طباعة

 توثيق النص

 

 

 
نماذج أخرى من الدعاة الصالحين
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
للشيخ أبو بكر الجزائري
الأستاذ بقسم الدراسات العليا بالجامعة
 
 

هذا هو الأنموذج الرابع والحلقة الأخيرة من السلسة الثانية لنماذج من الدعاة الصالحين ألا وهو أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه.

 

نسبه:

إن نسب علي بن أبي طالب هو النسب الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هما أبناء العم فمحمد رسول الله هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلي هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب، ومن هنا وبهذا ونحيل على النسب الشريف إلى عدنان المنحدر من إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

وكنيته رضي الله عنه أبو الحسن أو أبو السبطين: الحسن والحسين ابني فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أن له كنية أخرى هي من أحب الكنى إليه ألا وهي أبو تراب ولهذه الكنية سبب هو أنه خرج يوما مغاضبا لفاطمة رضي الله عنهما فأتى المسجد ونام فيه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبه فقالت له فاطمة: لقد خرج مغاضبا فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده في المسجد نائما والتراب قد علا بعض جسمه، فجعل صلى الله عليه وسلم ينفض التراب عنه ويقول: قم أبا تراب، فكانت تلك كنيته المفضلة لديه.

 

علمه:

إن من أهم جوانب حياة الداعية الإسلامي الجانب العلمي إذ العلم ضروري للداعية المسلم وفي مثل هذا الجانب تكون الأسوة، وعلي بن أبي طالب كان على جانب كبير من العلم والفقه في دين اللّه تعالى وحسبه شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم له بقوله: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" أخرجه الترمذي والحاكم وهو حسن الإسناد، وليس كما قيل موضوعا ولا صحيحا لذا قال السيوطي في تاريخه ومن شعب العلم التي برز فيها علي رضي اللّه عنه: القضاء فقد كان أقضى أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقد شهد له بذلك عبد اللّه ابن مسعود حيث قال: "أفرض أهل المدينة وأقضاهم علي بن أبي طالب". أخرجه ابن عساكر.

كما أخرج الحاكم قول ابن مسعود رضي اللّه عنه: "كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي"

وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قوله: "كنا إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لا نعدوها". وكما أخرج عن عمر رضي الله عنه أنه كان يتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن ومن الأقوال المأثورة "مشكلة ولا أبا حسن لها". بل هو قول عمر رضي اللّه عنه.

ولا عجب أن يطول باع ابن أبي طالب في العلم حتى لا يدانى أو يجارى وهو الصاحب الذي عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه من يوم نُبّيء إلى أن قُبض عليه الصلاة والسلام.

أخرجه الحاكم وصححه عنه رضي الله عنه قوله: "بعثني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء ؟ فضرب صدري بيده، ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فو الذي خلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين".

وهذه الرواية تكشف عن سر علم علي وفقهه في دين اللّه تعالى.

وكعلمه الواسع في القضاء علمه بالتفسير والأدب والحكمة.

فعن الأول نستشهد بما أخرج ابن سعد عنه رضي اللّه عنه إذ قال: "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا صادقا ناطقا". كما أخرج أيضا عن أبي الطفيل قال، قال علي: "سلوني عن كتاب اللّه فإنه ليس من آية إلا وقد علمت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل".

ويشهد لهذين القولين: قوله رضي اللّه عنه في الصـحيح: "ما خصنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحن آل البيت بشـيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فهما يؤتاه الرجل في كتاب الله".

وعن الثاني والثالث نستشهد بالروايات التالية: أخرج أبو نعيم في حليته عنه وقال قال علي رضي الله عنه : "الحزم سوء الظن, والقريب من قربته المودة وإن بعد نسبه, والبعيد من باعدته العداوة وإن قرب نسبه ولا شيء أقرب من اليد إلى الجسد وإن اليد إذا فسدت قطعت، وإذا قطعت حسمت".

وأخرج سعيد بن منصور في سننه عنه رضي اللّه عنه أنه قال: "خمس خذوهن عني:ألا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، وإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان، و إذا ذهب الرأس ذهب الجسد" وقال: "الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي اللّه، ولم يؤمنهم من عذاب اللّه ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره, ألا لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم معه، ولا قراءة لا تدبر فيها".

