طباعة

 توثيق النص

 

 

 

وحدة المسلمين في مواجهة الأخطار سبيلها وغايتها

فضيلة الشيخ محمد عبد الرحمن الراوي

رئيس قسم التفسير بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 

 

أحمد الله تعالى وأصلي على نبيه، وأدعوه بحق وجهه أن يبارك جمعنا، وأن يجمع على الخير والبر قلوبنا، وأشكر الذين أتاحوا لي هذا اللقاء الطيب الكريم، أرجو أن يكون في صالح أعمالنا جميعا يوم لقائه.

 

وبعد:

فلقد واجهت أمتنا منذ نشأتها - بل من أول نداء في بطحاء مكة – واجهت التحديات في صور متعددة من الصد والكيد.

لكنها - بحمد الله - قد شقت طريقها ومضت بخصائصها ومقوماتها منتصرة ظافرة بفضل ربها، وكان لفاعلية الحركة فيها أثر بالغ في كسر الطوق الذي يحيط بها؛ وهذه الفاعلية نشأت من فطرة هذا الدين الذي حول النفوس - بإذن الله - من حال إلى حال.

نحن نشرف على نهاية القرن الرابع عشر من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ونزيد عليه إذا عدنا إلى بداية الدعوة ونشأتها.

 وهذا العمر المديد لأمتنا الإسلامية جدير أن يقدم لنا تجارب حية، ندرك منها جوانب الإيجاب والسلب في مسار هذه الأمة، فنأخذ بما حفظ أمرها وأعلى شأنها وأبقى عزها، ونطرح ما ساق لها الهوان والضعف، ويسر للطامعين أن يحققوا أحلامهم وأن يعيثوا في الأرض فسادا.

إن للعز أسبابا، وللذل أسبابا، وسنن الله ثابتة لا تتبدل ولا تتحول ولا تخضع لأماني الناس وأحلامهم، والله لم يدع لأحد حجة بعد الهدى والبيان؛ فما من سبب من أسباب العزة والفلاح إلا دعانا إليه ورغبنا فيه وأثابنا عليه وحقق لنا نتائجه وبين لنا أثره في أنفسنا وفي الأمم التي خلت من قبلنا، وما من سبب من أسباب الهوان وذهاب الريح إلا نهانا عنه وحذرنا منه وبين لنا سوء عاقبته في أنفسنا وفي الأمم من قبلنا. {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

في الحياة الدنيا، نرى النافع المفيد يمكث في الأرض بخصائص ثابتة ويمتد مع الأجيال بلا تغير ولا انقطاع، وفي حياة أمتنا خصائص ثابتة تقوم مقام الماء في عالم الحياة، ولم يعرف التاريخ في ماض أو حاضر أن حياة قامت بغير الماء، ولم تتغير خصائص الماء في فطرته من زمن إلى زمن وإن تغير الزرع والثمر، وكل أرض هامدة قبلته اهتزت به وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.

ولم يعرف التاريخ أن أمتنا انتصرت في أي معركة صغرت أو كبرت بغير الثابت من خصائصها؛ به واجهت التحديات التي فرضت علها، واجتازت العوائق التي وضعت في طريقها، وكانت هذه الخصائص دائما هي العاملة في استنهاض الهمم للأخذ بأسباب النصر في كل عصر وزمن.

الثابت في حياة أمتنا يقوم على عقيدة أصيلة راشدة، دافعة ومانعة ودافعة إلى الخير حاثة عليه، مانعة من الشر زاجرة عنه، يتفتح لها القلب فتحول بينه وبين المكابرة أو لإصرار على خطأ أو إثم صغر أو كبر.

وهذه العقيدة يوضح معالمها كتاب عزيز، {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.

ومن رحمة الله بأمتنا وبالإنسانية جميعا أن حفظ لها هذا الكتاب لتحيا به النفوس وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولتجد أمتنا دائما ما تزن به أمرها وتصحح خطأها وتعالج واقعها وتهدي به إلى التي هي أقوم وتهتدي إلى صراط مستقيم، وكم هزم المسلمون وانتصر هذا الكتاب، وكم نال العدو من ديارهم ولم يستطع مغالبة حرف منه.

ترى الغالب مغلوبا أمام سطوته، والمنتصر منهزما إزاء حجته، وقد بين الله فيه معالم كل شيء، ودعا إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليرى الناس في سلوكه القرآن العملي قولا وعملا وخلقا وتطبيقا.

لقد كان القرآن وما زال مبعث حياة الأمة، به اعتصمت فتوحدت وتمسكت فاهتدت، وعاشت تاريخها بين مد وجزر؛ يعلو شأنها حين تعتصم به ولا تتفرق، ويصيبها من الهوان ما يصيبها حين تشْغَل عنه أو تعتز بغير ما أعزها الله به، بهذا الكتاب تعرف قيم الناس وتوزن أعمالهم، وبه يرفع الله أقواما ويضع آخرين، وهو ثابت لا يتغير، محفوظ بحفظ الله لا يتبدل، وأمتنا الإسلامية بخير دائما إن هي أحسنت كيف تحيا بثابت في متغير .

