|
|
|
|
في المشارق
والمغارب |
|
|
فضيلة
الشيخ عبد الله بن أحمد قادري |
|
|
عميد كلية اللغة العربية |
|
|
|
|
|
من لوس أنجلوس إلى
طوكيو: |
|
|
وفي يوم الأحد الموافق
18/ 8/ 1398ﻫ، جاء إلينا الأخ تاج الدين شعيب مبكرا، وبعد أن أدينا لمدير
الفندق ما بقي له عندنا من الحساب توجهنا إلى مطار لوس
أنجلوس الدولي، أخذ الموظف المختص حقائبنا الكبيرة
كالعادة في باب مبنى المطار وسلمنا البطاقات ذات الأرقام، ودخلنا إلى الموظف
المختص لأخذ بطاقات دخول الطائرة، وكنت أظن أن هناك موظفين آخرين مختصين
بالجوازات للتأشيرة الخاصة بالخروج، ولكن الموظف الذي أجرى معاملة التذاكر هو
الذي أنهى معاملة الجوازات. |
|
|
كان الموظف المختص في
الطائرة التي حملتنا من لندن إلى نيويورك قد كتب المعلومات اللازمة في بطاقات،
وألصق بجواز كل منا البطاقة الخاصة به، وأخذ صورة لكل منها. |
|
|
وفي مطار لوس أنجلوس لم يزد الموظف على
المقارنة بين البطاقة الملصقة بالجواز والبطاقة الموجودة عنده وهي صورة لها، ثم
أخذ البطاقة الملصقة بالجواز ولم يختم على الجوازات. |
|
|
وكنا ننزل في الفنادق
في جميع المدن الخمس الأمريكية، دون أن يطلبوا منا الجوازات أو مجرد ذكر الهوية؛
اكتفاء بالمعلومات التي أخذت منا عندما دخلنا البلاد، ثم إن كل فندق يعطي الجهات
المختصة الاسم، وهي تسجله، وكل ذلك يتم عن طريق الكمبيوتر. |
|
|
إنهم على علم بتنقل المسافر
ومعرفة مكان نزوله في المدينة، ولكن بدون أن يكثروا عليه بالأسئلة وملء البطاقات
بالمعلومات والتوقيعات. |
|
|
ودعنا الأخ تاج الدين
شعيب ودخلنا في الطائرة وأخذنا مقادعنا المخصصة لنا،
وفي الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة والأربعين أقلعت بنا الطائرة. |
|
|
الكون يحرك الشاعر: |
|
|
وكنت بجوار النافذة،
وبدأت أطل منها لأرى المحيط الهادي من الجو بعد أن وقفت على جانبه الشرقي في غرب
لوس أنجلوس في الأرض، ولكن
السحب الكثيرة المتراكمة كانت تغطيه تماما، وهنا تحركت المشاعر فكتبت ما يلي: |
|
|
حوار مع المحيط الهادي في يوم الأحد |
|
|
أقلعت بنا الطائرة
الأمريكية الضخمة ذات الطابقين التي تحمل أكثر من ثلاثمائة راكب من مطار لوس أنجلوس إلى طوكيو، في الساعة
العاشرة إلا ربعا صباحا، ومعروف أن المسافة التي تقطعها الطائرة بين لوس أنجلوس واليابان كلها فوق
المحيط الهادي، وكنت في اشتياق للتأمل في هذا المحيط الضخم الذي رأيته في
الخريطة يأخذ مسافة واسعة من الكرة الأرضية؛ لذلك صممنا أن يكون سفرنا بالنهار، واشترطنا على شركة الخطوط أن نكون بجانب إحدى النوافذ؛ إنها
فرصة لزيادة الإيمان بخالق الكون، كانت الطائرة تنهب الجو نهبا فتسابق الزمن؛
لأننا نسير إلى الغرب والشمس لا زالت في أول نهارها، وكلما تقدمنا إلى الغرب
كلما كنا مبكرين، وأخذت أنظر إلى المحيط لأرى أمواجه الهادرة وهي تتقلب كصفحات
كتاب، وإذا السحاب يغطيه كله؛ فلم أر شيئا منه؛ فقلت في نفسي: نحن قمنا من نومنا
في لوس أنجلوس مبكرين،
لأننا مسافرون والوقت هاهنا لا زال مبكرا؛ فلعل المحيط لا يزال يغط في نومه،
ولذلك بقي مغطى بهذا السحاب المتراكم. |
|
|
أنا زائر وزيارتي نادرة،
ولو علم بزيارتي ومن أين جئت لما تردد في طرد النوم عنه وإبعاد الغطاء عن وجهه،
ولعل في الشعر ما يوقظه بطرب وليس بإزعاج فأخذت في مخاطبة السحاب حتى انقشع وكان
لي ما أردت: |
|
|
وغدا السحاب مسجيا لمحيطه |
وكأنه في نومه يتقلب |
|
طاب المنام له لطيب إقامة |
والقادري مسافر متأهب |
|
لكنه متمتع بجمال ما |
يرنو إليه لربه متأوب |
|
يزداد في الكون الفسيح تأملا |
ليزيد إيمانا فأنى يتعب؟ |
|
يا سحب ما لك تحجبين مزمجرا |
وهو الشجاع أمثله يتحجب؟ |
|
وغناه يمنع بخله، بل إنه |
يعطي النفيس لكل من يتطلب؟ |
|
وأنا الغني بخالقي لا أبتغي |
من غيره شيئا يباع ويوهب |
|
بل زائر ملكوته متزود |
منه اليقين إذا أؤوب وأذهب |
|
والله رب العالمين إلهنا |
فأمط لثامك، أين منه
المهرب؟ |
|
قام المحيط مهللا ومكبرا |
ويقول من هذا الذي يترقب؟ |
|
فأجبته أني لصنو قادم |
من طيبة حيث الحبيب الأطيب |
|
أصغى وأطرق ساكنا وكأنما |
دخل الصلاة مكبرا يتعجب |
|
أو من مدينة خير من وطئ الثرى |
حقا أتيت إلى مرابع تندب[1] |
|
فأجبته بهدى النبي أتيتكم |
وإلى إله محمد أتقرب |
|
أو ما سمعت ابن المبارك قائلا |
لمجاور البيت الفضيل يؤنب: |
|
(يا عابد الحرمين لو أبصرتنا |
لعلمت أنك بالعبادة تلعب) |
|
ولسوف تشرق شمسنا بسمائكم |
يوما، وليت بعد ذلك تغرب |
|
حتى تسجر[2] مثل غيرك فانتظر |
سفن الجهاد تدك من يتحزّب |
|
فتعانقت أمواجه لقدومنا |
وغدت تسبح ربها وترحب |
|
وبعد الانتهاء
من كتابة هذه الأبيات التفت إلي زميلي الدكتور فأسمعته إياها؛
فدعا الله أن يستجيب لتلك الآمال. |
|
|
ولقد كنت حقا أفكر في
وجود في أعلام الفكر مدججة بالسلاح في هذا البحر العظيم، وفقد علم الإسلام