 

سرعة بداهته وقوة حجته

مما تميز به علي بن أبي طالب بين أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سرعة البداهة فقد كان يسأل عن المعضلات فيجيب بما هو شفاء فيها على البداهة بدون ترو ولا تفكر وكان ذا حجة قوية إذا قال أو خطب، أو خاصم, ونذكر لسرعة بداهته الحادثة التالية: ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في الجزء الثالث عند الكلام على علي رضي الله عنه قال: "روي عن زر بن حبيش أن رجلين جلسا يتغذيان, مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضع الغذاء بين أيديهما مر بهما رجل فسلم، فقالا اجلس للغذاء فجلس وأكل معهما واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم وقال: خذا هذا عوضا عما أكلت لكما ونلته من طعامكما فتنازع الرجلان في قسمة الدراهم الثمانية بينهما، وقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم، وقال لصاحب الثلاثة: لك ثلاثة دراهم. فأبى صاحب الثلاثة الأرغفة إلا أن تكون الدراهم بينهما نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة الأرغفة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة, فقال: لا واللّه، لا رضيت منه إلا بغير الحق. فقال علي رضي اللّه عنه: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد، وله سبعة. فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين, وهو يعرض علي ثلاثة فلم أرض، وأشرت علي بأخذها فلم أرض، وتقول لي الآن أنه لا يجب في مر الحق إلا درهم واحد فقال له علي: عرض عليك صاحبك الثلاثة صلحا فقلت لم أرض إلا بمر الحق ولا يجب لك بمر الحق إلا واحد. فقال الرجل: فعرفني بالوجه في مر الحق حتى أقبله فقال علي رضى اللّه عنه: أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا، أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل، فتجعلون في أكلكم على السواء؟ قال بلى، قال فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثا، أكل منها ثمانية، ويبقى له سبعة، وأكل لك واحد من تسعة، فلك واحد- أي درهم- بواحدك، وله سبعة بسبعته. فقال الرجل: رضيت الآن!!!".

فهذه الحادثة تدل دلالة واضحة على ما كان يتمتع به علي ويمتاز به من سرعة البداهة وذلك لفرط ذكائه وصفاء نفسه. ونظير هذه الحادثة قضاؤه في التي ولدت لستة أشهر بأن الولد للزوج بعد أن حكم عليهما عثمان رضي الله عنه بالرجم لكونها أتت بولد زنى. نظر علي في قول الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} فقال: "الحولان للرضاع، والستة أشهر للحمل، فمن ولدت لستة أشهر فما فوق فالولد للزوج، ومن ولدت لأقل فالولد لغير الزوج".

أما عن قوة حجته فكتاب الشريف الرضى المعروف بنهج البلاغة قد حوى الكثير من خطب علي ورسائله، وحجاجه ومناظراته وهي تفيض بالبلاغة والحكمة وفصل الخطاب، فليرجع إلى ذلك الكتاب من شاء ليقف على كمال علي في بيانه وبلاغته وقوة حجته، وهي حاجة الداعي الناجح في دعوته، ولنذكر هنا وصفا له رضي اللّه عنه وصفه به ضرار الصدائي بأمر من معاوية، إذ روى ابن عبد البر في الاستيعاب أن معاوية رضي اللّه عنه قال يوما لضرار الصدائي: يا ضرار صف لي عليا فقال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتصفنه، قال: أما إذ لابد من وصفه, فكان واللّه بعيد المدى- شديد القوى، يقول فضلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته, وكان غزير الغيرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما حسن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه،ونحن واللّه مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله،ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد أنه لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى سدوله، وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إلي تشوقت! هيهات هيهات ! قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها, فعمرك قصير, وخطرك قليل, آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق!!!

فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك. فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها.... أو قال واحدها في حجرها....

فمن هذا الوصف الصادق تتجلى كمالات علي رضي اللّه عنه النفسية التي هي موضع الاقتداء، ومحط الائتساء. إنها علم وحلم وإيمان وتقوى وكياسة، وحسن سياسة، شجاعة قلب، ورجاحة عقل، زهد في الدنيا شديد ورغبة في الآخرة وحب فيها أكيد.

وفي مثل هذه الخلال الجميلة، والخصال الحميدة، يكون الاقتداء ويطـلب الائتساء.

 

شجاعته وبطولته:

إن شجاعة علي وبطولته سارا بين الناس مسار الأمثال فما ذكرت الشجاعة ولا البطولة إلا وذكر علي بن أبي طالب معهما. إن أول فدائي في الإسلام كان علي بن أبي طالب وذلك أنه لما عزم الرسول صلى اللّه عليه وسلم على الهجرة بعد قرار قريش القاضي بقتله صلى اللّه عليه وسلم على أيدي جماعة من شباب القبائل القريشية ليتوزع دمه بين القبائل فلا يقدر بنو هاشم على طلبه, تركه على فراشه وخرج صلى اللّه عليه وسلم وظل المشركون بباب المنزل ينتظرون خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإذا بالذي يخرج علي بن أبي طالب فسقط في أيديهم، ونجا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم. وضرب بذلك علي أعلى مثل في الفدائية والتضحية.