الثابت يحفظ شخصيتها ويبقى عليها ممتدة مع الزمن كله، ويجعلها تصمد أمام المخاطر والمغريات ونحن نرى فطرة الثبات في خصائص الأشياء التي لا يستقيم أمر الحياة إلا بها من شمس وهواء، وقمر وماء، وليل ونهار وزروع وثمار.

وتلك آيات الله في خلقه تمضي ثابتة بخصائصها لتؤدي دورها بإذن ربها في اطراد وامتداد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وثبات القرآن متميز ذو خصائص تتجدد به حياة النفوس وتمتد، والذي جعله سببا لذلك هو الذي جعل من الماء كل شيء حي.

وكثيرا ما نجد الحديث عن القرآن يتجاور مع الحديث عن الماء في كناب الله عز وجل، وهذا التجاور يلفت نظر المتدبر إلى ما بينهما من مناسبة.

والرسول صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك بقوله: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا..".

ولذا فإن كلمة (مبارك) يوصف بها الماء ويوصف بها الكتاب {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ}، {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ}، وكلنا يدرك إلى أي حد تنتهي بركة الماء، وإلى أي مدى تمتد بركة هذا الكتاب المنزل على رسوله، وكيف يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه.

وإذا كانت الأرض الطيبة تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب الكثير؛ فإن النفوس الطيبة - بفضل ربها - تتقبل وحي الله وتؤمن بآياته، فتنبت العمل الطيب وتثمر الخلق الحسن، تحرك بإيمانها وتنبعث بيقينها ويؤازر بعضها بعضا تعبدا لله وطاعة لأمره؛ {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ}.

والقرآن الكريم يبصر الناس بمقتضيات الإيمان وسبل المؤازرة وغايتها؛ {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

واضح أن ولاية المؤمنين لا تقوم إلا على صدق الإيمان بالله وتنفيذ أمره وإقامة شرعه، وبهذا يكون تأييد الله لهم ورحمته بهم.

وهم يعرضون أنفسهم لسخط الله عندما يتخذون الولاية من غير المؤمنين أو يتبعون غير سبيلهم؛ {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}.

إن غير المؤمن لا يكون عاملا في نصر دين الله، ولا تكون ولايته إلا ضعفا وخذلانا وطريقا إلى الدرك الأسفل من النار، ومن وقع فيها لا ينجيه منها إلا توبة وإصلاح واعتصام بالله وإخلاص لدينه؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا، إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً}.

 وأي شيء يرتجف له قلب المؤمن أشد من التعرض لبطش الله ونقمته وهو يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم، أو حجة بينة على أنكم منافقون؛ فإن اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين من أوضح أدلة النفاق، وهو مفض إلى عذاب أليم؛ {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}.

وإذا كان الله عز وجل قد نهانا عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فإنه قد بصرنا بحقيقة الولاية التي يجب أن تقوم بين المؤمنين.

فهي ليست ولاية ضعف أو تواكل، ليست ولاية ركون أو قعود، إنها ولاية عاملة تأخذ بالأسباب ولا تركن إلى الأماني، ولاية تماسك وتعاطف وتراحم وتفاعل في السراء والضراء كتفاعل الجسد الحي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء تداعيا يأخذ بالأسباب حتى يعود العضو المصاب معافى كما كان؛ لأن التفريط في الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها معصية يعاقب الله عليها، وكل قعود متعمد عن متطلبات الإيمان يورث صاحبه ذلا ونفاقا ويودي به إلى الدمار والهلاك.

إن الإيمان حركة حياة لا تعرف اليأس ولا القعود، حركة مؤملة مبصرة واعية تثبت أمام عوارض الحياة وتقلبات الأيام، وهي تعتمد على الله وتركن إليه وتؤمن أن العمل هنا والجزاء هناك؛ {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً}.

ذاك هو الأصل الثابت الذي لا يقوم لنا بنيان إلا عليه، ولا تتحقق ألفة إلا به؛ ذاك هو الأصل الذي واجهت به أمتنا جميع التحديات، تحمله النفوس فتعز، وتعتز بغيره فتذل.

أدرك الأعداء أمره فاستهدفوا حصنه، ووجهوا خططهم على سلب النفوس قبل سلب الأرض، وتحطيم القيم والأخلاق قبل تحطيم السلاح والعتاد، وإغراء الأخ بأخيه أن يقتله قبل أن يقتلهما معا؛ ورحم الله آباء لنا عرفوا حقيقة الإيمان فكانوا يبحثون عن سرّ الهزيمة الطارئة في نفوسهم قبل أن يتأملوها في سلاح عدوّهم، ورحم الله عمر بن الخطاب إذ يقول: (إن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وما لم ننتصر عليهم بفضل الله لن نغلبهم بقوتنا).

