طباعة

 توثيق النص

 

 

 

من مظاهر البلاغة القرآنية قوة الحجة ووضوحها

الدكتور علي محمد حسن العمّاري

الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة

 

 

عرض القرآن الكريم لكثير من قضايا الدين والدنيا، وسلك في عرضها أساليب مختلفة متنوعة، وما عرض لقضية في صورة من الصور إلا أتى فيها بما يثلج الصدور، ويروى الظماء، وبما يقنع من يريد أن يقتنع، ويهدى من يبحث عن جادة الطريق.

ولم يجنح بالضالين منذ عهد البعثة إلى يومنا هذا عن سواء السبيل إلا الجهل أو العناد، أو هما معا.

وأخطر أدواء الجهل هو الجمود على دين الآباء والأجداد، وأخطر أدواء العناد هو الحقد على الدعوة، وصاحبها، ثم على الإسلام والمسلمين.

وقد عالج القرآن الكريم هذين الداءين بما يحسمهما، لو اعتصم المارقون بالعقل، وخلدوا إلى الإنصاف، وصنعوا لأنفسهم، وبغوا لها الخير والصلاح في الدين والدنيا، و ربأوا بها عن الارتكاس في ظلمات  الجهل، والتردي في نيران الحقد.

عالج الجهل بالدعوة إلى النظر في ملكوت السموات والأرض و إلى الاستماع  لآيات اللّه وإمعان النظر فيها، وبالأمر بسؤال أهل الذكر حين تستبهم المعالم  وتضل الطريق، وتطبق الظلمات، ثم بالزراية على التقليد الأعمى، وبالتهوين من شأن من يقولون: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } (الزخرف/22).

وعالج العناد بالحجة الحاسمة، والبرهان الدامغ، الذي لا يجد المعاند معه -إن أحسن إلى نفسه وعقله- طريقا إلى التنكر للحق، و الإصرار على الباطل.

ولكن كفار قريش، ومعهم مشركو العرب، والمنافقون من أهل المدينة، والضالون من أهل الكتاب رضوا بالجهل حيناً، وبالعناد في أحيان كثيرة، حتى وصل العناد، والتمادي في الباطل بمشركي مكة أن يقولوا -كما حكى عنهم القرآن الكريم- {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم} (الأنفال/32).

وصاروا- كما أخبر عنهم القرآن: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} (الأنعام/7) وكما قال سبحانه: { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}[1] (الحجز/14، 15).

وكما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} (الأنعام/111).

بل اشترطوا لإيمانهم وخضوعهم شروطاً: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} (الأنعام/124).

وقد سبقهم بنو إسرائيل بمثل هذا العناد، فخالفوا على نبيهم موسى، وردوا دعوته: وقالوا {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَة} (البقرة/55). {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} (الأعراف/132).

وكان فعل اليهود هذا تسلية للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد قصّ عليه القرآن نبأهم حين ضاق النبي بتعنت قومه، وطلبهم الآيات: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} (النساء/153).

وقد كان أهل الكتاب يعرفون محمدا- صلى الله عليه وسلم- كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون- كما يعرف كفار مكة- أن القرآن حق، وأنه من عند الله، ولكنها الكبرياء والعناد والجهل، عوائق تصدهم عن ذوق حلاوته، وفيهم يصدق قول أبى الطيب المتنبي:-

ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرًّ مَريض

 

يجـد مُرًّا به الماء الزُّلالا.

وقد عرض القرآن الكريم مختلف الأدلة والبراهين في كل قضية عرض لها، وكان يسلك أسلوب البسط أحيانا، وأسلوب الإيجاز أحيانا أخرى، وفي كلتا الحالتين كان يصل إلى نهاية المدى في إبلاغ الحجة، وإقامة الدليل، مع القوة والوضوح.

كان يتناول القضية فيَلمّ بجميع أطرافها حتى لا يترك فيها مقالا لقائل، أو يتناولها فيكتفي بموضع الحجة، ولكنها الحجة الحاسمة الدامغة.

ومن أروع ما في المحاجات القرآنية أنها لم تقتصر على خطاب العقل وحده كما هو الشأن في البراهين المنطقية، ولا على مخاطبة الوجدان وحده، كما هو الشأن في الخطابات، والأخيلة الشعرية. إنما كان يشرك مع العقل الوجدان فيخاطبهما معاً، وبذلك تبلغ الحجة من العقول والقلوب ما تريد، من تثبيت الحق، وإزهاق الباطل، وإقناع ذوى الفطر السليمة.