والشواهد على شجاعة علي وبطولته كثيرة فلنكتف منها بذكر ما يلي:

ا- اضطلاعه رضي الله عنه يوم بدر بحمل لواء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ومبارزته الوليد بن عتبة وقتله إياه على الفور فلم يمهله، وعلي يومئذ ابن عشرين سنة.

3- تقليد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم له الراية يوم خيبر، وما أظهر رضي اللّه عنه من بطولات خارقة في غزوة خيبر، وحسبه أن كان فتح خيبر على يديه رضي الله عنه.

3- ثباته مع رسوله الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ويوم حنين وبلاؤه البلاء الحسن في هاتين الوقعتين العظيمتين.

4- شهوده كل غزوات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحيث لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط اللهم إلا ما كان من غزوة تبوك حيث خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة على أهله. ولما قال علي رضي الله عنه: تخلفني يا رسول اللّه مع النساء والصبيان ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي...".

5- عدم تخلفه عن الجهاد مع الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، ومواقفه الشهيرة في كل الحروب التي خاضها أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إِلى أن توفي رضي الله عنه وأرضاه.

وموجز القول أن عليا رضي اللّه عنه كان مثالا عاليا في الشجاعة والبطولة وأنه أسوة صالحة في هذا الباب لمن أراد الائتساء به رضي اللّه عنه في شجاعته وبطولاته..

 

عدله وسياسته:

إن خلافة علي رضي الله عنه كانت أربع سنوات وتسعة أشهر فقط، ومع ما صاحبها من فتن داخل الجماعة الإِسلامية وأشهرها وقعة الجمل وصفين، وقتال الخوارج بالنهروان، فإنها كانت خلافة راشدة أتم الله بها العصر الذهبي في تاريخ أمة الإسلام، وقد روي في ذلك قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا".

لقد ساس عليُّ الأمة الإسلامية بالعدل والرحمة، وأخذها بالعلم، والحكمة، ومن مظاهر عدله في الأمة أنه كان لا يحبس مالا في بيت المال بل يوزعه كله حتى أنه كان يكنس بيت المال بيده ويصلي فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.

ذكر الطبري في تاريخه ج 6 ص 90 عن أبي رافع خازن بيت المال في عهد علي قال: دخل علي يوما وقد زينت ابنته فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال كان قد عرفها. فقال: من أين لها هذه؟ لله علي أن أقطع يدها، فلما رأيت جده في ذلك قلت: أنا يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها؟ فسكت.

ومن ذلك أنه فقد يوما درعه فوجدها بيد يهودي فقاضاه إلى قاضيه شريح، وتقدم فجلس إلى جنب القاضي وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: "أصغروهم ممن حيث أصغرهم اللّه". فقال القاضي: قل يا أمير المؤمنين فقال: نعم هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي لم أبع ولم أهب، فقال شريح: ايش تقول يا يهودي، قال: درعي وفي يدى، فقال شريح: ألك بينة, يا أمير المؤمنين؟ قال نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي. فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب. فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"!! فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه, أشهد أن هذا هو الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول اللّه، وأن الدرع درعك وحسب على شهادة علي عدله ورحمته وحكمته أن يقول فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على الحوض" رواه الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة رضي اللّه عنها.

ومن هنا كانت سياسة علي قرآنية تعتمد على الصدق والوفاء والعدل والرحمة والحكمة بعيدة عن الخداع والمكر والدهاء وهي عناصر تقوم عليها سياسة أبناء الدنيا في كل زمان ومكان، وأما ابن أبى طالب رضي اللّه عنه فما أبعده عن هذه الأجواء والمناخات الوبيئة الخانقة التي لا تصلح لحياة الربانيين مثل علي رضي الله عنه.

ونختم هذا الفصل في الحديث عن عدل علي وسياسته بكلمة قالها فيه أحد الغربيين:

قال: "كان علي يعوزه حزم الحاكم ودهاؤه, برغم ما كان يمتاز به من الفضائل الكثيرة، فقد كان نشيطا ذكيا بعيد النظر بطلا في الحرب، مشيرا، حكيما، وفيا شريف الخصومة، نبغ في الشعر والبلاغة واشتهرت خطبه وأشعاره في الشرق الإسلامي.

وكانت تنقصه الحنكة السياسية، وعدم التردد في اختيار الوسائل أيا كانت لتثبيت مركزه، ومن ثم تغلب عليه منافسوه الذين عرفوا أول الأمر أن الحرب خدعة والذين كانوا لا يتورعون عن ارتكاب أي جرم يبلغ بهم الغاية ويكفل لهم النصر".

