|
|
في الاتجاه الآخر |
بقلم أبي صفوان |
|
|
|
|
|
|
|
كان (أبو جميل) في الخامسة والستين يوم صدر قرار إحالته على التقاعد. وهي السن التي طالما حجبها عن الناس وعن رؤسائه بوجه خاص، خشية استعجال هذه النتيجة التي ظل خمس سنوات يدافعها بكل ما أوتي من حيلة وما بذل من رجاء.. ولكن لكل شيء نهايته، ولم يكن بد لمثله من أن يصير إلى هذه النهاية يوما ما شاء أو أبى. لذلك كان عليه أن يوطن نفسه لاحتمال هذه الحياة الجديدة، حياة ما بعد الوظيفة، بكل ما فيها من فراغ ووحدة. ولشدة ما فكر في أيامه القابلة هذه حين يجد نفسه خارج العمل فلا يدري كيف يزجي أعباءها، ولا كيف يملأ فراغها!.. |
|
و لا غرابة في ذلك فإن امرأ كأبي جميل بسيط طيب القلب، لا حظَّ له في خبرة الحياة خارج نطاق عمله النمطي في ديوان المالية، يتعذر إليه أن يغير بسهولة طريقة حياته التي جثم في قالبها قرابة نصف قرن حتى أصبح كالمنفي عن دنيا الناس، لا يكاد يفهم ما يشغلهم من شئونها. وكان بادي الرأي شديد التعويل على دنانيره المئتين التي استطاع أن يحتفظ بها من بقايا مرتباته خلال هذا الزمن عملا بالمثل الذي يقول: (قرشك الأبيض ليومك الأسود) وقد جاء اليوم الأسود بهذه البطالة التي ترهقه، فجدير به أن يفيد منها باتخاذ عمل يشغل به الفراغ.. على أن (حساب القرايا لا ينطبق على حساب السرايا) فما أن غادر قيود الوظيفة حتى ألفى نفسه عاجزا عن أي تفكير في الموضوع, أشبه بمملوك قضى أيام نشاطه في أغلال الرق، ثم فوجئ بإطلاق حريته على غير إعداد سابق فكانت حريته نفسها أشد الأعباء عليه.. |
|
ولقد يظن بعض الذين يعرفون الرجل أن له ولدا باسم (جميل). والحق أنه لم يلد قط، ولم يفكر أن يعرف ما إذا كان السبب في هذا العقم هو أو زوجته وإنما هو اسم أبيه كني به منذ الطفولة على عادة بلده, تيمنا بأن يكون له في قابل الأيام ولد يحي له اسم ذلك الوالد. وقد مر به زمن جاش به شوقه إلى الولد، فراح يطوف بزوجته مقابر الأولياء ومقامات الصالحين حاملا إليها النذور النفسية رجاء أن تعطف عليه فتتوسط بحاجته لدى الله !.. ولكن هؤلاء صموا عنه فلم تُجْدِه نذوره .. ثم ما لبثت الأيام أن عملت عملها في إطفاء ذلك الشوق، حتى ألف وزوجته وضعهما ورضيا، بنصيبهما من قدر الله .. وبات عليهما أن يوجها كل همهما إلى العبادة التي لا عزاء مثلها في مثل وحشتهما تلك.. |
|
ولم تكن العبادة شيئا طارئا على أبي جميل - كشأن كثير من الناس - وبخاصة في أوساط أولئك الموظفين الذين تشغلهم دنياهم عن ربهم فلا يذكرونه إلا بعد التقاعد. وعندئذ يهبون المساجد بقية عمرهم.. كلا فقد كان صاحبنا قديم الاتصال بالصلاة غير قليل التردد على بيوت العبادة .. بل كان من أبناء (الطريقة) الذين لا يكتفون بالعبادة المكتوبة حتى يضيفوا إليها الأذكار التي يكفلهم بها المشايخ وقد بلغ من ورعه أنه لا يفارق (دلائل الخيرات ) وورد (ابن سلطان) فهما رفيقاه أينما حل .. يراجع تلاوتهما كلما وجد إلى ذلك سبيلا !.. وقد أعطى القرآن من نفسه حظا أسبوعيا يعاوده صباح كل جمعة، حيث يتلو سورة الكهف عدة مرات .. |