ولم تكن حجج القرآن وبراهينه مغرقة في الفلسفة، ولا موغلة في المنطق، ولا بعيدة عن الفطرة، بل اعتمد أكثرها على لفت النظر إلى المشاهد الحسية، والبديهيات التي لا خلاف عليها، وربما نظر بعضها إلى الإقناع المنطقي، ولكنه لا يستدعي التفكير الطويل، ولا يشوبه شـيء من الغموض الذي يشوك طريق السالك إلى الحق: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء من الآية 22) {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} (الروم من الآية 27) {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم} (يس الآيتان 78- 79).

وقد وجه القرآن الأنظار إلى كثير من آيات الله في خلق السموات والأرض، وفي خلق الأنفس، وسائر الكائنات، وضَرَبَ الأمثالَ وصرفها على وجوه كثيرة، وألزم المعرضين في كل ذلك الحجة على صحة ما وجههم أليه.

وربما استغرقت القضية -كما أشرت- العدد الكثير من الآيات، بل ربما جاءت السورة بأكملها -مع طولها- لتشرح قضية من القضايا، وتحتج لها، وربما اكتُفي بالآية الواحدة، بل بالجملة من الآية، بل بالكلمة فتقام بذلك الحجة، ويقنع به البرهان.

وسأكتفي في هذا البحث الموجز بالحجج القصيرة التي أغنت- مع إيجازها- عن كلام كثير.

- لقد سيطر الجهل على عقول المشركين فزعموا- فيما زعموا من ترهاتهم وأباطيلهم- أن لله ولدا، وقد حكى القرآن الكريم عنهم هذا الزعم في أكثر من آية: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً} (مريم الآية 88) زعموا أن هذا الولد ليس من الذكور بل هو من الإناث: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} (النحل من الآية 62). {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً} (الإسراء الآية.4). وهذه هي الفرية الثالثة أنهم جعلوا الملائكة بنات الله.

ثلاثة أباطيل أذاعوها، وآمنوا بها: أن لله ولدا، وأن هؤلاء الولد هم الملائكة، وأن هؤلاء الملائكة إناث.

فماذا كان رد القرآن عليهم ؟

لقد جاء في بعض الآيات ردود قصيرة على مجرد اتخاذ الولد، فهم يزعمون أن لله ولدا ولكنهم لا يقولون أن له زوجا ولدت الولد، فحجهم القرآن: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنعام 101).

{بِغَيْرِ عِلْمٍ}. {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ}. حجتان مقنعتان لمن يريد أن يقتنع فدعواهم صادرة عن جهل لا عن علم، فكيف تكون موضع يقين عندهم؟ بل كيف تكون موضع شك، أو وهم؟ وهى دعوى لا تستند على أساس صحيح، فكل من ولد كانت له زوج، وأنتم مؤمنون بأنه لا زوج له، فأين تذهب بكم أوهامكم؟!.

ثم بين سبحانه في آية أخرى مصدر العلم الصحيح، ونفاه عنهم في أوجز عبارة . وأقوى حجة: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} (الزخرف من الآية 19).

هكذا في إيجاز وحسم: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ}مع هذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي الذي أدى ما يعجز الخبر التقريري عن أدائه.

وقد جاء هذا الرد الحاسم في آية أخرى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} (الصافات الآيتان 149- 150).

فالملائكة خلق من خلق الله، لم يطلع أحد من البشر على حقيقة خلقهم، فلا سبيل للحكم بنوع هؤلاء العباد: لأن الحكم على شـيء ما لابد أن يكون عن طريق مشاهدته، أو عن طريق خبر صادق عنه، وهم- قطعا- لم يشهدوا خلقهم، ولا ينكرون أنهم لم يشهدوا، ولم يأت به خبر صادق، لا من القرآن الكريم، ولا من خبر الصادق الرسول الأمين، فكما أنهم لم يشهدوا خلق الملائكة كما صرحت الآية الكريمة، وكما هو أمر لا جدال فيه، كذلك ليس عندهم علم عن طريق الأخبار الصادقة، وبذلك تحداهم القرآن: {أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أفلا تذكرون أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الصافات الآيات 151- 157). وأين هو الكتاب؟ فقد انتفت عنهم المشاهدة، وانتفى عنهم الخبر الصادق. فمن أين جاء لهؤلاء المفترين أن الملائكة إناث، وأنهم بناتُ الله؟ وكيف سمحت لهم عقولهم أن يدَّعوا دعوى لا يمكنهم إقامة الدليل عليها من مشاهدة عيان، أو من خبر صادق ؟.

