طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية

 

 

أختي العزيزة هل

رسائلي إليك ستكون كثيرة، وحديثي إليك لن يكون قصيرا، فاعقدي العزم على الصبر وطول السفر، وسيرى معي على هينة وطول أناة. وما أظنني فاعلة غير هذا حين تكتبين إليّ رسائلك الماتعة، وتتحدثين بما أنعم اللّه عليك في كتابه المبين.

 

أختي العزيزة:

في رسائل أربع سلفت، كتبت إليك سبع صيغ من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع، وها أنا ذي محدثتك اليوم عن صيغ أخـرى جديدة:

أما الصيغة الثامنة فهي: ((ألم تعلم أَنّ…)) ففي هذه الصيغة دخلت أختك همزة الاستفهام على لم النافية الجازمة لمضارع ((علم)) مسندا إلى ضمير المفرد المذكـر يليه (أَنَّ) الناسخة للمبتدأ والخبر المؤكدة لمضمون جملتها، وقد وردت هذه الصيغة في ست آيات:

الآية الأولى قوله تعالى: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } الآية (106) من سورة البقرة.

الآية الثانية قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}  الآية (107) من سورة البقرة.

الآية الثالثة قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}  الآية (40) من سورة المائدة.

الآية الرابعة قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}  الآية (70) من سورة الحـج.

الآية الخامسة قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} الآية (78) من سورة القصص.

الآية السادسة قوله تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} الآية (14) من سورة اقرأ.

وقد تضمنت هذه الآيات بيان قدرة الله تعالى على كل شيء، وعلمه بكل شيء على وجه التوكيد في الآيات الست.

ومعنى همزة الاستفهام مع هذه الصيغة الواردة في هذه الآيات كلها: التقرير، أي قد علمتَ أيها المخاطب أَنّ... أو قد علم أَنّ...

وفي الآية الخامسة التي تتحدث عن قارون، تدل الهمزة على التقرير والتوبيخ معاً، تدل على التقرير بمعنى: أن قارون قد علم إهلاك الله تعالى من عاشوا قبله، وتدل على توبيخه أَن  لم يعظه علمه هذا، ولم يمنعه من الاغترار بكثرة ماله وقوته.

وفي الآية السادسة، تدل همزة الاستفهام على التقرير والتوبيخ والوعيد جميعا، التقرير بمعنى أن أبا جهل قد علم أن اللّه تعالى يراه، وعلى توبيخه أَن  لم يعمل بما يقتضيه علمه هذا، وعلى الوعيد بالعقاب والعذاب من جراء أنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقال: "واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب"[1].

وإعراب (ألم تعلم) ظاهر، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكل من يصلح للخطاب، وأنّ وخبرها في تأويل مصدر سدّ مسدّ مفعول (تعلم)، وأكد متعلق العلم في الآيات الأربع الأولى اهتماما بشأن الخبر ومزيد عناية به.

أما في الآية الخامسة ففاعل (يعلم) ضمير مستتر يعود على قارون، والواو الواقعة بين همزة الاستفهام و (لم) عاطفة على ما قبل الهمزة، وقد أكد متعلق العلم في هذه الآية لتنزيل قارون منزلة المنكر؛ لأنه لم يعمل بمقتضى علمه.

وفاعل (يعلم) في الآية السادسة ضمير مستتر يعود على أبي جهل، وأكد متعلق العلم في هذه الآية لتنزيل أبي جهل منزلة المنكر؛ إذ  لم يعمل بمقتضى علمه أيضا.

 

أختي العزيزة هل:

الصيغة التاسعة من الصيغ التي تدخل فيها أختك همزة الاستفهام على (لم) النافية الجازمة للفعل المضارع هي: ((ألم يعلموا أن..)) ففي هذه الصيغة ترين همزة الاستفهام قد أتبعت ب (لم) النافية الجازمة لمضارع (علم)، مسندا إلى واو الجماعة، يليه أَنّ الناسخة للمبتدأ والخبر، المؤكدة لمضمون جملتها.

وقد وردت هذه الصيغة في خمس آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} الآية (63) من سورة التوبة.

