طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الوصول إلى القمر

لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز نائب رئيس الجامعة الإسلامية

 

 

"ليس في الأدلة النقلية - فيما نعلم - ما يدل على امتناع الوصول إلى الكواكب"

 

 الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد تكرر السؤال هذه الأيام عما يدعيه بعض رواد الفضاء من الوصول إلى سطح القمر وعما يحاولونه من الوصول إلى غيره من الكواكب، ولكثرة التساؤل والخوض في ذلك رأيت أن أكتب كلمة في الموضوع تنير السبيل وترشد إلى الحق في هذا الباب - إن شاء الله - فأقول: إن الله سبحانه وتعالى حرم على عباده القول بغير علم وحذرهم من ذلك في كتابه المبين فقال عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}. وأخبر سبحانه أن الشيطان يأمر بالقول عليه بغير علم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}. وأمر سبحانه عباده المؤمنين بالتثبت في أخبار الفاسقين فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. فالواجب على المسلمين عموما وعلى طلبة العلم خصوصا الحذر من القول على الله بغير علم.

 فلا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول هذا حلال وهذا حرام أو هذا جائز وهذا ممتنع إلا بحجة يحسن الاعتماد عليها و إلا فليسعه ما وسع أهل العلم قبله وهو الإمساك عن الخوض فيما لا يعلم وأن يقول: الله أعلم أو لا أدري.

و ما أحسن قول الملائكة عليهم السلام لربهم عز وجل: {سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إذا سألهم الرسول صلى الله عليم وسلم عن شيء لا يعلمونه قالوا: "الله ورسوله أعلم". وما ذاك إلا لكمال علمهم وإيمانهم وتعظيمهم لله عز وجل وبعدهم عن التكلف ومن هذا الباب وجوب التثبت فيما يقوله الكفار والفساق وغيرهم عن الكواكب وخواصها وإمكان الوصول إليها وما يلتحق بذلك, فالواجب على المسلمين في هذا الباب كغيره من الأبواب التثبت وعدم المبادرة بالتصديق أو التكذيب إلا بعد حصول المعلومات الكافية التي  يستطيع المسلم أن يعتمد عليها ويطمئن إليها في التصديق أو التكذيب, وهذا هو معنى قوله سبحانه وتعالى في الآية السابقة من سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} الآية والتبين هو التثبت حتى توجد معلومات أوقرائن تشهد لخبر الفاسق بما يصدقه أو يكذبه ولم يقل سبحانه: "إن جاءكم فاسق بنبإ فردوا خبره". بل قال: {فَتَبَيَّنُوا} لأن الفاسق سواء كان كافرا أو مسلما عاصيا قد يصدق في خبره فوجب الثبت في أمره وقد أنكر الله سبحانه على الكفار تكذيبهم بالقرآن بغير علم فقال جل وعلا: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} وما أحسن ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله في قصيدته الكافية الشافية:

                إن البدار برد شيء لم تحط

علما به سبب إلى الحرمان

و أعظم من ذلك وأخطر الإقدام على التكفير أو التفسيق بغير حجة يعتمد عليها من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا شك أن هذا من الجرأة على الله وعلى دينه ومن القول عليه بغير علم وهو خلاف طريقة أهل العلم والإيمان من السلف الصالح رضي الله عنهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما". وقال صلى الله عليه وسلم: "من دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" أي رجع عليه ما قال وهذا وعيد شديد يوجب الحذر من التكفير والتفسيق إلا عن علم وبصيرة كما أن ذلك ما ورد في معناه يوجب الحذر من ورطات اللسان والحرص على حفظه إلا من الخير - إذا علم هذا-.