|
وهو إنما انخرط في سلك الطريقة عملا بإشارة المرحوم والده الذي علمه منذ الطفولة أن لابد للإنسان من الشيخ فمن لا شيخ له فالشيطان شيخه!.. |
|
وطبيعي أن يفر من الشيطان ما وسعه الجهد .. ولم يكن في حاجة إلى طويل تردد في اختيار شيخه .. أنه ليس خيرا من جاره أبي سعيد، وخاله أبي فتوح .. للذين اتخذا من الشيخ (فويضل) إماما وقدوة .. فليسلك طريقهما هو وزوجته وشقيقته .. وهم مجموع الأسرة .. و منذ ذلك اليوم بدأ تعلقه بالشيخ وأخذ نفسه بالتردد على دروسه وحضور حلقاته مساء كل اثنين وجمعة.. |
|
ومن قبل طالما سمع أخبار الشيخ (فويضل) على ألسنة دعاته، يعرضون على الناس كمالاته، ويقصون كراماته .. ولم يكن من أهل الشكوك ولله الحمد فلم يجد مانعا من تصديقهما؟ والتطوع بنقلها إلى من لم تبلغه. ولما باشر الاتصال بالشيخ كان على أتم الاستعداد للاندماج في جوه .. وهاهو ذا اليوم قد قطع شوطا بعيدا في تقاليد الطريق التي تفرض على المريد أن يكون أطوع للشيخ من بنائه، وأشد احتراما له من أبيه وأمه .. فهو إذا دخل عليه مجلسا دب على قوائمه حتى ينتهي إليه، فيقبل يديه وركبتيه، ثم يتراجع إلى الخلف حتى يأخذ مكانه في الحلقة. وإذا دخل الشيخ الجامع نهض له مع الجميع، ثم لا يقعد حنى يستقر في موضعه الذي يجب أن يظل محجوزا له إلى أن يحتله!!. وإذا جلس الشيخ للوعظ أطرق إلى الأرض في خشوع عميق مجاهدا نفسه لكي يجعل قلبه هو الذي يتلقى النفحات .. |
|
وكان ذوبانه السريع في هذا الجو جد الطبيعي، إذا وجد فيه متعة سرعان ما عوضته عن مشاغل العمل الذي فقده، وردت إليه ما حرمه من الأُنْس الذي كان ينعم به في ظل رؤسائه وزملائه أثناء عمله الماضي .. |
|
لقد مضى سني الوظيفة كلها كاتبا صغيرا، يتلقى تعليمات رؤسائه في تنظيم الجداول، أو نسخ القوائم بدقة، كأنه الآلة الحاسبة لا يعتريها الخطأ إلا بمقدار ما تخطئ يد العامل في تحريك أرقامها. فطبيعي إذن أن يجد في مجتمع الطريقة وفي ظل الشيخ ذاته ما ينقذه من الخلل الذي كاد يستولي على وجوده عقيب انتزاعه من عمله المألوف .. ومن هنا جعل أنسه يزداد اطرادا بنسبة اندماجه في ذلك الجو، وباتت ثقته بكرمات الشيخ تتضاعف على أساس تصاعدي من النسبة نفسها.. |
|
وكان في مبدأ الأمر يحاول أن يثبت نظره في وجه الشيخ طلبا للثواب الذي تقرره المحكمة المتداولة بين المريدين: (النظر إلى وجه الشيخ عبادة) .. فيجد في ذلك غبطة سعيدة لا يعرف لها مثيلا في غير هذا الموقف .. ولكن هيبة الشيخ صارت به أخيرا إلى الأعضاء، فيكتفي بإحضار الشيخ في قلبه وهو يردد ورده من الذكر أو يستمع إلى مواعظه الشافية!. وهو مع ذلك ينفذ بهذا تعاليم الشيخ الذي كثيرا ما سمعه يقول لمريديه: (من أول واجبات المريد أن يتصور شيخه في فؤاده كلما خلا إلى أوراده أو أصغى إلى إرشاده ..) وقد مرن على ذلك حتى أصبح له عادة ثابتة .. يجلس بين الشيخ كاسر البصر ويكلمه إذا كلمه في هدوء وخفوت بالغين