منذ زمن بعيد استهدف أعداؤنا الحصن الحصين في نفوسنا، وعن طريق التعليم وتناقض وسائله ومناهجه تم لهم ما أرادوا واستطاعوا أن يوجدوا التباين بين أبناء الأمة الواحدة.

ولابد للجيل الذي يريد أن يفوز وأن ينتصر على هذه الغارة من أعداء الإسلام جميعا أن يحقق أمرين يزيل بهما التباين والتناقض بين أبناء أمته؛ أن يدرك الإسلامَ على فطرته من كتاب الله وسنة رسوله، وأن يكون عالما بطبيعة العصر الذي يعيش فيه وما يسيطر عليه من دوافع وما يتحكم في سلوك أهله من مذاهب، والتقاءُ أبناء الجيل الواحد على فهم مشترك وغاية واحدة يفوِّت على الأعداء مخططهم في إيجاد التباين وتحقيق الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة بإيجاد ناس يؤمنون بحضارة المادة وحدها وآخرين يحفظون أوامر الدين حفظا، ثم يعزلون بما حفظوا عن الحياة عزلا.

إن كل جيل مطالب أن يأخذ نفسه بالإسلام في عصره ولا يسأل عن أمة خلت؛ ولا يغني أحد الأمرين عن الآخر: فهم الدين على فطرته وإدراك طبيعة العصر؛ ليكون العمل قائما على أسس متينة وإدراك لما يجب أن يكون.

لأن فهم الدين مع الجهل بطبيعة العصر وأحواله وإعداد القوة الملائمة له يجعل العلاج في غير موضعه، وقد يسيء الإنسان من حيث أراد الإحسان وكذلك إدراك طبيعة العصر مع الجهل بفطرة الإسلام أو التنكر له سيؤدي حتما إلى مجافاة الدين وبغض أهله وعدم التسليم بحكمه.

وقد اعتنق العدو فكرة التباين هذه، وسرت في ديار الإسلام حتى رأينا في كثير من الديار الإسلامية موجات مؤيدة مدعومة تعمل على إبعاد الإسلام عن ساحة الحياة ورميه بكل نقيصة أو تأويله بما يناسب الأهواء ويساير الأطماع.

ولم يوقظ الناس لهذا الخطر إلا ما وقع من مآس ونكبات على يد أصحاب الشعارات التي رميت بها الديار الإسلامية؛ فحققت للأعداء أكثر مما يطمعون وأشاعت من الفرقة والتنازع ما جعل الأعداء يطمعون في كل شيء ولا يبالون من أمر المسلمين بشيء.

وفتحت الباب على مصراعيه للكتل الدولية للتنازع على خيرات الأمة الإسلامية كل يدخل تحت شعار من الشعارات التي اعتنقها فريق من أبناء المسلمين، وهكذا غدت هذه المنطقة الحساسة من قلب الأمة الإسلامية مسرحا لقوى الشرق والغرب، وبركانا يوشك أن يدمر كل شيء.

ولقد اتضح للناس بعد تجارب عديدة أن أي نظام لأمتنا الإسلامية يقوم على غير أسس القرآن ومقاصده ستعصف به أساليب العصر، وسيكون مرتعا للشهوات وأهلا للخيانات وسلعة رخيصة في يد العابثين.

إن الإنسان الذي يثبت في الشدائد لابد أن يبنى من داخله بالعقيدة التي تحقق مراقبة الله وخشيته؛ {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}، ويرتبط السلوك دائما بالعقيدة فلا تجد وسائل الأعداء منفذا إلى النفوس الغالية المتحصنة بإيمانها، وإنما تنفذ وسائل الأعداء إلى النفوس الرخيصة التي دمرت من داخلها؛ إن جميع القيم والفضائل ترتبط كل الارتباط بالعقيدة وتقوم على هذا الأصل الثابت.

وحيث تهبط القيم وتسيطر الأهواء والشهوات يجد العدو مجالا خصبا لتحقيق مآربه بشراء العملاء والخونة الذين يبيعون أمتهم بلذة عاجلة أو منفعة زائلة، وحيث يقوى الجانب الأخلاقي المستمد من الإيمان بالله يجد العدو نفسه في مواجهة بنيان قوي وصف تطيش أمامه سهامه وتتبدد أحلامه.

وهذا حكم الله فينا وسنته التي جرت وتجري في جميع أمورنا؛ ما انتصرنا في معركة قط حتى ننصره في أنفسنا بتغليب أمره على هوانا.

إن الاستمساك بالأصل الثابت يتوقف عليه مصير أمتنا وبقاؤها وأن لا شيء على الإطلاق يمكن أن نحتمي به أو نركن إليه إذا نحن بَعُدنا عن هذا الأصل أو تنكرنا له.

لقد جربنا كل شيء، جربنا التعامل مع الشرق والغرب، جربنا الكَمّ من السلاح، جربنا جميع الشعارات السرابية الخادعة، وانتهت بنا التجارب إلى الحقيقة الثابتة الراشدة أننا بالإسلام ولن نكون بغيره؛ إذ عندما أرادت الشعارات أن تكون بغيره لم نصل في روابطنا إلى مستوى الحيوانات الدنيا.

