات الفكر والمعرفة- أن يشمروا لدراسته وإظهاره للفكر الإنساني المعاصر، أَكثر اشراقا، وأعظم أثرا وأقوى حجة من ذي قبل.

وبالرغم من كون ( الإعجاز العلمي للقرآن ) حقيقة يدركها كل من يتلو القرآن بفهم وتدبر، خاصة أولئك الذين لديهم معرفة أو إلمام بالعلوم الكونية، ومن يتابعون الثقافات المعاصرة المليئة بمعطيات العلوم الطبيعية ومعارفها، فإن هناك من يحملون حملة شعواء على من يحاول إظهار ما استكن في القرآن من آيات الله في الخلق وسنن في الفطرة، سبق إليها القرآن قبل أَن يكشف عنها علماء العصر الحديث. وهناك من يتخوفون ويشككون في الإقدام على دراسة هذا الجانب الإعجازي للقرآن، ويعترضون على أَهل التفسير العلمي لكونيات القرآن ويقولون بأن المعارف العلمية متغيرة، فلا يجوز أن نربط تفسير آيات القرآن الكريم بهذه المتغيرات العلمية، والتي تتمثل في الافتراضات والاكتشافات الأولية والنظريات.. الخ ويسوقون الحجج بنظرة موضوعية ضيقة، فيقولون بأن القرآن الكريم كتاب تعبدي وليس كتابا تعليميا، ولم يبعث به الرسول الخاتم -صلوات اللّه وسلامه عليه- ليعلم المسلمين دروسا في الفلك والرياضيات والطب والعلوم الطبيعية.. الخ.

وهؤلاء وأَولئك من المعترضين على أهل التفسير العلمي للقرآن، يرتكبون بمعارضتهم هذه خطأ فاحشا، وكأنهم يريدون أن لا يُفهم القرآن إلا كما كان يفهمه العرب الذين نزل القرآن بينهم، وغاب عنهم أن القرآن ليس مراداً به العرب وحدهم وقت نزوله،، بل أريد به البشرية كلها في كل مكان وزمان بحيث يفهم من آياته أهل كل عصر بقدر ما قدر اللّه سبحانه وتعالى لهم من العلم. والمعترضون باعتراضهم هذا يعطلون تجديد حجة اللّه سبحانه للناس بتجدد إعجاز القرآن العلمي من خلال فهمه على ضوء المعطيات الحديثة للعلوم.

وهناك الرأي الآخر الذي يدعو إلى دراسة ( الإعجاز العلمي للقرآن )، وأنصار هذا الرأي يدركون أهمية هذا الجانب الإعجازي للقرأن، ويعملون جاهدين على إظهاره للناس, وتدعيما للدعوة إلى الإسلام، بين محصّلي العلم الحديث، وتحديا متفوقا ضدّ (الأيديولوجيات) المادية.

ويقول أستاذنا الأستاذ الدكتور[2]  محمد أحمد الغمراوي (رحمه الله): "هذا التدرج في إتمام المطابقة بين القرآن والفطرة أمر لا مفر منه في الواقع، ثم هو مطابقة لحكمة اللّه سبحانه وتعالى في جعل الإسلام آخر الأديان، وجعله للقرآن معجزة الدهر، أي معجزة خالدة متجددة، يتبين للناس منها على مر الدهور، ما لم يكن قد تبين، فيكون هذا التجدد في الإعجاز العلمي تجديد للرسالة الإسلامية، كأنما رسول الإسلام- صلوات اللّه وسلامه عليه- قائم في كل عصر يدعو الناس إلى دين الله ويريهم دليلا على صدقه آية جديدة من آيات تطابق ما بين الفطرة وبين القرآن"[3] (انتهى).

