طباعة

 توثيق النص

 

 

 

حاسة السمع

للدكتور فكري السيد عوض

طبيب العيون بالجامعة

 

 

خلق اللّه سبحانه وتعالى العباد ومنحهم من رعايته وفضله وأفاض عليهم من رحمته، واستخلفهم  في الأرض يزودهم بكل أدوات الخلافة من تركيب خاص وتكوين لائق بذلك وتسخير للطاقات الكونية- ولذلك كان على البشرية جميعها أن تتفكر في آيات اللّه وبدائع خلقه، آثار صنعه، وتدركه بآثار قدرته وتستشعر عظمته برؤية حقيقة إبداعه، ومن ثم يخشاه الناس حقا ويعبدونه حقا بالمعرفة الدقيقة والعلم المباشر؛ حتى لا يركبهم الغرور، ويعرفوا أنهم هم الفقراء إلى اللّه وأن الله هو الغنى الحميد....

ومن بين هذه النعم التي تفضل الله بها على عباده نعمة السمع.... وسنحاول أن نبين بعض أسرارها، ونقف على جزء بسيط من هذه النعمة الغالية لنصل في النهاية إلى أن العلم الحديث ما زال يجهل الكثير عنها، ولم يعرف بعد من أسررها إلا القليل وصدق الله العليم إذ يقول {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}...

 

ظاهرة انتقال الصوت:

ينتقل الصوت نتيجة اهتزازات جزيئات المادة… وكلما تكاثفت جزيئات المادة كلما كان الصوت أكثر سرعة، فمثلا نجد أن سرعة انتقالا الصوت في الهواء ( 340 متر في الثانية)، وهي أقل سرعة عنها في الماء (حيث يصل إلى 1435 متر في الثانية) بينما تزداد السرعة أكثر من ذلك في المعادن بحيث يصبح في الإمكان أن تضع الأذن على شريط القطار وتسمع صوت مجيئه من بعد عدة كيلومترات...!!.

 

هل في مقدار الإنسان أن يسمع كل الأصوات التي من حوله؟

إن قوة سمع الإنسان لها طاقة محدودة، فهو يسمع الأصوات التي تتراوح ذبذباتها بين  16 إلى 20 ألف هزة في الثانية الواحدة... وإذا زاد الصوت عن هذا المقدار فإنه لا يسمع شيئا، ولكن يحدث له شعور مزعج غير واضح قد يصل إلى درجة إيذاء الأذن....

وهناك حيوانات تكون قوة سمعها أكثر حدة من الإنسان، فمثلا القطط تسمع الأصوات التي تصل ذبذباتها إلى 50 ألف هزة في الثانية..... بينما نجد أن أعجب الحيوانات في هذا المجال هو الخفاش، وهو حيوان ليلي يعيش في الكهوف، وينشط أثناء الظلام؛ ولذلك فإن الرؤيا عنده لا قيمة لها، فحاسة السمع عنده عالية جدا، حيث يسمع التوترات العالية التي تصل إلى 130 ألف هزة في الثانية، فيقوم الخفاش بإرسال صرخات ما فوق الصوت، ثم تنعكس إليه ثانية فيسمعها بأذنيه الكبيرتين، ويقرر بكل دقة بُعد الأشياء والفريسة تماما. وكذلك يحدد بشكل رائع اتجاهها..... وقد قلده البشر.... وقلده العلماء ودرسوا هذه الظاهرة، وكانت هي القاعدة الأساسية التي قاما عليها فكرة الرادار في اكتشاف الطائرات..... فسبحان ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى......

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ….} الأنعام 38.

 

مصير الأصوات التي نسمعها:

في بساطة شديدة يصل الصوت إلى الأذن الخارجية التي تجمعه، لكي يصل إلى غشاء الطبلة، حيث يحدث اهتزازات على عظيمات السمع الموجودة في الأذن الوسطى التي تقوم بنقله إلى الأذن الداخلية، التي تتولى تفسيره ونقله بشكل سيالة عصبية إلى العصب السمعي ثم إلى المركز السمعي العام في الدماغ أي في الفص الصدغي.

 

تكوين الأذن:

يقول العلم الحديث: إن الجهاز السمعي يبدأ تخلقه منذ بداية الأسبوع الثاني للجنين، وهو في رحم أمه، ويكون ذلك على هيئة حفرة على جانبي الرأس، ثم تصبح حويصلة ثم تستطيل، ثم تتكون الأذن الداخلية، وبعد ذلك يتكون الدهليز السمعي، ثم تتصل بالعصب السمعي.... وبتقدم وسائل العلم ثبت أنه في إمكان الجنين أن يسمع الأصوات منذ الشهر الرابع، إنه عالم آخر تكفل به العليم الخبير.