- ومشركو مكة اتّهموا رسول اللّه محمدا- عليه أفضل الصلاة والسلام- بالجنون، ويبدو أن هذه كانت أول تهمة اتهموه بها، فقد جاء ذكرها في سورة القلم، وهى من السور الخمس الأوائل نزولا. ثم جاء ذكرها في آيات أخرى:{نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} (القلم الآيتان 1- 2). {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} (سبأ الآيتان 7- 8). { أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (المؤمنون الآية 70). {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ}. (الدخان 13- 14) إلى غير ذلك من الآيات.

فماذا كان ردُّ القرآن عليهم في نفي هذه التهمة عن رسوله المبين ؟

بأوجز كلمة وأقواها دلالة ردَّ عليهم القرآن الكريم في ثاني آية نزلت بعد: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وهي آية القلم: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}.

قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: " نفى الجنون عنه، ثم إنه تعالى قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، وذلك لأن قوله: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ}، يدل على أن نعم اللّه تعالى كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراءة عن كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون، فالله تعالى نبَّه على هذه الدقيقة لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين في قولهم إنه مجنون.

  ونلاحظ أن الكلمة جاءت في سياق الكلام، ولم توضع موضع الرَّد، ولا سيقت مساق الحجة على نفي التهمة، وإنما قرنت بالآية ليتنبه لها الفطين، ويدرك- كما أنهم ولا شك أدركوا أنها من أقوى الأدلة، وقد جاءت الكلمة نفسها في آية أخرى: { فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ}. (الطور- 29) [2].

  ومثل ذلك يقال في كلمة: ((مبين)) التي وردت في آية (الدخان) فهم لا يجهلون أنه مبين بل لا يجهلون أنه من أبين أبينائهم، فلا شك أن الكلمة لفتتهم لفتًا قويًا إلى مدىً ما يرتكسون فيه من باطل حين يتهمون هذا الرسول المبين بما هو أبعد شيء عن الإبانة، ذلك أن من أول، بل من أقوى آلاتها العقل، بل العقل الحصيف الواعي.

  وكذلك حجَّهم القرآن بكلمة واحدة في نفى ما بهتوا به الرسول من الجنون: وفي أول الدعوة- أيضا-، فقد جاء في سورة (التكوير)، وهى خامس سورة نزلت قوله تعالى: { وما صاحبكم بمجنون } (التكوير الآية 22). والمراد بصاحبهم في الآية رسول الله محمد- صلى الله عليه وسلم-، وقد كرَّر القرآنُ هذا الوصف فجاء في سورة (الأعراف): { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الأعراف الآية 184)، وجاء في سورة (سبأ): { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (سبأ الآية 46).

والذي يَلْفِتْ النظر في هذه الآيات هو تكرار كلمة (صاحب)، وإضافتها إلى كفار مكة، وربطها بالفِرية العظمى التي افتروها على الرسول، وهى اتهامه بالجنون.

فكيف وهو (صـاحبهم) مرة بضمير الغيبة، ومرة بضمير الخطاب، وهو (صاحبكم) أيها المتهمون له بالجنون، ؟!!.

نشأ بينكم، وقضى طفولته وشبابه وكهولته بين ظهْرانيكم ،  وأنتم تعرفونه حق المعرفة، فهو صاحبكم، تعرفونه، ويؤكد بعضكم أنه لم يكذب قط، بل تعرفون أنه لم ينحرف لحظة واحدة عما يقتضيه العقل والحكمة، وحسن الروية، وبعد النظر.

أبعد أربعين سنة عاشها بينكم، وهو من أوسطكم دارا، وأشرفكم نسبا، وأكرمكم أباً  وأما، يصدق في القول، ويحفظ الأمانة، ويحكم- حين تحكمونه- بأعدل حكم، وأنتم في كل ذلك تصحبونه في غدوه ورواحه، ومَنْشطه ومكرهه. وتلقبونه بالصادق الأمين دون أن يطلب منكم أن تثنوا عليه، أو ترفعوه قدره، وإنما أنطقكم بذلك واقعه.

أبعد كل هذا تتهمونه بما تعتقدون أنه منه براء، وأنه إذا كانت هناك صفة أبعد ما تكون عن إنسان فهي صفة الجنون يوصف بها محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟!!.