ومعنى همزة الاستفهام في هذه الآية: الإنكار والتوبيخ؛ الإنكار بمعنى لا ينبغي لهؤلاء المنافقين المخالفة والمعاداة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتوبيخهم على إقدامهم على هذه المخالفة والمعاداة، مع علمهم بالعاقبة الوخيمة، وهي: أن لهم نار جهنم خالدين فيها، وذلك العذاب هو الخزي العظيم.

و(يعلموا) فعل مضارع مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه حذف النون، وواو الجماعة (وهم فـريق من المنافقين) ضمير مبنى على السكون في محل رفع فاعل، و (أَنّ) الأولى حـرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والهاء المتصلة بها ضمير الشأن والقصة مبني على الضم في محل نصب، اسمها والجملة الشرطية كلها: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا} في محل رفع خبر أن، والمصدر المؤول من أن وخبرها في محل نصب سدّ مسدّ مفعول (يعلم)، والتقدير ألم يعلموا وجوب نار جهنم لمن يحادد الله ورسوله.

الآية الثانيـة قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}  الآية (78) من سورة التوبة.

معنى الهمزة في هذه الآية الإنكار والتوبيخ.

ينكر الله سبحانه وتعالى على المنافقين كذبهم، وبخلهم، إعراضهم، وإخلافهم الوعد، ويوبخهم على ذلك كله بعد أن عاهدوه سبحانه وتعالى أن يتصدقوا، وأن يكونوا من الصالحين إن أعطاهم من فضله، وقد أعطاهم.

ويوبخهم أيضا على ما كانوا يخفونه من نفاق، وما يتناجون به من طعن في الدين، وتسمية الصدقة جزية، وتنقيص رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وتعييب المؤمنين.

الآية الثالثة قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} الآية (104) من سورة التوبة.

ومعنى الاستفهام بالهمزة في هذه الآية هو الأمر؛ أي ليعلموا، فإن كان الضمير (واو الجماعة) في يعلموا يعود على المتوب عليهم فالغرض حينئذ تأكيد قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم.

وإن كان المراد بواو الجماعة غير المتوب عليهم ممن لم يتوبوا، كان الغرض حينئذ من هذا الأمر حثهم على التوبة والصدقة وتهييجهم إلى الإقدام عليها. وقد مضى إعراب هذه الصيغة.

الآية الرابعة قوله تعالى:{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} الآية (80) من سورة يوسف.

حين يئس إخوة يوسف من رد أخيهم إليهم، اعتزلوا يتناجون ماذا يفعلون، ويبدو من كلام كبيرهم أنهم اعتزموا العودة إلى أبيهم، تاركين أخاهم عند يوسف عليه السلام فقال كبيرهم منكرا عليهم: ألم تعلموا أن.... الآية. فمعنى الهمزة في هذا الاستفهام الإنكار، ينكر كبير إخوة يوسف على إخوته أن يعودوا إلى أبيهم بدون أخيهم، وهم يعلمون أن أباهم قد أخذ عليهم موثقا قال لهم {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} (الآية (66) من سورة يوسف).

ومن أجل هذا الموثق قال كبيرهم: لن أبرح هذه الأرض، أرض مصر التي أنا فيها الآن، إلا بما يجعلني في حلّ من موثق أبي، أو يحكم الله إلي- وهو خير الحاكمين- بحكم لا يؤدي إلى نقض ذلك الموثق.

الآية الخامسة قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الآية (52) من سورة الزمر.

الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يعطيهم نعمة من عنده فيقولون: إنما أوتيت ذلك على علم مني بوجوه المكاسب والمتاجر، أو على علم منى بأني سأعطاه لما فيَّ من فضل واستحقاق، أو على علم من الله أني أستحق هذا وأني أهل له. ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك هذا القول الدال على إعجاب بالنفس، وتعاظم مفرط وجهل بعيد، ويوبخهم على جهلهم أن اللّه سبحانه وتعالى يوسع الرزق لمن يشاء من عباده، وإن لم يكونوا من ذوي الحيلة والقدرة على كسبه، وأنه تعالى يضيق الرزق على من يشاء من عباده، وإن كانوا من ذوي الخبرة في وجوه الكسب، فالله سبحانه وتعالى يبسط الرزق ويقبضه لحكمة يعلمها وحده، وليس السبب عقل عاقل ولا جهل جاهل، يدل على ذلك أنا نرى كثيرا من العقلاء في ضيق، وكثيرا من الجهلاء في سعة.

