طباعة

 توثيق النص

 

 

 

حول الشعر التعليمي (1)

للدكتور صالح آدم بيلو

الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة

 

 

تعريفه:

هو هذا اللون من الشعر الذي يهدف به الشعراء إلى تعليم الناس شئون دنياهم وأخراهم، وتزويدهم بالحقائق والمعلومات المتعلقة بحياة الفرد والجماعة، وأسرار الطبيعة وما وراء الطبيعة..

1- فهو يعالج الأخلاق والعقيدة والعبادة، ويتناول الخير والشر، والفضيلة والرذيلة ، وما ينبغي الإنسان أن يكون عليه، وما يجب أن يتحاشاه ويتباعد عنه يسلك الشاعر في ذلك أساليب الترهيب والترغيب والنصح والعظة..

2- ويتناول التاريخ والسير: فيقرر ويبين الأنساب والأصول والفروع، وتسلسل الحوادث وترتيبها، ويبحث العلل والأسباب، ويربط النتائج بمقدماتها

3- ويعرض للعلوم والفنون والصناعات، فيقرر الحقائق المتعلقة بشأنها، ويضع لها القواعد ويستنبط لها القوانين.

يقوم الشاعر بكل أولئك ليقدمها لقمة سائغة لمن يريد تعليمه، فتعيها ذاكرته، وتسجلها حافظته، فيسهل عليه استدعاؤها واستحضارها في الوقت المناسب.

وبهذا ترى أن الميادين التي يعمل فيها هذا اللون من الأدب، أو الشعر الذي نسميه (تعليميا) ثلاثة ميادين:

(1) أصول الأخلاق والعقائد.

(2) السير والتاريخ.

(3) الحقائق والمعارف المتعلقة بالعلوم والفنون والصناعات.

 

عند اليونان:

عرفت اليونان هذا اللون من الأدب عند جماعة من شعرائها القدامى، ومن أشهرهم (هزيود ) في القرن الثامن قبل الميلاد، وكان من أهم الأعمال المنسوبة إليه قصيدتان: أولاهما التي تتناول موضوعي الأخلاق والعقائد، والمعارف والحقائق المتعلقة بالفنون والصناعات. فهي تتحدث عن الجانب الخلقي وتوجه مجموعة نصائح وعظات بصدد العدالة، والظلم والقناعة والجشع، وعناصر كلٍّ منها، وأصوله ونتائجه بضرب الأمثال والحقائق التاريخية والسماوية والأرضية كما تعرض أعمال الحقل وما يتصل بها، فيبين فصول السنة وما يلائمها من ضروب الزراعة، وما تحتاج إليه من أداة وفن...

والقصيدة الثانية هي: (التيوجونيا).. أو أنساب الآلهة، وتعرض للآلهة، فتبين نشأتهم وأنسابهم وأصولهم وشعبهم، وتترجم لكل منهم، فتفصل وظائفه وأعماله وتاريخ حياته [1].

 

وعند الهنود:

وعرف الهنود أيضا هذا الضرب من الشعر، فراحوا ينظمون به جملة من المعارف والعلوم التطبيقية ، مما دفع (البيروني ) إلى الشكوى من أنهم كانوا يعمدون إلى نظم قواعد الرياضيات والفلك، لأن ذلك يخرجهم أحياناً عن ضبط القواعد وما يستلزمه من دقة في التعبير لا تتسنى في النظم[2] .

 

لدى العرب:

أما بالنسبة للأدب العربي؛ فيذهب الذاهبون إلى أن العرب لم يعرفوا هذا اللوّن من الأدب إلاّ في وقت متأخر نتيجة اتصالهم بالفكر الوافدِ فهناك من يرى أن هذا التأثير ناشئ عن الثقافة الهندية التي اتصل بها العرب في العصر العباسي، ومن هؤلاء الأستاذ أحمد أمين [3] وشكري فيصل[4]، ويرى آخرون أن ذلك من مكتسبات الثقافة اليونانية[5] .

 على أن الدكتور طه حسين يرى أن أبان بن عبد الحميد اللاحقي هو مبتكر هذا الفن في الأدب العربي، إذ يقول: "... يظهر أن أبان هو أول من عني بهذا الفن[6] ...". ويقول عنه في موضع آخر"... فهو إمام طائفة عظيمة من الناظمين، نعني أنه ابتكر في الأدب العربي فنّاً لم يتعاطه أحد من قبله، وهو فن الشعر التعليمي"[7] .