وليس بعجيب أن يتخبط الكافرون المعاندون، فقد جاء في القرآن الكريم: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} (الذاريات: آية 52).

فهي سنة الله تعالى مع أنبيائه، ومع أقوامهم.

ولكن كان على كفار مكة أن يتفكروا، وأن يطيلوا التفكير قبل أن يلقوا هذه التهمة على أعقل العقلاء، وأحكم الحكماء: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}. (المؤمنون: آية 68، 69).

بلى: هم يعرفون رسولهم، وإنما أنكروا وجحدوا وادَّعوا عِنادا وطغيانا، وتكبروا، وتجبروا، كما أخبر سبحانه بآية كريمة واضحة بعد آيات (الذاريات) السابقة: { أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} ليس التواصي هو سبب هذه الادعاءات الباطلة، وإنما هو الطغيان بدليل (بـل) الإضرابية.

قال العلامة أبو السعود في تفسير هذه الآية: { بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}1. قال: "إضراب عن كون مدار اتفاقهم على الشرِّ تواصيهم بذلك، وإثبات لكونه أمرا أقبح من التواصي، وأشنع منه، من الطغيان الشامل للكل الدال على صدور تلك الكلمة الشنيعة عن كل واحد منهم بمقتضى جبلّته الخبيثة لا بموجب وصية من قبلهم بذلك من غير أن يكون ذلك مقتضى طباعهم".

فلولا هذه النفوس الخبيثة، وهذه الطباع السيئة لكان أدنى تفكير في هذه الكلمة القرآنية الحاسمة: (صاحبكم) كفيلا بأن يردهم إلى الصواب، وينطقهم بما هو أجدر بعقولهم، ومكانتهم في قولهم وفي العرب فيرجعوا عن بهتانٍ هم أول من يعلم أنه بهتان.

لو أن محمدا- صلى اللّه عليه وسلم- كان من شعب آخر غير الشعب العربي، أو لو أنه رُبِّى في بيئة أخرى غير بيئة مكة، أو بين ظهراني قومٍ غير قريش، لو كان شيء من ذلك لكان لقولهم وجه ما.

وقد زعم مشركو مكة أن محمدا -صلى اللّه عليه وسلم- تعلم القرآن من بشر. قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر} (النحل آية 103).

واختلفت نقول المفسرين في تعيين هذا البشر، ولكن اتفقت كلمتهم- كما أكد القرآن الكريم- على أنه رجل ليس بعربي.

ومما قيل إنه كان غلاما روميا يصنع السيوف بمكة، وأن النبي- صلى اللّه عليه وسلم- كان ربما مرَّ به فجلس عنده، وسمع منه كلاما، فوجد المشركون في هذا اللقاء بين النبي والرومي متنفّسا لأحقادهم، فادَّعوا أن النبي أخذ القرآن من هذا الرومي، وهم على يقين من أنه- صلى الله عليه وسلم- لم يأخذ، ولا يمكن أن يكون مثل هذا الغلام مصدراً للقرآن الذي أعجز العرب بفصاحته وبلاغته، ولذلك كان الرد عليهم في غاية الوضوح والحسم، وكان مخجلا لمن لا تزال عنده بقية من حياء، ومن اعتصام بالتعقل، والتعالي عن سفاسف الأقوال: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}

هل يحتاج هذا البرهان الحاسم إلى أكثر من التذكير به، بل الإشارة إليه؟ وهل يسع عاقلا أن يقف في وجه هذا البرهان إلا إذا فقد الحياء من الناس، ومن نفسه، أو إلا إذا فقد عقله أو تجاهله ؟.

الرجل معروف عندهم، يرتضخ لكنة أعجمية، ولا يكاد يبين عما في نفسه، وهم يفدون عليه يروحون، ولا شك أن كثيرا منه عامله وخاطبه، وأستمع إليه، وعرف مدى علمه بالعربية، ودرجة نطقه السليم بها، والقرآن بين أيديهم، يسمعونه، ويعجبون بفصاحته وبلاغته، فلا حاجة- إذاً- إلى إطالة الحجج، وتنويع البراهين، فمجرد الإشارة- كما قلت- إلى هذا التفاوت العظيم، والبون البعيد بين لغة الرجل ولغة القرآن كافية في إقناع من يريد أن يقتنع، بل أكاد أقول أنها كافية في التوبيخ والتقريع والتجهيل، وبيان مدى مجافاتهم للحق، وتنكرهم للواقع، وتمسكهم بالأوهام والأباطيل.