وكان أستاذنا- رحمه الله- من أبرز علماء المسلمين المتخصصين في العلوم الكونية في العصر الحديث، الذين اهتموا بالإعجاز العلمي للقرآن، وقاموا بتفسير الآيات الكونية على ضوء المعارف العلمية الحديثة. وكتابه ( الإسلام في عصر العلم) ومحاضراته بكلية أصول الدين وكتاباته بمجلة الأزهر الشريف، تعد من أمتع الدراسات لهذا الجانب من الإعجاز القرآني وبها كثير من التفسيرات القرآنية التي تتمشى مع المكتشفات العلمية الحديثة، ومن أئمة علماء المسلمين الذين كان لهم السبق في هذا النمط من التفسير: الزمخشري والفخر الرازي، من قدامى المفسرين، والإمام الشيخ محمد عبده من المحدثين.

بل إن هذا الإعجاز القرآني، قد شد انتباه بعض العلماء من غير المسلمين الذين قاموا بدراسة الكتب السماوية دراسة موضوعية، فلم يجدوا غير (القرآن الكريم) كتابا سماويا، يحوي الكثير من الحقائق العلمية- إشارة أو تفصيلا- وكان هذا دليل صدق وإعجاز لمن أَراد منهم الإيمان، وحجة بالغة على من كفر بالرحمن.

ولا يقول الفريق المناصر لدراسة ( إعجاز القرآن العلمي ) والمطالب بتفسير كونيات القرآن تفسيرا علميا مطابقا لأحدث المعارف والدراسات الكونية، بأن كتاب اللّه العظيم، جاء ليعطي دروسا في الرياضيات والفلك وعلوم الأرض والطب والنبات والهندسة الخ، بل ينظرون إلى هذا (الكتاب الإلهي)، باعتبار أن كلماته وآياته، تشير إلى حقائق في شتى العلوم البشرية، وباعتبار أن كلماته: عبارات وإشارات تنبههم طبق ما تقتضيه حكمة اللّه سبحانه وتعالى في مخاطبة خلقه، وباعتبار أن الآيات الكونية من القرآن الكريم يجب أن تفهم على ضوء الحقيقة ولا يعدل من ترك الحقيقة إلى المجاز إلاّ إذا قامت القرينة الواضحة التي تمنع من حقيقة اللفظ وتحمله على مجازه.

كما يرى الفريق المناصر لقضية الإعجاز العلمي للقرآن أن لا يفسر القرآن إلا باليقين الثابت من العلم، لا بالفيوض ولا بالنظريات التي لا تزال موضع بحث وتمحيص، فكلمات الله الكونية ينبغي أن تفسر بها نظائرها من كلمات الله القرآنية.

وهم لا يرون أي مبرر للخوف أو الانزعاج إذا ما تغيرت نظرة علمية عن سنة كونية، فالخطأ يرد إلى المفسرين نتيجة حتمية لقصور الفكر الإنساني، ولا يردُ إلى ما طرأ من انفكاك في المقابلة بين السنة الكونية ونظيرتها القرآنية. ولا يغيب عن بالنا أن (المتعرضين لتفسير كتاب اللّه عرضة للخطأ، وإلاَّ لاشترطنا في المفسر أن يكون معصوما من الخطأ، وهو شرط مستحيل تحققه في غير نبي، وتكون النتيجة تحريم تفسير آيات القرآن على كل لسان بعد عهد النبي عليه الصلاة والسلام، يستوي في ذلك التفسير الكوني وغير الكوني من آيات القرآن[4] .

كما أن ظاهرة اختلاف المفسرين في تفسيرهم لكتاب الله، لم يوقف المسلمين عن تفسيرهم لكتاب الله عصراً بعد عصر وجيلاً بعد جيل، ورغم ما قد يوحي به هذا الخلاف من وجود تناقض بين معاني آيات القرآن الكريم، ولم نر من يطالب بعدم التعرض لكتاب اللّه شرحاً أو تفسيراً أو إظهاراً لغريب كلماته، أو بيانا لإعجازه لغويا، وقد قام الخلاف المعروف ولا يزال بين مدارس اللغويين والنحويين بشأن تفسير القرآن الكريم.