إن الحيوانات قد تتقاتل بعضها مع بعض ويشاحن بعضها بعضا، لكنها عندما تشعر بخطر خارجي يتساند بعضها مع بعض لرد العدو ودرء الخطر، وعندما بعدنا عن ديننا وتنكرنا له في روابطنا لم نصل في كثير من المواقف إلى مستوى الحيوانات التي لا ترى متناطحة والعدو يقصد حماها أو متنازعة والخطر محدق بحظائرها.

إننا حين مضينا إلى الأعداء دون أن نستند إلى الأصل الثابت - وهو الإسلام - بدت مواقفنا أمام أنفسنا وأمام العالم كله متناقضة تثير الهزء وتدعو إلى السخرية؛ ذلك أننا فقدنا وحدة الكلمة ووحدة الاتجاه، ولو استندنا إلى الأصل الثابت وأخضعنا أهواءنا له لاتّزنت خطانا ولم نقع في متناقضات بين أقوالنا وأفعالنا.

إن انتصار أعدائنا في غاراتهم المعاصرة كان انتصارا في فراغ، أعني أن الجو قد خلا لهم وأن النفوس قد تغيرت بفعل الشعارات واضطربت الموازين؛ فغدا المستحيل جائزا وأصبح الحرام حلالا.

وقد تعلمنا من وقائع ديننا أن الأمم يقذف في قلوب أبنائها الوهن عندما تصل إلى درجة الغثاء، ولا يكون ذلك إلا عندما تفشو الفرقة ويقع التنازع فيأتي الفشل ويذهب الريح.

إن شيئا واحدا قد عمل على تكوين الشخصية الإسلامية والمحافظة عليها على مر التاريخ، وهو الإسلام، وفي عصرنا هذا قد تكالب الأعداء علينا بعد أن استطاعوا بوسائل متعددة إضعاف الروح الإسلامية وإغراء المسلمين بسفك دماء بعضهم بعضا، والعمل دؤوب على تدمير الروابط الإسلامية بشتى الوسائل ليظل أعداء الإسلام هم أصحاب الكلمة في ديار الإسلام.

نحن في عصر لا يسمع فيه للضعيف كلمة ولا للمنهزم حجة، وإنما الكلمة للقوي والاحترام للمنتصر، ولا يرضى لنا ديننا أن نكون ضعفاء ولن نكون ضعفاء ونحن نعتصم بالقرآن ونتحرك بدوافعه؛ نرد حياتنا إليه ونقيم روابطنا عليه؛ نصحح به واقعنا وننير حاضرنا ومستقبلنا، وأول أسباب القوة وحدة أمتنا الإسلامية على سواء.

ولن تكون هذه الكلمة من صنع بشر، لن تكون شعارا مستوردا من شرق أو غرب، وإنما هي الكلمة التي نادى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر من ربه؛ {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}.

تلك هي الكلمة التي يتم بها الاستخلاف والتمكين في الأرض ويتحقق الأمن بعد الخوف؛ {يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}.

ولا أعرف موقفا واحدا واجهنا فيه أعداءنا وظفرنا بتأييد ونصر من الله بغير صدق الولاء لهذه الكلمة؛ بها واجهنا جميع التحديات التي فرضت علينا، ولم نستطع بغير نصرتها أن نصنع شيئا، بل ذقنا مرارة الذل ومهانة الفرقة وغدت ديارنا مرتعا للذئاب وتداعي الأمم عليها كما تداعى الأكلة على قصعتها، ونحن كثير كثرة الغثاء ونحن أمة واحدة ولكن فرقتها الأهواء.

فما هو السبيل لرد هذه الأمة إلى ما كانت عليه عزيزة متحابة متعاطفة متراحمة؟ ما هو السبيل لوحدتها لكي تدرأ الخطر عن نفسها وترد كيد عدوها؟

نحن نؤمن إيمانا جازما أننا بغير لإسلام الذي تجتمع عليه القلوب لن نصنع شيئا؟ ولكن ما هو السبيل لرضى النفوس به وتنشئة الناشئة عليه وقيامه في حياتنا الخاصة والعامة مقام الروح في الجسد؟ ما هو السبيل لعودة المسلمين جميعا إليه وأخذ أنفسهم به وإخضاع أهوائهم له ومواجهة خصومهم بنصرته والدعوة إليه؟

أرى - على ضوء التجارب - أنه مهما طال الزمن فإننا لن نستطيع أن نحقق نصرا إلا بإعداد الإنسان الإعداد الصحيح الذي يكون أهلا لنصر الله وتأييده، وهذا يقتضي أن ننظر نظرة شاملة في وسائلنا لإعداد المسلم في جميع الديار الإسلامية حتى لا يقع التباين والتناقض بين المسلمين في وسائلهم وغاياتهم.