العالمي الذي يجب أن يرتفع على كل صقع من أصقاع الدنيا، وإني لأرجو الله العلي القدير أن يأتي اليوم الذي يكون فيه جميع المحيطات
والبحار، وكل أرض الله خاضعة لراية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإنه لآت
بإذن الله، وإذا لم يكن على أيدي جيلنا هذا الذي ألف التبعية والتأخر عن حمل
الراية؛ فلا بد أن يأتي الجيل الذي يتحقق ذلك على يديه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ
الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً
غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. |
|
|
وقال تعالى: {هَا أَنْتُمْ
هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ
وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}. |
|
|
في
هنولولو[3]: |
|
|
وبعد خمس ساعات هبطت
بنا الطائرة في مطار هنولولو؛ إذ كان ذلك في الساعة
الثانية والدقيقة الخامسة والأربعين، بتوقيت لوس أنجلوس. |
|
|
وفي قاعة مبنى هنولولو قعد بجوارنا رجل عمره بين خمسين وخمس أربعين سنة؛ فجرى حديث بينه وبين
الدكتور محمد بيلو؛ فقلت لزميلي سله عن دينه فسأله
فقال: إنه لا يدين بدين، قلت له: قل هل تحب أن تعرف شيئا عن دين الإسلامي؟ فسأله فقال: لا أريد أن أدخل في حديث الأديان وكل همي هو جمع
المال. |
|
|
قلت: قل له إن كان عنده
شك في وجود الله فنحب أن نناقشه ونزيل عنه الشك بالأدلة، فقال له ذلك فقال: هو
لا يشك في وجود خالق للكون، ولا يحب البحث في هذا الموضوع، قلت: سله إذا يحتمل
أن يكون الدين حقا واحدا في المائة، وأن هناك احتمال
حياة أخرى فيها جنة ونار ويجزى فيها المطيع بالجنة والعاصي بالنار ولو واحدا في المائة أيضا؛ ألا يحفزك هذا أن تبحث عن الحقيقة حتى ينتفي
عنك احتمال الواحد في المائة؛ فترتاح إلى ما تفعله
نفسك حرا لا يقيدك شيء، أو يزيد هذا الاحتمال حتى يصبح مائة
في المائة؛ فترتاح نفسك إلى التدين والتعبد وتسير في
طريق الحياة وأنت على علم به؟ فأجاب: أنا قد سمعت أن بعد الحياة الدنيا حياة أخرى،
ولكن لا أعترف بذلك ولا أريد البحث في هذه الأمور مطلقا، وأنا رجل تاجر يهمني أن
أربح في تجارتي فقط، وقد أدخلت أولادي مدرسة مسيحية وهم يدرسون الدين المسيحي،
وسبب إدخالي إياهم فيها ليس من أجل الدين وإنما من أجل أن الدراسة فيها ناجحة
أكثر من المدارس الأخرى، وعندما وصل إلى هذا الحد كان موعد إقلاع الطائرة من
مطار هنولولو قد اقترب؛ فتركناه وشأنه. |
|
|
والملحوظ أن هذا الصنف
من الناس يصعب التفاهم معه؛ لأنه يأبى النقاش مطلقا. |
|
|
وبعد ساعتين تقريبا
أقلعت الطائرة مواصلة رحلتها إلى طوكيو عاصمة اليابان، والفرق الزمني بين هنولولو والمملكة إحدى عشرة ساعة، فالساعة الواحدة بعد
الظهر يوم الأحد في هنولولو والساعة الثانية بعد
منتصف الليل في المملكة العربية السعودية من صباح الاثنين. |
|
|
سبقنا الليل في
أمريكا وسبقنا في اليابان: |
|
|
وفي هذه المرحلة
الطويلة لم تدركنا ليلة الاثنين في لوس أنجلوس؛ لأننا سافرنا منها في الساعة التاسعة والدقيقة
الخامسة والأربعين صباح الأحد، ولم ندرك الليلة نفسها في اليابان؛ إذ كان شمس
الاثنين قد طلعت في اليابان ونحن لا نزال في الطريق بعيدين عنها، وكان وصولنا
مطار طوكيو في الساعة الرابعة والدقيقة الثلاثين بتوقيت اليابان من مساء يوم
الاثنين. |
|
|
فاتتنا خمس صلوات دون أن نشعر: |
|
|
لذلك فقد فاتت علينا
خمس صلوات ونحن لا نشعر بها، وهي مغرب ليلة الاثنين وعشاؤها وفجر يوم الاثنين
وظهر يوم الأحد وعصره؛ لأننا صلينا فجر يوم الأحد في مدينة لوس
أنجلوس وعندما وصلنا طوكيو صلينا الظهر والعصر جمعا، واتضح أن ذلك كان ظهر وعصر الاثنين. |
|
|
من المضايقة إلى النوم: |
|
|
وفي أثناء الرحلة كنت -
كما ذكرت من قبل - أطل باستمرار لأرى عجائب مخلوقات الله، ولكن المضيفة بدأت
تغلق النوافذ لأجل عرض فيلم للركاب كعادتهم، وأغلقت أنا نصف النافذة الأعلى
وأبقيت نصفها الأسفل لأنظر منه، ولكن المضيفة طلبت إغلاقها كاملة؛ لأن الضوء
يؤثر على رؤية الناس الفيلم فطلبت من زميلي أن يقنعها أن راحتي أنا في النظر إلى
البحر وسحبه، ولا حاجة لي في النظر إلى الفيلم؛ فحاول أن يدافع عني ولكن المضيفة
استنجدت بزميل لها فجاء يرجو غلق النافذة؛ لأن المشاهدين يتضايقون من الضوء
فاستسلمت بغلق النافذة، ولجأت إلى النوم العميق لمدة ساعة وثلاثين دقيقة، وذلك
بعد تناول طعام الغداء في مطعم ركاب الدرجة الأولى في الطابق الأعلى من الطائرة،
وهو يقع في مقدمة الطائرة، أيقظني زميلي بعد مضي المدة المذكورة وقال: إن شئت أن
تحظى ببغيتك فإن مقاعد الطابق الأعلى فارغة ويمكننا أن نصعد لنشاهد البحر من
هناك، وقد أذن لنا المضيفون بذلك. |
|
|
في الطابق العلوي من الطائرة: |
|
|
صعدنا وقعدنا ننظر إلى
