|
|
|
|
|
البديع عند الحريري |
|
فضيلة الدكتور بيلو أحمد أبو بكر |
|
قسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية |
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وبعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه وزوجاته أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. |
|
|
|
الحريري: |
|
هو أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحريري البصري، ولد[1] ونشأ ببلد قريب من البصرة، وتتلمذ على كثير من علماء البصرة، وعرف بالذكاء والفطنة والفصاحة وحسن العبارة، ورزق الشهرة وذيوع السيرة في التأليف، وله مؤلفات كثيرة منها كتاب المقامات الذي سنتناول الحديث عن البديع من خلاله إن شاء الله. |
|
ويحكى أنه كان دميما قبيح المنظر، فجاء شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله؛ ففهم ذلك الحريري ذلك منه، فأسره في نفسه، فلما التمس الرجل أن يملي عليه قال له الحريري: |
|
ما أنت أول سار غره قمر |
ورائد أعجبته خضرة الدمن |
|
فاختر لنفسك غيري إنني رجل |
مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني |
|
فخجل الرجل منه وانصرف. |
|
والحريري نسبة إلى صنعه وبيعه الحرير. |
|
وجولتنا في (البديع) عند الحريري تدور حول مقاماته المشهورة، ومن هنا نجد أمامنا سؤالا هو: ما المقامة في اللغة العربية؟، ثم ماذا يعنيه الحريري بالمقامة؟ |
|
إذا استشرنا كتب اللغة العربية فستقول لنا: المقامات هي المجالس، وواحدتها مقامة، والحديث يجتمع له ويجلس لاستماعه يسمى مقامة ومجلسا؛ لأن المستمعين للمتحدث ما بين قائم وجالس، ولأن المتحدث يقوم ببعضه تارة ويجلس تارة أخرى، كما أن المقامة هي المجلس يقوم فيه الخطيب يحض على فعل الخير. |
|
وهذه المقامات الحريرية عبارة عن قصص خيالية من بنات أفكاره ابتدعها وملأها بالحكايات التي نوعها وفرعها ووشاها بالملح، وزينها بدرر الفقر الجميلة، وأتى فيها بالمعنى الدقيق للفظ الرقيق، حتى أصبحت هامة على تاج الفن الأدبي في اللغة العربية في عصره، وظهرت روضة غناء تحوم في سماءها نفوس عشاق ذلك الأدب، إلا أن أيدي المطامع لا تصل إلى حماها، وكانت في البراعة في قمة الشهرة في ذلك العصر، وسارت مسير النيرين في الآفاق الأدبية، مما جعل علماء عصره يهتمون بروايتها عن الشيوخ الثقاة، ويقيدون فرائد ألفاظها عن تحقيق وتدقيق، ودارت كتابات حولها لبيان غوامضها وشرح أغراضها، أو للتحدث عنها بالإنصاف بين انفصالها واعتراضها، من ذلك تلك الرسالة التي كتبها الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد الخشاب في الاعتراض على الحريري، ثم قام ابن بري بالانتصار له. |
|
كما اهتم العلماء إلى جانب ذلك بشرح الأمثال الواردة فيها ونسبتها إلى القائلين وغير ذلك؛ لأنها اشتملت على كثير من بلاغات العرب ولغاتها وأمثالها وأسرار كلامها، ومن عرفها معرفة تامة، وقف على فضل الرجل في اللغة العربية وسعة اطلاعه، وغزارة مادته. |
|
هذا ولم يكن الحريري أول من طرق هذا الباب؛ فقد سبقه إليه بديع الزمان الهمداني[2]، الذي ألف أربعمائة مقامة، وكانت لطيفة الأغراض والمقاصد، إلا أن بين هذه المقامات ما لا تبلغ عشرة أسطر[3]. |
|
فجاءت مقامات الحريري أحفل وأغزر، فلتقدمه فضله الحريري على نفسه[4]، وأشاد في عمله في أدب جم وتواضع بالغ، مع علمه بفضل مقاماته على مقامات البديع، لكنه تقدير اللاحق للسابق، ومما يدل على فضل مقامات الحريري أنها مذ ظهرت لم تستعمل مقامات البديع، لهذا إذا دققت النظر تجد أن الحريري لم يتجاهل فضل الله عليه، فقد حصر فضل مقامات البديع على التقدم في الزمن حتى لا يبعد عن الحقيقة، وهذا مذهب مستحسن حيث لم ير لنفسه فضلا على غيره، بل جعل عمله مثل جري الفرس الأعرج الذي لا يستطيع إذا اجتهد أن يلحق مشي الصحيح. |
|
والجانب الذي سندرسه للحريري هو الجانب البديعي بالمعنى الاصطلاحي المتأخر تقريبا، لا بالمعنى الواسع المتعارف لدى المتقدمين الأوائل، لهذا يبدو أنه من المناسب أن نتناول معنى كلمة البديع وإن كان معناها معلوما عند أكثر قراء العربية. |
|
|
|