وهو كاسر البصر أيضا حتى إنه ليحاول تفسير ذلك لنفسه فلا يجد إلا هذه العبارة التي أصبحت من كلماته المألوفة: إن عيني لتعجزان عن مواجهة نور الشيخ! والحق أن في وجه الشيخ (فويضل) لسرا غريبا .. فهو منسجم التقاطيع إلى حد يمكن وصفه بالجمال وفي بشرته بياض نقي يأتلف مع تلك اللحية السوداء الأنيقة، التي توحي للناظر بإنه في أواسط العقد الرابع قمة الشباب. ولا شك أن لشكل عمته الملتفة في أنحناء لولبي حول تلك القلنسوة البيضاء الذاهبة إلى الأعلى على شكل صنوبري أثرا ما في ذلك الإيحاء الغامض الذي يستشعره الناظر إليه. بيد أن أكبر أسرار شخصيته كامن في عينيه .. إن لعينيه هاتين لشكلا خاصة ذا تأثير عميق .. فهما متوسطتا الفتحتين وبياضهما تمازجه حمرة من نوع يكاد يكون خاصا وفي سواد إنسانيهما تحدث دقيق يبعث إلى عين الرائي بإشعاع حاد أشبه بمحرق شديد التركيز .. وإذا نظرت إلى الشيخ كله وهو منتصب في جبنه القصيرة خيل إليك أنك تنظر إلى ممثل غير ناجح يعرض دور شيخ على المسرح!. |
|
ومهما يكن فقد وجد أبو جميل في الشيخ فويضل ضالته التي لم يحلم بأسعد منها، وهو في ظله مطمئن الضمير يملؤه اليقين أنه قد استقر على الطريق الموصل إلى الله. ولم يكن هذا شعوره وحده فقط، بل إنه كذا شعور زوجنه وشقيقته اللتين سبقتاه مراحل في التسامي الروحي، فلم يشغلهما شاغل عن دروس الشيخ، ولا يصرفهما شيء عن حلقات الذكر التي يخصصها عادة للنساء .. |
|
و من أجل هذا كان سرور الأسرة بالغا عندما جاء الشيخ يطلب يد فاطمة شقيقة أبي جميل لأخيه .. فقد اعتبر هذا الطلب منه لفتة كريمة .. ولم يكتم أبو جميل تقديره لهذه النعمة الإلهية, فراح يؤكد لزوجته وشقيقته .. أنها لفرصة ليس أسعد منها الزيادة القرب من سيدنا الشيخ!. |
|
.. وكان أبو جميل يعالج في نفسه فكرة لم يستقر منها على وجه منذ عشاء أمس .. وذلك حين سمع الشيخ يحض على الإنفاق في سبيل الله .. ويذكر الناس أن أحب الصدقة عند الله ما يقدم عن طريق الشيخ .. وأن عليه تبعات كثيرة لا سيبل إلى النهوض بها إلا بمعونة المريدين .. ولقد رأى الكثيرين يستجيبون لهذه الدعوة فيقدمون تبرعاتهم السخية لأمين الشيخ، إلا هو فقد أخر تبرعه ريثما يقطع بالمبلغ الذي يجب أن يدفعه. أما الآن فقد اهتدى إلى أفضل الوجوه. أليست دنانيره المائتان ذخرا ليوم الحاجة!! وأي مكان أصلح للادخار من سبيل الله .. |
|
فليدفع بدنانيره جميعا إلى يد الشيخ الذي لا عمل له إلى القيام بحقوق الله .. وحسبه وزوجته ما يجري عليه من مرتبه التقاعدي الذي يربو على مائتي ليرة سورية .. وهو مبلغ يكفيهما ويزيد .. ما دامت فاطمة ستكون زوجة لشقيق الشيخ, تعيش في بحبوحة من البركة التي لا خير يضاهيها .. |
|
وما هو إلا أن أحرز موافقة زوجته وشقيقته على الأمر, حتى عمد إلى تنفيذه عملا بالحكمة المأثورة: (خير البر عاجله..) |
|
وهكذا, وفي اليوم نفسه حقق أبو جميل رغبته الخيرة, فقدم إلى الشيخ مائتي ذهب, ليضعها حيث يشاء من وجوه الخير، وأبلغه موافقة شقيقته على أن تكون زوجة لأخيه .. بل خادما في المطبخ .. |