 

أختي العزيزة هل:

أما الصيغة العاشرة من هذه الصيغ التي تدخل فيها أختك همزة الاستفهام على لم النافية الجازمة للمضارع فهي: (( ألم يسيروا...)). وقد وردت هذه الصيغ في سبع آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ} الآية (109) من سورة يوسف.

الآية الثانية قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} الآية (46) من سورة الحج.

الآية الثالثة قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. الآية (9) من سورة الروم.

الآية الرابعة قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} الآية (44) من سورة فاطر.

الآية الخامسة قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} الآية (21) من سورة غافر.

الآية السادسة قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (83) من سورة غافر.

الآية السابعة قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} الآية (10) من سورة محمد.

وتتضمن هذه الآيات الكريمة حث كفار مكة الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم، على السير في الأرض لينظروا عاقبة الذين كذبوا الرسل من قبلهم، فقد دمّر الله عليهم بذنوبهم، وكانوا أكثر منهم عددا وأشد قوة وأوفر عامرانا للأرض، فليعتبروا بمن قبلهم، قبل أن يصيبه ما أصابهم، فاللّه سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، في السموات ولا في الأرض.

ومعنى همزة الاستفهام في هذه الصيغة: ( ألم يسيروا ...)، الإنكار والتوبيخ: ينكر اللّه سبحانه وتعالى على هؤلاء الكفار الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم ألاّ يسيروا في الأرض سيراً يصحبه التدبر والاعتبار، والتفكير في عاقبة الذين كذبوا الرسل من قبلهم، ويوبخهم على ذلك.

والفاء والواو اللتان جاءتا بعد همزة الاستفهام في هذه الصيغة هما حرفا عطف على ما قبل الهمزة، فكان من حقهما أن يتقدما عليها، ولكن همزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها، فتقدمت عليها، وأخذت مكان الصدارة. والعطف على ما قبل الهمزة هو مذهب سيبويه والجمهور.

ويرى فريق من النحويين على رأسهم الزمخشري أن الفاء والواو في مثل هذا الموضع تعطفان على مقدر يقتضيه المقام، وقد قدره أبو السعود في تفسيره فقال: ((أغفلوا فلم يسيروا)) (جـ6/ص111). ((أقعدوا في أماكنهم ولم يسيروا)). (ج 7/ص52) وهو تقديـر متكلف لا يحتاج إليه المعنى، ولا يستدعيه الأسلوب.

ويرى هذا الفريق أن كلاّ من الهمزة والعاطف الذي بعدها قد جاء في مكانه الأصلي وليس هناك تقديم ولا تأخير. وقد تقدم الكلام مفصلا في ضعف هذا الرأي.

 

أختي العزيزة: هـل:

في ختام هذه الرسالة أحب أن أنبهك على أشياء:

من هذه الأشياء أن متعلق العلم في آيات الصيغة الثامنة: ((ألم تعلم أن...)) وفي آيات الصيغة التاسعة: ((ألم يعلموا أن....)) قد جاء مؤكدا بأن، ولا غرو في ذلك، فهو يتضمن صفات اللّه سبحانه وتعالى: وأفعاله جلّ وعلا، وقد جاء التوكيد اهتماماً بها ومزيد عناية.

ولعلك تلاحظين أن الفعل المضارع (يعلم) جاء متعديا بالباء في قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}، وقد جاء هذا التعدي بالباء في آية أخرى وهي: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} الآية (26) من سورة يسن. ولا أعلم أن هذا الفعل قد تعدى بالباء في غير هاتين الآيتين من آيات القرآن الكريم. وقد تسألين: لماذا تعدى هذا الفعل بالباء في هاتين الآيتين، وهو الفعل القويّ الذي يتعدى إلى معموله مباشرة دون حاجة إلى هذه الباء، من الحق أن يقال إنه من باب التفنن في التعبير، ولكن نفسي غير مطمئنة إلى الاكتفاء بهذا، وإن كان فيه الكفاية .

