|
|
|
|
|
|
|
جيش العسرة: يحمي المدينة… ويؤَمِّن حدود الجزيرة |
|
|
للدكتور عبد العظيم حامد
خطاب |
|
|
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول
الدين بالجامعة |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ألقت الهجرة على المدينة المنورة عبء الدفاع عن
الإسلام والتكلم باسمه، إذ أصبحت مقر الحكومة الإسلامية, وملاذ المهاجرين
بدينهم، والقلعة الأولى من قلاع التوحيد.. منها تخرج السرايا والجيوش لحماية
الإسلام. ولبثِ الرهبة في قلوب أعدائه لكي يأخذ الإسلام مساره إلى كافة الأرجاء
دون معارضة أو صدود.. |
|
|
ألا يكفي أن الإسلام خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة
؟ هل يسكت حتى يخرج من المدينة أيضا؟.. لم يكن بوسع الرسول صلى اللّه عليه وسلم
القائد النابه أن يسكت على الضيم، أو يدعْ رسولا من رسله يقتل، أو مبشراً بدعوة
الإسلام يغتال أو قافلة من قوافل المسلمين تصادر, أو عهداً من عهوده ينقض بلا
عقاب رادع، وجزاء فوري، يرد للمسلمين هيبتهم، وللمدينة كلمتها العزيزة المنيعة. |
|
|
بل لابد للمهاجرين- المصادَرةُ أملاكهم في مكة,
المطرودين من ديارهم فرارا بدينهم- أن يستردوا حقهم.. أو يثأروا للظلم الذي وقع
عليهم.. ولا بد للدولة الناشئة الفتية الجديدة أن تثبت وجودها، في وسط هذا البحر
الهائج بوحشية الكفر وبربرية الوثنية الباقية على الأرض العربية. |
|
|
وإذا كانت الغلبة في مثل هذا الجو للقوة المسلحة
وقلوب الرجال وسواعدهم، فلا بد من أن يتخذ الإسلام جانب القوة حتى يتغلب على
الكفر والبربرية, ليمكن أن ينشر بين الناس فيح تعاليمه العبقة وينشر أزاهيره
النضرة، ويضيف إلى المجتمع أسمى تعاليم، لبناء الحياة خضوعا للّه ذي القوة
والجبروت. فالإسلام هنا اتخذ أهبته الحربية بالإضافة إلى سمو تعاليمه وقوة رجاله
وفدائيتهم. وأخذ بأسباب النصر.. ومن هنا كان دفاع الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن
المدينة.. |
|
|
يمكن القول بأن أول الغزوات التي استهدفت حماية
المدينة من ناحية الشمال والمحافظة على تجارتها القادمة من الشام.. تلك الحملة
التي خرج فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أواخر شهر ربيع الأول من السنة
الرابعة من الهجرة النبوية إلى منطقة عرفت ( بدومة الجندل )[1]
وبينها وبين دمشق خمس ليال.. وكان بهذه البلدة عصابة تعرضت لتجـارة المدينة،
وأضرت بها ضررا بليغا.. بل بلغ من فسادها أن فكرت في الإغارة على المدينة ذاتها. |
|
|
أما عن أخبار هذه الغزوة المباركة فقد ذكر مؤرخو
السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج في ألف من المسلمين. كانوا يسيرون ليلا
ويكمنون نهارا, حتى وصلت بعد خمس عشرة ليلة إلى ( دومة الجندل ) وفاجأ الرسول
أهل هذه البلدة الظالمة فاستاق النّعَم والشاء وهرب أهل البلدة ورجال حربها
وتفرقوا. فأقام صلى الله عليه وسلم أياما وبث السرايا في أنحاء المناطق المجاورة,
ثم رجع الرسول بعد أن أقام أياما بما غنم, وقد خلع القلوب رهبة من فدائية
رجاله.. وهيبة جلاله.. ولعل هذا الامتداد إلى الشمال هو الذي دفع الأحزاب أن
تتماسك وتتعاهد على محاربة الرسول في المدينة مرة أخرى بعد غزوة أحـد. |
|
|
وكان لمشروع مهاجمة المدينة والقضاء على دولة
التوحيد أنصار ودعاة. فأول الدعاة لهدم هذه المدينة المناضلة هم اليهود. ومن
الغريب العجيب في غزوة الأحزاب أن اليهود وهم أهل كتاب منّزل تحالفوا مع قريش
الوثنية على محاربة الرسول والقضاء على دعوته مع أنهم يعرفون صدقها ويجدون ذلك
في كتابهم ولكنه الغل والحسد والتكبر. ويروى أن قريشا قالت: "يا معشر يهود
إنكم أهل الكتاب الأول والعلم.. أخبرونا عما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد…
أديننا خير أم دين محمد؟. فنحن نعمر البيت وننحر الإبل ضيافة ونسقي الحجيج ونعبد
الأصنام " فماذا كان رد اليهود؟ قالوا: "لا اللهم أنتم أولى بالحق منه"
فأنزل اللّه تعالى قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ
الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً}[2] . |
|
|
وتحصن المسلمون بالخندق الذي أشار بحفره
سلمان الفارسي. رغم ما في مشروعه من الجهد والمشقة. وسلمت المدينة من الحصار؛
حصار الأحزاب للمدينة المنورة {وَرَدَّ اللَّهُ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً} وتفرقت
الأحزاب, وانهار آخر أمل للكفار في القضاء على المدينة وسيادتها وزعامتها, بل
ازدادت قوة… ففي شعبان من السنة السادسة
خرج الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف إِلى (دومة الجندل) أميراً على سبعمائة
رجل، ويقال إِن الرسول صلى اللّه عليه وسلم نقض عمامته
[3] بيده الكريمة، وعممه بعمامة سوداء
وأرخى له ذؤابة ( عذبة) بين كتفيه منها ثم قال له: "هكذا