فلنرجع إلى موضوع البحث المقصود فنقول قد تأملنا ما ورد في الكتاب العزيز من الآيات المشتملة على ذكر الشمس والقمر والكواكب فلم نجد فيها ما يدل دلالة صريحة على عدم إمكان الوصول إلى القمر أو غيره من الكواكب وهكذا السنة المطهرة لم نجد فيها ما يدل على عدم إمكان ذلك وقصارى ما يتعلق به من أنكر ذلك أو كفر من قاله ما ذكره الله في كتابه الكريم في سورة الحجر حيث يقول سبحانه: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ}. وقال تعالى في سورة الفرقان: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً}. وقال في سورة الصافات: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ  وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}. وقال سبحانه في سورة الملك: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ}. وقال في سورة نوح: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً}. وظنوا أن ما ذكره الله في هذه الآيات الكريمات وما جاء قي معناها يدل على أن الكواكب في داخل السماء أو ملصقة بها فكيف يمكن الوصول إلى سطحها وتعلقوا أيضا بما قاله بعض علماء الفلك من أن القمر في السماء الدنيا وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة وقد نقل ذلك كثير من المفسرين وسكتوا والجواب أن يقال ليس في الآيات المذكورات ما يدل على أن الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب في داخل السماء ولا أنها ملصقة بها وإنما تدل الآيات على أن هذه الكواكب في السماء وأنها زينة لها ولفظ السماء يطلق في اللغة العربية على كل ما علا وارتفع كما في قوله سبحانه: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}. قال جماعة من المفسرين هاتين الآيتين: إن {في} للظرفية وأن {السماء} المراد بها العلو واحتجوا بذلك على أن الله سبحانه وتعالى في جهة العلو فوق العرش وما ذاك إلا لأن إطلاق السماء على العلو أمر معروف في اللغة العربية وقال آخرون من أهل التفسير إن {في} هنا بمعنى على وأن المراد بـ{السماء} هنا السماء المبنية كما قال سبحانه: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} أي على الأرض وعلى هذا المعنى يكون المعنى أن الله سبحانه فوق السماء فيوافق ذلك بقية الآيات الدالة على أنه سبحانه فوق العرش وأنه استوى عليه استواء يليق بجلاله عز وجل ولا يشابهه فيه استواء خلقه كما قال عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. وقال سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} وقال تعالى: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}. ومن أنكر هذا المعنى ووصف الله سبحانه بخلافه فقد خالف الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة الدالة على علو الله سبحانه واستوائه على عرشه استواء يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل كما خالف إجماع سلف الأمة ومن هذا الباب قوله سبحانه في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. ذكر جماعة من المفسرين أن مراد الله سبحانه في هذه الآية: {وأنزل من السماء ماء} أن المراد بـ{السماء} هنا هو السحاب سمي بذلك لعلوه وارتفاعه فوق الناس ومن هذا الباب أيضا قوله في سورة الحج: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ}. الآية.. قال المفسرون معناه فليمدد بسبب إلى ما فوقه من سقف ونحوه فسماه سماء لعلوه بالنسبة إلى من تحته ومن هذا الباب قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}. الآية.. فقوله هنا في {السماء} أي في العلو وقال صاحب القاموس: "سما سموا ارتفع وبه أعلاه كأسماه" إلى أن قال: "والسماء معروفة وتذكر وسقف كل شيء" انتهى. والأدلة في هذا الباب في كلام الله وكلام رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكلام المفسرين وأئمة اللغة على إطلاق لفظ السماء على الشيء المرتفع كثيرة إذا عرف هذا فيحتمل أن يكون معنى الآيات أن الله سبحانه جعل هذه الكواكب في مدار بين السماء الدنيا والأرض وسماه سماء لعلوه وليس فيما علمنا من الأدلة ما يمنع ذلك وقد ذكر الله سبحانه أن الشمس والقمر يجريان في فلك في آيتين من كتابه الكريم وهما قوله عز وجل في سورة الأنبياء: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. وقوله سبحانه في سورة يس: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. و لو كانا ملصقين بالسماء لم يوصفا بالسبح لأن السبح هو الجري في الماء ونحوه وقد ذكر بن جرير رحمه الله في تفسيره المشهور أن الفلك في لغة العرب هو الشيء الدائر وذكر في معناه عن السلف عدة أقوال ثم قال ما نصه: "والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. ذكر عن الحسن كطاحونة الرحا وجائز أن يكون موجا مكفوفا وأن يكون قطب السماء وذلك أن الفلك في كلام العرب هو كل شيء دائر فجمعه أفلاك" ونقل رحمه الله عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أنه قال ما نصه: "الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر وقرأ {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً}. وقال تلك البروج بين السماء والأرض" انتهى.

و قد نقل الحافظ بن كثير رحمه الله في التفسير كلام ابن زيد هذا وأنكره ولا وجه لإنكاره عند التأمل لعدم الدليل على نكارته. وقال النسفي في تفسيره ما نصه: "والجمهور على أن الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم" انتهى.