البديع: |
|
إذا رجعنا إلى الجانب اللغوي لهذه الكلمة فإننا سنجد أنها تدور حول الجديد والمخترع الحديث، فبدع الشيء يبدعه بدعا: أنشأه وبدأه، وبدع الرَّكية: استنبطها وأحدثها، والبديع: المحدث العجيب، وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال سابق، قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما، فهو سبحانه وتعالى الخالق المبدع لا على مثال سابق. |
|
أما معناه في مصطلح علماء البديع أو البلاغة، فقد عرفه الخطيب القزويني بقوله: "هو علم يعرف به تحسين وجوه الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة". |
|
ومن هنا نتبين أن المناسبة ظاهرة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ لأن من شأن الجديد والمخترع الحديث أن يكون فيه حسن وطرافة وروعة وإمتاع، وهذا مما سوغ التسمية وقرب الصلة بين المعنيين، إلا أنه قد تفرع من القول بأن هذه الألوان محسنات، تفرع من ذلك القول أنها ليست من مقومات البلاغة ولا الفصاحة، فالحسن الذي تحدثه في الكلام عرضي لا ذاتي. |
|
هذا هو قول المتأخرين الذين فصلوا البديع عن علمي البلاغة: المعاني والبيان، إلا أن من رجال العصر الحاضر من له رأي غير هذا حول هذه الأصباغ البديعية، إذا جاءت فطرية كما وجدت في الأدب العربي القديم، واتفقت اتفاقا واطردت كما هي في كلامهم حيث تأتي عفو الخاطر وفيض الفطرة السليقة، من غير تكلف وإعمال فكر، فإن كانت بهذه الصورة فهو لا يرى أنها عرضية تابعة للبلاغة، أو أنها لا تأثير لها في فن القول: لأن الذين أخرجوا البديع من البلاغة اعتمدوا على التقسيمات البحتة، ونظروا إلى ما جاء منها مخالفا للفطرة والسليقة، بل جاء بعد تفكر وتدبر وإعمال فكر وروية، فهو يرجع بفن القول إلى أصله وميدانه، وينظر إليه من زاوية التذوق والتأثير النفسي في المخاطب وبناء المعنى وعمقه، فهي من هذا الجانب من مقومات البلاغة. |
|
فمن أراد الوقوف على هذا يمكنه أن يرجع إلى كتاب الصبغ الأدبي في اللغة العربية للدكتور أحمد إبراهيم موسى؛ حيث قدم فيه دراسة متكاملة للبديع، وخاصة في القسم الأخير من هذا الكتاب. |
|
هذا وتناولنا لهذه الألوان البديعية لا يعني أننا سنأخذ بتلك الصورة التقليدية المنهجية أو المدرسية، فنعود بها إلى الترتيب المنطقي، بل سنتناول حسب ما نجدها واردة في الكتاب الذي نتناوله بالدراسة بعيدا عن تعقيد الأمور أو التكلف: |
|
|
|
المقابلة: |
|
إذا أخذنا في تصفح الكتاب (المقامات) نجد الحريري يورد هذا اللون البديعي في مقدمة خطبة المقامات مثل قوله: "ونعوذ بك من شرة اللَّسَن، وفضول الهذَر، كما نعوذ بك من معرة اللَّكَن وفضوح الحصر"[5]، فقد استعاذ منهما لأن الاقتدار على الكلام قد يؤدي إلى المطاولة في الجدل، وتصوير الحق بصورة الباطل، أو العكس، وفي ذلك إثم على فاعله؛ لهذا استعاذ منهما. |
|
ثم قابل الاستعاذة الأولى بضدها، وهي معرة اللكن وفضوح الحصر؛ لأن صاحبها لا يحسن التعبير؛ فيشين بذلك نفسه ويقصر عن المراد من أداء البيان، وأورد الحصر إذ إن من تعتريه سيتوالى عليه الوهن والخجل فيفتضح ويشتهر عيبه بين الناس. |
|
فالمقابلة ظاهرة بين شرة اللسن وفضول الهدر، وبين معرة اللكن وفضوح الحصر. |
|
ويحسن هنا أن نلاحظ صنيعه في كون الكلمتين الأوليين انتهت كل واحدة منهما بالتاء، في الوقت الذي انتهت التاليتين بالنون والأخيرتان بالراء، كما دمج مع المقابلة الجناس الناقص بين اللسن واللكن وبين الفضول والفضوح. |
|
وبنفس هذه البراعة البديعية نجد الحريري يستمر ليقدم لنا في وقت واحد وخلال نسج مسجوع متوازن لونين أو أكثر، انظر إلى قوله في نفس المقدمة: "ونستكفي بك الافتتان بإطراء المادح وإغضاء المسامح، كما نستكفي بك الانتصاب لإزراء القادح وهتك الفاضح، ونستغفرك من سَوق الشهوات إلى سُوق الشبهات"، ففي هذه الجمل أتى بالمحسنات في أرقى العبارات: |
|
منها السجع حيث نلاحظ انتهاء الكلمات التي قبل الفاصلة بالهمزة وهي: إطراء وإغضاء، وإزراء، ثم أتى بالفواصل الأخيرة بالحاء في توازن بديع رائع. |
|
وفي نفس الوقت قدم المقابلة بين إطراء المادح وإغضاء المسامح، وإزراء القادح وهتك الفاضح. |