فاعتم يا ابن عوف" وزوده بنصـيحة، أو إن شئت بأمر فقال له: "اغزُ باسم اللّه، وفي سبيل اللّه، فقاتل من كفر
باللّه، ولا تغُل ولا تغدر، ولا تقتل وليداً ، فهذا عهد اللّه وسيرة نبيه فيكم". |
|
|
وخرج ابن عوف مقلدا بعمامة الرسول مزودا بأمره
متوكلا على ربه فلما بلغ الجيش (دومة الجندل) مكث عبد الرحمن بها يدعوهم إِلى
الإسلام ثلاثة أيام, فأسلم ملكهم (الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة) فتزوج عبد الرحمن
بابنته تماضر، تنفيذا لوصية الرسول له حين وجهه إليه, وأسلم بإسلام الأصبغ ناس
كثيرون من قومه, وأقام من أقام على إعطاء الجزية التي كانت أقل من ضرائب الروم
وإتاواتهم. |
|
|
|
|
|
الفرس والروم |
|
|
كانت القوى المسيطرة على شمال الجزيرة العربية في
العراق والشام تتمثل في الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية الشرقية
(البيزنطية) وكان بينهما نزاع طويل حول السيطرة على الشام ومصر. وكان الفرس قد
استولوا في الفترة بين (615- 626 م) على بيت المقدس ومصر جميعا. مع ما لبيت المقدس
من مركز مرموق في الدولة البيزنطية المسيحية، فكان استلاب الأماكن المقدسة
المسيحية ضربة قاسية أثارت الروم. فأرسلوا عدة حملات استهدفت إعادة الأرض
المقدسة ومصر إِلى أًقاليم وسيطرة الدولة. وبالفعل تمكن الإمبراطور هرقل الأول
إمبراطور الروم (610- 641 م) من إِعادة مصر والشام إِلى الحكم البيزنطي. |
|
|
وفي الوقت الذي ارتقبت فيه الدولتان فترة هدوء حقيقي
تستردان فيها قوتهما، وتعيدان تعمير بلادهما بعد الصلح الذي تم بينهما في (7 هـ/
628 م) وصل إلى كليهما رسول نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم يدعوهما إِلى
الإسلام، ونبذ ما يعبدان من دون الله. |
|
|
لم يكن العرب من قبل خطرا يهدد الدولتين وبخاصة أن
أحلافا قد عقدت بين هاتين الدولتين والقبائل العربية المنتشرة في الشمال الشرقي
والغربي للجزيرة العربية. ولم يكن يدور بخَلَد أي من الدولتين أن قبائل العرب
المشتتة المتفرقة قد تتحد يوما، فضلا عن أن تصبح خطرا جديدا يعمل له حساب.... |
|
|
في هذا الوقت كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد عمل
على توحيد شبه الجزيرة العربية بعد فتح مكة ونزل قول اللّه تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}. ودانت أغلب قبائل
الجزيرة العربية بالإسلام. |
|
|
كان المسلمون يتحرقون شوقا إلى حمل رسالة السماء إلى
أنحاء الأرض ولم يكن المنفذ الطبيعي للدعوة والمكان المرتقب للامتداد البشري
للجزيرة العربية، إلا أرض هاتين الدولتين الفرس والروم في بلاد العراق والشام.
وكان على هؤلاء المسلمين أن يقوموا في وجه أكبر قوتين حربيتين في العالم في ذلك
الوقت، مع ما توافر لكل منهما من الخبرة الحربية والعدة والأموال الضخمة
والبراعة العسكرية. |
|
|
اتجهت حملات الرسول صلى اللّه عليه وسلم صوب القبائل
العربية المتعاقدة مع الفرس والروم بهدف إِخضاع تلك القبائل وعرض الإسلام عليها،
لعلها تحمل رسالة الإِسلام إلى ما وراءها من هذا العالم. فقد وجه الرسول قبل فتح
مكة عدة غزوات في هذا الاتجاه، منها الحملة العسكرية ضد دومة الجندل التي أشرنا
إليها. ثم غزوة مؤته[4] التي لاقت جموعا كبيرة من الروم. وتحرف
خالد بن الوليد فاستنقذ المسلمين من عدوهم وعاد بهم ظافرين. وغزوة ذات السلاسل[5] التي استنفر فيها الرسول أصحابه نحو
الشام لحرب قضاعة بأرض جذام، وجعل أمير جيش المسلمين عمرو بن العاص السهمي،
وأمده بجيش جعل أميره أبا عبيدة بن الجراح ومعه كبار المهاجرين كأبي بكر وعمر
وكبار الأنصار. |
|
|
وقد حققت تلك الغزوات أهدافها من حيث إظهار القوة
الإسلامية، وتمزيق الأحلاف مع غير الإسلام.كما أذاعت الإسلام على حدود دولتي
الفرس والروم، وأجبرت القبائل التي بقيت على المسيحية على التعاقد مع الإسلام
والخضوع لقوته. |
|
|
|
|
|
جيش العسرة |
|
|
علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعوا
جيوشهم مرة أخرى على الحدود المتاخمة لجزيرة العربية. وقد اجتهد هرقل إمبراطور
الروم المنتصر على الفرس بالأمس القريب، أن يجمع جيشا أراد به أن يتوج حياته
بنصر كبير يحفظ للإمبراطورية البيزنطية هيبتها. |
|
|
لم يكن أمام المسلمين اختيار بين السلم والحرب،
وإنما فرضت الحرب نفسها عليهم وعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على مواجهة جيوش
الدولة البيزنطية والاصطدام معها, بل والانتصار لمعركة مؤتة والأخذ بثأر جعفر بن
أبي طالب وشهداء الإسلام. |
|
|
ولكن.. في أي ظروف اختار الرسول وقت المعركة.. لم
ينتظر عليه السلم، خشية أن تهاجم جيوش الروم أرض الإسلام, فأسرع فأمر بتجهيز
الجيش وأمر بالجهاد يقول ابن إسحاق: "كانت غزوة في زمن عسرة من الناس وجدب
من البلادِ والناس في شدة"[6].