أثبتنا هذه المقالة لهذا الغربي لاتفاقها مع ما قرناه من بعد حكم علي وسياسته عن المكر والدهاء والخداع والتضليل التي هي سدى ولحمة الساسة والسياسة اليوم وقبل اليوم من غير الربانيين كالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

 

وفاته رضي اللّه عنه:

إن وفاة علي رضي الله عنه كانت بالكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين هجرية وذلك أنه لما انتهت معركة الجمل وعاد علي رضي اللّه عنه إلى الكوفة، خرج معاوية بن أبي سفيان ومن معه من أهل الشام خرجوا عنه رضي اللّه عنه، فبلغ ذلك عليا فسار إليهم فالتقوا بصفين في شهر صفر سنة سبع وثلاثين، واقتتلوا ودام القتال أياما، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، وكان ذلك مكيدة منهم دبرها عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين. فحكّم علي أبا موسى الأشعري وحكّم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح[1]، فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس، ورجع علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام، فخرج على علي رجال من أصحابه وقالوا لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء[2]  فسموا بذلك الخوارج، فبعث إليهم علي رضي اللّه عنه ابن عباس فخاصمهم وحاجهم فرجع منهم أناس كثير إلى طاعة علي رضي الله عنه، وثبت على الباطل منهم أناس كثير وساروا إلى النهروان وعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وذلك سنة ثمان وثلاثين. واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة، وحضرها سعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر وغيرهما من الصـحابة. فقدم عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم وخلع عليا، لأن أصل التحكيم كان على أساس أن يُخلع كل من معاوية وعلي، وتختار الأمة بعد ذلك برضاها من شاعت، غير أن عمرو استعمل دهاءه فقدم أبا موسى ليتكلم ويخلع صاحبه ففعل، ولما تكلم عمرو لم يخلع صاحبه- معاوية- بل أقره، وبايع له. فتفرق الناس على هذا، وصار على علي خلاف من أصحابه، حتى كان يعض على إصبعه ويقول: أعصى ويطاع. وهنا انتدب ثلاثة من الخوارج أنفسهم لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص بحجة أنهم هم الذين فرقوا كلمة المسلمين وشتتوا أمرهم، وكان الخوارج الثلاثة عبد الرحمن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي وقد اجتمعوا بمكة وتعاهدوا على أن يقتل عليا ابن ملجم، ويقتل معاوية البرك، ويقتل عمرو عمرو بن بكير. على أن يتم ذلك في ليلة واحدة وهي ليلة السابع عشر من رمضان. فأما قاتل معاوية فإنه لم يتمكن منه، وأما قاتل عمرو فإنه لم يقتل عمرو، وإنما قتل خارجة، لأنه تربص بعمرو عند باب المسجد فلم يخرج عمرو تلك الليلة لأنه كان مريضا فانتدب قاضيه خارجة بن حذافة ليصلي بالناس فضربه ظنا منه أنه عمرو ابن العاص فقتله، ولما تبين له أنه لم يقتل عمرا قال أردت عمرا وأراد الله خارجة فكانت مثلا سائدا بين الناس. وأما قاتل علي فقد تمكن منه عند خروجه من منزله وهو ذاهب إلى المسجد لصلاة الصبح وبموت علي رضي الله عنه انتهت الخلافة الراشدة، وانتقلت إلى العضوض كما ورد بذلك الخبر.

واستشهد علي وعمره ثلاث وستون سنة فرضي الله عنه وأرضاه، ومن كراماته أنه قال لابنه الحسن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة وقلت له: يا رسول الله ماذا لقيت من الأمة من الأود واللدد[3] ؟فقال لي ادع الله عليهم فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني وما أن فرغ من قص رؤياه على الحسن حتى ناداه مناديه للصلاة فخرج من الباب ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فاعترضه ابن ملجم فضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه وكان ذلك صبيحة الجمعة فأقام الجمعة والسبت وقبض ليلة الأحد فرضوان الله عليه في المؤمنين، وسلامه عليه في المسلمين.

لا تشيرن علي

أوصى ابن هبيرة ولده فقال:

لا تكن أول مشير، وإياك والهوى والرأي الفطير، ولا تشيرن على مستبد، ولا على وغد ولا على متلون ولا لجوج.

وخف الله في موافقة هوى المستشير، فإن التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة.

 

  



[1]قرية من قرى الشام.

[2]حاروراء : موقع بالكوفة.

[3]الأود: الكد والتعب. اللدد: الخصومة الشديدة.