أحس- والحس يخطئ ويصيب- أن هذه الباء قد جاءت لتقوية الصلة بين الفعل ومعموله وتوكيدها، والمقام في هاتين الآيتين يستدعى ذلك: فالآية الأولى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} تتحدث عن أبي لهب الذي يعمل عمل من ينكر علم اللّه بأنه يراه ويرى ما يصنع، والآية الثانية: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} تحكي قول الذي آمن بالرسل حين قيل له ادخل الجنة، فقد كان حـريصا على أن يعلم قومه الذين كفروا بالرسل، وعنفوه على إيمانه بهم، أن يعلموا بما غفر الله له، وبدخوله الجنة، ليتبينوا أنه كان على حق، وأنهم كانوا على باطل، وليزدادوا حسرة على حسرة وندامة على ندامة، ولشيء آخـر غير ذلك؛ هو ما ركب في طباع البشر من أن من أصاب خيرا في غير وطنه ودّ أن يعلم بذلك جيرانه وأترابه الذين نشأ فيهم.

هذا، ولعلك قد لاحظت في قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} أن مفعول (يرى) قد حذف، ولم يقل (يراه)؛ هذا الحذف يمكن أن يقال فيه بحق: إنه للتناسب؛ تناسب أواخـر الآيات. وفي هذا التناسب، خفة على اللسان وجـرس جميل في الآذان، وما أكثر ما جاء هذا في  القرآن الكريم.

على أنني أريد أن أزيد على ما تقدم أن هذا الحذف كان أيضا للدلالة على شمول الرؤية  وإطلاقها، وأنها ليست مقصورة على روية أبي لهب، وما يصنع، فاللّه سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

ومن الأشياء التي أحب أن أنبهك عليها هذا الضمير الذي جاء اسم لأن الواقعة بعد ((يعلموا)) في قوله تعالى{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}.

لقد اصطلح أهل النحو على أن يسمّوا هذا الضمير ضمير الشأن، أو ضمير القصة وهو ضمير مبهم لا يتقدم عليه مرجع يزيل إبهامه، فهو لهذا يثير النفس ويبعث فيها الرغبة، والتطلع إلى ما بعده، فإذا جاء ما بعده يوضع معناه، ويزيل إبهامه؛ تلقته النفس في لهفة واستقبلته على شوق، فتعيه على غير شرود ذهن، وعلى حضور قلب، ويستقر في أعماقها على مكنة وثبات.

ولذلك يؤتى بهذا الضمير بين يدي الجمل التي تشتمل على معان عظيمة، أو أحكام جديرة بالتذكير والتحذير، ومعاداة الله ورسوله ذنب ليس بعده ذنب، وجزاؤهما عذاب جهنم الذي لا يزول. ومثل هذا حقيق بأن يعلم، خليق بأن يفهم، قمين بأن يمهّد له بهذا الضمير، ضمير الشأن، الذي يدلّ على أن ما بعده مهم له شأن.

ومن هذه الأشياء: هذا الضمير الذي جاء بعد اسم الجلالة وقبل الفعل المضارع (يقبل) في قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

فأنا مع الذين يرون أن هذا الضمير هو ضمير الفصل، وإن جاء بعده فعل مضارع، وأنه يفيد التخصيص، أي أن قبوله التوبة، وأخذ الصدقات إنما هو لله لا لغيره، ويؤيد ذلك ما جاء في ختام هذه الآية واصطلح علماء البلاغة على تسميته "تذييلاً" وهو:

{وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} فالضمير (هو) في هذا التذييل ضمير الفصل بلا منازع، وإفادته التخصيص قائمة لا خلاف فيها، والتذييل مؤكد لمضمون الجملة قبله. وفي هذا التأكيد قرينة على أن ما قبله يفيد التخصيص.

 

أختي العزيزة: هل:

يكفيني ما كتبت، ويكفيك ما قرأت. وأسأله سبحانه وتعالى أن يعين على رسالة قادمة أكتبها إليك يكون فيها خير وإحسان.

والسلام عليك ورحمة الله و بركاته.

أختك

همزة الاستفهام

  

 

 


[1] فتوحات الإلهية جـ4 ص563