وقد أشرت من قبل أن العدو في غارته الأخيرة قد استهدف النفوس قبل الاستيلاء على الأرض، ومهد لذلك بأساليب متعددة وحقق انتصارا رهيبا في هذا الجانب ولم يستطع أن يستولي على شبر أرض من أرض المسلمين قبل الاستيلاء على بعض النفوس وجعلها تؤمن بما تؤمن به وتحقق له أكثر مما يطمع فيه.

ولذا فإن أمر التربية والإعداد هو الأصل في قوتنا ورد الغارة عن أمتنا.

أنا أعرف أن هذا الأمر قد يصعب تقبله على الشباب المسلم الذي يتطلع إلى مجد أمته وعزتها، ويتعجل ذلك ويطلبه بين عشية وضحاها.

وهم معذورون لقوة دوافعهم وشدة عواطفهم ولكن الله لا يعجل بعجلة أحد، إننا نخطئ كثيرا إذا ظننا أننا نستطيع رد الغارة بغير تحقيق الأسباب التي أمر الله بها، ومن أولها إعداد الإنسان الصحيح في فهم دينه وإدراك عصره وإخضاع هواه لمرضاة ربه، الإنسان الذي يحيا بتصور كلي لما يجب أن يكون حتى لا يكون عمله للإسلام فرقة بين المسلمين؛ فيسيء من حيث أراد الإحسان، ولن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

وذاك أول أمرنا، وتلك مهمة المبعوث فينا المرسل رحمة للعالمين، بل تلك منة الله على المؤمنين؛ {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.

تزكية وتعليم؛ تلك مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل منة الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، هذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصر في بعض المواطن بعثته عليه؛ "إنما بعثت معلما".

{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}: عن هذا الطريق يوجد الإنسان الصحيح، ويوجد التصور الكلي، بل يوجد الإعداد الشامل لتحقيق الغاية العليا (إعلاء كلمة الله) التي لا تعز نفوسنا إلا بها، ولا نقاتل إلا من أجلها ولا نحقق أمنا وسلاما لأنفسنا وللعالم من حولنا إلا بمقوماتها، ولا تتحقق الولاية بين المؤمنين إلا بحسن الاتجاه إليها.

عن هذا الطريق نأخذ بجميع الأسباب المحققة للغاية {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ودعونا نصارح أنفسنا لنرى ما هو السبيل لتعليم الكتاب وتدبره؟ أنتدبره بأسلوب الاغويين؟ أو نتأمله بأسلوب الحكماء والفلاسفة؟ أو بمنطق الفقهاء؟ أو بأسلوب الفرق والمذاهب؟ وكل ذلك واقع وتحشى به الكتب حشوا.

أراني رضي النفس خاشع القلب عندما أقول نتأمله في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامه وحياته وجهاده وسلوك صحابته الأطهار من بعده.

ولست بهذا أحول عن الدراسات المنهجية لشتى المذاهب والأفكار، ولكنني أتأمل واقع أمتنا الإسلامية فالتمس سبيلا لعزها ومجدها، ولا عز لها إلا أن ترى كيف كان القرآن الكريم خلقا لنبيها صلى الله عليه وسلم، وكيف كان يرضى برضاه ويسخط بسخطه، هكذا تعلمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموا القرآن والعلم والعمل جميعا، وبهذا يأتي القرآن شفيعا لأهله ويأتي أهله مكرمين معه كما جاء في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران؛ تحاجان عن صاحبهما".

والله الذي أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط قد أنزل الأسباب التي تحقق نصره، وجعل الأخذ بالأسباب مع صدق النية عملا من أعمال الدين يكافئ الله عليها بالنصر والتأييد، وهنا نجد أنفسنا بدافع من الكتاب نفسه مطالبين بجميع المعارف التي لابد منها في إعداد القوة الملائمة لعصرنا، وهذا يقتضي غيرة ومثابرة ودراسة ومتابعة بحيث يتآخى العالم الإسلامي كله في مواجهة الظروف التي تحيط به، وتتآخى اللبنات المتخصصة في فروع العلوم المختلفة بدافع تعبدي ينصر فيه دين الله وتعلو كلمته، وذاك موضوع امتحاننا واختبارنا في هذه الحياة؛ {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

 {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}: عن هذا الطريق يوجد الإنسان الصحيح، وبه نعمل على حل المتناقضات، ونعالج في رحمة وبر وصراحة وحكمة قضايا أمتنا الإسلامية، ولا نترك للمتربصين ثغرات ينفذون منها فنعين العدو - بقصد أو بغير قصد - على تحقيق أهدافه وتنفيذ أغراضه وتدمير الأمة الإسلامية وضرب بعضها ببعض.

وهذا يستلزم أن يتجرد المؤمنون لأمر الدين، وأن يمنحوه صدق القلوب ووفاء النفوس، وأن يكون أغلى شيء لديهم، وأن يطوعوا له وقتهم وأنفسهم وأموالهم، وأن تنشرح بذلك صدورهم؛ ولهم بذلك عز الدنيا وسعادة الآخرة.

إننا - نحن العاملين في مجال الدراسات الإسلامية - مسئولون عن أي انحراف في مجال الفكر والتصور، وعلى عاتق المربين تقع المسئولية الأولى.

