طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية

 

 

أختي العزيزة (هل):

في الرسالتين السابقتين حدثتك عن الصيغة الأولى من الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة لمضارع رأى وهي: (ألم تر إلى)، وأنت ترين أنها تتكون من همزة استفهام يليها لم النافية الجازمة لمضارع رأى مسندا إلى ضمير المخاطب متعديا بـ (إلى) الجارة.

وفي هذه الرسالة الثالثة أريد أن أحدثك عن الصيغة الثانية من الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة لمضارع رأى، وهي: (ألم تر أن) وقد وردت هذه الصيغة في ثلاث عشرة آية من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} الآية 19 من سورة النساء.

الآية الثانية قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الآية 7 من سورة المجادلة.

الآية الثالثة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} الآية 18 من سورة الحج.

الآية الرابعة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} الآية 41 من سورة النور.

الآية الخامسة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} الآية 63 من سورة الحج.

الآية السادسة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} الآية 43 من سورة النور.

الآية السابعة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} الآية 27 من سورة فاطر.

الآية الثامنة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ} الآية 21 من سورة الزمر.

الآية التاسعة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} الآية 65 من سورة الحج.

الآية العاشرة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} الآية 31 من سورة لقمان.

الآية الحادية عشرة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} الآية 29 من سورة لقمان.

الآية الثانية عشرة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} الآية 83 من سورة مريم.

الآية الثالثة عشرة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} الآية 225 من سورة الشعراء.

هذه هي الآيات الثلاث عشرة التي وردت فيها صيغة الاستفهام: (ألم تر أن).

واستفهام هذه الصيغة في هذه الآيات كلها استفهام تقريري بمعنى الخبر؛ فقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} معناه - والله أعلم - قد رأيت أن الله خلق السموات والأرض بالحق، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} معناه - والله أعلم - قد رأيت أنهم في كل واد يهيمون.

وقد تسألين وتقولين: إذا كان الكلام مع الاستفهام التقريري بمعنى الخبر، فلم لا يجيء هذا الكلام ابتداء على صورة من صور الخبر دون أن يتقدمه هذا الاستفهام؟

أقول: هذا الاستفهام ينبه المخاطب لما سيأتي بعده، كأنما يقول له: انتبه، أتسمع؟ وشتان ما بين الكلامين يأتي أحدهما بعد تنبيه ويأتي الآخر ابتداء لم يتقدمه ما ينبه السامع لما بعده.

 

أختي العزيزة هل:

من حقك علي أن أخبرك أن الزمخشري في كشافه[1] قد قال في الاستفهام الوارد في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} قال ما يلي: "والمراد تعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة والمردة من الكفار).

وتابعه على هذا الرأي أبو السعود في تفسيره[2] فقال: "{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} تعجيب لرسول الله صلى عليه وسلم مما نطقت به الآيات الكريمة السالفة".

وأقول: يحكم على الاستفهام ويبين معناه بالنظر إلى جملته، وأي عجب في إرسال الله سبحانه وتعالى الشياطين على الكافرين تهيجهم إلى المعاصي وتغريهم بها إغراء، إن أحدا لا يستطيع أن يقول حقا إن في هذا عجبا.

وادعاء أن التعجيب قد كان بما جاء قبل همزة الاستفهام ادعاء غير سليم؛ لأن همزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها، يستفهم بها عما بعدها ولا يستفهم بها عما قبلها.

وقد تقدم أن قلت إن الاستفهام في هذه الصيغة استفهام تقريري بمعنى الخبر.

 

أختي العزيزة هل:

أريد الآن أن أعود بك الآن إلى هذه الصيغة الاستفهامية: (ألم تر أن) لأحدثك بما جاء فيها من كلمات وما يتصل بتلك الكلمات:

(تر) في هذه الصيغة مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل ضمير المخاطب المستتر، والمخاطب في هذه الصيغة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره ممن يصلح للخطاب.

