طباعة

 توثيق النص

 

 

 
إلى الذين يبثون الألغام في طريق الإسلام
للشيخ محمد المجذوب
كلية الدعوة وأصول الدين
 
 

المؤامرات على دين الله الحق بدأت منذ أعلن إبليس الحرب على آ دم وذريته قبل هبوط الفريقين إلى الأرض، إذ قال لربه- تصريحا بما يكنه لذرية آدم من الشر-: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف15-16), وقد فهم أولو العلم من هذا الوعيد أن عدو الله مصمم على صرف الإنسان عن شريعة الله بقعوده وذريته على منافذها لمنعهم من الوصول إليها.

ومنذئذ جعل هذا العدو يعبيء قواه بكل ما يملك من وسائل التزوير والإغراء والإفساد لإنفاذ وعيده، فاستحوذ على الكثير من أهل الجهل والغفلة، واتخذ منهم جنودا يدعون إلى النار، ويزينون لأمثالهم طريق قائدهم، وهكذا استحالت البسيطة حلبة صراع لا ينطفيء أوارها بين الأشرار والأخيار، والأحرار والأغرار، حتى تقف مسيرة الحياة.. ويحشر المصلحون والمفسدون لأداء الحساب

ولقد اتخذ أعداء الحق في كل واحدة من مراحل المعركة أنواعا من الأسلحة، كان أهمها الانحراف عن منهج الله ، الذي زود به الإنسان لحماية نفسه وجنسه من كمائن الشيطان،  فأبى أكثر الناس إلا كفورا، وألفوا الانسياق في مواكب الضلال، فكانت البدع، وكانت آلاف النظم التي عمقت الهوة بين الإنسان وخالقه الرحمن.

تذكرت هذا كله وأنا أقرأ زاوية الأستاذ أحمد بهاء الدين (مسلم.. ثم لماذا ؟) في عدد الأحد 8/ 11 / 1981 من ( الشرق الأوسط )، إذ وجدت فيها واحدة مصغرة من صور المعركة الأبدية، التي عانوا ولا يزال يعاني منها تاريخ الإسلام، تارة على أيدي منافقي المدينة، وأخرى من دسائس أهل الكتاب، وثالثة من مؤامرات الباطنية، التي بسطت سلطانها على الجاهلين والغافلين، الذين لم يكن لديهم من الوعي ما يعصمهم من الاستجابة لكل ناعق.. وليس هجوم علي عبد الرازق- في النصف الأول من العصر الحديث- على حمى الخلافة، ودعوتُه المضللة إلى تبني طريقة الغرب الصليبي اليهودي في فصل الإسلام عن ساحة الحكم، سوى خطوة جديدة في طريق الهدم لأهم قواعد هذا الدين، متمثلة في شهادة التوحيد، التي تربط المؤمنين بعهد مع الله ألا يشركوا معه أحدا، وأن يتخذوا من رسوله الأمين إماما، يتبعون سبيله في أسس الحكم، كما يتبعونه في عبادته وفي تصرفاته العامة جميعا، حتى تصبح كل حركة وسكنة من وجودهم عبادة خالصة للّه..

لقد كانت دعوة هذا الشيخ الضال في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) خرقا خطيرا في جدار الإسلام، فتح الباب على مصراعيه للجهلة من حكام الشعوب الإسلامية، فاتخذوه منطلقا لتخريب مجتمعاتهم، وحجتهم في ذلك أن القائل بهذه التخرُّصات واحد من خريجي الأزهر، وأحد رجال القضاء في بلد الأزهر فرأيه في قضايا الحكم هو دون ريب رأي الإسلام!.

ومن هنا اتخذت الفتنة الحديثة طريقها الجريء إلى تقويض دعائم النظام الإسلامي في نطاق السياسة، التي أصبحت منذ ذلك اليوم ألعوبة الطواغيت، يعبثون عن طريقها في كيان المسلمين، كما تشاء لهم أهواؤهم، وكما يوحي إليهم سادتهم من شياطين الشرق والغرب..