|
وأدرج خلال ذلك لونا ثالثا، وهو الطباق مما لا يحتاج إلى تنبيه أو إشارة. |
|
بل أردف ذلك بلون رابع، وهو الاقتباس؛ لأن في قوله: الافتتان بإطراء المادح إشارة إلى الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله..". |
|
وفي الجملة الأخيرة ألبس كلامه ثوب الكناية، وذلك في قوله: "من سوق الشهوات إلى سوق الشبهات"؛ لأنه جعل ما ساقه من هذه المقامات كأنه شهوة اشتهى عملها ثم اشتبه عليه الأمر هل في ذلك رضى الله أم فيه سخطه؛ فكأنه ساق شهوة إلى سوق يجهل التبايع فيها، فلا يدري ما سيكون، فلعله خاسر الصفقة فيها، وهذا لا يخفى عليك ذلك التشبيه الضمني الذي يفهم من تمثيل سوق المقامات إلى سوق الشبهات. |
|
فهكذا تمر هذه الألوان في مقدمة هذا الكتاب؛ فتجد اقتباسا آخر عند قوله: "حتى نأمن حصائد الألسنة ونكفى غوائل الزخرفة.. وأنلنا هذه البغية ولا تضحنا عن ظلك السابغ، ولا تجعلنا مضغة للماضغ.."، فهو يشير بقوله: "حصائد الألسنة" إلى حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.. قال: قلت: يا رسول الله: إنا لنؤاخذ بما نتكلم؟ فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ، هل يكب الناس في النار على رؤوسهم إلا حصائد ألسنتهم؟". |
|
كما أشار بقوله: "ولا تجعلنا مضغة للماضغ" إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "لما عرج بي مررت بأقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم"[6]. |
|
ومنها وصفه لسفينة: "فاتفق أن ندبوا في بعض الأوقات لاستقراء مزارع الرزداقات؛ فاختاروا من الجواري المنشآت جارية حالكة الشيات تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب"[7]، يشير هنا إلى الآية الكريمة: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب}[8]. |
|
هذا وقد يأتي بالاقتباس خفيا وبصورة لطيفة، مثل قوله في غلامه في المقامة السادسة والأربعين: "بورك فيك يا طلا، كما بورك في لا ولا"؛ كناية عن شجرة الزيتون المذكورة في قوله تعالى: {..وقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ}[9]. |
|
ومن هذه الإشارات الخفية ما تلمحه في قوله: "آنست من قلبي القساوة حين حللت ساوة، فأخذت بالخبر المأثور في مداواتها بزيارة القبور، فلما صرت إلى محلة الأموات وكفات الرفات، رأيت جمعا على قبر يحفر ومجنوز يقبر"، يشير بقوله: "وكفات الرفات" إلى قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً}[10]. |
|
أما ذكره لقساوة القلب وزيارة القبور فهو إشارة إلى الحديث الشريف: "عودوا المرضى واحضروا المقابر؛ فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة"، وإلى حديث أنس رضي الله عنه: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي؛ فزوروها؛ فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة"[11]. |
|
وكما نجده يشير إلى الآية أو يأتي منها بجزء منها نجده أحيانا يأتي خلال حديثه بآيات كاملة مثل قوله في خطبة ألقاها في نفس المقامة الحادية عشرة، قال: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}[12]، فاذكروا أيها الغافلون، وشمروا أيها المقصرون... |
|
وقال في آخر هذه الخطبة: "كلا ساء ما تتوهمون، {ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}.."[13]. |
|
ومثل قوله: "كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه، فألحق بالأخسرين أعمالا، {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.."[14]، حيث أورد آية كاملة وجزءا من الآية التي قبلها. |
|
أما قوله: "كالباحث عن حتفه
بظلفه"، فهو إشارة إلى المثل العربي المعروف: وذلك أن ماعز كانت لقوم فأرادوا
ذبحها فلم يجدوا شفرة فنبشت بظلفها في الأرض؛ فاستخرجت منها شفرة فذبحوها بها. |
|
هذا لو تتبعنا هذا اللون في كلام الحريري لطال بنا الحديث، فقد جمع الكثير من ذلك في هذا الكتاب؛ لهذا نكتفي بما أشرنا إليه لننتقل إلى لون آخر. |
|
|
|
التورية: |
|
يبدو أنه من الأفضل أن ننتقل بسرعة إلى لون آخر من هذه الألوان البديعية التي لها لمعان واسع، أو التي كان لونها متميزا بصفة معينة. |