وحين أمر بالجهاد كانت الثمار قد طابتْ فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم،
ويكرهون الشخوص لأن السفر طويل ومرهق، والعدو قوي وله ماض في الحروب طويل. |
|
|
|
|
|
المبادرة لأمر الرسـول |
|
|
كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد الخروج
لغزوة ورىَّ[7]
بغيرها، إلا في هذه المرة فإِنه ذكر أنه يعتزم إخضاع الروم ومنازلتهم. وما فعل
ذلك إلا لقوة العدو، وبُعد الطريق، وبذل غاية القوة. فحضَّ عليه السلام على
الجهاد ورغب فيه وبعث إلى قبائل الجزيرة وإلى مكة يستنفر أهلها على عدوهم، فوفد
المسلمون يتسابقون إلى مرضاته وطاعته, وأمر بالصدقة وتجهيز الجيش. فحملت الصدقات
الكثيرة إليه صلى الله عليه وسلم. |
|
|
فأول من حمل صدقته أبو بكر الصديق جاء بماله كله:
أربعة آلاف درهم وما أبقى لأهله شيئا وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله وبلغ عمر ما
جاء به أبو بكر رضي الله عنه فقال: "ما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه"[8]
. وحمل العباس بن عبد المطلب تسعين ألف درهم, وعبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية من
الذهب, وجهز عثمان بن عفان ثلث الجيش, ثم جاء بألف دينار ففرغها في حجر النبي
صلى اللّه عليه وسلم فجعل يقلبها ويقول: "ما ضر
عثمان ما فعل بعد اليوم". وتبادر المسلمون في النفقة، حتى كان الرجل
يأتي بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، ويأتي أحدهم بالبعير إلى الرجل والرجلين
فيقول: "هذا بينكما تعتقبانه"[9]
. وتبرعت النساء بكل ما قدرن عليه فكن يلقين في ثوب مبسوط بالمعاضد والخلاخل
والخدمات والأقرطة والخواتيم[10] . |
|
|
وأنفق صلى اللّه عليه وسلم كل ذلك على الجيش حتى
فرغت النفقة، وجاءه رجال يطلبون منه أن يجهزهم للحرب، فاعتذر عن ذلك, والمشهور
من بينهم سبعة رجال وهم من يقال لهم: (البكاؤون), جاءوا يستحملون رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة فقال لهم: "لا
أجد ما أحملكم عليه" فتولوا يبكون قائلين: "ليس عندنا ما نتقوى
به على الخروج ونحن نكره أن تفوتنا غزوة في سبيل اللّه" . |
|
|
ولقد حقق الله أملهم فحمل العباس رضي اللّه عنه
رجلين، وحمل يامين بن عمرو ابن كعب رجلين منهم، فأعطاهما بعيرا يرتحلانه، وزود
كل منهما صاعين من تمر, وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة رجال[11]
. |
|
|
وفي الوقت الذي يتبادر فيه المسلمون إلى تنفيذ أمر
الرسول صلى اللّه عليه وسلم جاء بعض الأعراب يعتذرون، فلم يأذن لهم الرسول. وجاء
المنافقون يستأذنون من غير علة فأذن لهم. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول قد عسكر وحده عند جبل
ذباب[12]
، أسفل معسكر المسلمين عند ثَنية الوداع[13] فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم
تخلف عنه في طائفة من المنافقين وأهل الرِّيَب[14] .
وأراد أن يوهن قلوب المؤمنين فرجع قائلا: "يغزو محمد بني الأصفر مع جهد
الحال والحر والبلد البعيد، أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب ؟ وقال: واللّه
لكأني أنظر إلى أصحابه غدا مقرنين في الحبال"[15]
. |
|
|
خرج الرسول في رجب من السنة التاسعة للهجرة على طريق
التصميم والجهاد وحوله المسلمون ؛ ثلاثون ألف جندي وعشرة آلاف فرس اثنا عشر ألف
بعير, وقيل عدد الجيش سبعون ألفا
[16] .
وأمر الرسول بأن لا يخرج رجل إلا ومعه دابة قوية ذلول. وحدث أن خرج رجل على بعير
صعب القياد فعدا به فصرعه في الطريق، فقال الناس: "الشهيد.. الشهيد"
فبعث الرسول مناديا ينادي " لا يدخل الجنة إلا
مؤمن أو إِلا نفس مؤمنة، ولا يدخل الجنة عاص"[17] فمخالفة أمر الرسول عصيان ويحبط العمل.
وفي الطريق إِلى تبوك جهد المسلمون جهدا شديدا، ولكنهم رأوا ما يثّبت قلوبهم على
الحق، من علامات النبوة ورعاية الله سبحانه وتعالى لرسوله وللمجاهدين في سبيله،
فقد تقَوَّل المنافقون على الرسول، فأظهره الله على مقالتهم وأعلمه ما يقولون..
وجمع الرسول بين الظهر والعصر. فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر ثم يجمع بينهما حتى
رجع من تبوك[18]
. |
|
|
وعارضه في مسيره حية عظيمة، فأقبلت حتى رافقت رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو على راحلته طويلا، والناس ينظرون إليها ثم التوت
حتى اعتزلت الطريق.. فأقبل الناس حتى لحقوا رسول الله، فقال لهم: "هل تدرون من هذه.. ؟" قالوا: "الله
ورسوله أعلم"، قال: "هذا أحد الرهط الثمانية
من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآنس[19]
، فرأى عليه من الحق حين ألم رسول الله ببلده أن يسلم عليه، وهاهو ذا يقرئكم
السلام، فسلموا عليه, فقال الناس جميعا: وعليه السلام ورحمة الله"
[20]
. |
|
|
الثمرات السبع: كما ظهرت معجزات للرسول كثيرة منها: البركة في
الطعام القليل.. والمثل لذلك ما ذكر من أن العرباض بن سارية
[21]
كان يلزم باب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في الحضر والسفر, فترك الباب قليلا
ليقضي حاجة له، ثم عاد وقد تعشى الرسول ومن معه من أضيافه، وهو يريد أن يدخل
قبته على أم سلمة أم المؤمنين, فلما رأى العرباض سأله عن غيبته فأخبره, ثم جاء
جعال بن سراقة، وعبد الله بن مغفل المزني وثلاثتهم جياع، فطلب عليه الصلاة
والسلام في بيته شيئا ليأكلوه فلم يجدْ فنادى بلالا:"هل