وخلال النصف الثاني من القرن الجاري بلغ انقضاض الطواغيت على حرمات الإسلام أشده، وأسلم معظمهم أزمته إلى ألد أعداء الإسلام، حتى لم يعودوا يتحرجون من إعلان انصرافهم عن دين اللّه، باعتباره قد استنفد أغراضه، ولم يعد صالحا لأي عطاء... ولم يكتف هؤلاء بمظلة الاستبداد والاحتماء بسلاح الأعداء، فسخروا لخدمة أفكارهم الضالة عددا غير قليل من حملة الأقلام، الذين أتقنوا فن الكلام، مع الجهل التام لحقائق الإسلام، وتوزعوا مهماتهم، ففريق يعلن الحرب على هذا الدين منكرا عليه كل خير، وناسبا إليه كل شر، وآخر يتزلف إلى جماهير المسلمين بارتداء مسوح الغيرة على الدين، فيهيب بالحكام أن يبعدوا الإسلام عن جراثيم السياسة، ويقصروه على مهمته الأساسية من تهذيب النفوس، وتنمية الأخلاق الفاضلة، وتطويع الجماهير لسلطان الحكام في كل أمر أو نهي يصدرونه، حتى ولو كان من ذلك أمرهم برفع الحجاب، وإلغاء الفوارق الطبيعية بين الجنسين، وتعطيل شريعة اللّه في الإرث، ومصادرة الأوقاف المحبوسة لبيوت اللّه، وحظرهم لتعدد الزوجات، ولو أدى ذلك الحظر إلى تكديس العوانس وشيوع الفحشاء، التي تصبح تحت سلطانهم عملا مباحا بحماية القانون..

وقد نسي هؤلاء- (الغُير) على كرامة الإسلام من لوثات السياسة- أن في رأس مهام الحكومة الإسلامية تطهير السياسة من جراثيم الفساد والكذب والخداع، وذلك برد الحكم إلى وضعه الصحيح حتى يكون أمير المسلمين خادما للأمة، وحارسا لأمنها وعزتها، وحتى يكون عماله بمثابة الآباء لمن هم تحت ولايتهم من المسلمين، يعلمونهم ويسددونهم إلى كل ما هو مصلحة لهم- كما أعلن ذلك ثاني الراشدين على ملأ من جماهير الحجيج.

ويشاء الله لبعض الطغاة، وهم في أوج قوتهم، أن يسلط عليهم بعض شركائهم فيخلعوهم، ويلقوا بهم في غيابات السجون، التي طالما شحنوها بالأبرياء... فتكون فرصة لمراجعتهم ماضيهم، فلا يلبثون أن ينقلبوا عليه، إذ يجدون في خلوتهم القاهرة فسحةً للاتصال بكتاب ربهم يتلونه صباح مساء، فيشهدوا من آثاره وأسراره ما يردهم إلى الكثير من الخير، حتى إذا فرج الله كربهم فأفرج عنهم، غادروا سجونهم بنظر جديد وتصور ما كان ليخطر على بالهم، لولا هذه المحن المطهّرة، وإذا هم دعاة للإسلام، رافضون لكل ما سواه من أنظمة. وفي عبد السلام عارف من قبل، وفي ابن بلاّ هذه الأيام، خير مثال لهذه الحقيقة، التي تجلت في الكثيرين من الممارسين لتلك التجربة. ولكن المؤسف أن ردَّ الفعل هذا لم يقدَّر بعد لخطباء الفتنة من أصحاب الأقلام التي سخرها الشيطان لخدمة الطواغيت، ذلك لأنهم سرعان ما ينتقلون من موكب أحدهم إلى موكب خاصمه، فيستأنفون كفاحهم من جديد.. معتذرين عن ذبذبتهم بما يسميه أحدهم (عودة الوعي) !. ومن يدري فلعلهم لو جربوا محنة السجن لاستردوا في ظلماته وعيهم، ولعادوا إلى النتيجة نفسها التي انتهى إليها سادتهم التائبون وعلى هذا لا ندري ما الذي يجب علينا بالنسبة لهؤلاء الذين وقفوا أقلامهم على خدمة أنواع الطواغيت، سواء من الأفكار الهدامة، أو من المتسلطين الهدامين.. أندعو لهم بخلوة طويلة في سجون الظالمين تفتح لهم السبيل إلى توبة نصوح تكفر عنهم سيئاتهم؟، أم ندعو عليهم بدعوة نبي الله موسى{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} على أنا بدافع من الشفقة عليهم نؤثر لهم الحسنى، فنسأل اللّه لفهمي هويدى، وعبد العظيم رمضان، وإحسان عبد القدوس، وتوفيق الحكيم، وأحمد بهاء الدين، والباقوري، وسائر إخوانهم، من تلاميذ مدرسة علي عبد الرزاق، أن يرزقهم المحنة التي تطهرهم وتزكيهم وتردهم إلى ساحة النور، حتى يتولوا إصلاح ما أفسدوه من فطرة الجيل، الذي طالما أحسن بهم الظن، فدفعوه إلى حافة الهاوية الموصلة إلى ذلة الدنيا والآخرة..