ويذهب شوقي ضيف إلى رأيين متناقضين كلّ التناقض، متعارضين التعارض كلّه، ولا ندري على أيهما استقر رأيه النهائي بإزاء المسألة !.. ففي كتابه: العصر العباسي الأول، يرى أنه " فن استحدثه الشعراء العباسيون، ولم تكن له أصول قديمة، ونقصد فن الشعر التعليمي الذي دفع إليه رقى الحياة العقلية في العصر، فإذا نفر من الشعراء ينظمون بعض المعارف أو بعض السير والأخبار"[8] بينما يذهب الدكتور شوقي ضيف في كتابه الآخر (التطور والتجديد في الشعر الأموي) مذهباً آخر يوشك- في رأينا- أن يكون صائباً، ولكنه لم يسر فيه إلى آخر الشوط، كما سنرى بعد

فهو يذهب ههنا إلى أن الشعر التعليمي ذو نشأة عربية خالصة في آخر القرن الأول الهجري وأول الثاني، أو قل في أواخر دولة الأمويين.. إذ أن أراجيز الرُّجاز و بخاصة رؤبة والعجاج قد كانت متوناً لغوية، وبالتالي فهو النواة والبذرة التي انبنى عليها الشعر التعليمي في جانب الكلام المنظوم، وتطور في جانب النثر فكانت المقامات... ويقول الكاتب : "ونحن نؤمن بأن هؤلاء الرّجاز-وفي مقدمتهم رؤبة- هم الذين أعدوا شعراء العصر العباسي لا للشعر التعليمي فحسب، بل لاقتباسهم للغريب في أشعارهم، فالغريب أصبح جزءا هاما في مادة الشعر عند الشعراء الممتازين من أمثال بشار وأبي نواس وأبي تمام..." [9]

ويقول عن رؤبة وعن أبيه العجاج: "والإنسان لا يلم بديوانيهما حتى يقطع بأنهما كانا يؤلفان أراجيزهما قبل كل شيء من أجل الرواة، ومن اجل أن يمداهم بكل غريب، وكل أسلوب شاذ، ومن هنا كنا نسمي هذه الأراجيز متونا لغوية، وقد بلغت هذه المتون صورها المثالية عند رؤبة، فهو النمو الأخير لهذا العمل التعليمي الذي أرادته المدرسة اللغوية من جهة، والذي استجاب له الرجّاز من جهة أخرى. ولعل هذا ما جعل اللغويين يوقرونه أعظم التوقير، فأبو الفرج يقدمه في ترجمته بقوله: "أخذ عنه وجوه أهل اللغة: وكانوا يقتدون به ويحتجون بشعره ويجعلونه إماماً.." [10]  ويقول الدكتور ضيف: "والأرجوزة الأموية من هذه الناحية تعد أول شعر تعليمي ظهر في اللغة العربية ..[11]"  ويقول: "... ومهما يكن فقد ألهمت الأرجوزة الأموية الشعراء في العصر العباسي أن يقوموا بنظم شعرهم التعليمي، كما ألهمت أصحاب النثر وضع المقامة"[12] .

وهذا الذي ذهب إليه الكاتب يوشك أن يكون صواباً لولا أنه قصر به قليلا... ذلك أننا نرى أن هذا اللون من الأدب لم تكن بذرته قد بذرت في هذه المرحلة من العصر الأموي، ولكن البذرة قد نبتت واستوت على سوقها منذ زمن بعيد بعيد !!.

 

من أين أتت الخدعة ؟

ونحن نرجح تخطئة الذين ذهبوا إلى أن الشعر التعليمي إنما عرفه الأدب العربي مع ما عرفه من الثقافة الدخيلة، والفكر الوافد- شرقيّة وغربيّة، هنديّة ويونانيّة- أو ابتكر في هذا العصر العباسي ابتكاراً بسبب امتزاج الأفكار والثقافات وتوالدها، أو أن الأرجوزة الأموية هي التي وجهت إليه الشعراء العباسيين!..ِ

إن الخطأ قد أتى هؤلاء الكاتبين من جهة (التطبيق).. فهم يُعَرِّفون الشعر التعليمي تعريفاً نظرياً جيداً، واضح الحدود والمعالم، بيّن القسمات والسمات، وحين تأتي مرحلة التطبيق العملي يجانبهم التوفيق، ولا يجدون إلا بعض الجزئيات أو الأقسام في فترة معينة من الزمان تنطبق عليها هذه النظريات، ومن هنا ينطلقون إلى القول بأن هذا الفن كان عدما فيما مضى ثم أصبح له وجود منذ هذه الفترة التي اسُموها بالعصر العباسي، أو على أحسن الفروض العصر الأموي !..

