طباعة

 توثيق النص

 

 

برهان الحق في الخلق (2)

د.عز الدين علي السيد

كلية اللغة العربية

 

 

مَنْ أخطَأوا سِرًها في حكمهم مانوا !

 لله في الكون آياتٌ وبرهان
.

عن الطعومِ ..بها راوٍ وغَصانُ
.

انظر ذَوَاتِ الجهنى والشِّرْبُ مستمد
.

ريحاً ولوناً.. فنسرينٌ وريحان
.

حلوٌ ومرّ وفي الأزهار مختلفٌ
.

لها من الجنس في البستان ذكرانُ
.

وانظر إناثا من الأشجار حانيةً
.

إن لم تَلاَقه لبعد الدار أغصان
.

لواقح الريح رُسْلُ الوصل بينهما
.

له من الخلق بالإتقان إذعان
.

لله في كونه المنظور برهانُ
.

واسألْ بِه البحْرَ في جنبيه ركبانُ
.

فاسألْ بِه النهْرَ عذْبَ الماء يُمْتعُنا
.

-لُطْفاً بنا- برْزخ يعّدوه عدوان
.

ملحاً أجَاجاً.. يلاقي النهر.. بينهما
.

مسخرٌ .. بصنوف الخير ملآن
.

لا يبغيان.. وكل في وظيفته
.

ما مسًهُ الوهنُ منها وهى أطنان
.

فاعجبْ له تحْملُ الأثقالَ صفحتُهُ
.

فيه العجائب منها العقلُ حيران!
.

في جوفه عالمٌ حيّ كعالمنا
.

فكيف تحيا الماء حيتان؟
.

يموتُ منا غريقُ الماء مختنقا
.

من الحياة لها بالأرض حرمان!
.

فإنْ عدَتهْ إلى أرجائنا اختنقَتْ
.

وكيف يولد بين الرمل مرجان؟
.

وكيف تحْمى بأصدافٍ لآلئُهُ
.

ما غاض في الرمل أو أعياه نقصان؟
.

وكيف مرَّتْ دهور وهْو ممتلئ
.

بالعدل ما منهما بالخلف عصيان!
.

والمدُّ والجزْرُ ينتابان شاطئه
.

وكم توَلَّتْ حضاراتٌ وعمران!
.

وكم أقيمتْ على أبعاده مُدُنٌ.
.

وكيف عنه اعتَلَتْ فلأفق ملآن
.

واسألْ به السُّحْبَ مَنْ في الجو أنشأها

يسوقها قادِر.. بالخلق رحمان!
.

مثل الحوامل فوق الأرض جارية
.

ناءتْ بجَدُبٍ عراها فهي كثبانُ
.

ليَفصِلَ الحمْلُ في أرضٍ لنا جُرُزٍ
.

إذْ جاس في العمق منها وهو هتان
.

تهتز أضلاعها من مُزْنه طرَبًا
.

ما مسَّها غير كفِّ الغيث فنان!
.

فتصبح الأرضُ أبهى صورةٍ خلبتْ
.

وحكمةٌ لو صغَت للكون آذان!
.

لله في كونه المنظور برهانُ
.

فما لها عنك إن أخلصتَ كتمان
.

فاسألْ به الأرضَ واسمعْ ما تُرَِّنمُهُ
.

للأرض منها على الأرجاء صوّانُ
.

هذى جبالٌ على الأرجاء شامخةٌ
.

فتأخذَ الكون ويلاتٌ وأحزان
.

تُرْسِ الجوانبَ أنْ تهتزّ مائدةً
.

بيضٌ .. وحُمْرٌ .. وتلك السود غربان
.

فيها عجيبٌ من الألوان.. ذي جُدَدٌ
.

كأنه خالِدٌ والموتُ غفلانُ!
.

وكم بها نحت الجبارُ منزله
.

منها وحوشٌ .. وفُتّاكٌ .. وغزلانُ
.