ولا يخطئ الملاحظ هنا أمرين:

الأول: التعبير باللسان، وكان يمكن أن يقال: {الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ}، ولكن التعبير باللسان هو لب هذا البرهان، فلو عدل عنه إلى التعبير بالذي مثلا لكان للمشركين أن يقولوا: وما العجب في أن يأخذ محمد هذه المعاني من هذا الأعجمي؟ إن المعاني شركة بين العجم والعرب، أو يقولوا: إنه أعجمي ولكنه عالم بالعربية، فأخذ عليهم القرآن الطريق، وسدّ أمامهم منافذ الجدل، لأنهم لا يستطيعون أن يقولوا إن صاحب اللسان الأعجمي يملى على العربي مثل هذا الكتاب، وزاد هذا الإفحام قوة وصف اللسان بأنه (مبين) بعد وصفه بأنه (عربي) وهم لا يمارون في أن هاتين الصفتين من أخص خصائص القرآن.

على أنه حتى لو ادَّعوا أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- أخذ معان القرآن من هذا  الغلام لكانوا مبطلين حتـما عند أنفسهم، فإنهم أعقل من أن يتوهموا إن هذه التشريعات والحكم والمواعظ، وسائر المعاني الأخرى الرائعة تصدر عن غلام أو غلمان يقومون بالصناعة في بلد لم يعرف- آنذاك- بأنه بيئة علمية.

ويا للعجب. لو كان القرآن من وحـي هذا الأعجمي فكيف عجزوا هم عن أن يعارضوه بأقصر سورة من مثله، وهم فرسان الكلام، وأبطال اللّسن والفصاحة ؟.

الثاني: التعبير- هنا- بالفعل (يُلحدون)، ومعناه يميلون عن القصد، يشيرون إشارة المائل إلى الباطل، الحائد عن الحق.

وفيه لطيفتان:

(إحداهما): أنه مجرد ميْل وإشارة، كأنهم حين قالوا: إنما يعلمه بشر لم يكونوا يقصدون في واقع الأمر ما يقتضيه التعلم والتعليم من تردد المتعلم على المعلم، ومن طول مكثه عنده، ولم يكن في أذهانهم- حقيقة- ما يكون بين الطالب والأستاذ من وضع كل منهما في موضعه المعروف المتقرر، و إنما هي إشارة ولا غير، وإشارة بعيدة عن الصواب مغرقة في الباطل.

(ثانيتهما): أن مادة هذا الفعل توقع في النفس معناها الأول، وهو الإلحاد وإيحاؤه معروف.

ومن العجب أنه لم يرد هذا الفعل بهذا المعنى المراد في هذه الآية في القرآن الكريم إلا هذه المرة، وقد ورد بمعنى التجني على أسماء اللّه، وتحريفها عن حقائقها في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}، (الأعراف: الآية 180)، وبمعنى الميل عن الحق في آيات الله، وتكذيبها، والطعن على ما فيها من أدلة وبراهين، في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} (فصلت: الآية 32).

قد ورد مصدر هذا الفعل مقترنا بالظلم في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الحـج: الآية 25).

فلا غرو أن يكون في هذا الفعل الذي جاء في سورة (النحل) ما يوحي- مع أن المراد به الإشارة- بأشنع أنواع الظلم، وأخطر ألوان الميل عن الحق.

- ويزعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله ينزلهم منه منازل الأبناء من آبائهم، فلا يزيد القرآن الكريم في الرد عليهم عن عبارة واحدة فيها التكذيب المدعم بالدليل القاطع، وفيها الإنكار والتوبيخ في أوجز عبارة، وأقوى مواجهة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} (المائدة: الآية 18) فالدعوى باطلة، والزعم لا أساس له، لأن من يكون بهذه المنزلة من الله تعالى يكون بمنأى عن أمرين عظيمين:

أولهما: لا يعصى الله ما أمره، وهذا ما كان- ولا يزال- من الملائكة المقربين: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: الآية 6).

وأنتم أيها الزاعمون ببنوة الله، وحبه لكم تذنبون، وتقعون في الخطايا التي تستوجب العذاب، وكأن هذه الإضافة تشير إلى شدة التصاق الذنوب بهم، وإلى أنها ذنوب عليها طابعهم: ((ذنوبكم)).