ذلك الكون العجيب؛ فكنا نرى خضرة البحر المختلطة بزرقة السماء تتناثر بينهما قوافل منقطعة من السحاب؛ فكانت مناظر تأخذ بالألباب
إلى خالقها سبحانه، لذلك لم نشعر بطول المدة ولم نمل
على الرغم من طولها فعلا، وبقينا في الطابق الأعلى إلى أن أضاءت الإشارة بطلب
عودة كل راكب إلى مقعده فعدنا وقد رفع ذلك الفيلم الثقيل على النفس الذي حرمنا
من لذة التمتع بآيات الله الكونية، ولكن رب ضارة نافعة؛ فقد استفدت من تلك
الوجبة الطبية من النوم. |
|
|
طلب غريب وتلبية أغرب: |
|
|
مرّ بنا مساعد قائد
الطائرة فحيانا، واغتنم زميلي الفرصة فأبدى له رغبته في رؤية غرفة القيادة وآلات
القيادة، فأجابه بكل هدوء: ستراها، وذهب، والظاهر أنه استراب من هذا الطلب
الغريب، ولكنه قد وعد بتلبيته، وعندما بدأت الطائرة تهبط شيئا فشيئا جاء الرجل
إلى الزميل وقال له: إذا هبطت الطائرة فانتظر قليلا وهبطت الطائرة وخرج الركاب،
وانتظرنا وجاء الرجل واصطحبنا إلى غرفة القيادة وبها القائد وبعض مساعديه،
والغرفة ضيقة، فأشار القائد للزميل إلى الآلات التي توجه بها الطائرة يمنة ويسرة
وعلوا وسفلا واستواء؛ فشكرهم على ذلك، وأخذنا حقائبنا اليدوية ونزلنا إلى
المطار. |
|
|
علقت على ذلك في نفسي،
فقلت: هل يجرأ الزميل أو غيره أن يطلب من طيارينا في الشرق هذا الطلب في الجو؟
وإذا طلب ذلك هل تثبت أعصاب القائد وطاقم الطائرة كلهم؟
وإذا ثبتت فهل يسكتون عن هذا الطلب أو سينزل من
الطائرة فيجد البوليس في انتظاره للتحقيق معه؟ دارت بذهني هذه المعاني كلها
وتمنيت من قلبي أن توجد هذه المعاملة الحسنة لدى موظفينا، ومنهم من هو في قمة
الأخلاق الحسنة الذين نتمنى من بعضهم الكلمة الطيبة وقت معاملته التي هي فرض
عليه؛ لأنه يستلم أجرا عليها. |
|
|
وليعذرني القارئ في هذه
التعليقات فليست هي من آثار العاطفة المجردة، بل إنها واقعة بعد تفكير، وقد عزمت
وأنا أكتب هذه المذكرات أن أكون منصفا، فأذكر لأهل الغرب ما لهم وما عليهم، وأقارن
بين سلوكهم سلبا كان أو إيجابا وبين سلوكنا، ونحن أمة مسلمة، يجب أن نكون قدوة
لغيرنا من الناس؛ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. |
|
|
دخلنا في قاعة مطار
طوكيو الكبير الجديد الذي هو محاط بحراسة أمنية شديدة؛ لحمايته من هجمات الجيش
الأحمر الذي سبق أن قام بحملة عنيفة عليه؛ فحطم برج المراقبة فيه وقطع خطوط
المواصلات السلكية، ولا زال يهدده، ولذلك كثر فيه رجال الأمن المسلحون وكان
التفتيش دقيقا، على خلاف ما جرى في دول الغرب، ولكن المفتشين عاملونا معاملة لم
يعاملوها أحدا غيرنا ممن رأينا؛ فسألونا: أسعوديون؟ فأجاب الزميل: نعم هذا
سعودي، وأنا سوداني، فأشروا على حقائبنا ولم يفتشوها. |
|
|
لا تفزع فنحن من ذوي الملايين!: |
|
|
وذهب الزميل يسأل عن
المواصلات ويصرف بعض الشيكات السياحية إلى الين الياباني، فقيل له: المسافة بين المطار وطوكيو تزيد عن
سبعين ميلا، والأجرة عشرون ألف ين ياباني؛ فرجع إلي فزعا من هذا الرقم الهائل الذي لا قدرة
لنا في تحمله، فقلت له: إن الدرهم المغربي قيمته ضئيلة جدا وأرقامه مخيفة، فلعل الين مثله؛ فسل عن القيمة، فرجع ووجد أن الأمر سهل فالدولار
الأمريكي على الرغم من هبوطه الشديد يقابله مائة
وثمانية وتسعون ينا يابانيا؛
فقلت له: لقد أصبحنا يا أستاذ من ذوي الملايين، والحمد لله. |
|
|
وكنا نتوقع أن يستقبلنا
بعض أعضاء المركز الإسلامي في طوكيو حيث سبق أن اتصلنا بهم من لوس أنجلوس قبل سفرنا بيوم أو
يومين هاتفيا، ولكنهم لم يتمكنوا؛ لأن هذا المطار لا يسمح لأحد أن يأتي إليه إلا
إذا كان مسافرا، وللاستقبال محطة أخرى يذهب المسافر إليها تنقله الحافلات
المخصصة وهناك يجد من يستقبله، والمحطة المذكورة تقع بين المطار والمدينة، وكان
أعضاء المركز قد أوفدوا شخصا لاستقبالنا فيها، ولكن لعدم علمنا بهذه الترتيبات لم نذهب إلى المحطة المذكورة. |
|
|
في الفندق القريب: |
|
|
وكنا مرهقين إرهاقا
شديدا لطول السفر، ولم نشعر بالإرهاق إلا بعد نزولنا في المطار؛ ففضلنا أن ننزل
في فندق قريب من المطار لننام فيه إلى الصباح، ثم نذهب إلى طوكيو، وهذا ما
فعلناه. |
|
|
مرافسة بالأرجل بدل الملاكمة بالأيدي: |
|
|
ذهبنا إلى الفندق
المذكور، وهو يقع على تل من التلال الصغيرة، وتحيط به الغابات من كل جهة،
واستأجرنا غرفة، وصلينا المغرب والعشاء، ثم أخذنا مضاجعنا لنرتاح بعد ذلك السفر
الطويل، ولكن الزميل حرك مفتاح التلفزيون، فإذا شابان يابانيان
يترافسان بأرجلهما في حلبة
مغالبة عنيفة في جمع حاشد من الناس، وهذه أول مرة نرى فيها الملاكمة أو بالأحرى المرافسة بالأرجل؛ فأخر
ذلك علينا النوم قليلا، ولكنا بعد ذلك نمنا نوما عميقا إلى الصباح، وبعد أن
صلينا الفجر قرأنا حزبنا المعتاد في سفرنا؛ حيث كنا نتدارس كل يوم لا سفر فيه
جزءا من القرآن الكريم. |
|
|
حاولنا بعد ذلك الاتصال
بالمركز الإسلامي هاتفيا، ولكن حصل خطأ لم نتمكن بسببه من الاتصال؛ إذ كنا نتصل