|
فعلى سبيل المثال التورية التي عرفها البلاغيون بأنها: إطلاق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد البعيد منهما عند الإطلاق، مع مصاحبة ذلك بقرينة خفية تدل على المعنى؛ فإننا نجد الحريري يتناول هذا اللون بصورة طريفة جديدة على خلاف ما تعارف عليه البلاغيون؛ إذ جاء بها بصورة أسئلة دينية، إلا أنه استطاع أن يلتزم إخفاء المعنى البعيد ستارة سميكة لدرجة أنه يصعب أحيانا الوصول إليها إلا لطبقة خاصة من أهل العبارة مما دعاه إلى شرح المقصود منها. |
|
فإلى المقامة الثانية والثلاثين الطيبية أو الحربية، حيث ذكر مائة مسالة فقهية بصورة معينة، نختار بعضها للتمثيل: "وينبغي أن يلاحظ أن الحريري شافعي المذهب.."؛ فما أورده من الأسئلة والأجوبة جار على مذهبه، والدليل على ذلك قوله فيما بعد: "اشكر لمن نقلك عن مذهب إبليس إلى مذهب ابن إدريس". |
|
هذه المسائل الواردة جارية على السؤال والجواب بين أبي زيد السروجي وفتى آخر: |
|
1- سأل الفتى: أيجوز الوضوء مما يقذفه الثعبان؟ فأجاب: نعم! وهل أنظف منه للعربان؟ |
|
فالمعنى القريب للثعبان هو الحية، والبعيد الذي أراده الحريري هو الثعبان من الثعب وهو مسيل الوادي، (والعربان واحده العرب بضم العين ويجمع على العربان كالسود والسودان). |
|
2- قال: أيستباح ماء الضرير؟ قال: نعم! ويجتنب ماء البصير. |
|
فالتورية هنا في الضرير والبصير، فالمعنى القريب المتبادر إلى الذهن هو الأعمى، والبعيد هو: حرف الوادي، والمعنى القريب للبصير هو ضد الأعمى، والبعيد المقصود هو: الكلب. |
|
3- قال: فهل يجب على الجنب غسل فروته؟ قال: أجل! وغسل إبرته. |
|
وهنا أيضا التورية جاءت في كلمتين الفروة والإبرة، فالمعنى القريب المتبادر للفروة هو واحد الفراء وهو مما يستعمل من جلود الضأن وغيره للجلوس والفرش وغير ذلك، والبعيد المراد هو جلدة الرأس، وكذلك الإبرة؛ فإن المتبادر هو إبرة الخياطة المعلومة وبالطبع لا معنى لغسلها، أما البعيد فهو عظم المرفق. |
|
4- قال: أيجوز الغسل في الجِراب؟ قال هو كالغسل في الجِباب. |
|
فالجراب المتبادر هو الوعاء المصنوع من الجلد، ولا معنى لجواز الغسل فيه حتى يستفتى عنه، والمعنى المقصود هو: جوف البئر، أما الجباب فهو جمع لجب ومنه: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُب}.. |
|
5- قال: فهل يجوز السجود على الكراع؟ قال: نعم! دون الذراع. |
|
والكراع هو ما في البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس والبعير، وهو مستدق الساق وهو المورى به، أما الكراع المقصود فهو ما استطال من الحرة، وهي أرض ذات حجارة سود. |
|
6- قال: أيجوز للدارس حمل المصاحف؟ قال: لا! ولا حملها في الملاحف. |
|
فالدارس المتبادر في الذهن هو الذي يدرس العلم، والمعنى البعيد منه هو الحائض. |
|
7- قال: أتصح صلاة حامل القَرْوة؟ قال: لا! ولو صلى فوق المروة.. |
|
والقروة هي جلدة الخصيتين إذا عظمت وهي الإدرة، وحملها لمن هي به لا يضر بالصلاة، لكن معناها البعيد هي ميلغة الكلب، وميلغة الكلب هي ما يشرب فيه الكلب الماء، فهو من ولغ. |
|
8- قال: فإن أمهم - أي المصلين - مَن فخذه بادية؟ قال: صلاته وصلاتهم ماضية. |
|
فالمتبادر من الفخذ هو العضو المعروف، والبعيد: العشيرة، و(بادية) أي يسكنون البدو. |
|
9- قال: ما تقول فيمن أفقر أخاه؟ قال: حبذا ما توخاه. |
|
فالمعنى القريب أنه فعل به ما يصيره فقيرا، والبعيد: أفقره بمعنى أعاره ناقته يركب فقارها. |
|
10- قال: أينعقد نكاح لم يشهده القواري؟ قال: لا، والخالق الباري. |
|
لمعنى القريب للقاري هو نوع من الطير مفرده قارية، يتيمن به الأعراب، والبعيد هو: الشهود؛ لأنهم يقرون الأشياء أي يتتبعونها[16]. |
|
يبدو أن الأمثلة قد كثرت فأرجو أن لا تكون قد وصلت إلى درجة الإملال. |
|
ذا ويلاحظ أن الحريري في الغالب يجعل القرينة: الحال أو السياق، أو يضمن الجواب تلك القرينة؛ فالأمر واضح فيما أظن، بهذا لا يحتاج إلى شرح أو بيان. |
|
