طباعة

 توثيق النص

 

 

 
لا خيرة للمؤمن إذا قضى الله ورسوله
الشيخ أبو بكر الجزائري

الأستاذ بالدراسات العليا بالجامعة

 
 

قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} (الأحزاب الآية: 36)

ببين يدي الآيـة

الحمد لله. وبعد: فإن هذه الآية الكريمة تعتبر لدى المتأمل فيها دليل الإيمان الذي به يعرف وجوده مِن عَدَمِه. وإلى القارئ الكريم بيان وجه ذلك:

لقد شاع بين العرب - في الجاهلية وفى صدر الإسلام أيضا- شاع بينهم عادة التبنّي وهي أن ينسب المرء ولد غيره إليه, فيكون ابنه بالتبني ويترتب على ذلك أحكام البنوَّة تامة من إرث ودية وعقل  وحرمة نكاح. ولما كانت هذه العادة قائمة على أساس الباطل من الكذب والزور ، إذ ابن الرجل لا يكون ابن غيره بمجرد الدعوى والانتساب، كما قال تعالى في المظاهر منهن من الزوجات: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} ولمـا كانت هذه العادة الباطلة مظهراً من مظاهر الخلخلة والضعف فـي المجتمع نزل القرآن الكريم بإبطالها نهائياً وإلقائها خارج المجتمع الإيماني كغيرها مما هو باطل وشر مما كان سائداً في المجتمع الجاهلي .

قال تعالى من سورة آيتنا هذه التي نريد تفسيرها للقراء الكرام: {مَا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}، أي بأن يُقَالَ لمن كان مُتَبَنّيً: أخي، أو مولاي.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنّى في الجاهلية قبل أن يوحى إليه زيد بن حـارثة الكلبي, وسبب ذلك أن زيداً جاء به حكيم بن حزام بن خويلد مع رقيق من الشام فدخلت عليه عمته خديجة وهى يومئذ زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لها حكيم: اختاري يا عمتي من هؤلاء الغلمان ما شئت فاختارت زيداً، ثم استوهبها إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبته إياه فاعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه, فكان يعرف بزيد بن محمد صلى الله عليه وسلم, وجاء الإسلام فأسلم زيد أول من أسلم من الموالي ولما نزلت الآية المذكورة آنفاً وفيها: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} قال زيد: أنا زيد بن حارثة راغباً عن نسبة التبني إلى نسبة البنوة الحقة .

وكونه يتخلى عن النسبة الكلامية هذا أمر سهل، ولكن الصعب التخلي عن أحكام التبني كنكاح امرأة المتبني مثلا، فهذا لا يقدر عليه إلا شجعان العقول والقلوب. وأراد الله تعالى القضاء على هذه العادة نهائياً وبكل تبعاتها، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يزوج مولاه زيداً، وأعلمه أنه سيطلقها بإرادته واختياره ، وأنه سيزوجه بها بعد طلاق زيد لها.

 فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب لمولاه زيدا ووقـع اختياره على ابنة عمته: زينب بنت جحش رضي الله عنها فخطبها, فظنت أنها مخطوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهشت لذلك وأسرت فرحها, غير أنه بعد قليل تبينت أنها مخطوبة على زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهنا آثرت لشرفها وكرامتها على خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقالت: مثل هذا لا يكون: شريفة تتزوج مولى من موالى العرب ماذا يقول الناس إذا سمعوا ؟؟  ووقف إلى جنبها أخوها القائد البطل عبد الله بن جحش وأعلنا التأبي الكامل والامتناع التام- وإذا أراد الله أمراً لا بد أن يكون، فأنزل الله تعالى آيتنا هذه التـي نعتزم شرحها: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ...}الخ

وفهم عبد الله وأخـته رضي الله عنهما أنهما مقصودان بالذات، وأن الآية وضعت حداً بين الكفر والإيمان ولم يبق لهما مجال للاختيار، إذ هو الكفر أو الإيمان فقط، وآثرا الإيمان على الكفر وأسلما أمرهما لله، ونفذا حكم الله وحكم رسوله فيهما وتزوجت زينب زيد بن حارثة وهى طائعة مختارة, وضحت بالكرامة الاجتماعية والصرف القبلي.

وتزوج زيد ولم يطق الحياة مع امرأة ليس هو كفؤاً لها في شرف النسب, والمكانة الاجتماعية إذ زيد مولى وزينب شريفة قرشية, فما كـان منه إ لا أن طلقها بعد أن بذل رسوله الله صلى الله عليه وسلم جهداً فى حمله على الصبر معها والإبقاء على رابطة الزوجية بينهما ولم يفلح فـي ذلك؛ لأن قدر الله كان مقدوراً, وفي هذا المعنى يقول الله تعال: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله}, وطلقها زيد وزوجها الله تعالى رسوله، فأصبحت بعد ذلك أم المؤمنين رضي الله عنها.