برقم المكتب وهو رقم منزل أحد أعضاء المكتب، ولا يوجد في المنزل أحد كان هذا يوم
الثلاثاء 20/ 8/ 1398ﻫ. |
|
|
من الفندق إلى طوكيو: |
|
|
اضطررنا أن نستأجر
سيارة خاصة، وأعطينا السائق عنوان المركز؛ فأخذ يقرأه فلم يعرفه؛ فرجع إلى
الفندق يسأل عنه؛ فدله عليه بعض الموظفين، وسار بنا بعد ذلك في طريق تتلوى في
بعض الأماكن مثل الثعبان، وفي بعضها تكون مستقيمة، إلا أن الشوارع هناك ضيقة في
الغالب، نظرا لكثافة السكان وضيق الأرض بالنسبة لحاجتهم إليها للسكنى والزراعة،
وكانت تحيط بنا الأشجار الكثيرة من الجانبين، وكذلك المنازل السكنية الصغيرة
التي كنت أقول في نفسي إن مساحة الحجرة في هذه المنازل ربما لا تتسع إلا للياباني الواحد، أو لقصار الناس من غيرهم، وكانت العمارات
متصلة في الغالب حتى كأنها جزء من مدينة طوكيو، بعد ذلك كانت تحيط بنا المصانع
من الجانبين، وكانت الشوارع مزدحمة بالسيارات لكثرتها، ولكن على الرغم من الزحمة
الشديدة لم نسمع صوتا لبوق سيارة من تلك السيارات، حيث كل سائق آخذ مكانه لا
يحاول الاعتداء على مكان أحد، ويشعر بأن وقوف من أمامه وقوف عادي لوجود الزحمة
فليس في حاجة أن يزعج الناس ببوق سيارته بدون مناسبة أو فائدة، كما نفعل نحن في
بلدان ما يسمى بالشرق الأوسط؛ إذ تجد بعض السائقين يسير وحده في الشارع وهو مستمر
في الضغط على بوق سيارته، كما تجد الأصوات ترتفع عندما تتغير الإشارة الكهربائية من اللون الأحمر إلى اللون الأخضر، مع أن كل
سائق لا يرغب أن يقف فور انفتاح الطريق أمامه؛ فلا يحتاج على من يحثه على السير،
ولكنها طبيعة غالبة سيئة ألفها الناس فاستمرأوها. |
|
|
أما في بلاد الغرب -
ومثلها اليابان - فإن صوت بوق السيارة يعتبر ضرورة؛ فلا يسمع إلا ظن أن أمرا ما
كاد يحدث أو قد حدث. |
|
|
وبعد مسافة اختار
سائقنا طريقا سريعا يمر تحت الأرض حيث دفع مبلغا من المال في أحد مراكز المرور،
وذهب مسرعا السرعة المحدودة ولا يوجد في هذا الشارع إلا القليل من السيارات وفي
اتجاه واحد، ولكن المبلغ الذي دفعه السائق حسبه علينا ضمن الأجرة. |
|
|
هذا مشرق وذاك مغرب وأنا في الوسط: |
|
|
وكان السائق يدخن ولكن
تدخين الياباني المقتصد، وكان زميلي يحاول أن يسلي
السائق ببعض الكلمات الإنجليزية؛ لأننا نحن نتكلم بلغتنا وهو لا يدري ما نقول،
ولكن السائق لا يتكلم الإنجليزية، وربما كان عنده كلمات قليلة في حدود اختصاصه،
ولذلك يرد على الزميل بلغته اليابانية، أما أنا فكنت
لا أدري ماذا يقول هذا ولا هذا، إلا أنني كنت أعرف أن أحدهما
يسير مشرقا والآخر يسير مغربا؛ فالزميل قد يأتي بالمبتدأ باللغة الإنجليزية
بمعنى، والسائق يأتي بخبر المبتدأ بمعنى في واد آخر باللغة اليابانية،
وأنا علي أن أتمتع بتلك الأصوات، وأسكت ولو كانت عندي لغة ثالثة لا يفهمها زميلي
ولا السائق لكانت تشكيلة جيدة تحقق بيت الشعر الذي افتتحنا
به سفرنا: |
|
|
أقول له زيدا فيسمع خالدا |
ويكتب عمرا ويقرأه بكرا |
|
تهنا ولكنها أسعفتنا: |
|
|
وعندما ظن سائقنا أنه
في المنطقة التي فيها المركز أخذ يحاول العثور على المكان، يلتفت للأرقام
المكتوبة على الجدران؛ فنزل للتأكد فوجد أنه غيره، وأخذ يمر بالشوارع الفرعية
الأشد ضيقا ثم يعود إلى الشارع الرئيسي، وهكذا كاد ييئس، وفي آخر الأمر مرّ
بشارع ضيق فالتقى بصاحب دراجة نارية يبدو من أنه من أهل الحارة فسأله فلم يهتد
إلى ذلك، وبينما نحن واقفون تحت أحد المنازل والسائق يسأل وصاحبنا الزميل محمد بيلو يحاول مساعدته في السؤال باللغة الإنجليزية؛ إذ سمعت
الحوار امرأة من الدور الثاني فعرفت أن هاهنا غرباء في حاجة إلى المساعدة فنزلت
تسأل: ما بكم؟ باللغة الإنجليزية ففرح الزميل الذي تساوى رأسي معه قبل ذلك على
الرغم من محاولته التفاهم مع السائق وغيره باللغة الإنجليزية دون جدوى؛ فكلمها
وأعطاها العنوان، فأشارت للسائق على مكان قريب جدا فيه المركز فأنقذتنا مما نحن
فيه. |
|
|
في المركز الإسلامي: |
|
|
وكان في المركز الأخ
الدكتور عبد الباسط السباعي المصري؛ فخرج وأخذ الحقائب من السيارة وطلب منا
الدخول إلى المركز ريثما يتم تأمين الحجز في الفندق، فدخلنا وأخذ الأخ عبد
الباسط يعتذر لعدم استقبالنا في المطار، وذكر السبب في ذلك وهو أنه لا يسمح لغير
المسافر أن يذهب إلى المطار الجديد، كما ذكر أنه كان غائبا مع بعض الزائرين
المسلمين في بعض المناطق خارج مدينة طوكيو، وأنهم بعثوا من يستقبلنا في المحطة
التي سبق الكلام عليها، ولكنه لم يحدنا لعدم مجيئنا إليه، ورحب بنا ترحيبا حارا. |
|
|
اتصل بعد ذلك بفندق
يسمى (كيوبلازا) في مدخل البلدة، وهو لا يبعد كثيرا
عن المركز؛ فحجز لنا غرفة واستأجرنا سيارة وذهب هو معنا إلى أن تم النزول
والاستقرار في الفندق، ثم تركنا لنأخذ راحتنا على أن يعود إلينا في المساء لوضع الترتيبات اللازمة لزيارة الجمعيات الإسلامية في طوكيو