ونعود إلى زاوية الأستاذ أحمد بهاء الدين لنحاوره في بعض أفكاره، التي فقدت طرافتها لكثرة الاستعمال حتى الابتذال.

لقد برع هذا الكاتب حقا في تمرير مقلبه إلى القارئ البسيط بما قدم له وما خالط كلامه من معسول الألفاظ، التي يريد بها إقناعه بأنه على غاية من الاحترام لكتاب الله، ولصحابة رسول اللّه، الذين لا يضن على (بعضهم) بالترضي عنه، ومن ثَم يعرض ما يريده من تشكيك لذلك القارئ البسيط في صلاحية القرآن لإقامة الحكم الصالح في بلاده..

فالقرآن باعترافه نزل لكل زمان ومكان، وتحكيمه في حياة الناس أمنية مفضلة لديه، تستحق أن يعبر عنها بـ(ياليت) إلا أنه مع ذلك لا يرى سبيلا لتحقيق هذه الأمنية في واقع الناس، لسبب واحد هو فقدان العالِم الثقة الذي يصلح لتفسير أحكامه على الوجه الصحيح ولعله يريد بالصحيح الذي يرضي مدرسته-.

ثم يمضي الكاتب في سرد الأدلة المؤكدة لما يذهب إليه من هذا الرأي، وفي رأسها الخلاف الذي نشب بين كبار الصـحابة إثر وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما أفرزه من مذاهب (سنة, وشيعة, وأموية[1], وخوارج, ومعتزلة, إلى آخره) إلى أن يقول بأن هذا الخلاف هو الذي دعا أمير المؤمنين عليا- رضي اللّه عنه- إلى القول: "بأن القرآن حمال أوجه" ويفسر الكاتب هذه العبارة بقوله: "أي يمكن تفسيره ألف تفسير..."

ثم يعقب على ذلك بسرد أسماء كبار المصلحين الإسلاميين من المتأخرين، ليرينا أنهم جميعا قد عجزوا عن حل الخلاف.. ومن هنا يأخذ بالالتفاف حول الجماعات الإسلامية الذين يحملون راية الدعوة إلى تحكيم الشريعة، فيتهمها بالتآمر في ليل لغرض تفسير للقرآن لا تملكه..

وقبل الدخول في تقويم هذه المزاعم أراني مضطرا للاعتذار عن تعرضي لمناقشتها، لأن مضمونها لا يرتفع إلى مستوى العلم الذي يستوجب النقاش، ومرد ذلك كونها مجموعة من ادّعاءات لا يفوت تهافتُها نظر لبيب، ولولا خشية المسئولية أمام الله عن السكوت على المنكر لما حركت قلما في تفنيدها والله..

ثم هناك سبب آخر يشدني بقوة إلى هذا التعقيب، ذلك أن ادعاءات هذا الكاتب ليست وقفا عليه، ولكنها شنشنة يرددها تلاميذ المدرسة (العرزقية) المنبثين في أرجاء العالم الإسلامي، وكأنهم ينطلقون عن مخطط مدروس غايته الخلفية تشكيك أشباه العامة في صلاحية الإسلام للحكم، كي يكونوا مستعدين لقبول كل دعوة ينعق بها المنحرفون، ومن هنا كان تعقيبي هذا بمثابة الرد العام على مزاعم هذه المدرسة جميعا.