بل إن علماء (الطبيعة) في بحثهم عن أسرار الكون، قد يصلون إلى نتائج قد تحتاج إلى تعديل فيما بعد لأنها- دائما- في حدود التجارب التي يقومون بها، ناظرين إلى تجاربهم كأنها مطلقة: فقالوا: -مثلا- إن الذرة لا تنقسم، وغفلوا عن أن ذلك في تجاربهم كان خاصا بالتفاعلات الكيميائية، ثم وفقهم اللّه سبحانه وتعالى إلى الكشف عن العناصر المشعة، وقاموا بأبحاثهم التي صححت معلوماتهم ونتائجهم عن الذرة.

وقالوا: إن المادة لا تفنى ولا تتجدد، ونسوا أَن ذلك لا يصدق، إلاَّ على التفاعلات الكيميائية، فهداهم الله من تركيب الذرة وتحولها إلى ما استيقنوا معه أَن المادة تفنى بتحولها إلى طاقة منطلقة في كون الله بسرعة الضوء إلى غير ذلك من الحقائق التي يصل إليها الإنسان في إطار علمه المحدود الذي يتسع كلما اتسع هذا الإطار، فيطرأ التعديل والتبديل على بعض هذه الحقائق المعلومة للإنسان.

وعليه فإن علوم الكون وعلوم القرآن وتفسيره قد يقع فيها الخطأ، وقد تحتاج في سبيل التصويب- إلى التعديل والتبديل، حتى ولو كانت حقائق كما أشرنا من قبل. ويكون الخطأ مرده خطأ الإنسان وسوء فهمه، ولا يكون الخطأ- بأي حال من الأحوال- في حقائق القرآن المطلقة، المودعة في آياته، كما لا يكون في سنن اللّه في خلقهِ هذا ما يجب العلم به وما يجب التنبيه إليه ؛ فلا تعارض ولا تناقض في القرآن الكريم، ولا تناقض في حقائق الكون، ولا خوف ولا انزعاج من ربط علوم الكون بعلوم القرآن.

 

مناهج التفسير للآيات الكونية في القرآن:

إن تفسير الآيات الكونية في القرآن والتي تزيد عن ثمانمائة آية، يمكن إدراجه في مناهج ثلاثة:

أولا: المنهج التقليدي:

وهو المنهج الذي درج عليه علماء التفسير- من قدامى ومحدثين- وهو يعتمد على المعلومات العلمية العامة لتفسير تلك الآيات. كما يكثر في هذا المنهج التقليدي صرف الحقيقة إلى المجاز.

أمثلة لتفسير الآيات الكونية حسب المنهج التقليدي:

قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا } (الآية 30 الأنبياء)- أي أن السموات كانت رتقا لا تمطر وكانتا الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق اللّه الأرض أهلاً، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات.

قوله تعالى: { يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } (الرحمن 22) يشير لفظ (منهما) إلى البحرين المذكورين في الآية 19 { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ } أوَّلوهُ إلى ما يعرفون من وجود صدف اللؤلؤ في أحد البحرين في الخليج العربي فقالوا إن ما يصدق على أحدهما يصدق على مجموعهما، وأهملوا احتمال أن يوجد اللؤلؤ أَيضا في النهر عند ملتقى البحرين من بعض الأقطار فيكون إخباراً عن حقيقة اللؤلؤ النهري الذي تذكره بعض دوائر المعارف، والذي لم يكن يعرفه العرب حول الخليج.

{ السَّمَاوَاتُ السَّبْع } عند الرازي هي أفلاك السيارة السبعة التي قدرها اليونان.

ثانيا: المنهج العلمي:

وفيه يكون التفسير للآيات الكونية في القرآن على ضوء المعارف العلمية المتخصصة، ووفق الحقائق النهائية التي يصل إليها علماء الكونيات. وقد شاع هذا اللون من التفسير في العصور الحديثة التي أَصبحت فيها علوم الكون خاضعة لأساليب الدراسة التجريبية، وقائمة على وسائل البحث والمشاهدة المدعمة بالأجهزة والآلات ذات الكفاءة العالية في التقدير. وأكثر القائمين بهذا العمل الهام هم من المتخصصين في العلوم الكونية والمزودين بالدراسات الإسلامية، أو من المفسرين الذين يتابعون أحدث البحوث والاكتشافات العلمية، ويستعينون بها في فهم وتفسير الآيات الكونية بالقرآن الكريم.