|
-2- |
|
كانت مباركة حقا تلك الصلة التي ربطت بين أسرتي الشيخ وأبي جميل عن طريق المصاهرة, إذ أتاحت للفريقين فرصا للتزاور لم تكن من قبل .. وقد تلطف الشيخ فأعطى فاطمة من قربه فوق المنتظر, فهو قلما ينقطع يوما واحدا عن زيارتها في بيت أخيه الذي قليلا ما يأوي إليه في أوقات متباعدة بسبب غيابه أكثر الأيام خارج المدينة .. وهذه دون ريب نعمة كبيرة من حق فاطمة التي يحسدها عليها الكثيرات من مريدات الشيخ .. وليس حظ أبي جميل وزوجته منها دون ذلك إذ أصبح يعيرهما من الاهتمام أضعاف ما ألفياه قبلا .. وقد خصص لزيارتهما حصة من يوم الجمعة الذي وقف زياراته على أولي الأرحام .. فهو بذلك يعتبرهما منهم وهذا ضرب من التكريم أكبر مما يستحقان. |
|
على أن ثمة ظاهرة جعلت تقلق خاطر أبي جميل وزوجته وقد بدأت بعد أسابيع قليلة من زواج فاطمة .. هذه التي نشأت في حجرهما ومنحاها كل ما في قلبيهما من حنان الأبوة.. |
|
إنهما يألمان أشد الألم إذ يرينها فريسة لهزال شديد يكاد يذهب بكل نضارتها المعهودة! لقد نزلت دار الحاج سليم شقيق الشيخ وهي كالزهرة في ذروة التفتح فما تلمحها عين امرأة إلا ضربت أنفها إعحابا بجمالها, وراحت تعيذها من السوء بألف صلاة على النبي .. أما الآن فقد اعترى الزهرة ذبول مفاجئ أوشك أن يطفئ وهج الصبا في ذلك الجسد الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة إلا أياما قليلة! |
|
و لم يكن يسيرا معرفة السبب في هذا التغيير السريع .. ذلك أن فاطمة تجاهلت ما يقولونه في هذا الصدد وحاولت التأكيد أنها غاية ما يرام في عشها الجديد!.. |
|
و كان على أم جميل أن تخلو بها تستكشف أمرها, لعل ثمة سببا نسويا تستطيع أن تعالجه أو ترشدها إلى علاجه.. ولكن عبثا, فلم تزد فاطمة على جوابها الأول شيئا! |
|
و أخيرا كان التفسير الوحيد الذي استقرت عليه خواطر أبي جميل وزوجته في شأن فاطمة هو أنها تسرف على نفسها في التهجد وقيام الليل وفي الصوم.. وكل هذا من شأنه أن يصير بصاحبه إلى مثل هذا الشحوب.. لذلك جعلا يذكرانها بما يجب على المرأة في حق زوجها من حيث العمل بمرضاته, فلا تأتي من نوافل العبادات إلا ما يوافقه عليه. ولا شك أن المجاهدة إلى هذا الحد ضارة بجسدها الذي لا يجوز لها أن تفرط به, إلا في الحدود التي لا تزعج نظر الزوج.. |
|
و كانا يحسبان أن الأمر سينتهي بمجرد هذا التذكير .. ولذلك تضاعف قلقهما إذا استمرت صحة فاطمة بالتدهور, وبدا عليها بعد أيام وجوم صرفها إلى صمت طويل, لا تكاد تخرج عنه إلا لضرورة قصوى!.. |
|
وكان هذا كافيا لحمل أخيها وزوجته على الإلحاح في استكشاف أمرها، إلحاحا لم تستطع المقاومة له فإذا هي تنفجر بالبكاء ثم تقول في صوت مرتجف: "إنني سأموت قريبا إذا ظللت في هذا البيت!" على أن هذه الكلمة لم تزد الأمر إلا تعمية.. فزادها استيضاحا واستمر في إلحاحهما، فلم تتمالك أن تقول في شبه ذهول: "إنه الشيخ ..يراودني على نفسي..!" |
|