ثانيهما: لقد زعمتم أيها اليهود أن النار تمسكم أياما معدودات، وزعمتم فيما يروى الرواة أنها الأربعون التي عبدتم فيها العجل، فإذا كنتم أبناء الله وأحباءه فلم يعذبكم ؟ إن الأب لا يعذب ابنه، والحبيب لا يؤاخذ حبيبه على ما يقع فيه من أخطاء، حتى في هذه الدعوى التي أشرت إليها يردّ عليهم القرآن ردا موجز مفحما: { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (البقرة: الآية 80).

لم يتخذوا عند الله عهدا، وهم يعلمون ذلك، ولو أنهم اتخذوا هذا العهد لفازوا ، فإن الله لا يخلف عهده، هم متأكدون بأنه لا عهد بينهم وبين الله، ومتأكدون كذلك أنهم يقولون ما لا يعلمون، فأيّ حجة ملزمة أقوى وأحسم من هذه الحجة؟.

ومزاعم اليهود والنصارى كثيرة ومتشعبة، وردود القرآن على مزاعمهم دامغة.

- ومما يضاف للمزاعم السابقة زعمهم بأن أحدا غيرهم لن يدخل الجنة: {هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: الآية 111).

اليهود قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، والنصارى قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، ولا يمكن أن يفهم من الآية إلا هذا. لما هو معروف من العداوة بين الفريقين. ومن هنا أوجز القرآن غاية الإيجاز في الرد عليهـم: {قل هاتوا برهانكم}، فليس هناك أبلغ في التكذيب والتبكيت، وإبطال زعم الزاعمين، وتخرص الكاذبين من أن تطلب إليهم أن يجيئوا بالبرهان، وأنت على يقين من أنه لا برهان عندهم، فتطالبهم ببرهان لن يجيئوا به، وتشكك في صدقهم، فلما عجزوا عن إقامة البرهان على ما يزعمون تأكد كذبهم، وبطل زعمهم.

وقد سلك البوصيري- رحمه الله- هذا النهج القرآني فجاء بما تقره العقول الراجحة المنصفة، وبما يقف الخصم أمامه حائرا مبهوتا:

خبِّرونا أهلَ الكتابَيْن من أيـ

 

ـن أتاكم تَثْليثكم و البَداء ؟

ما أتى بالـعقيدتين كـتابٌ

 

واعتـقاد  لا  نصَّ فيه  ادّعاء

والدَّعَاوى إن لم تقيموا عليها

 

بـيـناتٍ  أبـناؤُها   أدْعياء

- وقضية البعث لعلها ظفرت من القرآن الكريم -بعد قضية الوحدانية- بأوفى نصيب. فقد: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} (التغابن الآية 7). {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ}(النحل: الآية 38) وقالوا: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْر} (الجاثية: الآية 24) { وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} (الأنعام: الآية 29).

واستبعدوا أن يعودوا للحياة بعد أن يصيروا عظاما ورفاتا وترابا: {قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} (الصافات: الآية 16) {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} (الإسراء: الآية 49)..

وسخروا سخرية بالغة من الرسول الذي أكد لهم أمر البعث، والعودة إلى حياة أخرى بعد الموت: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} (سبأ: الآية 7).

وإذا كانوا- كما أخبرت عنهم هذه الآية- اتهموا الرسول بالافتراء على الله، أو بأن به مسًا من الجنون، فإنهم في موقف آخر زعموا أن إخبارهم بالبعث سحر وأي سحر: {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} (هـود:الآيـة 7).

إلى أقوال ومزاعم أخرى أخبرنا بها القرآن الكريم عنهم. فهم- إذًا- رفضوا قضية البعث رفضا باتاً، وعبروا عن رفضهم هذا بأساليب مختلفة، وركبوا في إنكارهم متن عشواء، فكان لابد أن يأتي القرآن بما يكشف الأغطية عن عيونهم، ويرفع الأكنَّة عن قلوبهم، ويزيل الحجب التي حالت بينهم وبين تصديق الرسول، ويذيب الوقر الذي سدَّ آذانهم، وكان هذا كله يقتضي من غير القرآن جدلا طويلا، وحججا مسهبة، وبراهين ما تكاد تنتهي حتى تبدأ، ولكن القرآن- وهو المعجزة الخالدة- لم يزد في بعض الآيات عن كلمة واحدة، وإن كان في بعضها الآخر يذكر أكثر مِنْ حجة، ولكنه لا يخرج عن حد الإيجاز المعجز. 