والشاهد أيها القارئ من هذه المقدمة أن تعلم أن هذه ا الآية الكريمة { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } هي معيار الإيمان ودليل وجوده أو عدمه؛ فمن جاءه أمر الله أو أمر رسوله الجـازم ورده بوصفه أنه حر ومختار في تصرفاته الشخصية إن شاء قبل الأمر أو رفضه، وإن شاء نفذ حكم الله تعالى وحكم رسوله أو نبذه وأهمله، فهذا العبد ما هو بمؤمن ولا يعد فرداً من أفراد المؤمنين إذ الآية تنفي وجود إيمان صحيح مع اختيار حر بالرفض والقبول لأحكام الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وأعد قراءة الآية وتأمل فإنك ترى ذلك واضحاً بحمد الله تعالى.

 

تفسير الآية الكريمة

سبب نزولها:

قال القرطبي رحمه الله فى تفسيره الجامع لأحكام القرآن عند شرحه لهذه الآيـة:

"روى قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته, فظنت أن الخطبة لنفسه, فلما تبين أنه يريدها لزيد مولاه كرهت وأبت وامتنعت وأمتنع معها أخوها عبد الله بن جحش لنسبها من قريش، وأن زيدا كان بالأمس عبداً, إلى أن نزلت هذه ا لآية فقال له أخوها مرنا بما شئت, فزوجهـا من زيد".

 

مباحث بعض ألفاظ الآية

(ما كان لمؤمن): هذه الصيغة من التعبير يؤتى بها لنفي الشأن والحـال لأنها أبلغ من نفي الفعل فقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً} أبلغ مما لو قـال لا يقتل مؤمن مؤمنا لأن الأولى لنفى الشأن أي أن هذا الفعل لا يتأتى لصاحبه مع الإيمان بحال من الأحوال. وأما الثانية فهي لنفي الفعل فقط.

كما أن هذا التعبير في الآية أبلغ مما لو قال: لا يختر مؤمن على قضاء الله ورسوله قضاء غيرهما ولا على حكمهما حكم سواهما.

القضـاء: الحكم بالشيء والأمر به على وجه الإلزام فعلا كان أو تركا.

الأمـر: يكون بمعنى الطلب وجمعه أوامر، وصيغته افعل, ويكون بمعنـى الشأن والحال ، وهو المقصود في هذه الآية.

الخِـيرَة: مصدر بمعنـى الاختيار. وهو بكسر الخاء وفتح الياء على وزن طِيرة وفعل الأول تخير والثاني تطير وزنتهما هذه غريبة ولا نظير لها في المصادر ويقال بشذوذ الخِيْرة والطِيرة بسكون الياء فيهما مع كسر الأول منهما.

المعصية: مخالفة الأمر أو النهي مع القدرة على عدم المخالفة, وتكون المعصيّة كفراً وتكون دون ذلك, وأخوف آية في القرآن في باب المعصيّة قوله تعالى من سورة الجن: {وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} إذ حكمت على العصاة بالنار والخلود الأبدي فيها وهذا لا يكون إلا مع الكفر والعياذ بالله تعالى.

الضّـلال: مجانبة الطريق الموصل إلى القصد, وتنكبه والبعد عنه بقصد أو بغير قصد، وكل عاص لله ورسوله فى أحكامهما فهو ضال ، لأن المعصيّة توجب له الشقاء والخسران ، وهو يريد الربح والسعادة، فلما عصى سلك للربح والسعادة غير طريقهما فهو لذلك ضال.

 

معنى الآية الكريمة: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ...}.

أي ليس من شأن المؤمن ولا مما يتأتـى له أو يصح منه بحال: أن يحكم الله تعالى في شـيء أو يأمر به أمر إيجاب, وكذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره المقتضي للوجوب, ويكون المؤمن مختاراً معه إن شاء نفّذ الحكم وإن شاء تركه، إن شاء امتثل الأمر وإن شاء أهمله، فمثل هذا الاختيار مع حكم الله ورسوله وقضائهما لا يجامع الإيمان ولا يخالطه أبداً فمتى كان الاختيار ذهب الإيمان ، ومتى انتفى الاختيار ثبت الإيمان وهذا الذي فهمه عبد الله بن جحش وأخته زينب رضي الله عنهما حين نزلت الآية ومن ثَم عدلاَ عن رأيهما واختيارهما وقبلا حكم الله تعالى ورسوله ونفذاه فوراً وقال عبد الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مرني بما شئت.