فلننظر الآن في مستندات الأستاذ أحمد بهاء الدين التي يعتبرها حججا لا تقبل الرد، وأهمها هو ذلك الخلاف القديم الذي نشب بين الصـحابة حول تفسير القرآن- بزعمه-

والحق أنه لزعم فيه الكثير من الطرافة، ولا مردود له سوى التوكيد على جهل مطبق في تاريخ ذلك الخلاف، إذ المتفق عليه بين أهل العلم أن أول خلاف حدث بين الصحابة كان حول قضية الخلافة، ومن أحق بها من الأنصار والمهاجرين، وقد حل الخلاف برد الأمر إلى نظام الشورى، الذي قرره القرآن الكريم، وأوضحه التطبيق النبوي، فما إن طرح الموضوع على الحوار حتى انتهى الجميع إلى الرضى بحكم اللّه ورسوله، وتمت البيعة للخليفة الأول دون أي خلاف. فأين ما زعمه هذا الكاتب من قصر الخلاف على تباين الآراء حول تفسير القرآن !.

وعلى أساس ذلك التعليل المهزوز يعرض لكلمة أمير المؤمنين علي- رضي اللّه عنه- "القرآن حمال أوجه" ليؤكد بمنطقه المقلوب أن هذا القول من أمير المؤمنين اعتراف قاطع بأن لا سبيل إلى الإجماع على تفسير موحد للقرآن، وإذا كان هذا رأي ذلك الصحابي الجليل، وهو من هو علما وفقها وسعة آفاق وقربا من ظلال النبوة، فلا أمل إذن بالاتفاق على وحدة الاتجاه في فهم كتاب الله..

وأنا لا أستطيع القول بعجز الكاتب عن الإحاطة بمدلول هذه العبارة لو كلف نفسه النظر في موردها، والظروف التي قارنتها. والذي أذكر من ذلك أن عليا قد وجه هذه الكلمة إلى عبد اللّه بن عباس حين هم بإرساله لمحاورة الخارجين عليه، فنبهه إلى أنهم قوم محدودو المدارك يشتبه عليهم مفهوم الآي، فيدخلون في جدال لا محصول له، وإنما عليه أن يكيف أسلوبه معهم وفق مستواهم عملا بقول رسول اللّه- صلى اللّه عليه وسلم-: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله..."[2].

ومعلوم أن الشرارة الأولى في خروج هؤلاء على عَلِيّ كانت إنكارهم قبوله التحكيم في موضع الخلاف بينه وبين معاوية، أخذا منهم بظاهر قوله تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّه} ومن ثَمّ رفعوا شعارهم القائل: "لا حكم إلا للّه".. واعتبروا كل خارج عليه من الكافرين. ومن أجل ذلك كان توجيه علي لابن عمه أن يأخذهم بمنطق السنة المفصلة لمجمل القرآن، لعلمه أن حجتهم الوحيدة في رفض التحكيم هي تقيُّدهم بحرفية النص، وعجزهم عن الإحاطة بمضمونه الفقهي العام..

ولكن الأستاذ أحمد بهاء الدين يأبى الوقوف من عبارة أمير المؤمنين عند حدود المناسبة الخاصة، فيحاول أن يجعلها شاملة لكل ما يتصل بتفسير القرآن، ولا محصول لذلك في النهاية سوى تعطيل علوم التفسير، ومن ثم صرف المسلمين عن كتاب ربهم، الذي لا مندوحة لهم عن الرجوع إلى الراسخين في العلم ليتعلموا منهم ما تعذر عليهم فهمه من آياته ومفرداته.. عملا بأمر الله الذي يقول: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}..