 وقال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) ما نصه: "وقال أكثر المفسرين هو موج مكفوف تحت السماء يجري فيه الشمس والقمر"انتهى. وعلى هذا القول في تفسير الفلك والآيات المتقدمة آنفا لا يبقى إشكال في أن الوصول إلى القمر أو غيره من الكواكب لا يخالف الأدلة السمعية ولا يلزم منه قدح فيما دل عليه القرآن من كون الشمس والقمر في السماء ومن زعم أن المراد بالأفلاك السماوات المبنية فليس لقوله حجة يعتمد عليها فيما نعلم بل ظاهر الأدلة النقلية وغيرها يدل على أن السماوات السبع وغير الأفلاك يحتمل أنه أراد سبحانه بالسماء في الآيات المتقدمة السماء الدنيا كما هو ظاهر في آية الحجر وهي قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}. ولم يرد سبحانه أن البروج في داخلها وإنما أراد سبحانه بقربها وتنسب إليها كما يقال في لغة العرب فلان مقيم في المدينة أو في مكة وإنما هو في ضواحيها وما حولها وأما وصفه سبحانه للكواكب بأنها زينة للسماء فلا يلزم منه أن تكون ملصقة بها ولا دليل على ذلك بل يصح أن تسمى زينة لها وإن كانت منفصلة عنها وبينها وبينها فضاء كما يزين الإنسان سقفه بالقماش والثريات الكهربائية ونحو ذلك من غير ضرورة إلى إلصاق ذلك به ومع ذلك يقال في اللغة العربية فلان زين سقف بيته وإن كان بين الزينة والسقف فضاء وأما قوله سبحانه في سورة نوح: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً}. فليس في الأدلة ما يدل على أن معناه أن الشمس والقمر في داخل السموات وإنما معناه عند الأكثر أن نورها في السموات لا أجرامهما فأجرامهما خارج السموات ونورهما في السموات والأرض وقد روى ابن جرير رحمه الله عند هذه الآية عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ما يدل على هذا المعنى حيث قال في تفسيره: "حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا ابن ثور عن عمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: "إن الشمس والقمر وجوههما قبل السموات وأقفيتهما قبل الأرض". انتهى

 وفي سنده انقطاع لأن قتادة لم يدرك عبد الله بن عمرو، ولعل هذا إن صح عنه مما تلقاه عن بني إسرائيل وظاهر الآية يدل على أن نورهما في السموات لا أجرامهما وأما كون وجوههما إلى السموات وأقفيتهما إلى الأرض فموضع نظر والله سبحانه وتعالى أعلم بذلك.

 وأما قول من قال من أهل التفسير أن ذلك من باب إطلاق الكل على البعض لأن القمر في السماء الدنيا والشمس في الرابعة كما يقال رأيت بني تميم وإنما رأيت بعضهم فليس بجيد ولا دليل عليه وليس هناك حجة يعتمد عليها فيما تعلم تدل على أن القمر في السماء الدنيا والشمس في الرابعة وأما قول من قال ذلك من علماء الفلك فليس بحجة يعتمد عليها لأن أقوالهم غالتا مبنية على التخمين والظن لا على قواعد شرعية وأسس قطعية فيجب التنبه لذلك, ويدل على هذا المعنى ما قاله الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} الآية.. حيث قال ما نصه: "قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً} أي واحدة فوق واحدة وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط أو هو من الأمور المدركة بالحس مما علم من التسيير والكسوفات, فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضا فأدناها القمر في السماء الدنيا وهو يكسف ما فوقه وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة وأما بقية الكواكب وهي الثوابت ففي فلك ثامن (فلك الثوابت) والمتشرعون منهم يقولون هو الكرسي والفلك التاسع وهو الأطلس والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك وذلك أن حركته مبدأ الحركات وهي من المشرق إلى المغرب وسائر الأفلاك عكسه من المشرق إلى المغرب ومعها يدور سائر الكواكب تبعا ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها فإنها تسير من المغرب إلى المشرق وكل يقطع بحسبه فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة والشمس في كل سنة مرة وزحل في كل ثلاثين سنة مرة وذلك بحسب اتساع أفلاكها وإن كانت حركة الجميع في السرعة متناسبة, هذا ملخص ما يقولون في هذا المقام على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة لسنا بصدد بيانها". انتهى