من عشاء لهؤلاء النفر؟" فقال لا.. والذي بعثك بالحق لقد نفضنا
جرُبَنَا وحُمُتَنَا
[22] قال: "انظر
عسى أن تجد شيئا", ورغم أن بلالا يعلم تماما أنه ليس بالجرب شـيء من
التمر, ولكن امتثالا لأمر الرسول أخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا.. فتقع من بعض
الجرب التمرة والتمرتان حتى اجتمع له سبع تمرات, فوضعها عليه السلام في صحفة
وسمى اللّه تعالى تم قال: "كلوا باسم اللّه"
فأكلوا... وأحصى العرباض أربعا وخمسين تمرة أكلها، يعدها بيده, وأكل كل واحد من
الآخرين خمسين تمرة, ورفعوا أيديهم فإذا التمرات السبع كما هي.. فقال الرسول: "يا بلال، ارفعها في جرابك فانه لا يأكل منه أحد إِلا
نهل شبعا". |
|
|
وبات الثلاثة حول قبة رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم وقام يتهجد على عادته, فلما صلى بالناس الصبح جلس بفناء قبته،
وحوله عشرة من الفقراء فقال: "هل لكم في الغداء؟"
فقال عرباض في نفسه: أيُ غَذَاء؟ فدعا بلالا بالتمر فوضع يده عليه في
الصحفة ثم قال: "كلوا باسم اللّه"
فأكلوا حتى شبعوا، وإذا التمرات كما هي فقال عليه الصلاة والسلام: "لولا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نرد
المدينة عن آخرنا". فلما رجع إلى المدينة طلع غليم من أهل المدينة
فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يلوكهن
[23] . |
|
|
واستطرادا لمعجزات الرسول صلى اللّه عليه وسلم التي
ظهرت في هذه الغزوة, نذكر أ نه حدث في عودتهم من تبوك أن فرغ الزاد فاستأذن
المسلمون في نحر ركـائبهم من الإبل، فأذن لهم رسول اللّه، وعلم عمر بن الخطاب
بذلك فطلب إلى الناس أن يمسكوا ولا يفعلوا حتى يراجع رسول اللّه, ودخل عمر فقال
للرسول: "أذنت للناس في حمولتهم يأكلونها؟" فقال: "أذنت لهم أن تنحر الرفقة البعير والبعيرين ويتعاقبون
فيما فضل من ظهر, وهم قافلون إلى أهليهم" فقال: "يا رسول الله،
لا تفعل فإن يَكُ في الناس فضل من ظهر يكن خيراً، ولكن ادع بفضل أزوادهم، ثم
اجمعها فادع الله فيها بالبركة كما فعلت في منصرفنا من الحديبية فإن الله
سيستجيب لك... " فنادى مناديه: "من كان عنده فضل زاد فليأت به"،
وأمر الأنطاع[24]
فبسطت، فجعل الرجل يأتي بالمد من
الدقيق والسويق أو التمر، أو القبضة من الدقيق أو الكسر، فيوضع كل صنف على حدة،
وكل ذلك قليل. ... ثم توضأ صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين ودعا اللّه تعالى ثم
نادى مناديه: " هلموا إلى الطعام خذوا منه حاجتكم ". فأقبل الناس،
فجعل كل من جاء بوعاء ملأه, فقال بعضهم: لقد طرحت يومئذ كسرة من خبز وقبضة من
تمر, ثم رأيت الأنطاع تفيض، فجئت بجرابين فملأت أحدهما سويقا والآخر تمراً،
وأخذت في ثوبي دقيقا كفانا إلى المدينة, فجعل الناس يتزودون حتى اكتفوا عن
آخرهم، والرسول صلى اللّه عليه وسلم واقف يقول: "أشهد
أن لا اله إلا اللّه وأني عبده ورسوله, وأشهد أنه لا يقولها أحد من حقيقة قلبه
إلا وقاه الله حر النار"[25] . |
|
|
|
|
|
نبع الماء من بين أصابع الرسـول |
|
|
وحديث آخر يثير الدهشة والعجب في هذه الغزوة، ومع
جيش العسرة التي كانت آخر غزواته صلى الله عليه وسلم ، إذ افتقد المسلمون الماء
فأغاثهم الله بفضل وضوئه صلى اللّه عليه وسلم، فقد كان مع أبي قتادة أداوة ماء
توضأ منها رسول الله وفضلت فضلة, فقال الرسول: "يا
أبا قتادة، احتفظ بما في الأداوة والركوة, فإن لهما شأنا" ثم صلى
الفجر بعد طلوع الشمس[26] فقرأ بالمائدة، فلما انصرفنا بعد
الصلاة قال: "أما إنهم لو أطاعوا أبا بكر وعمر
رشدوا"، وكان الجيش قد سبق سائرا نحو المدينة فأراد كل من أبي بكر
وعمر أن ينزل الجيش في موضع الماء فأبوا عليهما, ولكنهم فقدوا الماء بعد ذلك
فنزلوا على غير ماء بفلاة من الأرض. |
|
|
ركب رسول الله فلحق بالجيش عند زوال الشمس، فوجد
الجيش قد لحقه عطش شديد، حتى كادت تنقطع أعناق الرجال والخيل عطشا. فلما أبصر
الرسول حالهم وما هم عليه من الشدة، دعا بالركوة من أبـي قتادة فأفرغ ما في
الاداوة فيها. ثم وضع أصابعه عليها فنبع الماء من بين أصابعه، وأقبل الناس
فاستقوا وفاض الماء حتى ترووا وأرووا خيلهم وركابهم وإن كان في العسكر اثنا عشر
ألف بعير، والخيل عشرة آلاف، والناس ثلاثون ألفا, فظهر سر قول رسول الله لأبي
قتادة "احتفظ بما فيهما فإن لهما شأنا"
[27]
. |
|
|
وقد دعا صلى اللّه عليه وسلم لراوية ماء اشتراها
أُسيد بن حضير من امرأة من ( بَلّى )
[28] .
في الطريق فأتى بها إلى الرسول فقال للناس: "هلموا
أسقيتكم" .. فلم يبق معهم سقاء إلا ملأوه, ثم دعا بركائبهم وخيولهم
فسقوها حتى نهلت وانبسط الماء حتى يصف عليه المئة والمئتان[29]
. وهكذا تحول العسر يسرا، وكأن الله سبحانه أراد أن يُثَبِّتَ المؤمنين ويلزم
المنافقين الحجة، ويؤيد رسوله في آخر غزواته بما لا يسع أحداً إنكاره. |
|
|
|
|
|
على مشارف الشـام |
|
|
فلما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تبوك جمع
الناس فخطب فقال: "أيها الناس .. أما بعد.. فإن
أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن
سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عواقبها،
وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى
العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى
عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى".