و(تر) في هذه الصيغة بمعنى تعلم، فهو يتعدى إلى مفعولين، و(أن) التي تلت (تر) حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، وهي في الوقت نفسه حرف مصدري تؤول مع خبرها بمصدر في محل نصب يسد مسد مفعولي (تر).

ومتعلق الرؤية في هذه الآيات - ماعدا الآية الأخيرة - إخبار عن الله سبحانه وتعالى تبين فيما تبين أنه - جلت قدرته - خلق السموات والأرض بالحق، يعلم ما فيهن لا يخفى عليه شيء، له يسجد ما فيهن ويسبح، ينزل الماء من السماء فينشأ عن ذلك نعم ومنافع كثيرة مختلفة لا تحصى، ومن نعمه تعالى: تسخيره الفلك تجري في البحر بأمره وإحسانه، وإمساكه السماء أن تقع على الأرض، وأنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، وأنه تعالى يرسل الشياطين على الكافرين تهيجهم على المعاصي تهييجا؛ فلا يرجى منهم خير ولا يتوقع بر.

هذا ما تعلقت به الرؤية الواردة في هذه الصيغة قد سقته إليك على وجه الإجمال دون تفصيل.

وقد جاءت هذه الأخبار جميعا بـ (أن) اهتماما بما تضمنه ومزيد عناية به.

أما الآية الأخيرة آية الشعراء فمتعلق الرؤية فيها هؤلاء الشعراء الذين لم يؤمنوا بربهم ولم يعملوا الصالحات، وقد جاء قبل هذه الآية قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}، وقد يشك في صحة هذا بعض الناس، وقد ينكره آخرون، فجاء الاستفهام التقريري مبينا أنه حق وصدق على وجه التوكيد والاستدلال، والمعنى - والله أعلم - هؤلاء الشعراء يتبعهم الغاوون لأنهم يهيمون في كل واد على غير هدى يتبعون الشهوات ويقولون بألسنتهم الكذب.

 

أختي العزيزة هل:

دعيني انتقل بك إلى الصيغة الثالثة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على (لم) النافية الجازمة لمضارع (رأى)، هذه الصيغة هي (ألم تر كيف) وقد جاءت هذه الصيغة في ثلاث آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الآيتان 24، 25 من سورة إبراهيم.

الآية الثانية قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} الآية 6 من سورة الفجر.

الآية الثالثة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} الآية 1 من سورة الفيل.

همزة الاستفهام في هذه الآيات الثلاث معناها التنبيه بمعنى طلب التأمل والتفكر، وهذا المعنى ظاهر في الآية الأولى؛ لقوله تعالى بعد أن ضرب مثل الكلمة الطيبة: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، والتذكر هنا معناه التأمل والتفكير والاعتبار.

أما في الآية الثانية والثالثة فقد ذكر الزركشي في كتابه البرهان[3] أن الاستفهام في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} استفهام تنبيه بمعنى طلب التأمل والتفكير والتبصر.

وما قاله الزركشي في استفهام سورة الفيل المتقدم يقال في استفهام سورة الفجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}؛ لأن صيغة الاستفهام في الآيتين واحدة، ولأن متعلق الرؤية في الآيتين واحد، فأصحاب الفيل وعاد وثمود وفرعون أمة واحدة أمة كفر وضلال وتكذيب بالرسل.

وقد رأى الجلال المحلي في تفسير الجلالين[4] أن استفهام سورة الفيل المتقدم استفهام تعجيب، ورأى القرطبي في تفسيره[5] وأبو السعود في تفسيره[6] رأيا أنه للتقرير بمعنى قد علمت فعل ربك بهؤلاء الذين قصدوا حرمه.

ورأيي أن ما ذهب إليه الزركشي أقرب إلى الصواب؛ لأن قصص القرآن الكريم وأخباره عمن أهلكهم الله بذنوبهم تدعو إلى الأمل والتبصر والاعتبار قبل أن تدعو إلى محض التعجيب والإخبار.