وكم بها استعصمتْ بين الذرى أممٌ
.

يلتذُّها في الرياض الزهرُ نشوانُ!
.

لم تَعْدم الرزقَ.. تلتذُّ الحياةَ كما
.

فيها من الهول أسدانٌ وغيلان
.

وفي السهول فيافٍ غيْر منْبته
.

حلوٌ تردده للسمع قطعان
.

وفي السهول مراعِ ملؤُها نغَم
.

شتى المشارب أعداءٌ وأحزان
.

وفي السهولٍ طيور كلُّها عجب
.

نجواه للإلْف أسجاعٌ وألحان
.

منها مُغَنٍّ بديعُ الوشى يفْتننا
.

وصائدٌ ماهرٌ للصيد يقظان
.

وكاسِرٌ خاطفٌ تُخشَى بوادرُه
.

عادِ علينا بيوت الرعب طنانُ
.

هذا ذبابٌ بعدْوَى الداء يزعجنا
.

من الرحيق المصفّى وهي ذِبان!
.

وتلك نحْلٌ لنا من بطنها عسلٌ
.

لها العروس العلَى دورٌ وأكنان
.

تَسْعى لكسب الجهني في سُبْلها ذللا
.

لهَالَنْا كائدٌ للشر نهمان!
.

لو لم تُسخَّرْ بوحي الله مبدعها
.

في كل جنس بها للقلب إيقان
.

سبحان من جنّس الأجناسَ مقتدراً
.

لو ناله مِنْ ذوي الألْباب إمعان
.

للّه في كونهِ المنظور برهانُ
.

وذي عيون بها نورٌ ونيرانُ
.

 هذى عيونٌ بعذب الماء دافقة
.

مثل الجنين له في الخلق إبًانُ
.

كم فجْرتْ ضربة في الأرض مِن ذهبٍ
.

فيها لمن ناله حقْد وأضغان
.

هاجتْ به حسداً بين الورى أممٌ
.

يرْقى به شاكر للّه نعْمانُ
.

هذا يفيضُ على الأرجاء في كرم
.

يشقى بها كافرٌ بالرزق خوان
.

وذا يفيض سخيَّ البذل في نقم
.

وكيف خُصت به في الأرض أوطان
.

لم يدْر ذاك ولا هذا مصادرهُ
.

أم سوف يبقى له في البذل إدمان
.

وكم يعيش من الأعوام منطلقا
.

كأنهم بعد طول العمر ما كانوا
.

وباطنُ الأرض يَطْوى كلّ من سبقوا
.

كأنه عالم غشاه نسيان
.

وباطنُ الأرض يحويِ ألفَ معجبةٍ
.

كما به لطغاةِ الكفر بركان
.

من العقاقير والأفلاذ قد حُجَبَتْ
.

لا يدفع القدَرَ الغلابَ طغيان
.

فالله يملي فإن حقت مشيئتهُ
.

آياته فيه عن ما غَابَ إعلانُ
.

لله في كونه المنظور برهان
.

مِن حولنا هو للأسرار ميدان
.

هذا الفضاء الذي بالعين نشهده
.

بل عالمٌ سفّ تستجليه أذهانُ
.

فلا فضاءَ كما تَقْضي سذاجتُنا
.

ومِنْ خلايا لها روحٌ وجثمان
.

فيه البلايينُ مِنْ صوتِ ومن صورٍ
.

لك الخيالُ لهما زخم و إرنان
.

تدورُ أسرَعَ مما قَد يصورُهُ
.

ما كان قبْلُ لها في العقل إمكان
.

قد جسَّمتها لنا بالعلم أجهزة
.

حدَّانِ كالسيف: إيمان وكفران
.

والعلْمُ آية علام الغيوب لهُ
.

لها من الإنس في الآفاق عُقبان
.

شالت به للنجوم الغرِّ أجنحة
.