وفرك أبو جميل عينيه ومسح جبهته، بينما كانت امرأته فخذيها بقوة، وخرج صوتهما معا يرددان: الشيخ !! الشيخ .. |
|
و أتم أبو جميل عبارته: هذا مستحيل .. مستحيل يا فاطمة |
|
واستأنفت زوجته تقول: لا بد أنك رأيت هذا في الحلم!.. |
|
ولكن فاطمة لم تعد تطيق هذا التردد فأجابت في إصرار وهي تشد على كل حرف: "بل يقظة .. لقد بدأ يعبث بصدري يزعم رقيتي .. فتمالكت وأحست به الظن .. حتى راح يسمعني من الكلام ما يزلزل الأرض .. و لا يزال حتى اليوم يحاول محاولته القذرة!.." |
|
وصمتت قليلا لتسترد أنفاسها .. ثم رفعت عينيها إلى السماء ضارعة: "يا إلهي!.. لا أحد يصدقني فأنقذني .. أنقذني أنت ..!" |
|
-3- |
|
لم يغمض لأبي جميل جفن طوال ليلته وقد اختلط عليه الأمر بادي الرأي فما يدري أفي يقظة هو أم في حلم متصل.. |
|
لقد شلت الخواطر القلقة قواه الواعية فشغلته حتى عن أوراده المنظمة، وهاهي مسبحته ذات ألف حبة مكومة لم تمسها يد وهي المرة الأولى التي يهجرها منذ عدة أشهر!. |
|
إنه ليطلق العنان لتصوراته فيستعيد ما سمعه من فاطمة ثم يحاول أن يحاكمه أو يناقشه فلا ينتهي إلى قرار .. وكيف يستطيع القطع بصحة ما سمع وفي ذلك القضاء على أعز أمانيه وأحب ملذاته الروحية .. |
|
ذلك البناء الضخم من الثقة والحب والكرامات، تريد فاطمة أن تحطمه بل تريد أن تمحه بكلمة!. إنه لأمر فوق قدرته .. إنه لا يستطيع الاستسلام في سهولة لهذه التهم التي ربما لا تتجاوز الأوهام ولكن فاطمة .. إنها فاضلة بل آية في الفضل والتقوى .. فكيف يعقل أن ترمي شيخها جزافا بمثل هذه الكبائر؟!.. وإنها لكبائر لو صحت لا سمح الله لطعنت سمعتها هي أيضا!.. |
|
مستحيل .. مستحيل أن يفعل الشيخ ذلك!.. مستحيل أن تتهم فاطمة نفسها وشيخها بشيء لم يقع!.. إذن فلا بد أن تكون على توهم .. على خطأ في فهم ما حدث!. |
|
و أطرق قليلا .. وجعلت أصابعه تعبث على غير هدى في أسفل لحيته التي بلغ عمرها اليوم ستة أشهر وجعل يحدث نفسه: لماذا نسرع في قبول التأويلات الظاهرية لتصرفات هؤلاء السادة !.. إنهم بطبيعة مسلكهم غرباء عن دنيا الناس فلا غرو أن يسيئوا تفسير أحوالهم .. وهذه كتبهم المعتبرة تفيض بأخبار أولياء .. كانوا عجبا في مخالفتهم لظواهر الشريعة والآداب العامة!.. كما طالعه بذلك أمس كتاب (القطب الصمداني ) الذي يسميه (الطبقات الكبرى)!.. حتى ليذكر بوضوح أنه قرأ ما قرأ من هذه الغرائب في الصفحة الخامسة والثلاثين بعد المئة ثم الخمسين بعد المئة من جزئه الثاني .. كأنما يطالعها الساعة!.. |
|
أجل .. إنها لصور عجيبة من كرامات أهل الله .. يتنكر لها الجاهلون من أهل الظاهر، ولكن أصحاب الباطن هم وحدهم الذين يعرفون، فلا تصرفهم مفارقات الشريعة عن موافقات الحقيقة!.. |
|
و الشيخ - قدس الله سره - أليس واحد من أولئك الأشخاص الذين اصطفاهم الله من الأمكنة والأزمنة والأشخاص .. فلماذا نجيز لأنفسنا محاسبته على بوادر من كلمات وحركات لا بد أن تكون معانيها فوق مستوى أفهامنا ..! |
|
