|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
|
المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية بالسودان[1] |
|
لفضيلة الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي |
|
رئيس
تحرير مجلة الجامعة الإسلامية |
|
|
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، المنزل عليه قوله تبارك وتعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى
بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ} يوسف/ آية 110. |
|
|
وبعد |
|
فإن فترة الركود التي خيمت على العالم الإسلامي منذ
زمن بعيد، والمتجلية في جهل أبناء الأمة الإسلامية بحقائق دينها وسمو رسالتها
وعظيم مسؤوليتها، تلك المسؤولية المتمثلة في قوله تبارك وتعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...}
آل عمران/ آية 110، بدأت تتضح أسبابها ومسبباتها لقادة الفكر الإسلامي،
والمهتمين بشؤون الدعوة الإسلامية. |
|
ولإيمان هؤلاء القادة بأن ما أصاب العالم الإسلامي
من نكبات، وما حل بهم من محن، هو من عند أنفسهم، ولعلمهم أيضاً بأن سنة الله
تعالى في خلقه أن لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فقد بدأت الدعوات توجه
على جميع المستويات لعقد لقاءات بين قادة الفكر الإسلامي وعلماء الأمة
الإسلامية، لدراسة أوضاع المسلمين، وكيف وصلت بهم الحال إلى ما هم عليه الآن من
ضعف، وتفكك وتمزق، وما أسباب ذلك وما علاجه؟ |
|
وإن هذه الصحوة في حد ذاتها تبشر بخير لمستقبل هذا الدين. |
|
ونحن نقول: إذا كان الطبيب لا يستطيع وصف الدواء
للمريض إلا بعد تشخيص مرضه بفحص جسمه ليعرف علته، ومن ثم يقدم له الدواء النافع؛
فإن على قادة الفكر الإسلامي تحسس الأسباب التي أدت إلى ارتكاس الأمة الإسلامية
حتى وصلت إلى حالتها الراهنة التي لا تحسد عليها. |
|
ودراسة حالة المجتمعات الإسلامية اليوم، في حاجة إلى
مقارنتها بالماضي في فجر انبثاق الرسالة الإسلامية لمعرفة ماضيها المجيد، وكيف
انحدرت بعد ذلك؟. وهذا الأمر يستدعي نظرة سريعة لحالة المجتمع البشري قيل
البعثة. |
|
إن نظرة عابرة لحالة البشرية كلها قبل بعثة المصطفى
صلى الله عليه وسلم تعطينا صورة قاتمة لحالة ذلك المجتمع البائس في جميع شؤون
حياته؛ ذلك المجتمع الذي كان يسوده الاضطراب، عداوة وبغضاء، وانحطاط أخلاق
وسلوك، ولا حق فيه للضعيف وإنما الحق فيه للقوي الغالب، أما الضعيف المغلوب فهو
مستعبد ممتهن، وعلى رأس تلك الانحرافات الأخلاقية والسلوكية: الشرك بالله الواحد
الأحد. |
|
وقد أنعم الله تعالى على تلك الأمة المتناحرة ببعثة
محمد صلى الله عليه وسلم فأخرجها برسالته من الظلمات إلى النور، فأصبح أفرادها
بنعمة الله إخوانا، وذلك حين أذن الله لهذا النور أن يبدد تلك الظلمات المتراكمة،
وأن يسير هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالبشرية كلها إلى شاطئ السلامة،
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} سبأ/
28.. |
|
فدعا البشرية كلها إلى هذا الخير، وبيَّن لها سبيله،
وأوضح لها معالمه، كما بين لها طرق الشر، وحذرها من سلوك سبله، وقد ترك أمته على
المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وسلك طريقه خلفاؤه الراشدون من بعده، وقد حثَّ
صلى الله عليه وسلم أمته على التمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين من بعده، وبسلوك
المسلمين لذلك المنهج في العبادات والمعاملات سادوا البشرية جمعاء، لنشرهم العدل
بينهم وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فعم الإسلام شرق الأرض
وغربها في فترة لم يحدث في تاريخ البشرية كلها مثل ذلك لدعوة من الدعوات، وما
ذلك إلا لسهولة ويسر تعاليم الإسلام لتمشيها مع الفطرة البشرية، ولإخلاص حملة
هذه الرسالة وحبهم إيصال هذا الخير إلى الناس جميعا، دون أن يكون هدفهم التكالب
على رئاسة، أو طلب جاه في الدنيا، وإنما كان همهم أن تكون كلمة الله العليا.