وبهذا البيان الرائع، والبراهين الدامغة الموجزة اهتدى من أرد الله هدايته، وبقى على عماه وصممه وإعراضه من أراد الله خذلانه، وحق عليهم ما قالوه عن أنفسهم: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} (فصلت: الآية ه) وما أخبر به سبحانه: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة: الآية 7)

وقد سلك القرآن في الرد عليهم مسلكين:

أحدهما: تأكيد أن البعث واقع، وقوة هذا التوكيد ترجع إلى أن القرآن أعجزهم، فثبت بذلك صدقه، وأنه من عند الله، فطبعي أن يكون صادقا في كل ما أخبر به، وكان يخبر دون قسم تارة، وبالقسم تارة أخرى.

فمن الأول قوله تعالى: { وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أو آباؤنا الأولون قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ} (الصافات: الآيتان 15، 16)، ومن الثاني قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنّ}.

ثانيهما: إيراد الحجـج التي بلغ من قوتها ووضوحها أن تفضح من ينكرها، وتدعه أحد رجلين إما إنسان مصاب في عقله، وإما إنسان مكابر.

وقد كثرت هذه الحجج في القرآن، بل فاقت ما أورد من حجج في قضايا أخرى لعلها أهم من قضية البعث.

قال الفخر الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}. قال الفخر: "إن الله أقسم كثيرا على وقوع البعث، وقليلا على الوحدانية والنبوة، وذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة، وشواهد النبوة كثيرة أيضا، وأما الحشر فيمكن ثبوته بالفعل، ولكن لا يمكن وقوعه إلا بالسمع، فلذلك أكثر من القسم عليه..."

ثم إن القرآن ربما أطال قليلا في ذكر بعض البراهين، ولكن السمة الغالبة عليه أن براهينه في هذه القضية تتسم بالإيجاز المعجز.

ونحن في هذا البحث نخص البراهين القصيرة.

ونرجع إلى آيتينِ أوردتهما في مطلع هذا البحث، ففي كل منهما برهان دامغ يقذف بالحق على الباطل: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ}. {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه}

فليس هناك أدلّ على إمكان البعث من ظاهرة خلق الإنسان: أوجده من عدم، أوجده  من تراب، أوجده من نطفة، تطورت النطفة فكان خلقا آخر: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} (الطارق: الآيتان 5- 8). {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } (الحج: الآيتان 5، 6) {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: الآية 78)

وقد كانوا مقرِّين بأن الله هو الذي خلقهم، فحين يحجهم بأنه خلقهم إنما يحجهم بشيء لا ينكرونه، ولا يجادلون فيه، قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}. (الزخرف: الآية 87).

(نسي خلقه) كلمتان فيهما القول الفصل، والبرهان القاطع ، وقد وضح القرآن بعض التوضيح هذه الحجة في قوله تعالى: {وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} (مريم: الآيتان 66، 67).

فهناك نسي (نسي خلقه)، وهنا استفهام توبيخ وتقريع: ( أو لا يذكر ).

ثم في هذه الآية الأخيرة إضـافة جديدة، وهي معلومة لهم، ولا يحتاجون إلا لمجرد التذكر:  {خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}، فهو من عدم، والذي ينشئ من العدم يقدر على الإعادة والمادة قائمة: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (الأعراف: الآية 29)

قال السيد رشيد رضا تعليقا على هذه الجملة القصيرة التي تضمنت برهانا قاطعا: "وهذه الجملة من أبلغ الكلام المعجز، فإنها دعوى متضمنة للدليل بتشبيه الإعادة بالبدء، فهو يقول: كما بدأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة".

وقد ذكر المفسرون في قصة الآية الكريمة: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} أن أبَى ابن خلف أو غيره من مشركي قريش قال. (ألا ترون إلى ما يقول محمد إن الله يبعث الأموات، واللات والعزّى لأصيرن إليه ولأخصمنه، وأخذ عظما باليا فجعل يفتّه، ويقول: يا محمد. أترى الله يحي هذا بعد مارمَّ ؟ ! فقال -صلى الله عليه وسلم-: نعمْ يبعثك، و يدخلك جهنم، فنزلت).

ومع هذه الحجة الحاسمة لفت القرآن أنظارهم بقوة إلى براهين أخرى، يكفى النظر العابر للاقتناع بها، وفى إيجاز ووضوح أيضا: { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} (يس: الآيتان 79، 80) حجتان واضحتان: {يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} وهذه توضيح لما أجمل قوله: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ}. فالذي ينشئ- وهم معترفون بذلك- قادر على الإعادة.