إن هؤلاء الكتّاب يعرفون الشعر التعليمي بمثل ذلك التعريف الذي صدّرنا به هذا الحديث، ثم يقسمونه ثلاثة أقسام كما رأينا.

كل ذلك في أسلوب يخلو في الغالب من المقومات الفنية كالخيال والأسلوب الطلي الجميل بقصد تسهيل الحفظ والتذكر[13] .

ثم هم حين يأتون إلى مرحلة النظر في الأدب العربي منذ جاهليته، وهل حوى نماذج من الشعر التعليمي، يذهبون تلك المذاهب التي أشرنا إليها فيما تقدم !.

 

رأينا:

ومع أن ما في الشعر التعليمي- في عمومه- من مآخذ وعيوب أكثر مما فيه من حسنات وفضائل (وأن ما فيه من مثالب ونقائص لا يدعو إلى الدفاع عنه، والتحمس للقول بأن العرب قد عرفوه في أدبهم، نقرر أن الأدب العربي منذ جاهليته قد شارك في هذا اللون من الفن بكل أقسامه التي قدمناها:

(1) فبالنسبة للتاريخ وذكر القرون الخالية والأمم البائدة، قد امتلأ الأدب العربي بشعر الشعراء في ذلك، وقد كان ذلك أحد المنطلقات التي انطلق منها جماعة من الشعراء خصوصاً أولئك الذين كانوا على شيء من الثقافة الدينية والعلمية كأمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد...[14]  الخ من ذلك قصيدة عدي في منشأ الخلق وقصته خلق آدم وحواء وهبوطهما من الجنة التي يقول فيها:

عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا

 

اسمع حديثاً كما يوماً تُّحدثه

فينا، وعرّفنا آياته الأُولا

 

أن كيف أبدى إله الخلق نعمته

وظلمة لم تدع فتقاً ولا خللا

 

كانت رياح وماءٌ ذو عرانية

وعزل الماء عما كان قد سفلا

 

فأمر الظلمة السوداء فانكشفت

تحت السماء سواء مثل ما فعلا

 

وبسط الأرض بسطاً ثمّ قدّرها

بين النهار وبين الليل قد فصلا

 

وجعل الشمس  مصراً لا خفاء به

وكان أخرها أن صوّر الرجلا

 

قضى لستة أيام خليقته

بنفحة الروح في الجسم الذي جبلا

 

وعاه آدم صوتاً فاستجاب له

ثم استمر الشاعر يتحدث عن خلق حواء وإسكانها مع زوجها الجنة، ونهيهما عن أكل الشجرة، إلى أن أخذ يتحدث عن العقاب الذي أنزل بالحية جزاء ما أغوت آدم وزوجه، فيقولن:

طول الليالي ولم يجعل لها أجلا

 

فلاطها اللّه إذ أغوت خليفته.

والترب تأكله حزناً وأن سهلا [15]

تمشي على بطنها في الدهر ما عمرت

وينظم عدي قصة الزّباء وجذيمة وقصير، تلك القصة التاريخية المشهورة:[16]

ألم تسمع بخطب الأولينا

 

ألا يا أيها المثرى المرجّى

جذيمةُ حين ينجوهم ثبينا

 

دعا بالبقة الأمراء يوماً.

وكان يقول- لو تبع- اليقينا

 

فطاوع أمرهم وعصى قصيراً

ليملك بضعها ولأن تدينا

 

 ودست في صحيفته إليه

ويبدي للفتى الحَين المبينا

 

فأردته ورغب النفس يرد

ولم أرمثل فارسها هجينا

 

وخبّرت العصا الأنباء عنه

وألفى قولها كذباً ومنينا

 

وقدمت الأديم لراهشيه.

وهن المنديات لمن منينا

 

ومن خدر الملاوم والمخازي

ليجدعه، وكان به ضنينا

 

أَطفّ لأنفه الموسي قصير

طلاب الوتر مجدوعاً مشينا

 

فأهواه لمارنه فأضحى

غوائله وما أمنت أمينا [17]

 

وصادفت امرءاً لم تخش منه

وهكذا تسير القصيدة في تصوير الحادثة وقصها... الخ.