أن من (أدب الطريق) متابعة الشيخ دون التفات .. لأن كل انصرف عنه نزعة من عمل الشيطان .. ولا ريب أن حوادث الشيخ اليوم مع فاطمة لا تعدو أن تكون ضربا من هذه الأحوال الغامضة على أمثالنا، وكل تشكك في شأنها إنما هو ضرب من الوسواس، يطلقه الشيطان في طريقنا لينغص علينا صفاء الاستسلام!. |
|
ولقد سمع الشيخ قبل أيام وفي إحدى حلقاته الخاصة يحدث تلاميذه - وهو أحدهم -عن أهمية هذه المتابعة في تربية المريد. ومن الأمثلة التي قصها آنئذ عليهم خبر ذلك المريد .. الذي أنبأه شيخه أن أمه تضطجع مع رجل، فعليه أن يذهب حالا ليأتيه برأسه .. فلم يلبث أن مضى إلى الدار وعلى الرغم من أنه وجد أباه هو المضطجع مع أمه لم يتردد من تنفيذ أمر الشيخ فاحتز رأسه وجاء به ليضعه بين يديه وهو يقول: "هاهو الرأس يا سيد الشيخ .. ولكن لا تنس أنه أبي!..". وهنا أمره الشيخ أن يعيد النظر إلى الرأس فإذا هو رأس رجل آخر وإنما كان تمثيله شكل أبيه من عمل الشيطان الذي اتخذ من ذلك وسيلة لدفع المريد إلى معصية الشيخ. فكان المريد بطاعته لشيخه أقوى من الشيطان! |
|
و لقد كان لهذه القصة وقعها العميق في قلوب سامعيها .. أزالت منها كل أثر للتردد في وجوب الطاعة. ولعل أبا جميل نفسه كان أشد تأثرا بها واعتزاما لتحقيقها في سلوكه مع شيخه .. فما له الآن يسمح لوسواس الشيطان أن يراوده فيسمع في شيخه مثل هذه الريب المستحيلة ومن ثم يسمح للشك أن يتطرق إلى ثقته في وقت هو أحوج ما يكون إلى التشبث به!! |
|
كلا .. كلا .. إنها من عمل الشيطان .. وليست مهمة المريد إلا مجاهدة النفس بإعدادها للانتصار على نزعات الشيطان .. |
|
ولكن .. فاطمة .. إنها والله لفاضلة .. وهي تقول : إنه عبث بصدرها وأنه فاتحها بطلب السوء!! نعوذ بالله. أفتكذب فاطمة في ذلك؟..و لماذا؟.. |
|
-4- |
|
وتفتقت ذاكرة أبي جميل عن أشياء وأشياء .. وتذكر فيما تذكر تلك الاتهامات الخبيثة التي طالما سمعها من أعداء الشيخ، يروجونها عنه ليفسدوا ثقة الناس به سمعهم يتهمونه باستنزاف أموال مريديه ليشتري بها المزيد من المتاع والعقار .. حتى إنهم لم يتورعوا عن اتهامه بسحب السجادة التبريزية الكبيرة من المسجد ليزين بها منزله .. بل لقد جاوزوا ذلك إلى ميدان السياسة .. قاتل الله السياسة ومن يشتغل فيها .. فرموه بتأييد الملاحدة، وإطراء الشيوعية ومساندة الطغاة من الحكام، مقابل سكوتهم على مفاسده .. وإغضائهم عن سلبه أموال المساكين والمخدوعين..! |
|
ولم يستطع الاستسلام طويلا لهذه التصورات .. وامتلأت نفسه بالاشمئزاز من هؤلاء الأعداء وراح يهمس: ألا قبحا لهؤلاء المفترين!.. لقد سمموا الجو من حول الشيخ .. وهاهم أولاء الآن يكادون يسممون نفسي بهذه المفتريات .. التي لا وجود لها إلا في مخيلاتهم!.. |
|
ولم يستطع - وهو يعلن هؤلاء الخصوم - إلا أن تعجب من براعتهم في اختلاق العيوب للشيخ حتى اسمه نفسه لم يسلم من هؤلاء الخبثاء، فراحوا ينسجون حوله الأقاصيص زاعمين أن أباه سماه فاضلا ولكن الناس الذين رأوا مناقبه فيما بعد نقلوه إلى فويضل!! استصغارا لشأنه واستنكارا لمسلكه. ولكنهم بدون ريب كاذبون .. كاذبون .. ولعن الله الكاذبين! |