 

وتتركب الأذن من ثلاثة أجزاء:

أولا: الأذن الخارجية: هي صيوان الأذن الذي يؤدي إلى قناة سمعية خارجية، تنتهي بطبلة الأذن، وتقوم الأذن الخارجية بعملية تجميع الأصوات.

- والقناة السمعية الخارجية يبلغ طولها 2.5 سم تقريبا، وتحتوى على الشعر في القسم الأمامي، وتحتوى أيضا على غدد صملاخية تفرز مادة الصملاخ لاصطياد (الغبار) وهي منحنية للأسفل حتى تخفف من وقوع الإصابة الخارجية بعكس ما لو كانت مستقيمة حتى لا يكون الأذى مباشرة على طبلة الأذن.

 

ثانيا: الأذن الوسطى: وهي قناة عظمية غضروفية بها غشاء الطبل، وتحتوى على ثلاث عظيمات: واحدة تتصل بغشاء الطبلة (تسمى المطرقة)، وأخرى تتصل بالأذن الداخلية (تسمى الركابة)، وثالثة بينهما (تسمى السندان). وكل واحدة متعلقة بالأخرى ومتمفصلة معها.

وعندما تصل ذبذبات الصوت من الخارج، يهتز غشاء الطبل، وبالتالي تهتز هذه العظيمات فتقوم بتسريح وتوصيل الصوت إلى الأذن الداخلية.... وهنا تحس بأن يدًا خفية تتحكم في كل هذه الأعمال، وتخضع لسنن معينة محكمة دقيقة إلى أبعد حدود الدقة. فلو كان الصوت القادم شديدا، فإنه يحدث تكييف غريب، ذلك أن هذه العظيمات تغير اتجاه تمفصلها بحيث يبقى الأذن الداخلية من الأذى إلى حد ما بمساعدة تقلص العضلتين الموجودتين في الأذن الداخلية.... فمن الذي ألهم هذه العظيمات الصماء- التي لا يزيد وزنها عن 55 ملجم أن تقوم بذلك؟…. إنه الخبير العليم.

- وهناك نوع آخر تتجلى فيه عظمة الله وهو الجزء الصغير من الأذن الذي يربط مابين الأذن الوسطى وما بين البلعوم وذلك عن طريق قناة تسمى قناة (( أوستاش)) فلماذا وجدت هذه القناة؟

تحدث ظروف طارئة، ولولا وجود تلك القناة لتمزق غشاء الطبلة…. وهذا ما نلاحظه في حالات الرشح والتعرض للنزلات البردية، أو قيادة السيارة لفترة طويلة أو ركوب الطائرة، حيث نشعر بأن السمع يتناقص تدريجيا مع شيء من الألم الخفيف ولكن عندما نقوم بعملية البلع أو التثاؤب نشعر في الحال كأن الأذن قد فتحت وبدأنا نسمع بشكل طبيعي.... فما الذي حدث؟

إن عملية البلع هذه تؤدى إلى تقلص عضلة خاصة، تفتح فوهة هذه القناة فيدخل منها الهواء فيتعادل الضغط داخل الأذن وخارجها؛ وبذلك يرجع كل شيء إلى حالته الأصلية، ولعل هذا هو السر في أن الذين يرمون بالمدافع يبقون أفواههم مفتوحة أثناء انطلاق القذيفة وحدوث الصوت المرتفع حيث يتم تأمين اتزان الضغط إلى حد ما بين خارج الأذن وداخلها.

- كذلك تقوم تلك القناة بفوائد أخرى، منها تصريف المخاط والسوائل التي قد تتجمع في الأذن الوسطى إلى البلعوم، فضلا عن أنها تمثل فتحة جيدة لإتقان السمع فيجود الصوت ويصفى بواسطتها...

فقناة أوستاش تقوم بوقاية وحماية غشاء الطبلة، وتنظيف الأذن الوسطى، وتحسين وتجميل وإتقان جهاز السمع.....

 

ثالثا: الأذن الداخلية:

- وهي التي يوجد بها الجهاز الخاص باستقبال الأصوات.

- وتركيبها معقد فهي تحتوى على دهاليز وممرات معقدة حتى أن العلماء لم يجدوا لها اسم يطلق عليها إلا كلمة ((التيه))

- كذلك يوجد بها ما يثير دهشة الإنسان وتعجبه، ذلك أن بها جهازا خاصا ذا تركيب معين، فائدته القيام بدور هام جدا في حفظ توازن الإنسان...