والغرض من هذا المنهج العلمي في تفسير تلك الآيات القرآنية، هو إيضاح معانٍ جديدة للقرآن الكريم، وإثبات صدقه وإعجازه، وزيادة حجته وقوة إقناعه. وهذا القدر من الفائدة هام جداً في مجال الدعوة الإسلامية في العصر الحديث- عصر العلوم الكونية- بين قوم أصبح فكرهم مرتبطا ارتباطا وثيقا بهذه العلوم الكونية، وانعكس ذلك على إقناعهم والتأثير فيهم.

 

أمثلة لتفسير الآيات الكونية في القرآن حسب المنهج العلمي:

قوله تعالى: { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ } (يس الآية 36) إن الحقائق العلمية الواردة في الآية القرآنية الكريمة عن الزوجية نموذج للقضايا الكلية التي تنضوي تحتها قضايا جزئية، ولقد ثبت بعضها فعلا وفي استجلاء المزيد عن هذه السنة الكونية الهامة (الزوجية) نجد إشارة إلى وجود هذه الزوجية بصورة أوسع من الذكورة والأنوثة في الإنسان وفي النباتات، التي لم يكن معروفا وقت نزول القرآن إلا (أزواج النخيل) وقد كشف العلم الحديث أن الزوجية يتسع مداها فهي تشمل أيضا الأزواج الموجبة والأزواج السالبة التي تتكون منها دقائق المادة، كما كشف العلم (الكهيرب الإلكتروني الموجب ) نقيض ( الكهيرب السالب)، وكشف أيضا عن (البروتون- الأبيب- السالب) نقيض (الأبيب الموجب)- وهكذا تكشفت وتتكشف أنواع متعددة للزوجية لا تقف عند حصر، وذلك مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى:{ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ }.

وقوله سبحانه وتعالى: { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } (يس الآية 38). لقد توقف الفهم القديم لجريان الشمس من المشرق إلى المغرب، كما توقف فهم الآية القرآنية على ضوء هذه الحركة الظاهرية، والتي ثبت أنها نتيجة لحركة الأرض، وما زالت الآية الكريمة محتفظة بصدقها ودلالتها على أن الشمس تجري لمستقر لها { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا }. وقد أثبت العلم الحديث حركة حقيقية ذاتية للشمس ، مما أبرز وأوضح تلك المعجزة العلمية التي أتى بها القرآن الكريم في قوله (تجري) ولم يكن هذا الكشف يخطر على بال أحد إلى أن تهيأت للإنسان آلات الرصد وأدوات التحليل الضوئي التي سهلت له اكتشاف هذه السنة الكونية، وذلك في القرن التاسع عشر. وبذلك ظهر التطابق بين حقائق الله القرآنية وحقائق الله الكونية وقد قدر علم الفلك سرعة حركة الشمس بركنيها أي من حيث المقدار والاتجاه. فأما المقدار فهو اثنا عشر ميلاً في الثانية تقريبا، وأما الاتجاه فهو نحو النجم المسمى (فيجا) في الإنجليزية (والنسر الواقع) في العربية.

ثالثا: المنهج التطبيقي:

وهو المنهج الذي نسلط الأضواء عليه، وندعو علماء الأمة الإسلامية إلى الإهتمام به، حتى يأتي بالنفع العظيم- إن شاء الله- في مجال الدراسات العلمية.

وبهذا المنهج لا يقف المفسرون عند تفسير الآيات القرآنية الكونية على ضوء المعارف العلمية المتقدمة والحقائق الكونية التي يصل إليها علماء الكونيات، بل إنهم يقدمون لعلماء الكونيات- بفقههم وتفسيرهم لتلك الآيات- دراسات تصلح لأن تكون بداية لتأملات علمية في السنن الكونية، وتصلح لأن تكون منطلقا لأفكار وفروض علمية، تتلوها- عن طريق البحوث القائمة على التجريب- اكتشافات ونظريات، تعمق إيمان المؤمنين، وتهدي الحيارى المتشككين وتنفع البشرية في دنياها وآخرتها.