|
و هنا وجد نفسه يتساءل: ولكن أحقا لا وجود لهذه الأشياء خارج مخيلات هؤلاء !؟ ألا يحسن بالإنسان أن يفكر ويبحث! وهل مجرد التفكير في مثل ذلك يعد من عمل الشيطان.. |
|
ومرة أخرى تتفتق ذاكرته .. ويتذكر ويتذكر .. يتذكر أن الشيخ قد سافر فعلا إلى موسكو .. وعاد ليحدثهم عن الإسلام الظافر هناك وعن سعادة المسلمين في ظل الشيوعية .. أفكان يصف الواقع أم كان - كما زعم مبغضوه - تاجرا يؤدي ما قبض ثمنه .. |
|
ثم يذكر أن الشيخ قد أيد أحد الطغاة الملاحدة .. إذ كان يتصيد ذكره تصيدا أثناء الحلقات ليدعوا له ويسمع مريديه يدعون له .. لأنه في رأيه الرجل الذي ينهض الإسلام على يديه .. فلما هزم الطاغي انصرف إلى تمجيد خالعيه .. ثم لم يدع بعد غاصبا إلا بالغ في إطراء فضله ونشر الطيب من ذكره .. والناس - هؤلاء المفترين - مع ذلك يقولون: إن الشيخ يداهن القوم للمنفعة وأن كل ما تعانيه البلاد من البلاء إنما يعود إلى جرائم أولئك الذين كان الشيخ يروج لهم الدعاية في أوساط المغفلين من هؤلاء المريدين!! |
|
ولقد رأى بعينه تلك السجادة الهائلة التي طال حديث الدساسين عنها رآها في دار الشيخ تغطي أرض البهو جميعا .. ولا شك أنها جلبت من المسجد نفسه .. ولكن .. لم يحسبون ذلك سيئة للشيخ وهو إنما وضعها هناك لاستقبال المصلين أنفسهم .. أليس مريدوه كلهم من ذلك المسجد .. وبالتالي أليست داره بمثابة الجامع وأكثر .. فأي فرق إذن بين أن تكون هذه السجادة هنا أو هناك. إنها من بيت الله لبيت الله والحكم في الحالين واحد .. وقبح الله المضللين .. |
|
و حسب أبو جميل أنه قد تغلب على كل ريبة في صاحبه .. ولم يدر أنه قد أطلق لشكوكه العنان، تهدم في نفسه وتبني كما يشاء .. |
|
إنه لواقع تحت شعور غريب يشبه ما يحسه الغريق عندما يرتفع رأسه فوق الماء .. وخيل إليه أن في الحياة أشياء كثيرة فاته النظر إليها من قبل على كثرة ما مر بها ورآها .. فهو الآن كسالك الصحراء يتطلع إلى البعيد فيرى السفن والقوافل والفرسان والنخيل .. وعشرات المرئيات الجميلة .. بيد أنه كلما دنا من موقع الرؤية أخذت هذه المنظورات بالتلاشي حتى لا يبقى منها شيء .. ومن الناحية الأخرى هو كالمحدق في أبعاد الأفق .. يلمح نقاط سواد خلال طبقات الغمام فلا يعيرها التفاتا ولكنها لا تلبث أن تتضح كلما صفا الأفق فإذا هي أخيرا سرب عريض من قاذفات القنابل تملأ بأحجامها وهديرها الفضاء.. |
|
و هنا فوجئ أبو جميل بصوت المؤذن يدعو الناس إلى صلاة الفجر .. فنهض من مقعده على الشرفة ليردد معه أنشودته الحية في تأثر بالغ ثم ما لبث أن غادر مع زوجته البيت متجهين نحو المسجد القريب. |
|
و بدلا من أن يعودا إلى بيتهما عقيب الصلاة أخذ طريقهما في الاتجاه الآخر .. وعلى مدخل بيت فاطمة خاطب أبو جميل زوجته قائلا: ستعودين بها إلى البيت حالا .. أما أنا فسأدخل على فويضل ولن أعود حتى أسترد أموالي .. |