(2) فإذا انتقلنا إلى لون آخر من الشعر التعليمي في الجاهلية، وهو ذلك الذي أسموه ( حقائق الفنون والعلوم والصناعات) وجدنا له مثالاً صارخاً للشاعر الجاهلي ( الأخنس بن شهاب) وهذه القصيدة يذكر فيها سكنى قبائل نجد قبيلة قبيلة، فهي من هذه الناحية تدخل في علم تقويم البلدان- أو ما يسمى بالجغرافية- فمما جاء في هذه القصيدة:-

يسائل أطلالا بها لا تجاوب

 

فمن يكُ أمسى في بلاد مقامه

كما نمّق العنوان في الرّق كاتب

 

فلا بنة حطّان بن قيس منازل

عروض إليها يلجؤون وجانب

 

لكل أناس من معدِ عمارة

وإن يأتهم ناس من الهند هارب

 

لكيز لها البحران والسِّيف دونه.

جهام أراق ماءه فهو آيب

 

تطاير من أعجاز حوش كأنها

يحل دونها من اليمامة حاجب

 

وبكر لها برُّ العراق وإن تخف

لها من جبال منتأى ومذاهب

 

وصارت تميم بين قفٍ ورملة

إلى الحرة الرجلاء حيث تحارب

 

وكلب لها خبّ، فرملة عالج

يجالد عنهم خسّر وكتائب

 

وغسّان حيّ عزّهم في سواهم

لهم شرك حول الرصافة لاحب

 

 وبهراء حيّ قد علمنا مكانهم

برازيق عجم تبتغي من تحارب

 

وغارت إياد في السّواد ودونها

مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب

 

ونحن أناس لا حجاز بأرضنا

كمعزى الحجاز أعوزتها الزّرائب [18]

 

ترى رائدات الخيل حول بيوتنا

فالقصيدة- كما ترى- من الشعر التعليمي دون ريب؛ ذلك لأن المقصود منها هو بيان مساكن هذه القبائل في جزيرة العرب والعراق وما إليهما.

(3) أما القسم الثالث من الشعر التعليمي، وهو الذي يتناول العقائد والأخلاق, فهو في الشعر الجاهلي أكثر من أن يحصى عدداً، خصوصاً عند هؤلاء الشعراء من أمثال أمية بن أبي الصلت وعدي، وزهير... فإذا جئنا إلى العصر الأموي، وجدنا هذا الضرب من الشعر قد تمثل بوضوح في عدة موضوعات، أولها: أنه نظمت به الكيمياء- أو الصنعة كما كانوا يسمونها..-ِ فلقد روى المسعودي أن حكيم آل مروان- خالد بن يزيد بن معاوية الذي اشتهر باهتمامه بالكيمياء قد وضع منظومة في هذه الصناعة، ذكر فيها طريقة تحويل المعدن الخسيس إلى جوهر نفيس، يقول فيها:

وما يوجد في الطرق

 

خذ الطّلْق مع الأشْقِ

فدبِّره بلا حرق

 

وشيئاً يشبه البرقا

فقد سوِّدت في الخلق [19]

 

فإن أحببت مولاكا

كما استخدم هذا الشعر في تعليم غريب اللغة  كما قدمنا في صدر هذا الحديث عند الكلام عن الأرجوزة الأموية، التي أسهمت في إبراز صورة الشعر التعليمي العباسي، وفي المقامة في جانب النثر فيما بعد.. ولقد وقعت محاولة لاستخدام هذا اللون في شرح فروع الدين - في رأي عبد الملك بن مروان - من أحد شعراء العصر، فوقف عبد الملك في سبيلهِ ..وذلك فيما يروى من أن الشاعر الأموي ( الراعي النميري) قد أنشد عبد الملك بن مروان قصيدته التي يشكو فيها السعادة وهم يأخذون الزكاة، حتى إذا بلغ قوله:

حنفاء نسجد بكرة وأصيلا

 

أخليفة الرحمن إنّا معشر

حق الزكاة منزلا تنزيلا

 

عرب نرى للّه في أموالنا

قال عبد الملك: ليس هذا شعراً، هذا شرح إسلام وقراءة آية [20]  !...