قد تسألين وتقولين: إذا كان الاستفهام في هذه الآيات داعيا إلى التنبيه قائلا للمخاطب: انظر بفكرك وتبصر؛ ففي أي شيء يكون هذا التأمل والتفكير؟.

أما الآية الأولى فتعالي وانظري إلى هذه الصورة الجميلة وتأملي ما اشتملت عليه:

الإيمان شجرة لها جذور عميقة في جوف الأرض تمتص الغذاء وتجد أسباب النماء، ثم هي ذاهبة إلى السماء بأغصانها اللدنة وأوراقها الخضر لتمتص دفء الشمس وتعب نقي الهواء؛ فلا عجب أن تثمر ثمرا شهيا في كل حين بفضل من الله وإحسان.

وهذا هو شأن المؤمن الذي استقرت في قلبه كلمة الإيمان: لا إله إلا الله، يحيا في قلبه ونفسه حياة آمنة مطمئنة، يفعل الحسنات بفضل الله ما امتد به العمر، ويعمل الصالحات بهدى منه تعالى في كل حين.

وأما في الآية الثانية فموضع التأمل والتبصر مصارع الذين ظلموا، مصارع عاد وثمود وفرعون الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وظنوا أن لن يقدر عليهم أحد، فصب عليهم ربك العذاب صبا يتذوقون طعمه تذوق المجلود طعم السياط.

أما موضع التأمل في الآية الثالثة فهذه النهاية التي انتهى إليها أصحاب الفيل وقائدهم الذي امتطى الفيل، وكان من هوان هذا المغرور الأحمق وأصحابه على الله أن سلط عليهم خلقا ضعيفا من خلقه لا يساوي شيئا يذكر إذا قيس في نظر العين بحجم الفيل، فأرسلها عليهم جماعات من الطير تحمل في أرجلها حصيات صغيرة من سجيل ترميهم بها فتجعلهم كعصف مأكول، وهل يصير العصف المأكول إلا رمادا تذروه الرياح؟!

والآن تعالي - أختي العزيزة - أحدثك بما في هذه الصيغة من كلمات بعد أن حدثتك عن معنى همزة الاستفهام فيها:

(تر) فعل مضارع مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل ضمير المخاطب المستتر.

والخطاب هنا عام شامل للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره ممن يصلح للخطاب.

و(تر) بمعنى تعلم؛ فهو ينصب مفعولين.

و(كيف) اسم استفهام قد علق (تر) عن العمل في مفعوليه، وتعرب (كيف) في الآية الأولى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً..} مبنية على الفتح في محل نصب على الحال من (مثلا)، أما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}، وفي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} فقد اختار ابن هشام في المغني[7] أن تعرب مفعولا مطلقا؛ إذ المعنى أيّ فِعل فَعل ربك، ولا يتجه فيه أن يكون حالا من الفاعل لأنه يقتضي أن الفاعل - وهو الرب متصف - بالكيفيات والأحوال[8].

و(كيف) وما دخلت عليه - في الآيات الثلاث - في محل نصب سدت مسد مفعولي (تر).

 

أختي العزيزة هل:

لم يبق في هذه الرسالة إلا أن أحدثك عن الصيغة الرابعة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على (لم) النافية الجازمة لمضارع (رأى)، وهذه الصيغة هي: (ألم يروا إلى)؛ فاسأل الله تعالى أن يكون فيك بقية من نشاط تعين على قراءة هذه البقية من هذه الرسالة.

لقد وردت هذه الصيغة في خمس آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} الآية 48 من سورة النحل.

الآية الثانية قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الآية 79 من سورة النحل.

الآية الثالثة قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} الآيتان 7، 8 من سورة الشعراء.

الآية الرابعة قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} الآية 9 من سورة سبأ.

الآية الخامسة قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} الآية 19 من سورة الملك.

هذه هي الآيات الخمس التي وردت فيها هذه الصيغة الاستفهامية (ألم يروا إلى).

ومتعلق الرؤية في الآية الأولى ما خلقه الله من شيء تنتقل ظلاله شيئا فشيئا من جانب إلى جانب صباح مساء، ويسجد لله في ذلة وخضوع لا يستكبر.