وختم بقوله: "ومن يصبر يضاعف اللّه له، ومن يعص
الله يعذبه اللّه، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي
ولأمتي " (قالها ثلاثا) ثم قال: "استغفر
اللّه لي ولكم"[30] . |
|
|
علم الروم بأمر هذا الجيش الذي خرج لمواجهتهم بقيادة
الرسول الكريم وعلموا قوته وعدده وحماسته فآثروا الانسحاب إلى حمص، ورجعت قوة
الحدود لتتحصن داخل بلاد الشام وحصونها.. وعرف الرسول بأمر الانسحاب، ونمى إليه
ما أصابهم من خوف.. فلم ير محلا لتتبعهم داخل الشام. |
|
|
وقد يكون الروم قد قصدوا أن لا يسيروا إلى المسلمين
لقتالهم، لأن تبوك في الجنوب الأقصى من بلاد الشام, أو لأن هرقل إمبراطورهم
اعتقد بأن النبي محمد رسول من اللّه حقا, وتُورد بعض الصادر الإسلامية أن هرقل
أرسل رجلا من غسان لينظر في صفة النبي وعلامته
[31]،
فجاء الرجل إلى النبي وهو في تبوك فوعى أشياء ذكرها لهرقل. ولذا لم يتحرك من
موضعه لمقابلة جيش المسلمين الواصل إلى تبوك بقيادة الرسول نفسه. |
|
|
أقام جيش العسرة المتعطش لمدافعة الأخطار الخارجية
في تبوك: وهي مدينة على الطريق بين المدينة ودمشق على مسيرة اثني عشر يوما من
المدينة. (الطرق الحديثة الحالية تبلغ 686 كيلو مترا) وتقع على الحدود الشمالية
للجزيرة العربية، وعلى حدود الإمبراطورية البيزنطية. |
|
|
ويذكر المؤرخون أن سكان تبوك من الروم وعاملة وجذام
هربوا عندما بلغهم وصوله صلى اللّه عليه وسلم. وذلك راجع إلى ما ظهر عند أول
احتكاك فعلي بين الروم والمسلمين العرب في غزوة مؤتة, فقد حدث بعد مقتل أمرائها
الثلاثة أن أخذ الراية خالد بن الوليد, وكان اللّه قد جَلّى لنبيه ميدان المعركة
فقال: "ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، اللهم إنه
سيف من سيوفك أنت تنصره". ثم قال: "الآن
حمي الوطيس". فقتل المسلمون من الروم وحلفائهم من العرب مقتلة لم
يقتلها قوم، وهزم اللّه العدو وأظهر المسلمين[32] . |
|
|
فقد شهد الروم أن المسلم يريد أن يموت في سبيل اللّه
ولا يعنيه كيف مات ما دام قد قتل عددا قبل استشهاده. ولأن المسلم كان في ذروة
حماسته لدينه على حين كـان الرومي ولو أنه محارب مدرب، إلا أنه لم يكن متحمسا
دينيا وذلك للنزاع بين المذاهب المسيحية، فضلا عن أن الحرب مع الفرس كانت قد قضت
على خيرة المحاربين الرومان، بالإضافة إلى أنهم لا يقاتلون إلا في قرى محصنة أو
من وراء جُدُر. |
|
|
أقام الرسول صلى اللّه عليه وسلم وجيش العسرة على
حدود الإمبراطورية البيزنطية
[33] ،
عشرين يوما على أرجح الأقوال، يتحدى من يشاء أن ينازله أو يقاومه، وقصد من بقائه
هذه المدة الطويلة أن يعمل على كفالة وضمان حدود الجزيرة العربية في الشمال، حتى
لا يتخطاها من بعد ذلك أحد
[34] . |
|
|
وكان يوحنا بن رؤبة صاحب أيله ( العقبة ) أحد الحكام
الموالين للروم على حدود الجزيرة العربية, فأنذره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن
يذعن أو يغزوه، فاقبل يوحنا، وعلى صدره صليب من ذهب, وقدم والهدايا معه، وتقدم
بالطاعة، فصالح الرسول وأعطاه الجزية[35] .
كما صالح الرسول أهل جرباء وأذرح ومقتا فقدموا الجزية رمزا للخضوع والإذعان وكتب
لهم الرسول كتبا بالأمان[36] . |
|
|
|
|
|
أسر أكيدر ومصالحته |
|
|
لم يكن بعد انسحـاب الروم خوف من هجومهم المباشر,
ولكن خشي الرسول انتقاض أكيدر بن عبد الملك الكندي النصراني أمير دومة الجندل،
ومعاونة جيوش الروم إذا جـاءت من ناحيته, وتأتي أهمية دومة الجندل، أن حولها
جموع القبائل الكثيرة العدد والمسلحة بأسلحة الرومان, فكان لا بد من إخضاعه
لتأمين منطقته. |
|
|
لذا بعث الرسول صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد
من تبوك ومعه أربعمائة وعشرون فارسا إلى أكيدر وأمره بأن يعتقله ولا يقتله ويأتي
به أسيرا. ومن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم أن خالدا قال: يا رسول اللّه كيف
لي به وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في عدد يسير فقال له: " إنك ستجده يصيد البقر فتأخذه فلا تقتله وائت به إلي"
[37].