فقول الحافظ رحمه الله هنا على اختلاف بينهم.. الخ, يدل على أن علماء الفلك غير متفقين على ما نقله عنهم آنفا من كون القمر في السماء الدنيا وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة..الخ وغير ذلك مما نقله عنهم ولو كانت لديهم أدلة قطعية على ما ذكروا لم يختلفوا ولو فرضنا أنهم اتفقوا على ما ذكر فاتفاقهم ليس بحجة لأنه غير معصوم وإنما الإجماع المعصوم هو إجماع علماء الإسلام الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي علة الحق منصورة" الحديث. فإذا اجتمع علماء الإسلام على حكم اجتماعا قطعيا لا سكوتيا فإنهم بلا شك على حق لأن الطائفة المنصورة منهم وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تزال على الحق حتى يأتي أمر الله، وظاهر الأدلة السابقة، وكلام الكثير من أهل العلم أو الأكثر كما حكاه النسفي، والألوسي  أن جميع الكواكب ومنها الشمس والقمر تحت السموات وليست في داخل شيء منها، وبذلك يعلم أنه لا مانع من أن يكون هناك فضاء بين الكواكب والسماء الدنيا يمكن أن تسير فيه المركبات الفضائية ويمكن أن تنزل على سطح القمر أو غيره من الكواكب ولا يجوز أن يقال بامتناع ذلك إلا بدليل شرعي صريح يجب المصير إليه كما أنه لا يجوز أن يصدق من قال إنه وصل إلى سطح القمر أو غيره من الكواكب إلا بأدلة علمية تدل على صدقه, ولا شك أن الناس بالنسبة إلى معلوماتهم عن الفضاء ورواد الفضاء يتفاوتون فمن كان لديهم معلومات قد اقتنع بها بواسطة المراصد أو غيرها دلته على صحة ما ادعاه رواد الفضاء الأمريكيون من وصولهم إلى سطح القمر فهو معذور في تصديقه ومن لم يتوفر لديه المعلومات الدالة على ذلك فالواجب عليه التوقف والتثبت حتى يثبت لديه ما يقضي التصديق أو التكذيب عملا بالأدلة السالف ذكرها ومما يدل على إمكان الصعود إلى الكواكب قول الله سبحانه في سورة الجن فيما حكاه عنهم: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً, وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً}. فإذا كان الجن قد أمكنهم الصعود إلى السماء حتى لمسوها وقعدوا منها مقاعد فكيف يستحيل ذلك على الإنس في هذا العصر الذي تطور فيه العلم والاختراع حتى وصل إلى حد لا يخطر ببال أحد من الناس حتى مخترعيه قبل أن يخترعوه. أما السموات المبنية فهي محفوظة بأبوابها وحرسها فلن يدخلها شياطين الجن والإنس كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}. وقال تعالى: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}. وثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء مع جبريل لم يدخل السماء الدنيا وما بعدها إلا بإذن فغيره من الخلق من باب أولى وأما قوله سبحانه في سورة الرحمن: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ}. فليست واضحة الدلالة على إمكان الصعود إلى الكواكب لأن ظاهرها وما قبلها وما بعدها يدل على أن الله سبحانه أراد بذلك بيان عجز الثقلين عن النفوذ من أقطار السموات والأرض وقد ذكر الإمام ابن جرير رحمه الله وغيره من علماء التفسير في تفسير هذه الآية الكريمة أقوالا أحسنها قولان. أحدهما: أن المراد بذلك يوم القيامة وأن الله سبحانه أخبر فيها عن عجز الثقلين يوم القيامة عن الفرار من أهوالها وقد قدم ابن جرير هذا القول وذكر في الآية التي بعدها ما يدل على اختياره له والقول الثاني: أن المراد بذلك بيان عجز الثقلين عن الهروب من الموت لأنه لا سلطان لهم يمكنهم من الهروب من الموت كما أنه لا سلطان لهم على الهروب من أهوال يوم القيامة وعلى هذين القولين يكون المراد بالسلطان القوة ومما ذكرناه يتضح أنه لا حجة في الآية لمن قال إنها تدل على إمكان الصعود إلى الكواكب وأن المراد بالسلطان العلم، ويتضح أيضا أن أقرب الأقوال فيها قول من قال أن المراد بذلك يوم القيامة, أخبر الله سبحانه فيها أنه يقول ذلك للجن والإنس في ذلك اليوم تعجيزا لهم وإخبارا أنهم في قبضة الله سبحانه وليس لهم مفر مما أراد بهم ولهذا قال بعدها: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ}. فالمعنى - و الله أعلم - أنكما لو حاولتما الفرار في ذلك اليوم لأرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران منهما, أما في الدنيا فلا يمكن أحدا النفوذ من أقطار السموات المبنية لأنها محفوظة بحرسها وأبوابها كما تقدم ذكر ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.

      {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}. ( فاطر 3)