وهكذا رأينا الكاتب يتخذ من عبارة علي- رضي الله عنه- تُكَأةً ينطلق منها إلى إنكار صلاحية القرآن لحكم الشعوب الإسلامية، وكان عليه أن يسأل نفسه إذا كان ذلك كذلك فبأي نظام إذن كان علي ومعاوية يحكمان شعوبهما ؟.. وبأي الأنظمة كانت هذه الأمة تساس طوال هذه القرون.. ؟

ولقد علم كل ذيِ صلة بالتاريخ أن هذه الشريعة الإلهية استمرت تحكم العالم الإسلامي كل هذه الأحقاب، وفي العصر العباسي بسطت جناحيها على أربعمئة مليون من مختلف الأجناس والألسنة، فساستهم بأفضل ما عرف البشر من العدالة والأمن.. وأن كل ما تواجهه اليوم من عقبات في ديار الإسلام إنما وفد عليها من أعدائه، الذين عجزت أسلحتهم عن قهره في سوح المعارك، فعمدوا إلى تطويع جيل من أبنائه للقيام بهذه المهمة، بعد أن غسلوا قلوبهم وأدمغتهم من كل أثر له، فراح هؤلاء يرددون ما لقنهم شياطينهم من مفترياتهم عليه. وليس هجومهم على نظام الحكم في الإسلام هذه الأيام سوى واحدة من صور المعركة بينهم وبين هذا الدين الخالد.

وليت هؤلاء قد رزقوا حظا من الإنصاف، إذن لتذكروا جيدا أن الجيل الذي قاد ملاحم الفتح، فوصل ما بين الصين وأوروبة، تحت راية القرآن، إنما حقق ذلك بفضل التزامه منهجه الأعلى، حتى إذا انتهى الأمر بالأجيال التالية إلى التهاون بذلك المنهج غلبتهم الأهواء فتفرقوا شَذَر مذَر، وفقدوا ما أورثهم السلف الصالح من الأوطان والأمان.. وكفى بهذه التجربة برهانا على أنه لا صلاح لآخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها..

ثم ليس من عاقل يشك أن هؤلاء المتطوعين لتشكيك المسلمين في صلاحية شريعتهم الإلهية، على امتداد العالم الإسلامي، يدركون قدرة هذا الدين على الصمود بوجه كل التيارات الهدامة على اختلاف صورها وألبستها، إلا أنهم مصممون على الاستمرار في طرح وساوسهم، أملا في أن تترك آثارها في نفوس البسطاء من عامة المسلمين، فهم دائبون على قرع آذانهم بمكر الليل والنهار، على الرغم من صدمات الإخفاق التي ما انفكوا يواجهونها في أوساط الشعوب الإسلامية، التي لا تدع المطالبة بتطبيق شريعة الله كلما أتاح لها الطاغوت الحاكم فرصة التعبير عن إيمانها العريق. وقد تجلت هذه الحقيقة على أتمها في استفتاءين أجراهما أنور السادات فكان محصولهما وقوف 90% بجانب الشريعة، ولكن هذه النتيجة ما لبثت أن لفها الصمت المريب؛ لأن المتسلطين على المسلمين لا يريدون حكم الله, الذي لن يكون مساعدا لحماة الفساد على البقاء في قمة السلطان..

والغريب الذي لا نجد له تعليلا هو جرأة أصحاب الأقلام المسمومة على قلب الحقائق والعبث بنتائج الأحداث.. فهذا أحمد بهاء الدين يعترف بقداسة القرآن العظيم ويصرح بأنه (نزل لكل زمان ومكان) ويعتبر تحكيمه أمنية مفضلة لديه.. بيد أنه في النهاية يقرر استحالة تطبيقه، وإذن فلا مندوحة للمسلمين من الانصراف عنه إلى أي نظام آخر سواه، ما دام المسلمون غير مؤهلين- بزعمه- للوصول إلى تفسير للقرآن يجمعون على قبوله.. فهو بذلك كالطبيب الذي يريد علاج الصداع بقطع رأس المريض، بدلا من البحث عن الدواء المناسب.