ومتعلق الرؤية في الآية الثانية والخامسة هذه الطير المسخرات في جو السماء باسطات أجنحتهن حينا قابضاتهن حينا؛ لا يمسكهن عن السقوط على الأرض إلا الله سبحانه وتعالى.

ومتعلق الرؤية في الآية الثالثة هذه الأرض وما أنبت الله فيها من أشجار كثيرة لا تعد، وثمار طيبة شتى لا تحصى، ومن حدائق ذات بهجة مبثوثة في كل مكان.

ومتعلق الرؤية في الآية الرابعة هذه السماء والأرض تحيطان بالناس من كل جهة، إن يشأ الله يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم قطعا من السماء.

وهمزة الاستفهام التي جاءت في هذه الصيغة أول كل آية من هذه الآيات الخمس معناها الإنكار والتوبيخ، ينكر الله تعالى على هؤلاء الناس غير المؤمنين المدلول عليهم بواو الجماعة في قوله تعالى: (يروا)؛ ينكر عليهم ويوبخهم ألا يروا هذه الآيات رؤية تأمل وتفكر واعتبار، رؤية تقودهم إلى أن الله الذي خلق هذه الأشياء العظيمة الدالة على كمال قدرته وبديع صنعه إله واحد لا شريك له، وأنه وحده المستحق للعبادة.

والإنكار هنا معناه لا ينبغي، وقد يجيء بمعنى النفي المحض، وسوف أنبهك على ذلك في موضعه.

أعود بك الآن إلى هذه الصيغة لأحدثك بما جاء فيها من مفردات:

(يروا) فعل مضارع مجزوم بـ (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، وواو الجماعة فاعل مبني على السكون في محل رفع، والمراد به غير المؤمنين.

والرؤية هنا بصرية؛ ولذلك عديت بـ (إلى)، ولكنها ليست البصرية المحضة بل البصرية التي يقع بها الاعتبار ويصحبها التأمل والتفكر في أحوال الشيء المرئي.

لعلك قد رأيت هذه الواو التي جاءت بين همزة الاستفهام ولم في (أولم يروا) في الآية الأولى والآية الثالثة والآية الخامسة.

ولعلك قد رأيت أيضا هذه الفاء التي جاءت بين همزة الاستفهام ولم في (أفلم يروا إلى) في الآية الرابعة.

كثيرا ما تأتي هذه الواو وهذه الفاء العاطفتان بعد همزة الاستفهام، وتشاركهما (ثم) على قلة.

ويرى سيبويه وجمهور النحاة[9] أن الهمزة إذا كانت في جملة معطوفة بالواو أو الفاء أو بثم قدمت على العاطف تنبيها على أصالتها في التصدير وبقي العطف على ما قبل الهمزة، والأصل في (أولم يروا): وألم يروا والأصل في (أفلم يروا) فألم يروا، بتقديم الواو والفاء على همزة الاستفهام، ثم قدمت همزة الاستفهام لما لها من الصدارة وأخر العاطف؛ فصارت الصيغة (أولم يروا)، (أفلم يروا)، وبقي العطف بعد تقديم الهمزة وتأخير العاطف بقي العطف على ما قبل الهمزة.

هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالفهم جماعة أولهم الزمخشري، فزعم أن همزة الاستفهام مع هذا العاطف في موضعها ولم تقدم عن تأخير، وأن العطف على جملة مقدرة بين الهمزة والعاطف، ويقدر المعطوف عليه هنا: أعموا ولم يروا، أعموا فلم يروا.

وقد ضعف ابن هشام الأنصاري في كتابه المغني[10] رأي الزمخشري هذا بأن فيه تكلفا لا داعي إليه، وبأنه غير مطرد، لأن الزمخشري نفسه جزم في مواضع في القرآن الكريم بما يقوله سيبويه وجمهور النحاة، وسيأتي ذكر بعض هذه المواضع في موضعها.