وإذا ظلت مؤسساتنا العلمية - على شتى صورها في الديار الإسلامية - تتأمل التعليم على أنه شهادات تعطى لإتمام مرحلة معينة؛ فإنها تكون قد أخطأت وبعدت عما يجب أن يكون.

إن إعداد النفوس أمر يتطلب حراسة الإيمان وملاحظة آثاره ونتائجه، ومع ما هو سار في عصرنا من رغبة في الدنيا وتسخير كل شيء لها نرى دراستنا كذلك في كثير من الديار الإسلامية تقف عند الوسائل ولا تصل إلى الغايات، وتنشد بهذه الوسائل دنيا مرغوبة؛ فغدت العلوم سلعا ينتهي عملها عند تحقيق ربح أو طلب جاه، وهبطت بنا ولم تصعد، وهذا مناف لما يجب أن يكون من جعل العلوم كلها ربانية تنشد وجه الله وتبتغي رضاه.

وعند اتجاه العزائم إلى الغاية الصادقة تكون العلوم على شتى صورها - كما كانت - منارات على الطريق، وعامل قوة في بناء الأمة ووحدتها.

وهذا يدعونا - نحن المسلمين - أن نربط جميع معارفنا بالقرآن الكريم، وأن نتوجه بها لخدمة أغراضه وتحقيق هدايته.

ومهما كانت مرارة الواقع فإن الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها - طال الزمن أو قصر - هو الطريق الوحيد للوصول إلى الأمل المنشود.

وأول عملنا في هذا السبيل أن نعلن المفاهيم الكلية للإسلام وأن نبينها للناس، وأن يتحرك الدعاة في إخلاص وحكمة وصدق ليعالجوا على بصيرة قضايا أمتهم، وأن يصدعوا بما أمروا به من تبليغ هذه الدعوة كما جاءت من عند الله في كتابه وسنة نبيه؛ لتتسلح الأمة بثقافة القرآن وتقف عند معالم ثابتة لا تتغير بتغير الظروف والأحوال.

إن الإسلام دين شامل يعنى بالشؤون الخاصة كما يعنى بالشؤون العامة، ودعوته دعوة عالمية، ورسوله قد بعث للناس كافة رحمة للعالمين وأمته أمة واحدة، هذه المفاهيم الكلية وغيرها من مقومات الإيمان يجب أن تعلم للخاصة والعامة والكبير والصغير والرجل والمرأة، وأن ينشَّأ عليها الناشئة من أبناء المسلمين.

فإن الغارة على الأمة الإسلامية ما بين فترة وأخرى تقيم حربا ضارية على هذه المفاهيم؛ تدميرا لروابط هذه الأمة وإبعادا للإسلام عن الساحة، وكلما أريد قضاء أمر لا يرضاه الإسلام ولا يقره ظهرت الموجة التقليدية (لا دخل للدين في السياسة)، وكأننا بهذا نشرع لأنفسنا وبأهوائنا ما لم يأذن به الله، إن الشرع ما شرع الله لا ما أحبت النفس أو رغبت؛ {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ}.

نحن نستطيع بوعي أن نفرق بين أمرين:

أمر لا عذر لنا فيه: وهذا أن نرد أنفسنا وأمتنا الإسلامية إلى كتاب ربنا الذي يجب أن نحققه وسنة نبينا، وهو الجانب الأعظم الذي يجب أن نحققه في مواجهة الأخطار المحدقة بنا وطلب النصر من الله، ولا عذر لنا في ذلك؛ فنحن لا نستورد معالم ديننا من مخازن الأسلحة في شرق أو غرب حتى يضنَّ علينا به، وإنما نحن الذين نردده بلسان عربي مبين ونسمع آيات الله للعالمين.

وإذا لم توقظنا هذه الكوارث والتجارب المريرة فماذا ننتظر من عبر وعظات.

قلت: نستطيع أن نفرق بين أمرين:

1-     أمر يرتبط بأخذ أنفسنا بهذا الدين، ولا عذر لنا فيه.

2-     وأمر يرتبط بإعداد القوة المناسبة لعصرنا ووضعنا، وهذا الجانب يتوقف على الجد في حياتنا والاستقامة في سلوكنا حتى نهيئ مناخا صالحا للتفوق فيما تخلفنا فيه.

نحن لا نتعجل الثمرة أو نطلبها في غير موعدها، ولكنا نود - على مستوى العالم الإسلامي - أن نهيئ مناخا مناسبا، وأن نبدأ بدايات صالحة نحافظ فيها على الإنسان وعلى الإمكانات المتاحة لنا.

إن التكنولوجيا الحديثة - كما يسمونها - لم تعد وقفا على أمة دون أمة، ولكن الأمر يختلف من أمة إلى أخرى بما توفر هذه أو تلك من أسباب الجد والمحافظة على مقومات الإنسان .