وما إخال مثقفا من أهل الإسلام يجهل قول الله تعالى في كتابه العزيز {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، فهذه المحكمات هي المحددة لمقاصد الشريعة على الوجه الذي لا تتباين فيه أفهام الثقات من أولي العلم على الدهر {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} وهي التي يتخبط فيها مرضى القلوب ابتغاء الفتنة، ويقف أمامها الراسخون موقف التسليم لحكمة الله، التي لا ينفك الفكر البشري يكشف منها كل يوم جديدا يضاعف إيمانهم واطمئنانهم. وصدق اللّه العظيم القائل في كتابه الكريم: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} (الكهف/ 109).

ومن هذا المنطلق جاء اتساع مجال الرؤية فتباينت المدارك، وتعددت التفاسير دون أي تعارض، بل هو تباين الطاقة على مدى المكتشفات المجدِّدة للمعاني، تحقيقا لوعد اللّه {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت/ 53).

وحسب الكاتبُ أنه قد فرغ من تثبيت ما يريد، فتحول إلى غايته المنشودة من الطعن في ظهور المعتقلين من رجال الإسلام، جامعا أصنافهم في قَرنٍ واحد، وهو يعلم في قرارة نفسه أن بينهم القوم الذين أَحرجَ فساد الحكام صدورهم، فأخرجهم من نطاق الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، إلى منطق الصراع الدموي، وبينهم آخرون لم يفارقوا أسلوب القرآن الحكيم في إسداء النصح الخالص لأئمة المسلمين وعامتهم، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وجدالاً بالتي هي أحسن، وهو إنما يفعل ذلك آخذا بخطة الإعلام اليهودي الذي لا يذكر هؤلاء الإسلاميين إلا باسم المتطرفين، والحنفاء والسلفيين، وإنما يريد بهذا الوصف تنفير الجماهير من دعوتهم، على اعتبار أنها رجعة إلى الآراء ومنع للمسلمين من مواكبة الركب البشري في طريق التقدم!..

ولعل مروجي هذا التشويه نفسهم لا يجهلون أن الإسلام في مفهوم هؤلاء الهداة المحتجزين ليس هو إسلاما أميركيا ولا ماركسيا ولا اشتراكيا ولا صهيونيا ولا شرقيا ولا غربيا، ولكنه الإسلام الذي أنزله الله على قلب عبده محمد، قد عاهدوا الله على التزامه كله فلا مساومة على بعضه، ولا نفاق فيه لحاكم. وأكبر نعم ربهم عليهم أن جعلهم حنفاء مائلين- عن كل شبهة من الشرك، لا يفارقون في كل تصرفاتهم منهج الصدر الأول من السلف الذين سبقوهم بالإيمان.. فلئن حقق الله بهم نصر ملته وإعلاء كلمته فهي سعادتهم التي إليها يتطلعون، وإذا قدر لهم الشهادة في سجون الظالمين، وتحت سياط الجلادين، فإلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين..

ولأعداء اللّه وأعوانهم جهنم, وبئس مثوى المتكبرين..

 

الإسلام في إفريقيا

إن الإسلام ينتشر في إفريقيا بسرعة لا يتأتى عليها الوصف، وإننا لنرى الإسلام أوفق ما يكون لتهذيب الأمم المتخلفة وترقيتها, أما الديانة النصرانية فلا تنالها عقولهم وبذا قد نفع الإسلام المدنية أكثر مما نفعتها النصرانيـة.

إن الإسلام يمتد في إفريقيـا وتسير الفضائل معه حيث سـار فالكـرم والعفـاف والنجدة من آثـاره، والشجـاعة والإقـدام من أنصاره. ومع الأسف إن السـكر والفحش والقمـار تنتشر بين السـكان بانتشـار دعوة المبشرين!.

( إسحاق طيلر )

 

 

 



[1]يلاحظ أن الرجل يعتبر (الأموية) مذهبا.. وهو رأي فات علماء التاريخ والتشريع!.

[2]رواه الديلمي عن علي مرفوعا. ويقول الألباني في (ضعيف الجامع الصغير)رقم270، هو في البخاري موقوفا، والموقوف هو الصحيح.