والحريري لم يكتف بهذه الأسئلة والأجوبة المائة في التورية، ولكن رجع إلى هذه الألوان مرة أخرى في ميدان آخر وهو ميدان الشعر، فأدعوك يا أخي لتقف معي على شيء من ذلك، وهذه الأبيات لا تقل عن الأسئلة التي مرت بنا في الخفاء. |
|
فإلى المقامة الرابعة والأربعين حيث نجده يقول: |
|
1- عندي أعاجيب أرويها بلا كذب |
عن العيان فكنوني أبا العجب |
|
رأيت يا قوم أقواما غذاؤهم |
بول العجوز وما أعني ابنة العنب |
|
|
|
2- وقادرين متى ما ساء صنعهم |
أو قصروا فيه قالوا الذنب للخطب |
|
فالمعنى المتبادر للقادر هو ضد العاجز، ولكنه غير مقصود هنا؛ فالمقصود هو: القادر بمعنى الطابخ في القدر، والقدير المطبوخ فيها. |
|
3- والتابعين عقابا في مسيرهم |
على تكميهم في البيض واليلب[17] |
|
فالمعنى القريب للعقاب - بضم العين - نوع من الطير، إلا أن البعيد المراد هنا هو: العقاب بمعنى: الراية، وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم تسمى العقاب. |
|
4- ومُنْدَين ذوي نُبْلٍ بدت لهم |
نبيلة فانثَنوا منها إلى الهرب[18] |
|
المعنى القريب للنبيلة هو امرأة ذات فضيلة، والبعيد المراد هو الجيفة، ومنه تنبل البعير إذا مات وأروح، يعني نتن. |
|
5- ونسوة بعدما أدلجن من حلب |
صبحن كاظمة من غير ما تعب |
|
المعنى القريب لكاظمة: هو موضع على مرحلتين من البصرة على ما هو المتبادر، والمعنى البعيد لكاظمة: هو كظم الغيظ، وأدلجن: سَرَيْنَ في جوف الليل. |
|
6- وشائبا غير مخف للشيب بدا |
في البدو وهو فتي السن لم يشب |
|
7- وحائكا أجذم الكفين ذا خرس |
فإن عجبتم فكم في الخلق من عجب |
|
فالحائك هو الناسج، من حاك الثوب نسجه، إلا أنه لم يرد هذا المعنى إنما أراد الحائك الذي إذا مشى حرك منكبيه وفجج بين ركبتيه. |
|
8- وساعيا في مسرات الأنام يرى |
إفراحهم مأثما كالظلم والكذب |
|
والإفراح من الأضداد وهو بكسر الهمزة من أفرحته إذا سررته، وأفرحته إذا غممته، فالأول: هو المتبادر ولكن لم يرد الحريري واحدا منهما، وإن كان الثاني ملازما للأول، فهو يقصد: إفراحهم بمعنى إثقالهم بالدين، ومنه حديثه صلى الله عليه وسلم: "لا يترك في الإسلام مفرح" أي مثقل من الدين. |
|
9- ومغرما بمناجاة الرجال وله |
وماله في حديث الخلق من أرب |
|
10- وطالما مر بي كلب وفي فمه |
ثور ولكنه ثور بلا ذنب |
|
11- وكم رأيت بأقطار الفلا طبقا |
يطير في الجو مُنصَبا إلى صَبَبِ |
|
والطبق معروف وهو إتاء مفرطح، إلا أن المقصود هنا القطعة من الجراد[19]. |
|
يبدو أنني قد أطلت في ذكر ألوان التورية النثرية والشعرية، وحان أن ننتقل إلى لون آخر، إلا أنه ينبغي أن نشير إلى القول بأن هذه التورية هي أقرب منها إلى ألغاز منها إلى التورية الاصطلاحية؛ فقد علق عليها أبو العباس الشريشي بقوله: "لقد أحسن أبو محمد في هذه الفتاوى، وأجاد وبلغ مبلغا من الاقتدار والاتساع فوق المراد، وإن كان لا يوصف فيها بالابتداع فلقد أحسن في الاتباع، فالسابق إليها هو أبو بكر بن دريد في كتاب سماه بالملاحن، وهو أن توري بلفظ عن لفظ، ثم تمم تلك الأغراض وحسنها أحمد بن عبيد الله في كتاب سماه بالمنقذ، وفائدتها التخلص من الظلم أو تسلط غاشم، لا أن يقتطع بها حق مسلم"[20]. |
|
هذا ولنقرب هذا اللون إلى الأحجية أشير هنا إلى أن الحريري لم يبخل بها؛ فقد أوردها منظومة في المقامة السادسة والثلاثين؛ فلتراجع هناك، أما نحن فسنمضي إلى لون آخر. |
|
|
|
الجناس: |
|
يبدو أن الحريري يعتبر من أقدر الكتاب في إيراد الجناس والسجع في الكلام، أما السجع فهو من الأمور التي لا تفارق كلامه؛ لهذا لا نتحدث عنه حديثا مستقلا بل ندعوك لملاحظته في كلامه كله وخاصة في النثر، فانظر مثلا إلى هذه القطعة الآتية التي نأتي بها مثالا لمقدرته في الجناس وتفننه فيه، كما شرطنا سنشير إلى كل حكم بصور عامة لا نفصل القول، ولا نتناول الأجزاء والتقسيمات الفرعية. |
|