وعليه فإن البدايات الصحيحة لا تتوفر إلا بصدق الولاء لدين الله؛ تربية النشء عليه وتهيئة الجو الصالح لإعداد النفوس إعدادا يؤهلها لنصر الله.

إن البدايات الصحيحة تستلزم أن يقوم الود والتراحم والتعاطف بين المسلمين، وهذا أيضا لا يحققه إلا تغليب أمر الله على هوى النفوس، فالمسلمون بسمة الإيمان لا بشيء آخر يكونون كالجسد الواحد، يستجيب بعضهم لبعض ويغيث بعضهم بعضا بدواعي الإيمان لا بشيء آخر، "مثل المؤمنين في توادهم..." فالمثل للمؤمنين فلا ترابط ولا ألفة إلا بصدق الإيمان، ولا تداعى إلا بتماسك الجسد وسريان روح الإسلام فيه.

إن الإمكانات المتاحة للأمة الإسلامية تحقق لها التكامل والاستغناء عن الغير، لكن ما ننشده لا يتحقق إلا بالأصل الثابت من حسن الإيمان بالله وصدق الإخلاص له؛ عندئذ يقوم الأمن وتنبعث الطمأنينة، ويذهب الخوف من جموح الشعارات، ويأمن الإنسان على دمه وعرضه وماله، ويوجد من الإيثار بين الأخ وأخيه ما يجعل الواحد منهم يؤثر حاجة أخيه على حاجة نفسه ويفتديه بما هو من ضرورات حياته.

ورحم الله زمانا رأينا فيه قطرات الماء في إناء؛ تمرّ على الظامئ الشهيد وهو في أمسّ الحاجة إليها فلا يرضاها لنفسه قبل أخيه، ويجود بروحه وهو يؤثر أخاه على نفسه، ويلقى الثلاثة ربهم بأخوة الإيمان التي لا تعرف الأثرة ولا ترى الحياة إلا بنعمة الأخوة {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

إن معظم ديارنا الإسلامية تستورد حاجاتها اليومية من بلاد العالم في شرق أو غرب، ولم يستطع العالم الإسلامي بسبب الفرقة والتوجس من تقلبات الشعارات أن يحقق التكامل الاقتصادي وأن ينتفع بمليارات الأفدنة من الأراضي الصالحة للزراعة التي يتوفر حولها الماء، بل لم يستطع بسبب الفرقة والتنازع أن يستفيد من الطاقات البشرية المتخصصة التي تهاجر إلى بلاد الغرب لتشيد هناك وتبني بكفاءة شهد لها العدو قبل الصديق، والعالم كله يعجب لماذا تظهر الكفاءة هناك وتهدر في ديار الإسلام.

لا زالت البلاد الإسلامية بكرا بثرواتها، ولا زالت الثروات في شتى المجالات معطلة عن أداء واجبها، ويخشى أن تتحول الثروات في الديار الإسلامية - ما لم يلتق المسلمون على كلمة سواء، ويولي بعضهم بعضا كما أمر الله - يخشى أن تتحول الثروات إلى نقمة على المسلمين يتنافس الشرق والغرب على استغلالها، ويشقى بها أبناء المسلمين. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}.

لقد حالت الفرقة التي أوجدتها المذاهب والشعارات دون تحقيق تكامل على أي صورة من الصور، ولا زال الإصرار على المذاهب المنافية للإسلام يملأ النفوس بالريبة والخوف والترقب مما يجعل الأخ لا يثق في أخيه وإن بدا الأمر على خلاف ذلك.

إن أخوة الإيمان وحدها هي التي تحقق التعاون في كل شيء، وبغيرها يقع التنازع والتخاصم ويعم الفشل وذهاب الريح.

لقد أدركت الأمم بدافع من التجارب ما يؤديه الترابط والتعاون بينها من قوة، فرأينا أوربا وقد طحنتها الفرقة زمنا تبحث لنفسها عن وحدة مشتركة يجتمع عليها أمرها ويصان أمنها، فهيأت من الأسباب ما جعلها كالبلد الواحد في مواجهة ما يهددها من أخطار، ولكن يبدو أن أوربا قد صدرت لنا المذاهب التي طحنت بها لتسود مع غيرها بفرقتنا وتنعم بتفريق كلمتنا.

ونحن - المسلمين - بدافع من ديننا أولى الناس بتحقيق التعاون فيما بيننا في جميع الأحوال، وفي وقت تتكالب علينا في الأمم الطامعة، وتحاول أن تبتلعنا واحدا بعد الآخر، ولن يتحقق التعاون إلا بثقة نابعة من الإيمان وطمأنينة بين الأخ وأخيه يحكمها شرع الله وتوجهها آياته.

إن أسس الوحدة في أمتنا الإسلامية ثابتة راسخة لا تغيرها العوامل المصطنعة؛ لأنها تستند إلى كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والتفاعل بالثابت يحقق انتصارا وتفوقا في جميع المجالات، والتخلي عن الثابت يفقد الشخصية الإسلامية خصائصها ويجعلها سوقا لمذاهب الأمم وعاداتها، قبل أن تكون سوقا لسلعها ومنتجاتها.