ولذا نجد أنه إذا صدر أمر من الخليفة لقائد الجيش في أثناء المعركة بأن يسلم
القيادة لجندي في جيشه ليكون قائداً بَدَلاً منه، سلمه إياها، وأخذ سيفه وانطلق
جندياً يقاتل في سبيل الله تحت قيادته لأنه يعمل لله لا لمنصب ولا جاه. |
|
وحين تخلى المسلمون عن هذه الروح الإسلامية وسلكوا
مسلكا يخالف النهج الذي رسمه لهم سلفهم الصالح في العبادات والمعاملات وجميع
شؤون الحياة، بدأت الحال تتغير، فدب الوهن في جسم الأمة الإسلامية، فتفرقت
كلمتها، وتشتت شملُها، وتمزقت وحدتها، وأصبحت شيعا وأحزابا، يقتل بعضهم بعضا،
ويلعن بعضهم بعضاً، وليس هذا من الإسلام في شيء. |
|
ونجاح هذه الأمة مرهون بعودتها إلى ما كان عليها
سلفها الصالح، إذ لا يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. |
|
وإن عقد مؤتمر للدعوة الإسلامية في هذه الآونة،
والذي جاء بعد مؤتمر القمة الإسلامي الذي انعقد في مكة المكرمة والذي يعتبر من
أهم اللقاءات التي تمت بين ملوك ورؤساء الدول العالم الإسلامي للعودة بشعوبهم
إلى الحكم بشرع الله، وتطبيق منهجه الذي ارتضاه لعباده، بعد أن جربوا مناهج
البشر وقوانينها، لَخَيرُ دليل على أن قادة الأمة الإسلامية ومفكريها بدؤوا
يحاولون رسم الطريق لهذه العودة إلى الله خالقهم {أَلا
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. ومؤتمر الدعوة
الإسلامية الذي عقد في السودان هو من السبل التي ترشد الأمة إلى الطريق لتطبيق
شرع الله على عباده، فإن من أهدافه: |
|
1- إتاحة الفرصة للقاء عدد كبير من علماء الأمة
الإسلامية، يمثل وقفة تأمل وإعمال فكر في الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية
اليوم، مقارنا بالماضي في فجر انبثاق الرسالة الإسلامية، لتتضح فترة الركود
وتتبين أسبابها ومسبباتها، لبحثها وتحليلها، ثم معالجتها تمهيداً لمطلع جديد
للأمة الإسلامية. |
|
2- الوصول إلى هدف مشترك بأسلوب موحد لمواجهة
التحديات المعاصرة. |
|
3- إيجاد مناخ مناسب لتبادل الخبرات والتعرف على
التجارب والمشكلات، والإطلاع على الظروف المختلفة، وطرق مواجهة المعضلات، ووضع
الخطط والبرامج للتلازم والتكامل بين العقيدة والعلم. |
|
4- بحث إمكانية وضع استراتيجية موحدة للدعوة
الإسلامية، تمكن من زيادة فعاليتها وعمق تأثيرها وشمول نشرها على مستوى العالم
الإسلامي، وما جاور أرض الإسلام. |
|
5- إتاحة الفرصة للتنسيق بين الحكومات والهيئات
والمؤسسات والأفراد العاملين في مجال الدعوة الإسلامية بغرض تحقيق الاستغلال
الأمثل للإمكانيات المتاحة. |
|
6- النظر في إمكانية توظيف ما حدث من تطور في وسائل
الاتصالات على مختلف أنواعها في خدمة أغراض الدعوة الإسلامية ونشر الفكر
الإسلامي. |
|
7- وضع تصور واضح ومحدد للداعية من حيث التأهيل
العلمي والاستعداد الفطري والتدريب النظري والعملي. |
|
إن هذه الأهداف الجديدة في مجال الدعوة، وغيرها من
الأهداف الأخرى التي طرحت في هذا اللقاء قد ناقشها المؤتمرون، وأبدوا حيالها
التوصيات المناسبة، ومن أبرز تلك التوصيات: |
|
أ- تطبيق الشريعة الإسلامية، وتقديم الإسلام بديلا شاملا للثقافة الغربية المادية. |
|
ب- دعم المركز الإسلامي الإفريقي بالخرطوم. |
|
ج- دعم مركز الترجمة المزمع إنشاؤه بالخرطوم. |
|
د- نشر وتنشيط الدعوة الإسلامية في فلسطين، ودعم
الجامعة الإسلامية بالقدس. |
|
هـ- التأكيد على أهمية دور الإعلام في نشر الدعوة
الإسلامية، ومحاربة الأفكار الهدامة، وتدعيم دور الإعلام بإعداد الإعلاميين
المسلمين، ومؤسسات إنتاج إعلامية إسلامية تهتم بالنشر المرئي والمسموع، وإمداد
أجهزة الإعلام غير الإسلامية بمعلومات دقيقة وصحيحة عن الإسلام. |
|
و- وفي مجال الشباب، طالب المؤتمر بضرورة العناية
بترشيد الشباب بدعم المنظمات الإسلامية الشبابية وتشجيع اللقاءات العالمية
بينهم. |
|
ز- كما أشار المؤتمر إلى أن الدعاة المسلمين يتعرضون
للمضايقات في بعض الدول الإسلامية، وناشد كل الدول الإسلامية بتوفير الحرية لهم
وعدم حضر الدعوة إلى قيام نظم حكم إسلامية، وبكل أسف فقد عارض أحد أعضاء
المؤتمر -وهو مسئول ديني- هذه التوصية في القاعة ولم يستجب له أحد من الأعضاء في
تلك المعارضة، بل جعل نفسه موضع استياء ونقد من المؤتمرين. |
|
ح- وفي مجال التعليم، أوصى المؤتمر بتقرير مادة
الثقافة الإسلامية في جميع الجامعات، ودعا الدول بالاعتراف بالجامعات الإسلامية،
ورفع الحظر عن حملة هذه الشهادات في التعيين الحكومي، ومساواة شهاداتهم بشهادات
الجامعات الأخرى. |
|
ودعا المؤتمر إلى مناهضة الدعوة الهدامة الرامية لاستخدام
العامِيِّة، والاهتمام بمعاهد الثقافة الإسلامية التاريخية مثل الجامع الأزهر.