ومما تقدم نرى أن الفرق بين (المنهج العلمي) و(المنهج التطبيقي) هو أنه في المنهج الأول يكون التفسير على ضوء المعارف العلمية المتخصصة، فالعلماء يكتشفون، والمفسرون يفقهون آيات اللّه الكونية على ضوء هذه الكشوف.

أما في المنهج الثاني، فإن المفسرين بفقههم لآيات القرآن الكونية، يقدمون تفسيرات تتضمن أفكاراً علمية عن الكون، قابلة للبحث والدراسة، والعلماء- انطلاقا من هذه الأفكار - يبحثون في الكون عن حقيقة ما أشار إليه القرآن وأوضحه المفسرون.

وبعبارة أخرى، يكون القرآن في (المنهج العلمي) تابعاً في فهمه وتفسيره لحقائق العلم، أما في (المنهج التطبيقي)، فيكون العلم تابعاً في اكتشافاته وحقائقه لما جاءت الآيات به القرآنية وأوضحه المفسرون. وشتان ما بين أن يكون القرآن تابعاً في منهجه لمكتشفات وأن يكون متبوعا، تنطلق منه: الأفكار العلمية، فيصبح بذلك مصدراً هاما للبحوث عن الكونيات، ويقود المسلمين إلى هذا المجال الواجب من المعرفة.

قال اللّه تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }.سورة الحديد الآية(25)

 

مؤتمر طبي إسلامي عالمي بالولايات المتحدة

من المقرر أن يجتمع خمسمائة طبيب وكيميائي، وحكيم هنـدي، كلهم مسلمـون، يحضرون من كافـة أرجاء الولايـات المتحـدة، وكندا، والهنـد، ليجتمعـوا بمدينـة (أورلاندو- فلوريـدا) بالولايـات المتحـدة الأمريكيـة، حيث يناقشـون موضوعا مهمـا بالنسبة لأطباء القرن العشرين، ذلك الموضوع هـو: (الطب الإسـلامي في القرن الخـامس عشر الهجري).

صرح بذلك الدكتور (بشير أَحمـد زكريا) مؤسس ورئيس (الجمعية الإسـلاميـة الطبيـة) في الولايات المتحدة، وقال: "أننـا نهـدف هنـا في الولايات المتحـدة: إلى تجميع الأطبـاء المسلمين ورفع مستواهم العلمي، ودفعهم إلى العمـل في خدمـة الإسلام والدعـوة الإسلامية في أمريكا وكذلك تشجيعهم على إجراء البحوث العلمية والدراسـات الميدانية في مجال الطب والبحوث الطبيـة، وكذلك توفير التجارب العلمية والمعملية لتكون في خـدمة الأمة الإسلامية في جميع أنحـاء العـالـم.

 

 

 


[1]الإسلام في عصر العلم- تأليف الأستاذ محمد أحمد الغمراوي- الناشر دار الكتب الحديثة (ص 257/258) ببعض التصرف.

[2] عالم الكيمياء المصري وأستاذ الكيمياء بكلية الصيدلة بالقاهرة، ومؤسس وعميد كلية الصيدلة بجامعة الرياض الأستاذ بكلية أصول الدين بالأَزهر الشريف لمادة التفسير والأستاذ بقسم الدراسات العليا بالكلية وهو من الرعيل الذي دافع عن الإسلام ضد أعداء الإسلام وتصدى بعلمه وقلمه لتيارات الإلحاد ولد عام 1893 م وتوفي عام 1971، رحمه اللّه وأثابه عن جهاده في سبيل الإسلام.

[3] الإسلام في عصر العلم ص 258، 259.

[4]الإسلام في عصر العلم ( دكتور محمد أحمد الغمراوي )ص 309.