أما بعد فقد آن لهذه الرسالة الثالثة أن تنتهي، وآن لك يا أخت أن تستريحي.

أسأل الله تعالى أن نلتقي عما قريب في الرسالة الرابعة.

وسلام الله عليك ورحمته وبركاته

أختك

همزة الاستفهام

 

مراجع ذكرت معنى همزة الاستفهام في بعض الآيات الوارد ذكرها في هذه الرسالة الثالثة:

1- الآية 19 من سورة إبراهيم:

تفسير الجلالين بهامش الفتوحات الإلهية ج 1 ص 520 طبعة الحلبي بمصر.

2- الآية 83 من سورة مريم:

أ- تفسير أبي السعود ج 5 ص 281 الناشر مطبعة ومكتبة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.

ب- تفسير الكشاف للزمخشري ج 2 ص 524 طبعة الحلبي بمصر.

3- الآية 63 من سورة الحج:

أ‌- الفتوحات الإلهية ج 3 ص 178 طبعة الحلبي بمصر.

ب- تفسير أبي السعود ج 3 ص 233 الطبعة السالفة الذكر.

ج- تفسير القرطبي ج 12 ص 91 الطبعة الثانية المصورة عن طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة.

د‌-        تفسير البحر المحيط أبي حيان الأندلسي ج 6 ص 386 الطبعة المصورة عن طبعة السلطان عبد الحفيظ سلطان المغرب. الناشر دار الفكر.

4- الآية 41 من سورة النور:

أ‌-            الفتوحات الإلهية ج 3 ص 230 الطبعة السالفة الذكر.

ب‌-        تفسير أبي السعود ج 6 ص 182 الطبعة السالفة الذكر.

5- الآية 27 من سورة فاطر:

أ‌-            تفسير أبي السعود ج 7 ص 150/ 151 الطبعة السالفة الذكر.

ب‌-        تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج 7 ص 311 الطبعة السالفة الذكر.

6- الآية 12 من سورة الفيل:

‌أ-            البرهان للزركشي ج 2 ص 340 طبعة الحلبي بمصر (طبعة ثانية).

‌ب-        تفسير أبي السعود ج 9 ص 200 الطبعة السالفة الذكر.

‌ج-          تفسير القرطبي ج 20 ص 187 الطبعة السالفة الذكر.

7- الآية 48 من سورة النحل:

‌أ-            الفتوحات الإلهية ج 2 ص 573 الطبعة السالفة الذكر.

‌ب-        تفسير أبي السعود ج 5 ص 118 الطبعة السالفة الذكر.

‌ج-          تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج 5 ص 495 الطبعة السالفة الذكر.

8- الآية 7 من سورة الشعراء:

تفسير أبي السعود ج 6 ص 234/ 235 الطبعة السالفة الذكر.

 


 [1]تفسير الكشاف للزمخشري ج 2 ص 524 طبعة الحلبي بمصر.

 [2]تفسير أبي السعود ج 5 ص 281 الناشر مطبعة ومكتبة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.

[3] البرهان للزركشي ج 2 ص 340 طبعة ثانية للحلبي بمصر.

[4] تفسير الجلالين هامش الفتوحات الإلهية ج 4 ص 586 طبعة الحلبي بمصر.

[5] تفسير القرطبي ج 20 ص 187 الطبعة المصورة عن طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة.

[6] تفسير أبي السعود ج 9 ص 200 الطبعة السالفة الذكر.

[7] حاشية الدسوقي على مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري ج 1 ص 217 الناشر مطبعة ومكتبة المشهد الحسيني بالقاهرة.

[8] حاشية الدسوقي على مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري ج 1 ص 217 الناشر مطبعة ومكتبة المشهد الحسيني بالقاهرة.

 [9]مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري ج 1 ص 8/9 تحقيق الدكتور مازن المبارك وزميله، الناشر دار الفكر.

[10] مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري ج 1 ص 9/10 تحقيق الدكتور مازن المبارك وزميله. الناشر: دار الفكر