- أما الجهاز الخاص باستقبال كافة أنواع الأصوات فهو يسمى ((عضو كورتي))، حيث يحتوى على أكثر من ثلاثين ألف خلية سمعية وتعتبر كل خلية سمعية محطة كاملة لاستقبال جميع أنواع الاهتزازات الصوتية.... ومن هذا العضو تتصل الخلايا وتتكون الألياف العصبية في منتهى الدقة وتجتمع تشكل العصب السمعي، الذي يصعد إلى المخ لينتقل كل ما حدث في سيولة عصبية إلى المركز السمعي العام في الدماغ....

ولنا أن نتسائل ؟

- أين تقع مراكز وخزائن الذاكرة للمسموعات؟

- كيف تدرك الخلية العصبية الأمر وتفهمه؟

- كيف يحدث تمييز الأصوات العديدة جدا عن بعضها البعض حيث تبلغ حساسية الأذن لسمع الأصوات درجة كبيرة فيمكن للأذن أن تميز ما بين 34 ألف لحن مختلف في. الشدة والتواتر.....

- كيف... ؟ وكيف...؟. لا نجد جواباً

كل الذي توصلوا إليه هو كيفية انتقال الصوت إلى مركزه في الدماغ.

وصدق الله العليم إذ يقول: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}.

 

أيهما أفضل السمع أم ا أبصر؟

- قال الأكثرون: إن السمع أشرف من البصر وكانت حجتهم: أن اللّه تعالى ذكر السمع في القرآن قبل البصر.. وأن السعادة كلها تكون باتباع الرسل والإيمان بما جاءوا به وهذا لا يدرك إلا بالسمع. وأن العلوم الحاصلة بالسمع أضعاف أضعاف العلوم الحاصلة من البصر كذلك فإن فقد السمع يوجب، ثلم القلب واللسان، ولهذا كان الأطرش خلقة لا ينطق في الغالب... وأما فقد البصر فربما كان مفيدا من ناحية قوة إدراك البصيرة، وشدة ذكائها، لهذا نجد كثيرا من العميان عندهم من الذكاء والفطنة مالا تجده عند البصير حيث أن تقلب البصر في الجهات ومباشرته للمبصرات على اختلافها يؤدي إلى تفريق القلب وتشتيته ولذلك كان الليل أجمع للقلب، والخلوة أعون على إصابة الفكرة... ولهذا كان كثير من العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام مكفوف البصر لكن لا أعرف أن فيهم الأطرش....

- واحتج عليهم فريقا آخر بأن أفضل نعيم أهل الجنة هو النظر إلى وجه الله تعالى في الدار الآخرة وهذا لا يدرك إلا بالبصر، ولا توجد حاسة في العبد أكمل من حاسة تراه بها... ثم قالوا إن كل ما ينال بواسطة السمع إنما هو وسيلة لهذا المطلوب الأعظم فتفضل السمع على البصر كفضيلة الغايات على وسائلها..

وهنا يحسم المشكلة شيخ الإسلام ابن القيم بقوله (إن إدراك السمع أعم وأشمل وإدراك البصر أتم وأكمل فهذا له التمام والكمال وذاك له العموم والشمول فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختص به)... ثم استطرد قائلا (إن تقديم السمع على البصر له سببان:

أولا: أن يكون السياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمنا للتهديد والوعيد أي أني أسمع ما يردون له عليك وما يقابلون به رسالتي وأبصر ما يفعلون.

ثانيا: أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام مع غاية البعد بين السامع والمسموع أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده... وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ثقفيا وقرشي أو قرشيان وثقفي فقالت أحدهم أترون الله يسمع ما نقول فقال الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفين، فقال الثالث إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. ولم يقولوا أتروننا اللّه يرانا. فكان تقديم السمع أهم والحاجة إلى العلم به أمسّ. كذلك فإن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثير في الخير والشر والصلاح والفساد بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان، فكان تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى. وبهذا يعلم تقديم السميع على العليم فقال تعالى: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

وإن الأذن خير شاهد على عمل الإنسان:

يقول تعالى في سورة فصلت 19- 34:{وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِين فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ}

نسأل الله العليم المنان أن يعيننا على أداء ما وهبنا من نعم {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً..} وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا وأجعله الوارث منا. آمين وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 قال اللّه تعـالى:

{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}(الذاريات آية 21.20)