فَمنْ أراد التخيّر في قضاء الله ورسوله فقد آثر الكفر على الإيمان والمعصيّة على الطاعة، ومن يعص الله ورسوله فيما يأمران به وينهيان عنه مما هو عقائد وشرائع وأحكام فقد ضلّ طريق الفلاح والنجاح وسلك سبيل الخيبة والخسران والعياذ بالله.

 

هداية الآية:

إن من هداية هذه الآية وضعَها الحد الفاصل بين الكفر والإيمان كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" وقال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" فجعل إقام الصلاة حداً فاصلاً بين الكفر والإيمان.

فكذلك هذه الآية، فإنها أفهمت أن من يزعم أن له حق الرفض والقبول في شرائع الله تعالى والتخيّر بينها فما وافق مصالحه وناسب هواه وشهواته، اعتقده أو قال به أو عمله وما تنافى مع مصالحه أو هواه أو شهواته رفضه معتذراً أو غير معتذر ، فإنه كافر غير مؤمن ولا مسلم, فإما أن يراجع دين الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح ، وإلا فليس هو بمؤمن ؛ وذلك لأن الإيمان يثمر الإسلام وهو الإذعان والانقياد لأحكام الله وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم. ودلالة الإسلام على الإيمان كدلالة الثمر على الشجر، فلا يتصور وجود ثمر بلا شجر, كما لا يتصور وجود إيمان بلا إسلام, هذه حقيقة قررتها هذه الآية، وبالرجوع إلى سبب نزول الآية والتأمل فيه -وقد تقدم- تتجلى هذه الحقيقة واضحة أكثر، والله المستعان.

 

ثمرة الإسلام لله تعالى:

إذا كان الإيمان يثمر الإسلام فإن الإسلام يثمر الرفعة وعلو الشأن, إن زيداً لمـا أسلم لله، وتخلى عن أحب شـيء إليه وأعزه عنده وهو نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يدعى زيد بن محمد فأصبح يدعى زيد بن حارثة الكلبي, أثمر له إسلامه لله تعالى وانقياده له عزّاً ورفعة لم يظفر بهما سواه فخلد الله ذكره. فاسم زيد الذي هو علم عليه يقرأ في كتاب الله الليل والنهار من ملايين المسلمين وذلك الدهر كله, ولم يكن ذلك لأحد من المسلمين إلا لزيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه...

وإن زينب بنت جحش رضي الله عنها قد أثمر لها إسلامها رفعة لا تسامى وشرفا لا يرام ، فقد تنازلت عن كرامتها وشرفها لله تعالى فعوضها الله أعظم منهما فأصبحت بعد زواجها من زيد المولى زوجاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأُماً لـكل المؤمنين وزاد في شرفها وعلو قدرها ورفعة مكـانتها أن تولى لله تعالى عقد نكاحها, فكـانت تفخر بهذا الشرف على نساء الرسول صلى الله عليه وسلم وتقول:"ما منكن امرأة إلا وتولى وليها عقد نكاحها، إلا أنا فقد تولى الله تعالى عقد نكـاحي من فوق سبع سماوات". وتقريراً لهذه الحقيقة نورد حديث أبي هريرة عند مسلم وفيه يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوِ إلا عزاً, وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله ".

 

ما في الآية من مسائل:

(1) المسألة الأصولية المعروفة وهي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، إذ سبب نزول الآية كـان امتناع زينب من الزواج بزيد ، ولكن حكمها عام في كل مؤمن ومؤمنة كما دلت عليه الصيغة الكلامية .

(2) وجوب الستر على المؤمن وعدم التصريح باسمه عند وعظه أو نصحه ؛ إذ المقصود في الآية زينب وأخوها عبد الله رضي الله عنهما, ولكن التعبير كان بلفظ مؤمن ومؤمنة.

(3) ما بين الكفر والإيمان إلا الإسلام، فمن لم يسلم بالإعلان عن استعداده التام لطاعة الله ورسوله فليس بمؤمن؛ إذ الآية نفت الإيمان عمن لا يرى ذلك ولا يباشره بفعل الواجبات وترك المحرمات.

(4) طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عبارة عن نهج يفضي بسالكه إلى دار السعادة وهي الجنة فمن ترك طاعة الله ورسوله فقد خرج عن ذلك النهج، وسار في نهج آخر يفضي بسالكه إلى دار الشقاوة والخسران، وهي النار، والعياذ بالله تعالى.