يقول الحريري على لسان أبي زيد الذي كان سأل غلامه والغلام يجيب: ".. وعم تسأل وفقك الله؟ قال: أيباع هاهنا الرطب بالخطب، قال: لا والله، قال ولا البلح بالملح؟ قال: كلا والله، قال: ولا الثمر بالسمر؟ قال: هيهات والله، قال: ولا العصائد بالقصائد؟ قال: اسكت عافاك الله، قال: ولا الثرائد بالفرائد؟ قال: أين أذهب بك أرشدك الله! قال: ولا الدقيق بالمعنى الدقيق؟.. إلى أن قال الغلام: أما بهذا المكان فلا يَشتري الشعر الشعيرة، والنثر بنثارة، ولا القصص بقصاصة، ولا الرسالة بغسالة، ولا حكمة لقمان بلقمة.. أما هذا الزمان فما منهم من يميح إذا صيغ له المديح، ولا من يجيز إذا أنشد له الأراجيز، ولا من يغيث إذا أطربه الحديث، وعندهم أن مثل الأديب كالربع الجديب إن لم تجد الربع ديمة لم تكن له قيمة ولا دانته بهيمة، وكذا الأدب إن لم يعضده نشب فدرسه نصب"[21]. |
|
أعتقد أن كلامه هذا لا يحتاج إلى تعليق، إلا أن القارئ قد يتساءل هل هو في النثر فقط أم له منه في الشعر أيضا، فأقول تعال لنطالع بعض أبياته له في الشعر حيث لا حاجة لنا في زيادة الشواهد في النثر، فلنبدأ بالبيتين الآتين: |
|
وقلت للائمي أقصر فإني |
سأختار المَقام على المُقام |
|
وأنفق ما جمعت بأرض جمع |
وأسلو بالحَطيم عن الحُطام[22] |
|
فقد رأيت جمعه بين المَقام والمُقام والحَطيم والحُطام،
فإليك بيتين آخرين يقول الحريري: |
|
لم يبق صاف ولا مصاف |
ولا مَعين ولا مُعين |
|
وفي المساوي بدا التساوي |
فلا أمين ولا ثمين[23] |
|
ففي هذين البيتين جاء بأربع كلمات في كل بيت، وكان كلامه سلسا سهلا أكثر منه في النثر |
|
وأرى من المناسب أن نقرأ له هذه الأبيات الواردة في المقامة السابعة التي زينها بالجناس، ويشرح فيها أبو زيد حاله فيقول: |
|
لقد أصبحت موقوذا |
بأوجاع وأوجال |
|
وممنوا بمختال |
ومحتال ومغتال |
|
وخوان من الإخوا |
ن قال لي لإقلال |
|
وإعمال من العما |
ل في تضليع أعمالي |
|
فكم أصلى بأذحال |
وأمحال وترحال |
|
وكم أخطر في بال |
ولا أخطر في بال |
|
فليت الدهر لما جا |
ر أطفا لي أطفالي |
|
فلولا أن أشبالي |
أغلالي وأعلالي |
|
لما جهزت أمالي |
إلـى آل ولا والـي |
|
ولا جررت أذيالي |
على مسحب إذ لالي |
|
فمحرابي أحرى |
بي وأسمالي أسمى لي |
|
فهل حرٌّ يرى تخفيـ |
ف أثقالي بمثقال |
|
ويطفي حر بلبالي |
بسربال وسروال[24] |
|
فكلامه لا يحتاج إلى بيان؛ فأنت ترى كيف جمع الكلمات المتجانسة فجاء لك بـ (أوجاع بجوار أوجال)، وفي البيت الثاني: بمختال ومحتال ومغتال، وفي الثالث: خوان وإخوان، وفي الرابع: إعمال وأعمال، وبينهما كلمة عمال، والخامس: أذخال وأمحال وترحال، ثم أخطِر مع أخطُر، وبال مع بال: أخطر الأول بكسر الطاء بمعنى أمشي، وبال الأول بمعنى خلق قديم، وأخطر الثاني بضم الطاء أجول، والبال بمعنى الفكر، وأطفا لي أطفالي: الأول بمعنى إطفاء النار من أطفأ، والثاني جمع طفل، وجمع بين أغلالي بالغين: وهو الغل الذي يوضع في العنق، وأعلال: جمع علة، ثم جمع بين أذيالي وإذلالي، وبين محرابي وأحرابي، وبين أسمالي وهو الثوب الخلق وبين أسمى لي: بمعنى أرفع لي، ثم أثقالي مع مثقال، وأخيرا سربال أي القميص مع سروال. |
|
|
|
الجناس المزدوج: |
|
له أيضا في باب الجناس كثير من الجناس المزدوج، نورد الأبيات الآتية على سبيل المثال وقد سمى هذه الأبيات بالمتائيم وهي: |
|
جندها جيدها وظرف وطرف |
ناعس تاعس بحد يَحُدّ |
|
زُيّنت زينب بِقدّ يُقد |
وتلاه ويلاه نهد يَهُدّ |
|
قدرها قد زها وتاهت وباهت |
واعتدت واغتدت بخد يخد |
|
فارقتَني فأرّقتني وشطّت |
وسطت ثم نَمّ وجد وُجِد |
|
فدنت فُدّيت وحنّت وحيّت |
مغضبا مغضِيا يَود يُود |
|
يبدون أن كلمات هذه الأبيات في حاجة إلى الشرح؛ فانظر الهامش[25]. |
|
|
هذا والظاهر أن الرجل قد تكلف وألزم نفسه ما ليس بلازم؛ لكي يأتي بهذا اللون المزدوج. |
|
|
وعلى كل حال فقد أظهر القدرة الفنية وإن كانت بصورة معقدة التي تغضب شيخ البلاغة عبد القاهر الجرجاني، ولعل مثل هذا التكلف هو الذي دعاه إلى القول بأن المعاني ينبغي أن تترك على سجيتها، لأنها إذا تركت ستكتسي بالألفاظ الملائمة لها وعند ذلك تحسن. |
|
|
وللحريري مثل هذا الازدواج في النثر أيضا، ونورد هنا مثالا يسيرا منه. |
|
|