وما يظن أحد إلا أن الصيد يكون بعيداً عن الحصون والعمران, ولكن خيل السرية
المسلمة الممتثلة لأمر رسوله اللّه، المجاهدة في سبيل إعلاء كلمة اللّه، سارت
بقيادة خالد نحو الحصن, إذ أين يبحث عنه في مسارح الصيد ومشاربه ووهاد الصحراء؟. |
|
|
قَدم خالد حتى إذا كـان من حصن دومة بمنظر العين،
ربض ينتظر غِرّة فيهجم، وكان من عادته أن لا يبيت إلا على تعبئة, وأعطاه اللّه
بصيرة بالحرب نافذة, لَبِث حتى مضى جزء من الليل، فإذا بقول رسول اللّه
يتحقق!..ِ |
|
|
كانت ليلة مقمرة مضيئة، وكان أكيدر على سطح قصره
وحصنه ومعه امرأته، فأقبلت البقر الوحشية إلى قصر أكيدر جماعة تحك بقرونها باب
الحصن تستنزل صاحبه… فقالت له امرأته: هل رأيت مثل
هذا قط ؟ قال: لا والله . قالت: فمن يترك هذه ؟ قال: لا أحـد. |
|
|
فنزل فأمر بفرسه فاسرج له، وركب معه نفر من أهل
بيته، منهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه، ففرت البقر أمامهم فطاردوها,
وبينما هم كذلك، تلقتهم خيل رسول الله بقيادة خالد, فأسرت أكيدر وقتلت أخاه,
فلما صار في أيدي المسلمين صالح خالد، ودخل به الحصن فافتتحه ومن معه من الفرسان,
وكان صلحه على ألفي بعير وثلاثمائة رأس من الرقيق، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح.
وتوجه خالد ومعه أكيدر يطلبان الرسول، الذي كان قد انصرف عن تبوك عائدا إلى
المدينة, فقدم إليها خالد ومعه أسيره، وما صالح عليه أهل الحصن فأقرّ الرسول ما
أمضى خالد[38]
. |
|
|
وعجب الناس لهذه الحادثة وقول رسول اللّه "ستجده يصيد البقر" فقال رجل من طيء: "وما
صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته"، لتصديق قول رسول الله صلى اللّه عليه
وسلم. وذُكر أن أكيدر قال عن البقر: "والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا
البارحة. وقد كنت أضمر لها اليومين والثلاثة، ولكن قَدَّر الله". فقال صاحب
طيء: |
|
|
رأيـت الله يـهـدي كـل هاد[39] |
تـبارك سـائـق البـقـران إنـي |
|
وأطلق رسول اللّه أكيدر وكتب له أمانا كما كتب لغيره
[40]
. ولعل إصدار هذه الكتب من الرسول يدل على سيادة المسلمين على هذه المناطق. أي
السيطرة على حدود الجزيرة العربية في الشمال. وبهذا حقق الرسول هدفه من تأمين
حدود شبه الجزيرة، وأقام من هذه البلاد والحصون معاقل متقدمة بينه وبين
الإمبراطورية البيزنطية، حتى يأتي دور إخضاعها نهائيا. |
|
|
|
|
|
المنافقون والتآمر |
|
|
أشرت فيما مضى أن قطاعا من المنافقين رجع من ثنية
الوداع[41]
. ولكن صحب المجاهدين أفراد من المنافقين, فكانوا قوة هدامة، اشتد عداؤها للرسول
رغم ما ظهر أمامهم من آيات واضحة لكل ذي قلب أو ألقى السمع. ولكن النفاق غلف
قلوبهم، وعشى أبصارهم فلا وَعْي ولا بصيرة, بل حدث في هذه الغزوة جريمة كبيرة،
حين تاَمروا على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، ولكن لم يشأ صلى الله عليه
وسلم وهو يعرفهم أن يقتلهم عندما كشف مؤامرتهم. |
|
|
كان المنافقون قد تآمروا على أن يطرحوا الرسول عندما
يبلغ إحدى العقبات على الطريق فلما بلغ صلى الله عليه وسلم تلك العقبة أراد
المنافقون أن يسلكوها معه, فاعلم اللّه نبيه نبأ هذه المؤامرة, فأمر الناس أن
يسلكوا بطن الوادي، وسلك صلى الله عليه وسلم العقبة فكان مناديه حين أنذرهم
بأمره قد قال لهم: "إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد"[42]
.. وأمر عمار بن ياسر بأن يأخذ زمام الناقة, وأمر حذيفة بن اليمان أن يسوق خلفه. |
|
|
وبينما رسوله اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسير في
العقبة إذ سمع حِسَّ القوم قد غَشوه فغضب وأمر حذيفة بأن يردهم، فرجع إليهم فجعل
يضرب وجوه رواحلهم، فانحطوا مسرعين من العقبة حتى خالطوا الناس, وأتى حذيفة
فِساق به, فلما خرج من العقبة سأله الرسول: "هل
عرفت أحداً من الركب الذين رددتهم؟" قال: "يا رسول الله….
عرفت راحلة فلان وفلان وكان القوم ملثمين فلم أعرفهم من أجل ظلمة الليل؟[43]
. |
|
|
قال ابن اسحق: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم
بأسمائهم حذيفة بن اليمان. وذكر الحافظ البيهقي أنهم كانوا أربعة عشر رجلا أو
خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم
يقوم الأشهاد, وعَذَر ثلاثة منهم أنهم قالوا ما سمعنا المنادي، ولا علمنا ما
أراد القوم[44]
. |
|
|
وكانوا قد أسرعوا برسول الله فسقط بعض متاع رحله...
يقول حمزة بن عمرو الأسلمي: "فنور لي في أصابعي الخمس فأضاءت حتى كنا نجمع
ما سقط… السوط…
والحبل وأشباهها، حتى ما بقي من المتاع شيء إلا جمعناه"[45]
. |
|
|
هذا موقف عدائي للرسول أطلعه الله عليه, ومع ذلك لم
يأذن له لأن يقتدهم. فلما أصبح الرسول قال أسيد بن حضير: ما منعك يا رسول اللّه
من سلوك الوادي فقد كـان أسهل، فقال: " يا أبا
يحي أتدري ما أراد البارحة المنافقون, وما هموا به؟, قالوا نتبعه في العقبة فإذا
أظلم الليل قطعوا أنساع راحلتى ونخسوها، حتى يطرحوني عن راحلتي ".
قال أسيد بن حضير الأوسي الأشهلي وهو أحد النقباء يا رسول اللّه: قد اجتمع الناس
ونزلوا فمر كل بطن أن تقتل الرجل عشيرتُه…
وإن أحببت فنبئني بهم, فوالذي بعثك بالحق لا تبرح حتى آتيك برؤوسهم، فإن مثل
هؤلاء لا يتركون… يا رسول اللّه، حتى متى
نداهنهم وقد صاروا اليوم في القلة والذلة, وقد ضرب الإسلام بجرانه، فما نستبقي
هؤلاء ، فقال صلى اللّه عليه وسلم "يا أسيد إني
أكره أن يقول الناس إن محمدا لماّ نقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل
أصحابه"… قال يا رسول اللّه
ليسوا بأصحابِ… قال: " أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا اللّه …" قال: " بلى ولا شهادة لهم".