وخارجها حيث أمكن ذلك. |
|
|
وقبل أن يتركنا نزل معنا
إلى أحد مطاعم الفندق الذي هو مختص بالوجبات السمكية؛ لنجمع أنا وزميلي بين طعام
الإفطار وطعام الغداء جمع تأخير، لأن الساعة كانت حينئذ الثانية ظهرا، ويشاركنا
الأخ عبد الباسط. |
|
|
الشوكة والملعقة: |
|
|
وعندما قدم لنا الطعام
أخذت ألتمس الشوكة والملعقة فلم أر شيئا، وإذا الأخ عبد الباسط يخرج من القرطاس
خشبتين صغيرتين ملتصقتين من جهة مفترقتين من الجهة الأخرى؛ فيفصلهما
هو ويرينا كيف يأكل بهما بدلا عن الملعقة والشوكة،
وقال: إن هذه هي التي يأكل بها اليابانيون، وهما
عودان مملسان أطول من المرسام
(قلم الرصاص) قليلا، أصلهما واحد ولهما
فرعان، ولا يفصلهما إلا الآكل عندما يخرجهما من القرطاس دليلا على أنهما جديدان لم يأكل بهما أحد. |
|
|
وأخذ الأخ عبد الباسط
يأكل بهما بسهولة وهو يمسكهما
بصفة خاصة، أما أنا فلم يكن عندي استعداد لأتمرن في ذلك الوقت؛ فطلبت شوكة
وملعقة وأكلت كعادتي، وأما زميلي الدكتور فحاول أن يحوز قصب السبق فيصبح يابانيا في تلك اللحظة، ولكنه سرعان ما انهزم ولحق بي فطلب
الشوكة والملعقة. |
|
|
لطف المعاملة: |
|
|
وفي هذا المطعم سمعنا
تلك الكلمة العاطفية التي يعبر بها اليابانيون لمن
يخاطبهم أو يطلب منهم شيئا، ويهزون معها رؤوسهم تعبيرا عن استعدادهم لخدمتك أو
سماع كلامك أو غير ذلك، والكلمة هكذا: (هَيْ) بفتح الهاء وسكون الياء، وأنها
تعني طيب، أو مرحبا، أو أبشر عندنا، فكنا إذا طلبنا شيئا قال القريب منا: هَيْ،
وطلب من زميله القيام به فأجابه: هَيْ، وهكذا فإنك تسمع هذه الكلمة باستمرار:
هَي، هَيْ، هَي، في كل مكان. |
|
|
وبعد الغداء ودعنا الأخ
عبد الباسط وصعدنا إلى الغرفة لنرتاح. |
|
|
نحن أولى بالدعوة إلى الله: |
|
|
كنا في فنادق الغرب نجد
كتاب الإنجيل في كل فندق أما في فنادق اليابان فيوجد كتاب الإنجيل ومعه كتاب
بوذا المقدس عندهم. |
|
|
وقد علقت على ذلك فقلت:
لم ننزل في فندق في البلدان التي زرناها إلا وجدنا فيه الإنجيل، وفي اليابان
والبلاد المجاورة في شرق آسيا أضيف إليه كتاب بوذا، ونحن عندنا لا يوجد المصحف
في الفنادق في بلاد المسلمين، وقد يقال: إن وجود المصحف في الفنادق قد يعرضه
للمس الكفار له وإهانته، ولكن هذا لا يرد في فنادق مكة والمدينة التي لا يدخلها
إلا المسلمون، واعترافا بالفضل فإني وجدت في فترة من الفترات المصاحف في فندق
شبرا بمكة؛ لأن به موظفين صالحين، ولا أدري إن كان ذلك مستمرا أم لا؟ |
|
|
وفي الفنادق الأخرى
التي في غير مكة والمدينة يمكن أن يعطى المسلم مصحفا ويترك غير المسلم، بل يمكن
أن يوضع فيها ترجمة معاني القرآن الكريم ليقرأها غير المسلم؛ فتكون حجة عليه
ودعوة إلى الإسلام، بل يمكن أن توضع بعض الكتب الإسلامية المفيدة. |
|
|
ولكن مع الأسف الشديد نرى
الأمم الأخرى التي دينها باطل وهي لا تقيم له وزنا، ولكنها تحول إظهار الاعتزاز
به. |
|
|
والأمة الإسلامية التي
دينها وحده هو الحق تتهرب من الدعوة إليه وإظهاره بمظهر المنقذ للبشرية، ولكن
فاقد الشيء لا يعطيه، فكثير من الذين يتولون شؤون الفنادق بعيدون عن هذه المعاني
وإن كان يوجد من فيه خير كثير، ولعله كان غافلا فيوقظه هذا التنبيه. |
|
|
بل إنني أقترح على الخطوط
الجوية العربية كلها - وأخص منها (السعودية) - أن يكون في طائراتها بعض الكتب
الإسلامية المفيدة، مثل ترجمة معاني القرآن الكريم والمصحف نفسه، ويعطى للمسلم،
وغيرها؛ لتكون دعوة لغير المسلم وتذكيرا للمسلم. |
|
|
ولقد سرني وجود تسجيلات
في بعض الطائرات السعودية للقرآن الكريم[4]،
وأرى أنه ينبغي تسجيل ترجمة معاني القرآن وبعض الكتب المترجمة إلى اللغة
الإنجليزية أو الفرنسية أو الأردية؛ ليستفيد منها غير العرب، ولعل هذه الاقتراحات
تجد أذنا صاغية، وأجهزة منفذة؛ لأنها من وسائل الدعوة إلى هذا الدين. |
|
|
وفي المساء جاء الأخ
عبد الباسط السباعي في غرفتنا وشرح لنا نشاط الجمعيات الإسلامية في اليابان،
وخيرنا في برنامج الزيارة أنقتصر على زيارة الجماعات الموجودة في طوكيو أم نزور
بعض الجمعيات في خارجها، وكنا نرغب أن نزور بعض الجمعيات خارج العاصمة مع
الجمعيات الموجودة فيها، ولكن بعد تشاور بيني وبين زميلي فضلنا الاقتصار على
الجمعيات الموجودة في طوكيو فقط؛ لضيق الوقت. |
|
|
ليس هذا هو المنهج في الدعوة: |
|
|
وفي يوم الأربعاء
الموافق 21/8/1398ﻫ بعث لنا الدكتور السباعي أحد العاملين في المركز
اصطحبنا إلى المركز حيث تم الاجتماع ببعض أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية التي
يرأسها محمد سوادة الياباني،
وكان موجودا في الاجتماع، وبعد أن تم التعارف بيننا بدأ رئيس الجمعية يشرح لنا
ما تريد أن تقوم به في المستقبل من النشاط الإسلامي، كبناء جامع كبير وإنشاء
كلية إسلامية وغير ذلك، ولكن طلبت أن يجيب على بعض الأسئلة والاستفسارات فوافق. |