قال في المقامة الثالثة الدينارية: "يا أخائر الذخائر، وبشائر العشائر، عموا صباحا وانعموا اصطباحا، وانظروا إلى من كان ذا ندي وندى، وجِدة وجدا، وعَقار وقُرى، ومقار وقِرى؛ فما زال به قطوب الخطوب، وحروب الكروب، وشرر شر الحسود، وانتياب النوب السود، حتى صفرت الراحة وقرعت الساحة..."[26] ومثل هذا كثير في كلام صاحبنا. |
|
|
وللحريري لون آخر من التجنيس، وهو أن يفصل بين الكلمة وأختها بكلمة واحدة. |
|
|
يقول في ذلك: "أرعى الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، وأحتمل الخليط ولو أبدى التخليط، وأود الحميم ولو جرعني الحميم، وأفضل الشفيق على الشقيق، وأفي للعشير وإن لم يكافئ بالعشير، وأستقل الجزيل للنَّزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأنزِّل سميري منزلة أميري، وأحلّ أنيسي محل رئيسي.." وهكذا، إلى أن قال: "ولا أبالي بمن صرم حبالي، ولا أداري من جهل مقداري، ولا أعطي زمامي من يخفر ذمامي.."[27] |
|
|
وهذا الأسلوب كثير ومتنوع في نثره يطول الكلام في تتبعه والجري وراءه. |
|
|
ينبغي هنا أن نشير إلى ذلك الجناس المركب الذي جاء به الحريري في البيتين المطرفين المشتبهي الطرفين الذين وصفهما بأنهما أُمِنا أن يعززا بثالث، فأورد الجناس في أول كل بيت مع آخره، وهما في المقامة السادسة والأربعين قال: |
|
|
|
|
|
واشكر لمن أعطى ولو سمسمة |
سم سمة تحسن آثارها |
|
والمكر مهما استطعتَ لا تأته |
لتقتني السؤدد والمكرمة |
|
فجانس بين: سم سمة وسمسمة، وبين المكر والمكرمة. |
|
أما من حيث الادعاء بأن البيتين لا يعززان ببيت ثالث فلم يكن الحريري الوحيد الذي قال بذلك فقد سبقه في ذلك أبو دلف في بيتيه: |
|
أنا أبو دلف المهدي بقافية |
جوابها يهلك الزاهي من الغيظ |
|
من زاد فيها له رحلي وراحلتي |
وخاتمي والمدى فيها إلى القيظ |
|
إلا أننا إذا قرنا قول الحريري بقول أبي دلف، ظهرت لنا سلاسة النظم وسهولته عند الحريري، حتى أن التكلف يكاد يختفي وراء هذه البراعة، والمعنى عنده سهل واضح سام على خلاف ما يبدو في لي البيتين الأخيرين. |
|
|
|
القلب: |
|
الحديث حول الجناس قد يجرنا إلى الحديث عن القلب؛ وذلك للصلة التي نلمسها بين الجناس وجناس القلب، الذي هو إيراد كلمتين في جملة أو بيت واحد أحدهما معكوس الآخر، مثل قوله: "حسامه فتح لأوليائه، حتف لأعدائه"؛ فالجناس بين: فتح وحتف، لأنك إذا قلبت حروف أحد الكلمتين جاءتك الكلمة الأخرى. |
|
فهذه الصلة نراها كافية من أن تنقلنا من الجناس إلى القلب: الذي هو أن الكلام لو عكس كان الحاصل من عكسه هو عين ذلك الكلام السابق، هو كما يكون في قلب الحروف يكون في قلب الكلمات، ولا يضر عندهم: مد المقصور ولا قصر الممدود، أو تخفيف المشدد أو تشديد المخفف، كذلك جعل الهمزة ألفا أو العكس، أو تبديل بعض الحركات والسكنات. |
|
وللحريري في هذا الميدان براعة لا يشق له غبار، فقد دخل الرجل في الميدان بالتدريج من المفردات إلى الجمل والأبيات الشعرية حتى المقالة أو الرسالة الكاملة، وتكلف في ذلك تكلفا بالغا، ولم يترك لونا من ألوان الكلام إلا قلبه. |
|
دخل الحريري باب القلب وسماه: ما لا يستحيل بالانعكاس، وأخذ بالترتيب التصاعدي؛ فبدأ بما يتركب من كلمتين مثل (ساكب كاس)، و(لم أخا مَلّ)[28] ، و(كبّر رجاء أجر ربّك)[29] ، و(من يربّ إذا برّ ينم)[30] ، و(سكّت كل من نمّ لك تكِس)[31] ، أخيرا جاء بجملة من سبع كلمات فقال: "لُذْ بكل مؤمّل إذا لَمّ وملك بذل"[32]. |
|
وبعد هذه الجمل جاء الحريري بأبيات شعرية يمكن أن يقلب كل بيت منها ويقرأ من الشمال إلى اليمين والمعنى لا يتغير، وكذلك الوزن والقافية. |
|
أس أرملا إذا عر |
وارع إذا المرء أسا |
|
أسند أخا نباهه |
أبِن إخاء دنسا |
|
أسل جناب غاشم |
مشاغب إن جلسا |
|
أسر إذا هبّ مِرا |
وارم به إذا رسا |
|
اسكن تقو فعسى |
يسعف وقت نكسا[33] |
|
فهذه الأبيات تقرأ من اليمين إلى الشمال وبالعكس، أي أنك تقلب الحروف من آخر البيت إلى أوله، وهذا غير عكس الألفاظ الذي سنراه فيما بعد. |
|
|
|
عكس الكلمات: |
|