قال: " أو ليس يظهرون أني رسول اللّه"،
قال: بلى. ولا شهادة لهم.... قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم: " وقد نهيت عن قتل أولئك"[46]
. |
|
|
والملاحظ أن الرسول اشتد بعد ذلك في معاملته
للمنافقين-. وقد بدأ بأن أمر بإحراق مسجد الضرار، وتقويض أركانه وفضح بناته
ورواده؛ ذلك لأنه بني ضرارا لمسجد رسول اللّه بالمدينة أو لمسجد قباء، بني كفراً
باللّه وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب اللّه ورسوله, وهو أبو عامر
الفاسق. وكان المنافقون مجتمعين فيه بين المغرب والعشاء فاحرقه رسولا النبي صلى
اللّه عليه وسلم وهدماه حتى وضعاه في الأرض[47] . |
|
|
وقد ارتعدت فرائص المنافقين بعد هذا الحادث,
وأدركوا- أنه قد انكشف أمر نفاقهم وأن الرسول يعرفهم تماما، من تخلفهم ومن
رجوعهم ومن مؤامراتهم. وفقد المنافقون بعد العودة من تبوك شيخهم عبد اللّه بن
أبي بن سلول، فمات بعد شهرين من عودة الرسول من تبوك، وبوفاته انهار ركن المنافقين
ونزل قول اللّه تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ
مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}[48]
. ويبدو أن من بقي آثر السلامة، بعد أن اعتبر بما سلف منهم واللّه أعلم
بالسرائر. |
|
|
|
|
|
المتخلفون عن جيش العسرة |
|
|
كان قد تخلف عن رسول اللّه نفر من المسلمين أخطأت
بهم النية من غير شك أو ارتياب كما تخلف رهط من المنافقين, وبعد عودة الرسول إلى المدينة جاء المخلفون إليه
يعتذرون، فقبل منهم علانيتهم وإيمانهم. وحلَفوا فصدقهم. واستغفر لهم ووكل
سرائرهم إلى اللّه تعالى. |
|
|
وكان ممن تخلف ثلاثة نفر هم: كعب بن مالك، ومرارة بن
الربيعة وهلال بن أمية. فأما كعب فقد قدم على رسول اللّه وهو جالس في المسجد
فسأله: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟"[49]
. قال: |
|
|
" بلى يا رسول
الله، واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر..
ولقد أعطيت جدلا. ولكن واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضى عني،
ليوشكنّ اللّه أن يسخط عليّ. ولئن حدثتك اليوم حديثا صادقا، تَجِدُ عليّ فيه.
إني لأرجو عقبى اللّه فيه.. واللّه ما كان لي عذر. واللّه ما كنت أقوى ولا أيسر
مني حين تخلفت عنك". فقال عليه السلام: "
أما أنت فقد صدقت. فقم حتى يقضي اللّه فيك"[50]
. |
|
|
وقام إليه رجال من قومه يقولون له: " أما كان
كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه لك". وظلوا به حتى كاد أن يرجع فيكذب نفسه,
فلقيه معاذ بن جبل وأبو قتادة فقالا له: "لا تطع أصحابك، وأقم على الصدق
فإن اللّه سيجعل لك فرجا ومخرجا إن شاء اللّه ". |
|
|
فقال لهما: "هل أتى هذا أحد غيري؟"، قالا
له: " نعم، مرارة بن الربيع وهلال بن أمية "[51]
يقول: "فذكرا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً ولي فيهما أسوة". ومضى
حتى يقضي الله فيه. |
|
|
ونهى رسول الله عن كلام الثلاثة فاجتنبهم الناس،
وتغيروا لهم، حتى تنكرت لهم أنفسهم، فلبثوا على ذلك أربعين ليلة. ثم بعث رسول
الله بأن يعتزلوا نساءهم. فلما انقضت خمسون ليلة. أنزل الله توبته عليهم التي
فرح بها المجتمع الإسلامي كله وهو قوله: {لَقَدْ
تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ
اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة...} الآيـة. |
|
|
وهكذاِ.. كان من نتائج هذه الغزوة تأمين الجزيرة
العربية ضد القوى المسيحية والوثنية في الشمال، وكشف العناصر المخادعة من
المنافقين في الداخل، والضرب على أيديهم، وتنقية المجتمع الإسلامي من الشوائب
الضارة. |
|
|
ولا ريب أن هذه الغزوة إلى الحدود الشمالية تشير إلى
الاتجاه الذي أراده الرسول للفتوحات الإسلامية من بعده. وضرورة إخضاع دولتي
الفرس والروم لإزالة سيطرتهما عن العراق والشام، حتى ينطلق الإسلام إلى ما
وراءهما, بل كان آخر عمل للرسول صلى اللّه عليه وسلم، إعداده جيش أسامة بن زيد
لقتال الروم, ووصيته للصـحابة بأن لا يتخلفوا عنه. والتي ساهم فيها كبار الصحابة
وكان لها آثار طيبة على مستقبل الإسلام. |
|
|
|
|
[2]انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج 2 ص 214 ، 215. |
|
|
[3]يذكر ابن هشام أنه كان قد اعتم بعمامة من كرابيس ( من قطن ) سوداء: انظر السيرة النبوية ج 2 ص 632 . |
|
|
[4]مؤتة قرية من قرى البلقاء من أرض الشام. وكانت الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان: ابن هشام : السيرة النبوية 2/373 . |
|
|
[5]ماء بأرض جذام وراء وادي القرى على عشرة أيام من المدينة. وهي أرض بني عذرة : انظر العباسي ، أحمد بن عبد الحميد: عمدة الأخبار ص 224 ، ابن هشام: السيرة النبوية ج 2 ص 623 . |
|
|
[6]ابن هشام:السيرة النبوية ج2 ص 516 ؛أبو الحسن الندوي : السيرة النبوية ص 412-416 . |
|
|
[7]اظهر أنه يريد غير الوجه الذي يتجه إليه. |
|
|
[8]المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج1 ص 446. |
|
|
[9]يعتقبانه أو يعتقبان عليه أي يتناوبانه وفي الحديث: فكان الناضح يعتقبه منا الخمسة أي يتداولون في الركوب عليه(لسان العرب). |
|
|
[10]انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج1 ص 446. |
|
|
[11]انظر: المرجع السابق ج1 ص 449. |
|
|
[12]جبل بالمدينة وهو الذي عليه مسجد الراية: انظر : العباسي : عمدة الأخبار في مدينة المختار 212 . |