وهكذا استمر الأمر، نرى شيئا من الشعر التعليمي في هذا الموضع أو ذاك، حتى إذا جاء العصر العباسي، رأينا الشعراء ينظمون به في جملة موضوعات ومسائل علمية وتاريخية وقصصية إظهاراً للبراعة، ودلالة على قدرتهم على التجديد والابتكار، وتدليلاً على أنهم قد ألموا بمعارف العصر، وثقافات الأمم الأخرى التي نقلت إلى العربية.. وأنهم قد صاروا على شيء من هضم هذا الذي ترجم، فهم يسهمون بدورهم في نقله وإيصاله إلى الآخرين عن طريق هذا اللون من الشعر !.. ومن أوائل هؤلاء الشعراء الذين أخذوا من هذا الفن بطرف السيد الحميري (105- 173 ه) الذي كان مفتوناً مغرماً بنظم القصص والمناقب والأخبار التي تروي عن علي وأبنائه. من ذلك ما يروى من أنه سمع محدثاً يذكر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان ساجداً، فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: " نعم المطيّ مطيكما!.." فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولنعم الراكبان هما" !.. فانصرف السيد الحميري من فوره، فقال في ذلك:

وقد جلسا حجره يلعبان

 

أتى حسن والحسين النبي

وكانا لديه بذاك المكان

 

فغدّاهما، ثم حيّاهما

فنعم المطية والراكبان

 

فراحا وتحتهما عاتقاه

حَصان مطهّرة للحصان

 

وليدان أمّهما بَرَّة

فنعم الوليدان والوالدان [21]

 

وشيخهما ابن أبى طالب

ومن ذلك ما يروى من أن علياً كرم الله وجهه. عزم على الركوب، فلبس ثيابه وأراد لبس خفيه فلبس أحدهما، ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه، فانقض عقاب من السماء فأخذ الخف وحلّق به ثم ألقاه، فسقط منه أسود- ثعبان- وانساب فدخل جحراً، فلبس الخف، وحين سمع السيد ذلك قال في سرعة:

لخف أبي الحسين وللحباب

 

ألا يا قوم للعجب العجاب

لينهش رجله منه بناب

 

أتى خفاً له وانساب فيه

من العقبان أو شبه العقاب

 

فخرّ من السماء له عقاب

به للأرض من دون السحاب

 

فطار به، فحلق ثم أهوى

بعيد القعر لم يرتج بباب

 

إلى جحر له فانساب فيه

حديد النّاب أزرق ذو لعاب

 

كريه الوجه أسود ذو بصيص

نقيع سمامه بعد السياب[22].

 

ودفع عن أبي حسن على

وسيد هذا الميدان غير مدافع هو أبان بن الحميد اللاحقي المتوفى سنة 200 ه الذي برع فيه حتى ذهب كثير من الكاتبين إلى أنه مبتدع هذا الفن ومبتكره في الأدب العربي على غير مثال سابق، فنظم في السير والتاريخ الفارسي، إذ نظم سيرة أردشير وسيرة أنو شروان [23]  وكتاب بلوهر, وكتاب حكم الهند[24] ، كما نظم القصيدة المسماة ( ذات الحلل) في نشأة الخلق وأمر الدنيا وضمنها شيئاً من المنطق. ومن الناس من ينسبها إلى أبي العتاهية، والصحيح أنها لأبان[25]. وليس بين أيدي الناس من كلّ أولئك الآن شيء- ونظم كذلك في فرائض الصوم والزكاة أرجوزة مزدوجة، ونظم كليلة ودمنة في خمسة آلاف بيت[26]، أو في أربعة عشر ألف بيت[27]... لم يبق منها إلاّ جزء يسير أورده الصولي في الأوراق, كما أثبت شيئاً من مزدوجة الفرائض.

يقول أبان في مزدوجة الفرائض شارحاً أحكام الصوم والزكاة:

لكل ما قامت به الشرائع

 

هذا كتاب الصوم وهو جامع

فضلاً على من كان ذا بيان

 

من ذلك المنزل في القرآن

من عهده المتبع المرضيِّ

 

ومنه ما جاء عن النيِّ

كما هدى الله به وعلّما

 

صلى الإله وعليه سلّما

من أثر ماضٍ ومن قياس

 

وبعضه على اختلاف الناس

رأي أبي يوسف مما اختاروا

 

والجامع الذي إليه صاروا

فرمضان صومه إذا عرض

 

قال أبو يوسف: أمّا المفترض

من حنث ما يجري على اللسان.

 

والصوم في كفارة الأيمان

الصوم لا يدفع بالإنكار

 

ومعه الحج وفي الظهار

لرأسه فيه الصيام فافهم

 

وخطأ القتل وحلق المحرم

وصومه مفترض موصوف

 

فرمضان شهره معروف

مظاهر يوماً  على محرر

 

والصوم في الظهار إن لم يقدر

فإن ذاك في الصيام مثله

 

والقتل إن لم يك عمداً قتله

متصلان لا مفرّقان