مر بنا عكس الحروف لدى الحريري، ونلتقي معه الآن لنلقي نظرة سريعة على عمله في قلب الألفاظ، فقد قام بذلك في رسالة طويلة سماها: الرسالة القهقرية، ويرى أبو العباس الشريشي أنه بلغ الغاية في كلا النوعين، ويبدو أن أبا العباس يقول ذلك بقطع النظر عن التكلف وإعمال الفكر والتأمل الصادر من جانب الحريري، وهذا حق لا شك فيه، فإليك بها من خلال المقامة السابعة عشرة: "الإنسان صنيعة الإحسان، ورب الجميل فعل الندب، وشيمة الحر ذخيرة الحمد، وكسب الشكر استثمار السعادة، وعنوان الكرم تباشير البشر، واستعمال المداراة يوجب المصافاة، وعقد المحبة يقتضي النصح، وصدق الحديث حلية اللسان، وفصاحة المنطق سحر الألباب، وشرك الهوى آفة النفوس.. إلى أن قال:..وامتحان العقلاء بمقارنة الجهلاء، وتبصر العواقب يؤمن المعاطب، واتقاء الشنعة[34] ينشر السمعة، وقبح الجفاء ينافي الوفاء، وجوهر الأحرار عند الأسرار". |
|
والرسالة طويلة كما أشرنا فهي من مائتي لفظة، وهي كما رأيت تشتمل على أمثال وحكم ومواعظ وعبارات أدبية جمة، وما فيها من السجع والطباق والجناس والكناية والمجاز يطول الحديث حوله. |
|
وقد وصفها صاحبها بقوله: إن أعلاها أسفلها، وأولها آخرها، وقال: "أرضها سماؤها وصبحها مساؤها، نسجت على منوالين وتجلت في لونين"؛ لأنك مختار أن تقرأها إن شئت من أولها وإن شئت من آخرها، إن سقتها على ترتيبها جاءت منقادة، وإن أردت أن تردها على أعقابها وتعكسها قلت: الأسرار عند الأحرار، وجوهر الوفاء ينافي الجفاء، وقبح السمعة ينشر الشنعة، واتقاء المعاطب يؤمن العواقب.. وهكذا إلى أولها، ويكون آخرها: ورب الإحسان صنيعة الإنسان. |
|
والرسالة كلها مكونة من مبتدأ وخبر، ولا شك أن هذا العمل قد كلفه جهدا عظيما بالغا، إلا أنه يكشف عن قدرة فنية عجيبة بقطع النظر عما يقوله العاجزون بعده. |
|
يبدو من المناسب هنا أن نذكر شيئا من بديعيات صفي الدين الحلي؛ فنورد هنا أربعة أبيات فقط، وهي من لون آخر عمودي أي أنها تقرأ من اليمين إلى الشمال ومن أعلاها إلى أسفلها، فإليك بها: |
|
ليت شعري |
لك علم |
من سقامي |
يا شفائي |
|
لك علم |
من زفيري |
ونحولي |
وضنائي |
|
من سقامي |
ونحولي |
داونـي إذ |
أنت دائي |
|
يا شفائي |
وضنائي |
أنت دائي |
ودوائي |
|
فهذه الأبيات الأربعة تكون تشكيلا هندسيا رائعا، فهي من أربعة أجزاء أي كل بيت له أربعة أجزاء، فإذا أخذت الجزء الأول من كل بيت لديك البيت الأول وإذا قرأت من كل بيت (عموديا طبعا) الجزء الثاني تكون عندك البيت الثاني.. إلى آخر هذه الأبيات الأربعة. |
|
وهذا يكاد يكون يشبه تلك الأشكال الرياضية التي يستعمل فيها العقل المجرد بعيدا عن العاطفة وإثارة الإحساس، من خلال تجارب الحياة للشاعر، مثلا الرياضيون يأتون بهذا الشكل الذي تراه أمامك لمجرد الرياضة الذهنية، فأنت إذا جمعت الأعداد من اليمين إلى الشمال أو الشمال إلى اليمين كان الحاصل 15، وكذلك لو جمعتها من أعلى إلى أسفل أو العكس؛ فالحاصل واحد. |
|
يبدو أن هذا هو الداعي إلى القول بأن مثل هذا العمل مهما كلف من جهد، واستنفذ من وقت، مجانب لرواء الأدب وجماله، ويرى النقاد أنه لا يبعث عليه إلا الغرام بالصنعة والغلو في التكلف والولوع بحب الإغراب والشغف بالإتيان بما يستدعي الإعجاب، ولكن لا يبعد أن يكون الاستنكار على هذه الأنواع كلها جملة واحدة هو من باب محاولة توسيع دائرة الأدب والفن ليدخل فيه كل من أراد وبأي شيء جمعه، إلا أن التوسط في كل شيء محمود، فالعمل الذي جاء طريفا وممتعا ينبغي أن يقدر حق قدره، فلا ينبغي أن يرفض، لأن صاحبه قد بذل جهدا كبيرا فاق ما نستطيع نحن بذله، فعلينا أن نعترف بحلاوة العسل مهما تعب الذي اشتاره، لا نقول إنه مرّ لأن الذي وصل إليه اقتحم ما لا يستطيع أمثالنا اقتحامه!. |
|
والآن نعود إلى الحديث عن البديع عند الحريري، يبدو أن الحريري إذا تناول أي لون من الألوان يفرع منه لونا آخر جديدا؛ فقد فرع فيما يظهر من الجناس الخطي هذا العمل الذي نشير إليه الآن، وهو التزام حروف معينة ذات صفة متفقة واحدة في الكلام، وأبرز ذلك: إخراجه الكلام بحروف منقوطة فقط أو بغير نقط، أو مختلطة، فنقدم لك الآن من تلك الفنون البديعية التي اهتم بها وأبرز شانها اللون الذي أورده في أبيات سماها بالعواطل أي الخالية من النقط، اقرأ معي هذه الأبيات: |