وهو: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً} ومن المعلوم أن الماء يضاد النار وأن الخضرة- بالبديهة- لا تجتمع مع اليبوسة، قال العلامة النسفي: (فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر، واجراء أحد الضدين على الآخر بالتعقيب أسهل في العقل من الجمع بلا ترتيب). وقال العلامة أبو السعود: (فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفيته كان أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا تطرأ عليه اليبوسة والبلى)

تم أعقب القرآن الكريم هاتين الحجتين بحجة جامعة مانعة: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ}.

هم مقرون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض: كما أخبر القرآن عنهم بذلك: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} (الزخرف: الآيـة 9).

ومن تمام الحجة، بل قومها أن يكون من تحجّه معترفا بالمقدمة التي تبنى عليها النتيجة. ثم من البدهي أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس في الحقيقة، وفي مرأى العين عند التأمل كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (غافر: الآية 57).

ومن الرائع في هذه الحجة الثالثة صياغتها في أسلوب سؤال وجواب.

أما ما جاء في الآية الأخرى: ((وهو أهون عليه)) فهو منتهى الإلزام للمعاند، ذلك أن مجرد القدرة على الإعادة بعد النشأة الأولى حجة في ذاتها، فإذا أضيف إليها أن العقول السليمة تدرك بالنظرة العابرة أن الإعادة أهون وأيسر من البدء ولله المثل الأعلى.

وقد ذكرت هذه الحجة في مواطن أخرى من القرآن الكريم: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(العنكبوت الآية 19).

قال جار اللّه الزمخشري: "(ذلك) يعود إلى ما رجع إليه (هو)  في قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} من معنى (يعيد)".

ومن ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} (ق الآية 44).

ومما لفت القرآن الكريم الأنظار إليه في شأن البعث حال الأرض تكون يابسة جرداء فينزل عليها المطر فإذا هي يانعة خضراء، وقد تكرر في القرآن ضرب هذا المثل، وجاء واضحا في آية (الحج) التي احتجت للبعث بخلق الإنسان، ومروره بأطوار مختلفة: { وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ}.

والتشبيه صريح في آية الأعراف {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الأعراف: الآية 57)

وكذلك جاء صريحا ومباشرا في آية فاطر: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} (فاطر: الآية 9).

وكذلك جاء في سورة (ق)، فبعد أن ذكر الله سبحانه أنه نزل من السماء ماء فأنبت به جنات، وحبّ الحصيد، والنخل باسقات ، وأنه أحيا به بلدة ميتا، قال: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} (ق: الآية 11).

وبكل هذه البراهين الساطعة الدامغة مع إيجازها ووضوحها لم يعد هناك عذر لمنكري البعث، فإذا كان معها براهين أخرى ذكرها القرآن مطولة بعض الشيء كان إنكار البعث عنادا، بل من أشنع ألوان العناد.

ولا يخفى على ذي بصيرة موضع الإعجاز في إيراد هذه البراهين، فإن كلّ برهان منها مع ما عرض فيه من وجازة ووضوح يغنى عن الكثير من الجدل والحجاج: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت: الآية 20).

وكل البراهين التي أوردتها فـي القضايا المختلفة، وغيرها مما لم أورده، مما جاء ذكره في القرآن الكريم يغني ويكفي، بل هو فوق الاغناء والكفاية في البلاغ والإقناع و الإعجاز.

ولكن الأمر كما قال عز وجل: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (يوسف الآية 103) قال سبحانه:  {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}[3] (الأنعام الآية 116).

و{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الصافات: الآية 180- 182).

 

 



[1] ومعنى  الآية -كما قال ابن عباس-: لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج. وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه. وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكوا في تلك الرؤية . وبقوا مصرين على كفرهم وعنادهم.

ومعنى (سكرت أبصارنا): لا تدرك الأمور على حقائقها. فكأنها منعت من النظر. فحارت وسكنت عن النظر

[2]وتلاحظ في آية (الطور) أن القرآن نفى عن الرسول الكهانة أيضا، وهي مما اتهم به، ومن اليقين أن الكهانة لا تجتمع مع نعمة الله في قلب الإنسان.

[3] ومعنى يخرصون، يكذبون، و أصل الخرص والتخمين ويسمى الكذب خرصا لما يدخله من الظنون الكاذبة