|
|
[13]تقع شمال المدينة خلف سوقها القديم بين مسجد الراية على جبل ذباب ومشهد النفس الزكية قرب سلع:المرجع السابق ص186. |
|
|
[14]انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 519: ابن سيد الناس: عيون الأثر ج2 ص 218. |
|
|
[15]انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع ج 1 ص 450: ابن هشام: السيرة النبوية 2 ص 525. |
|
|
[16]انظر: المقريزي : المرجع السابق ج 1 ص 450. |
|
|
[17]المرجع السابق ص 449. |
|
|
[18]انظر: ابن كثير. أبو الفداء ، إسماعيل : السيرة النبوية تحقيق مصطفى عبد الواحد ج 4 ص 22 . |
|
|
[19]استشهد ابن إسحاق على ذلك بقوله تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} وإن ذلك كان بوادي نخلة على ليلة من مكة منصرف النبي من الطائف وذكر أنهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين قاعدة ديار ربيعة: انظر: ابن هشام السيرة النبوية ج1ص422. |
|
|
[20]المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج1 ص 459. |
|
|
[21]ذكر حديث العرباض أيضا ابن كثير: شمائل الرسول ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه ص223، 224. |
|
|
[22]الجرب واحده جراب وهو الوعاء لحفظ الزاد . والحمت جمع حميت وهو وعاء من جلد لا شعر عليه يحفظ فيه السمن . المعجم الوسيط ج1 ص 114 ، 195 . |
|
|
[23]انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 472 : ابن كثير : شمائل الرسول ودلائل نبوته ص 224. |
|
|
[24]الأنطاع جمع نطع وهو البساط من الجلد. المعجم الوسيط ج2 ص938 . |
|
|
[25]راجع: المقريزي : إمتاع الأسماع ج1 ص474 : راجع أيضا ابن كثير : السيرة النبوية ج4 ص 18 ولكنه يذكر أن الرسول قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة ". |
|
|
[26]كان الرسول قد عرس ومعه أبو قتادة وثلاثة من المسلمين فلم يوقظهم إلا حر الشمس : انظر المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 475 |
|
|
[27]المقريزي : إمتاع الأسماع ج1 ص 476 . |
|
|
[28]بلّى بطن من قضاعة. |
|
|
[29]المقريزي : إمتاع الأسماع ج 4 ص 24 ، 25 : المقريزي : إمتاع الأسماع ج 1 ص 460 . |
|
|
[30]ابن كثير السيرة النبوية ج4 ص 24 ، 25 : المقريزي : إمتاع الأسماع ج1 ص 460 . |
|
|
[31]أورد ابن كثير خبر رسول قيصر الروم ورسالته التي حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن من حمل الرسالة رجل من تنوخ وهي إحدى القبائل الغسانية المتحالفة مع الروم: انظر البداية والنهاية ج5 ص 15 ، 16. |
|
|
[32]وقد ذكر ابن إسحاق من أن خالد إنما حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم (ابن هشام: السيرة ج2 ص 380) أما موسى بن عقبة والواقدي فصرحا بأنه هزم جمع الروم والعرب الذين معهم وهو ظاهر حديث أنس مرفوعا ورواه البخاري: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه " (ابن كثير : البداية والنهاية ج4 ص 248). |
|
|
[33]تسمى الإمبراطورية الرومانية الشرقية كما أسلفنا أو دولة الروم أيضا. |
|
|
[34]انظر: المقريزي : إمتاع الأسماع ج1 ص 473. |
|
|
[35]انظر: المرجع السابق ج1 ص 468. |
|
|
[36]كتب الأمان يمكن الرجوع إليها في مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة لمحمد حميد الله الحيدر أبادي وانظر أيضا: ابن هشام : السيرة النبوية ج2 ص 525 ، 526 : ابن كثير : السيرة النبوية ج4 ص30 : المقريزي إمتاع الأسماع ج1 ص 466_469. |
|
|
[37]انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج1 ص 463 . |
|
|
[38]راجع: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 526: إمتاع الأسماع ج1 ص 464-465. |
|
|
[39]راجع: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 526/527. |
|
|
[40]انظر : ابن سيد الناس : عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ج2 ص 221 : المقريزي : إمتاع الأسماع ج1 ص 466 . |
|
|
[41]انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 519: ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ج2 ص 216. |
|
|
[42]راجع: ابن كثير: السيرة النبوية ج4 ص 37. |
|
|
[43]المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج1 ص 477 ، 488 . |
|
|
[44]ابن كثير: السيرة النبوية ج4 ص 35- 37 ، المقريزي : إمتاع الأسماع ج1 ص 479 . |
|
|
[45]انظر:المقريزي:إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج1 ص 478. |
|
|
[46]انظر: المقريزي: المصدر السابق ج1 ص 479. |
|
|
[47]في عودة الرسول إلى المدينة عندما اقترب منها أعلمه الله بأمر مسجد الضرار فأمر مالك بن الدخشم السالمي وعاصم بن عدي العجلاني فانطلق مالك فخرج بنار من عند أهله فحرقاه وهدماه (راجع : ابن هشام : السيرة النبوية ج2 ص 530 .المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 480/481 . |
|
|
[48]انظر: ابن هشام:السيرة النبوية ج2 ص 552، ابن كثير، البداية والنهاية ج5 ص 34. |
|
|
[49]أي اشتريت ما تركبه للسفر معنا، والخروج مع الجيش. |
|
|
[50]انظر: لبن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 533: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 485. |
|
|
[51]راجع: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 485/486. |