عَلّ الحياة به تُزهَى وتزدانُ
.

أرْسَتْ على البدْرِ والمريخ تذرعهُ
.

فرعونُ ما اسطاعها بالأمس هامان
.

أمنيَّةٌ كان قبل اليوم يسألها
.

فينشْدَه الصرح مِنْ فرعون بهتان
.

وربُّ موسى عن الأبصار محتجب
.

لكنهم عن صراط الحق عميانُ!
.

اليوم بالعلم للآفاق قد صعدوا
.

وأنت فوق سطور الكون عنوان
.

للّه في كونه المنظور برهانُ
.

ماء مَهينٌ يراعى منه خجلانُ
.

فانظر حياتَكَ (مِكروباً) تَعَلّقَهُ
.

زاد يُقاف وهذا السجنُ دَجْيان
.

كيف استقرَ سجيناً في المضيق على
.

فمضغةٍ وجهُها بالسحب عيمان
.

يسعى به الغيْبُ من ماء إلى عَلَق
.

يَدُ المهيمن مخلوقا له شان
.

تغدو عظاما.. فتُكسَى اللحَم.. تخرجها
.

للقلب حبُّ وإيثارٌ وتحنانُ!
.

يشاهد النورَ إنساناً بطلعته
.

من العناصر ذات الدفع مَنّانُ
.

مركباً بدقيق السرِّ.. ركّبه
.

على الفصول.. وقد ضمتْك أحضانُ
.

دون الحرارة.. فوْق البرد.. مُحتمَلٌ
.

وقد بَدَا لك في الفكين أسنانُ
.

حتى انتعشْتَ به عامين في حَدَبٍ
.

منها عن الثدْي للعينين سلوان
.

لتتْرُكَ الثدْيَ لِلّذاتِ في اُكُلٍ
.

تُطْوَى به من كتاب العمر أزمانُ
.

فانقلْ خُطاكَ معي نسعَى على عجلٍ
.

مضى به الطيّ يُهذِي وهو أسيان

كم فاجأ المرْءَ بين الأهل مِن مرضٍ

وقد أُعِدَّتْ ليفْش الصبرَ أكفانُ
.

لم يُجْدِهِ العلم محتالاً ليشْفيه
.

وعاد في الأرض يجرِي وهو عجلان
.

هذا بجرعة ماء زال قاتِلُه
.

فراح.. ما ردًهُ أهلٌ وخلان!
.
.

وفارهُ الجسم عاق الِموتُ خطوتَهُ
.

قد كان! قد كان! والمفجوع ولهان!

تقول: قد كان مِنْ تَوِّي يحدثني!
.

بَدْءُ الحياة وإن نالتك أشجان!
.

تلك المنايا التي تخشى نوازلها
.

فالْقبرُ في جوْفِهِ نار وبستان
.

مَنْ مات قامَتْ وما نَدْرِي قيامَتُه
.

مِنْ دونها مالكٌ يرنُو ورضوان
.

يطُّلُّ فيه على مثواك نافذةٌ
.

.يُسعِدُكَ في ظله رَوْحٌ وريحان
.

فاعملْ لمثواك في ظل التقى ورعاً
.

فكل ما في الورى للفِكر بَيان
.

وامْشِ الهونَي بفكر للورى يقظٍ
.

إذا انْجَلَى بالهدى عن قلبك الرانُ!
.

وإصْبَعٌ منك فيها ألْفُ واعظةٍ
.

سبحانَ مَنْ صنعهُ في الخلق فرقانٍ !
.

واهتفْ إذا راعك الإعجازُ من عجبٍ
.

فالنفسُ أمارة والشر فتان
.

واسألْهُ للملتَقى مِن عصمةٍ قبسًا
.

والعجْزُ عن كُنهِ ما أبدَعْتَ برهان!
. 

شهدْتُ أنك يا ألله ديانُ
.