إن السبيل لرد الكيد هو اعتصام المسلمين بكتاب الله، ولقاؤهم على أخوة الإيمان.

وهذا الجيل إن فرط أو ارتد فسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، والناس ذاهبون ودين الله باق، والشمس إن بارحت رؤوس قوم أنارت عند آخرين، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.

ولعل هذا الواقع المرير يؤدي إلى يقظة لا غفلة بعدها، وكم لله من منة في طي المكاره؛ {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

وبعد مرة أخرى؛ فإن الإسلام لم يقل بعد كلمته العملية في الأحداث الجارية في أرضنا المسلمة، وستكون كلمته - بعون الله - منهية للتعاسة والضياع.

ستكون مدوية تهرع منها الفرقة ويذهب التنازع والفشل، وتختفي كل الشعارات التي أوجدت أنماطا من العداء المحزن والتعاون المضحك بين المسلمين.

كلمة الإسلام أخوة صادقة تستمد أصالتها من الإيمان بالله ووحدة متماسكة، تستمد حياتها من عبادة الله الواحد الأحد وعدم الإشراك به وتعاون أصيل مبصر واع يعرف ما تزخر به أمتنا من نعم تفوق الحصر؛ ثروات طبيعية مكنوزة، مدد بشرى هائل، مركز استراتيجي حساس، وقبل هذا كله عقيدة إسلامية موحدة، تحرك النفوس للعمل في إطار شريعة ربانية معمرة.

كلمة الإسلام تبرز إلى عالمنا المعاصر أمة الإسلام كقوة عالمية يستقيم بها الميزان المضطرب؛ تجمع الشمل وتحقق التعاون وتصلح ذات البين.

كلمة الإسلام تبطل الباطل وتنصر الحق حيث كان.

ومهما طالت الأيام أو قصرت فإن هذه الكلمة بمدلولها العملي ستقال؛ لأن إدراك ما تعنيه قد سرى في وجدان هذه الأمة وفي النبت الصاعد منها، وغدا فكرا أصيلا تحمله الكلمة وتتحرك به النفوس، والأفكار لا تحبس والعقائد لا تؤسر، ومداولة الأيام تأبى أن يبقى الناس على حال واحد، وصراع الحياة يدور أمره بين عسر ويسر وشدة ورخاء، ولا نجاة إلا بالصدق مع الله وعدم الإصرار على مخالفة أمره.

وكل ما نذكره من أسباب الوحدة يرجع إلى إعداد المسلم الصادق مع الله في خطئه وصوابه، وهذه الوحدة ليست باغية ولا متسلطة، وإنما عاملة في إسعاد البشرية كلها بإعلاء كلمة الله وتلك غايتها، وبها ترفع الرؤوس المنكسة أمام أصنام الهوى، وتعز النفوس الموزعة الضائعة التي سلبت حقوقها وديست كرامتها، وينصف الثكالى والمتشردون من تجار الدماء والخراب، ويعاد للناس أمنهم المفقود وسلامهم المضيَّع، بها ينصف المظلوم ويؤخذ على يد الظالم، ويوقف حق (الفيتو) حق مصادرة العدل وإقرار الظلم، ومن أجلها تتحرك أمة الجهاد لتغيث المظلوم وتجيره بنجدة صادقة؛ تؤدب الظالم في عقر داره وهي لا ترى لنفسها حظا إلا فيما عند الله ولا تعلقا إلا في مرضاته.

والتفريط في وحدة هذه الأمة وترابطها ونصرة بعضها بعضا سيؤدي حتما إلا فتنة في الأرض وفساد كبير، والمسؤولية في ذلك تقع على المسلمين والخسارة عليهم وعلى غيرهم؛ إذ ليس لدى الشرق أو الغرب ما يقدمه للإنصاف والعدل والمذاهب البشرية كلها عاجزة عن ذلك.

والأخوة الإسلامية هي الأساس الذي يقوم عليه بنيان الإسلام في الواقع، بها قام من قبل وبها يقوم من بعد، وهي وحدها موطن المنة في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.

آية أجملت جميع الوسائل، وجعلت من شكر نعمة تحقيق نعمة؛ فكانت المعادلة: قرآن تجتمع به القلوب ولا تتفرق يؤدي بفضل الله إلى نعمة الأخوة والإنقاذ من الهلاك، وهي نعمة لا تأتي إلا من الله، وما عند الله لا يطلب إلا بطاعته، والتفرق والاختلاف بعد مجيء الآيات يفضي إلى العذاب.

ويوم القيامة تبيض وجوه وتسود وجوه، هؤلاء تفرقوا بعد وحدتهم وكفروا بعد إيمانهم، وأولئك تراحموا بنعمة الله فرحمهم الله؛ {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

وبين الآيات الداعية إلى الاعتصام بحبل الله والناهية عن التفرق والاختلاف تأتي الآية الآمرة بالدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك رسالة هذه الأمة، وهذا طريق فلاحها؛ { َلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وشكر الله لكم والسلام.