وجامعة الزيتونة، والقرويين، والمعهد العلمي بأم درمان. |
|
ط- كما دعا المؤتمر الدول الإسلامية إلى إنشاء دور
متخصصة في الحديث، تضم خيرة العلماء لنشر السنة وحفظها، والعناية بمقررات
التربية الإسلامية في المدارس. |
|
هذه بإيجاز أهم توصيات المؤتمر عدا توصيات أخرى
أقرها المؤتمرون، وقد كلف المؤتمر اللجنة السودانية بترجمة هذه القرارات إلى
مشاريع عملية، ومتابعة تنفيذها مع الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي. |
|
وإن هذه النتائج التي توصل إليها المؤتمرون، وصدرت
حولها التوصيات المنوه عنها لهي نتائج جيدة ومفيدة، لو أنها انتقلت من عالم
الورق الذي كتبت عليه إلى الواقع العملي، ذلك أن توصيات مماثلة سبقتها بقي
الكثير منها حبراً على ورق. |
|
وإننا لمن المتفائلين ببوادر وعي إسلامي نحس بشائره
في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، وذلك بعد التجارب المريرة التي ذاقها أبناء
الأمة الإسلامية نتيجة ابتعادهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم، ومنهج سلفهم الصالح في
تطبيق الكتاب والسنة عمليا حتى يكون واقعاً حياً تعيشه الأمة الإسلامية، وقد قال
عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "كنّا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما فيها
من العلم والعمل". |
|
وإن مطالبة الشعوب الإسلامية بالعودة إلى تحكيم كتاب
الله وسنة رسوله، في جميع شؤون حياتها وما لُمِس من بوادر استجابة لتحقيق هذه
الرغبة من رؤساء هذه الشعوب المسلمة، كما جاء في مقررات مؤتمر القمة الإسلامي
الذي عقد في مكة المكرمة، يحتم على رجال الدعوة الإسلامية أن يضعوا منهجاً
موحداً يضمن للأمة سلامة طريقها في عودتها إلى تطبيق شريعة الله التي ارتضاها
لعباده، وإن على رؤساء الجمعيات وأصحاب النشاط البارز في توجيه الشباب، والذين
يدعون جميعا إلى تحكيم شريعة الله أن يوحدوا طريقهم، ويجمعوا كلمتهم، ويبتعدوا
عن النزاع الذي يعقبه الفشل المحتوم كما قال تبارك وتعالى {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا
فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ} الأنفال/ 46.. |
|
فيكفي الأمة الإسلامية ما عانته من فشل
"والمؤمن لا يلدغ في جحر مرتين" وقد لدغ المسلمون مرات. ولا يمكن أن
توحد الكلمة إلا أن يكون هناك مرجع تحتكم الفئات المختلفة في وجهات نظرها إليه،
ولا مرجع لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر -وكلهم بحمد الله يدعون إلى
الكتاب والسنة- إلا برجوعهم إلى منهج خلفائه الراشدين الذين حثنا رسول الهدى على
التمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي
عضوا عليها بالنواجذ". |
|
فيجب على فقهاء الدعوة المهتمين بجمع كلمة الأمة،
وتطبيق أحكام الله في الأرض أن يتأملوا قوله صلى الله عليه وسلم: "وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي" لأن
سنتهم والله أعلم أطيب قدوة للأخذ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ
كانوا خير مثال لفهم تطبيق كتاب الله وسنة رسوله عمليا، وكذلك من سلك مسلكهم في
هذا المجال من بعدهم ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم حين ذكر أن أمته ستفترق
على ثلاث وسبعين فرقة، وأن واحدة من هذه الفرق سوف تستمر ظاهرة على الحق لا
يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى، فقيل من هم يا رسول الله قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي".
وهذه المثلية شاملة لجميع شؤون الحياة، في العقيدة وفي العبادات والمعاملات ونظم
الحكم، والسلوك والأخلاق وفي كل ما تحتاج إليه الأمة الإسلامية لتحقيق استخلافها
في الأرض، فخلفاؤه والذين اتبعوهم بإحسان هم الذين على ما كان عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، {وَمَنْ
أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ
إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، {قُلْ
هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. |
|
|
|
[1]
عقد المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية بالخرطوم في السودان في الفترة ما بين 22
إلى 25 جمادى الأولى عام 1401هـ. |