|
|
فسألته: كم عدد أعضاء
جمعيتكم؟ فقال: عشرة آلاف شخص. |
|
|
قلت: في مدة كم تم
إسلام هؤلاء؟ قال: في مدة ثلاث سنوات. |
|
|
قلت: متى أسلمت أنت؟
قال: منذ أربع سنوات. |
|
|
قلت: إن دخول الناس أفواجا
في دين الإسلام أمر عادي، ولكن هذه الأعداد الضخمة في خلال ثلاث سنوات وأنت لم
يمض على إسلامك إلا سنة واحدة من وقت دعوتك لهؤلاء فهل فهمت أنت الإسلام فهما
صحيحا وأفهمت هؤلاء كذلك؟ |
|
|
فقال: أما أنا فقد قرأت
عن الإسلام قبل أن أدخل فيه، واتصلت ببعض أعضاء جمعية مسلمي اليابان، وقابلت عمر
ميتا مترجم معاني القرآن الكريم، كما تعرفت على الأستاذ صالح السامرائي، وأعطاني شريطا مسجلا عن الصلاة وأبديت بعد ذلك
رغبتي في الإسلام؛ فشجعني الأخ صالح على الدخول فيه، وأما جماعتي فكنت أدعوهم
إلى الإسلام وأطلب منهم أن ينطقوا بالشهادتين فقط، ولا ألزمهم بشيء غيرها. |
|
|
قلت له: وهل لازلت
تتابعهم جميعا إلى الآن، ولازالوا جميعا مسلمين؟ |
|
|
قال: لم أستطع أن أتابعهم وكثير منهم ترك الإسلام. |
|
|
ثم علقت على الموضوع،
فقلت: الواجب في الدعوة إلى الإسلام اتباع منهج
الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أن يكون الداعي نفسه عالما بالإسلام مطبقا لما
علم، وأن يدعو الناس إلى الشهادتين ويفهمهم معناهما،
ثم يشرح لهم مبادئ الإسلام ويطلب منهم الالتزام بها، ووجود قليل من الناس يفهمون
الإسلام فهما جيدا ويطبقونه خير من العداد الكبيرة بدون ذلك، كما يجب أن يكون
الهدف رضا الله تعالى، لا رئاسة ولا مغنما دنيويا، والمشروعات الإسلامية بعد ذلك
سهلة إذا وجد الرجال، فإنهم سيقومون بها هم. |
|
|
فاعترف الرجل أن أسلوبه في
إسلام هؤلاء الناس كان خطأ ولذلك لم يبقوا على الإسلام كلهم، كما وعد بأنه سيسلك
السبيل الذي أشرت إليه. |
|
|
رافقنا بعد ذلك الأخ
علي الزعبي السوري، أحد العاملين في المركز؛ فركبنا
في المطار ونزلنا في المحطة الرئيسية لشركة ذلك القطار، وهي على قرب من الفندق
الذي نزلنا به، وهذه المحطة تتكون من خمسة طوابق تحت الأرض، وذكر الأخ علي أن
ثلاثة ملايين نسمة تنطلق من هذه المحطة يوميا إلى أعمالها، بخلاف المحطات
الأخرى، ولا غرابة في ذلك فسكان مدينة طوكيو يبلغ عددهم ثلاثة عشر مليون نسمة. |
|
|
أمم تحت الأرض: |
|
|
وهنا رأينا الناس مثل
النمل كثرة ونظاما، على الرغم من أنهم يمشون في كل اتجاه، وهم يتعاملون في
التعرف على اتجاهاتهم مع اللافتات الإرشادية التي كتبت على الجدران، فترى الفرد
أم الجماعة يقفون لحظة لينظروا إلى الكتابة ثم ينطلقون بسرعة إلى الجهة التي
يريدون دون أن يسأل أحد أحدا، ودون أن تسمع منهم أصواتا
وضجيجا، بل إذا كلم أحد صاحبه كلمه بصوت خافت لا يسمعه إلا صاحبه، ويتعاملون في
الإجراءات اللازمة لركوب القطار مع الآلات المركبة في
الجدران، فالذي عنده قروش معدنية يقف أمام الماكينة ويدخل المبلغ اللازم في
الماكينة ويضغط على الزر؛ فتناوله الماكينة البطاقة ذات القيمة، وإذا كان المبلغ
النقدي أكثر من قيمة البطاقة دفعت له الباقي. |
|
|
الآلة تبيعك ما تحتاج إليه: |
|
|
وإذا كانت أوراق نقدية
ذهب إلى آلة أخرى ليدخل المبلغ الورقي؛ فتصرف له
الآلة ذلك وتدفع له قيمته نقدا معدنيا يدا بيد! وهكذا
أصبحت الآلة تتعامل مع الناس بسرعة ودقة متناهية يسرت الأمور، وحالت بينهم وبين
التعقيدات الناتجة عن معاملة بعضهم مع بعض، وإن كانت عطلت أيدي البشر عن العمل؛
فكانت بذلك الشكوى العالمية من البطالة. |
|
|
ونزلنا إلى الأسواق
الأرضية فوجدنا اليابانيين فيها، كأنهم قطع من يأجوج ومأجوج، وهكذا كلما نزلت إلى طابق من الطوابق الأرضية وجدته
أكثر من الطوابق الأعلى منه، وهكذا تمتد الأسواق في مدينة طوكيو في طوابق متعددة
في الأرض إلى مسافات لو أراد الإنسان أن يمشي حتى يقطعها لاحتاج إلى الزاد
والراحلة، لولا الآلات التي يمكنه أن يناولها نقوده فتناوله طعامه وشرابه في أي
مكان، وإنك لتظن في كل طابق أنه يضم كل سكان طوكيو. |
|
|
وتجولنا في فروع بعض
الشركات الذي يتكون من سبعة طوابق فوق الأرض وعدد من الطوابق الأرضية، وفيه من
البضائع ما يحتاجه الإنسان الكبير والصغير، الرجل والمرأة؛
من لباس وأثاث وآلات مختلفة، في كل طابق تجد صنفا من الأصناف، وفي كل صنف أنواع
وأشكال. |
|
|
وفي صباح يوم الخميس
الموافق 22/8/1398ﻫ تجولنا أيضا في بعض الأسواق يرافقنا الأخ علي الزعبي، والأخ عباس نبيل السوري الذي تخرج في الجامعة
الإسلامية، وهو مبعوث دار الإفتاء هناك، يقوم بالدعوة والتدريس في بعض الجمعيات
الإسلامية والمركز الإسلامي. |
|
|
مع بعض أعضاء المؤتمر الإسلامي: |
|
|
وبعد الساعة السادسة
مساء كنا على موعد مع بعض أعضاء المؤتمر الإسلامي التي يرأسها الدكتور شوقي فتاكي، وهو طبيب له عيادات متخصصة والعاملون معه أغلبهم
أطباء، وكانوا مجتمعين في قاعة كبيرة يتلقون درسا من أحد خريجي الأزهر في اللغة
العربية، وعندما وصلنا طلب منا إلقاء كلمة في الحاضرين، وكانوا رجالا ونساء. |
|
|
فألقيت كلمة تضمنت بيان
القاعدة الأساسية للإسلام، وهي شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وخلاصة لما تضمنتاه من عبودية مطلقة لله تعالى واتباع كامل لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكان من ضمن
الحاضرين السكرتير الخاص لرئيس الجمعية، وكان الحاضرون كلهم يظهر عليهم التفاعل
مع الكلمة، على الرغم من أنها تترجم مرتين؛ مرة باللغة الإنجليزية وأخرى باليابانية، إلا أن السكرتير المذكور لم يكن كغيره منسجما
مع الدرس، ولذلك ناول الأخ عباس نبيل ورقة صغيرة يشعره فيها بقرب انتهاء الوقت،
وكان الأخ عباس هو المترجم باللغة الإنجليزية، وعندما شعرت بذلك اختصرت الكلام
وختمته بنصيحة وجهتها للنساء اللاتي كن مسلمات عدا واحدة فهي بوذية، وكن غير
محتشمات في لباسهن؛ فطلبت منهن أن يقتدين بنساء الرسول صلى الله عليه وسلم ونساء
أصحابه، ولا يقلدن نساء الغرب اللاتي خرجن عن الفطرة فذقن عذاب الدنيا قبل
الآخرة. |
|
|
وهناك شكوك في بعض
الجمعيات الإسلامية الحديثة في اليابان بسبب ظهورها بعد أزمة البترول، ومحاولة
تلك الجمعيات الحصول على مساعدات مادية، وعدم الاهتمام الحقيقي بتطبيق الأوامر
الإسلامية. |
|
|
وقد سبق الحديث عن
الجمعية الخيرية التي ذكر رئيسها أن عشرة آلاف شخص دخلوا خلال ثلاث سنوات، وأنهم
لا يحصل منهم إلا مجرد النطق بالشهادتين، وكنت أود أن أحصل على وقت ألتقي فيه
بالدكتور شوقي لأسأله مباشرة عن بعض الأمور المتعلقة بجمعيته، ولكن لما لم يرتب
لقاء معه لم أطلب أنا ذلك، ونسأل الله أن يكونوا مسلمين حقا، ولكن المبالغات
كثيرة في أعداد المسلمين وفي النشاط الإسلامي ينبغي التريث في تصديق ما يقال. |
|
|
هذا مع العلم أن فطرة اليابانيين وأخلاقهم أقل انحرافا من أهل أوربا وأمريكا فيما
يبدو، وذكر لي الأخوة الذين التقيت بهم في المركز الإسلامي أن تعاليم كتاب بوذا
الذي يدين به أغلب اليابانيين فيه من الدعوة من
المبادئ الخلقية ما يجعل الياباني أقرب من المسيحي
والوثني - الذي لا توجد تلك المبادئ في تعاليمه - إلى الإسلام، بل قال الأخ علي الزعبي: إن الياباني لا تنقصه
إلا شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وكنت قلت له حينئذ: هذه
مبالغة، ولكن مع ذلك فأنا مقتنع بأن لو وجد الدعاة المخلصون والمدارس الإسلامية
لأبناء المسلمين، وإمدادهم بالمدرسين الصالحين والكتاب الإسلامي المترجم بلغة
اليابان لكانوا أقرب الناس إلى لدخول في الإسلام. |
|
|
وللمركز جهود طيبة في
ترجمة بعض الكتب الإسلامية وطبعها ونشرها، ولكن الإمكانات
تحد من نشاط المسؤولين عنه، وقد طلبوا مني أن أبلغ
المؤسسات الإسلامية في المملكة العربية عن حاجتهم لطبع بعض الكتب الإسلامية التي
ترجمت إلى لغة اليابان ونشرها لتعم الفائدة، كما زودوني ببعض تلك الكتب الصغيرة
التي تم تسليمها للجامعة الإسلامية؛ لينظر المسؤولون
في إمكان طبعها. |
|
|
وطبيعة اليابانيين الهادئة، ومعاملتهم الحسنة وتواضعهم وإنصاتهم
للحديث، وكونهم أقل من الغربيين انحلالا؛ كل ذلك من عوامل قبولهم للإسلام،
بالإضافة إلى أصالة تدينهم العاطفي في الجملة. |
|
|
ولعلي أعود لهذا
الموضوع مرة أخرى في مناسبة تالية بإذن الله. |
|
|
فروسية الإنسان وغرائب الحيوان: |
|
|
وفي مساء هذا اليوم
شاهدنا على شاشة التلفزيون الياباني عجائب من
التدريبات، فروسية ركوب الخيل التي كانت حركات الركاب
- رجالا ونساء - عجيبة جدا، وحيث كان الراكب يقف على جواده ويتجه إلى الأمام
والخلف بسرعة فائقة، وينزل فيلتصق ببطن الجواد، أو يقف في الأرض ثم يقفز على
ظهره بسرعة كذلك. |
|
|
كما رأينا حيوانا يشبه
الدب، وهو يسوق الدراجة مرة، والسيارة مرة أخرى، ويصعد على السلالم ماشيا على
رجليه فقط رافعا يديه، وينزل كذلك، ويرفع يده تحية للحاضرين، ويباري سائسه فيقفز
كل منهما على ظهر الآخر بسرعة وبحركات عجيبة. |
|
|
في مسجد طوكيو: |
|
|
ودّعنا أعضاء جمعية
المؤتمر الإسلامي وذهبنا إلى مسجد طوكيو؛ إذ كنا على موعد مع الأخ عبد الباسط
السباعي؛ لنصلي في المسجد صلاة العشاء ثم نعود إلى الفندق، وعندما وصلنا إلى
المسجد قال الأخ عبد الباسط للأخ عباس نبيل الذي رافقنا إلى مقر جمعية المؤتمر
الإسلامي: أما كنا على موعد مع جمعية مسلمي اليابان في الساعة السادسة مساء؟ قال
الأخ عباس: الذي أعلم أن هذا الوقت كنا فيه على موعد مع جمعية المؤتمر الإسلامي،
وكنا عندهم فعلا، والظاهر أن سوء فهم حصل في الموعدين بين الأخ السباعي والأخ
عباس، ونحن لا نعلم عن ذلك شيئا، فقال الأخ السباعي: إنهم لازالوا في انتظاركم. |
|
|
مع جمعية مسلمي اليابان: |
|
|
صلينا العشاء جماعة في
المسجد المذكور وذهبنا إلى مقر جمعية مسلمي اليابان، وجدناهم ينتظروننا في غرفة مستطيلة في منزل أحد الأعضاء فيما يبدو فيها وثائق الجمعية،
وبها تتم بها اجتماعاتهم. |
|
|
وبعد التعارف وتقديم
بعض الفواكه وشرب الشاي بدأ النقاش فيما يتعلق بجمعيتهم وأهدافها ووسائلها
المتاحة؛ فعرفنا بأنها من أقدم الجمعيات الإسلامية في اليابان؛ إذ أسست منذ ست
وعشرين سنة، ومن أهم أهدافها: الحفاظ على بقاء الأعضاء أقوياء في إيمانهم،
وتعليم أبنائهم مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية. |
|
|
وتمتاز الجمعية بالتريث في
الأمور وعدم الطمع في كثرة عدد المسلمين بدون فقه في الدين والتزام مبادئه، فلا
يدخل في الإسلام إلا من اقتنع بأنه حق، ورغب رغبة قوية في الدخول فيه. |
|
|
كما أن لدى أعضائها
كفاءات إسلامية لا توجد عند غيرهم من الجمعيات التي عرفناها؛ فعدد من الأعضاء
تخرجوا في جامعات عربية ومعلوماتهم قوية، فمنهم من تخرج من الأزهر، ومنهم من
تخرج من جامعة القاهرة، وبعضهم تخرج من جامعة دمشق، وبعضهم درس مدة في الجامعة
الإسلامية بالمدينة المنورة، ولم يواصل دراسته ولكنه يعتبر نافعا نسبيا. |
|
|
وهم ذوو أعمال في
الشركات، ولكنهم يخصصون بعض الأوقات لتدريس أعضاء الجمعية وأبنائهم، ويساعدهم
الآن في تدريس اللغة العربية الأخ عباس نبيل، ولرغبتهم في المزيد من المتعلمين
في المعاهد الإسلامية فقد تقدموا بطلب منح من الجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة، وذكروا أن الجامعة وافقت على منحتين وهم يطلبون المزيد، وكان المرشحون
للمنح المذكورة حاضرين في الاجتماع، وكلهم ذوو تخصصات مهمة في العلوم، ومنهم من
هو في جامعة علمية، ولكنهم لشدة رغبتهم في دراسة الإسلام يفضلون ترك أعمالهم
والسفر إلى المدينة المنورة، مع علمهم أنهم سيقضون مدة ليست بالقصيرة في تعلم
اللغة العربية. |
|
|
ولدى الجمعية استعداد
لتوسيع نشاطها لو توافرت لها الإمكانات اللازمة، فهم
في حاجة إلى بناء مقر لهم يحتوي على بعض المكاتب الإدارية وقاعة اجتماعات، وفصول
دراسية ومسجد، كما أنهم في حاجة إلى وسائل نقل للدعاة، ومكتبة للمطالعة، وهذا
تقريرهم الذي قدموه للسفير السعودي في اليابان الذي كنا نود زيارته لنؤكد
رغبتهم، ونطلب محاولة تحقيقها لما لمسناه فيهم من الصدق والإخلاص، ولكن السفير
كان غائبا. |
|
|
ولذلك فإني أناشد
الجامعات السعودية وفي طليعتها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة
الإمام محمد بن سعود بالرياض، وكذلك المؤسسات المسؤولة
عن الدعوة والمساعدات الإسلامية؛ أن تمد يد العون لهذه الجمعية وأمثالها. |
|
|
ومن أهم ما يجب أن تعان
به العالم الذي يساعدهم في الدعوة
والتدريس[5]. |
|
|
ويجدر بي أن أنقل
للقارئ نبذة عن الإسلام والمسلمين في اليابان من كتيب
أصدره المركز الإسلامي في طوكيو، وفيها تعريف بالمركز نفسه. |
|
|
الإسلام والمسلمون في اليابان: |
|
|
نبذة تاريخية: |
|
|
ما نعمت اليابان بنور
الإسلام إلا بعد ثلاثة عشر قرن من بدء البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة
والسلام، في الوقت الذي وصل فيه الإسلام إلى الصين بعد عشرات السنين من الهجرة؛
ففي أواخر القرن الماضي أسلم أول ياباني وهو المرحوم
أحمد أريجا، وكان مسيحيا كما أدى أول ياباني فريضة
الحج عام 1909م، وهو الحاج عمر ياماوكا. |
|
|
ومنذ أوائل هذا القرن
جرت محاولات عديدة لإدخال الإسلام إلى اليابان، (الداعية المصري علي أحمد الجرجاوي وآخرون عام 1907م، عبد الرشيد إبراهيم مفتي مسلمي
روسيا 1909 م، وجماعة التبليغ منذ عام 1956م)، إلا أن المحاولات الحقيقية بدأت
منذ عام 1960م. |
|
|
ففي عام 1952م أسس عدد
من المسلمين اليابانيين الذين اهتدوا إلى الإسلام قبل
وأثناء الحرب العالمية الثانية - أثناء وجودهم في الصين وملايو
وأندونيسيا - أول جمعية لهم وأسموها: جمعية مسلمي
اليابان. |
|
|
وفي عام 1961م تشكلت
أول جمعية للطلبة المسلمين، وضمت الطلاب القادمين من مختلف البلدان الإسلامية
للدراسة في اليابان، وقد كونت جمعية الطلبة المسلمين وجمعية مسلمي اليابان أول
مجلس مشترك للدعوة في اليابان: هو المجلس الإسلامي المشترك الذي ضمّ ممثلين من
جمعية مسلمي اليابان وجمعية الطلبة المسلمين، وظل جهاز الدعوة يخطط لنشر الإسلام
في اليابان حتى عام 1966م؛ فنشر رسائل عديدة عن الإسلام، وأصدر جريدة إسلامية
وقام بالدعوة، ونظم دروسا تربوية عملية للشباب المسلم الياباني
وغير الياباني، وابتعث
العديد من الشباب الياباني للدراسة في البلاد
الإسلامية، وفي أوائل 1966م طور المجلس نفسه وضم ممثلين عن الجمعيات الإسلامية
الأخرى، مثل الجمعية التركية وجمعية الطلبة الأندونيسيين،
وأطلق على نفسه المركز الإسلامي الدولي، ونشط هذا المركز لمدة قصيرة اعتراه
الضعف بعدها؛ نظرا لعودة أكثر الطلبة النشطين إلى بلادهم بعد انتهاء الدراسة؛
فأصاب العمل الإسلامي في اليابان انحسار شديد. | |