طباعة

 توثيق النص

 

 

 

حبيب الروم

لفضيلة الشيخ محمد شريف الزيبق

المدرس بكلية الدعوة

 

 

هو حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر الفهري القرشي، أبو عبد الرحمن، يعتبر من أقران خالد ابن الوليد وأبي عبيدة في الشجاعة والإقدام والأثر الجميل في الفتوح الإسلامية؛ لأنه شب على الحرب، وألف منذ صغره الطعن والضرب، فقضى معظم حياته في الحروب [1]، وكان يقال له حبيب الروم لكثرة دخوله بلاد الروم، وما ينال من الفتوح فيها، وقد روى الخطيب عن مصعب بن عبد الله أنه قال:   "كان حبيب شريفا قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر الواقدي سماعه" [2].

وقال مكحول: "سألت الفقهاء، هل كان لحبيب صحبة؟ فلم يعرفوا ذلك، فسألت قومه فأخبروني أنه قد كانت له صحبة"، وقال العباس الدوري: "أهل المدينة ينفون عنه الصحبة، وأهل الشام يثبتونها"، وكذا قال أبو يوسف أيضا[3]، واضطربت الرواية عن الواقدي، فمرة يروى عنه قوله: "ونحن نقول إنه ولد قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بسنتين" ومرة يروى عنه قوله: "وحبيب يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم ابن اثنتي عشرة سنة".

والظاهر صحة الرواية الأولى؛ أن حبيبا ولد قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، فقد جاء في تهذيب تاريخ دمشق: قال محمد بن عمرو: الذي عند أصحاب روايتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وحبيب ابن اثنتي عشرة سنة، وأنه لم يغز معه شيئا، وفي رواية غيرنا أنه غزا معه، وحفظ عنه أحاديث[4].

 

وفوده على النبي صلى الله عليه وسلم:

أخرج الحافظ ابن عساكر بسنده أن حبيبا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم غازيا، وأن أباه أدركه بالمدينة فقال: يا نبي الله، إنه ليس لي ولد غيره يقوم في مالي وضيعتي وعلى أهل بيتي، فرده معه، وقال: "لعلك أن يخلو لك وجهك بي في عامك، فارجع يا حبيب مع أبيك"؛ فرجع، فمات مسلمة في ذلك العام، وغزا حبيب فيه.

ويؤكد الحافظ ابن عساكر أن حبيبا صحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه، وأخرج الإمام أحمد عن حبيب أنه قال: (شهدت رسول الله نفل الربع والثلث في الرجعة)، ورواه الحافظ بأسانيد متعددة عن حبيب أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الثلث)، وقال الفضل: قال أبي: أنكر بعض العلماء أن يكون حبيبا غزا مع رسول الله عليه وسلم، وبعضهم يقول: إنه كان معه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى اله عليه وسلم، وهو ابن إحدى عشرة سنة.

 

شهوده معركة اليرموك:

يروي ابن عساكر أن حبيب بن مسلمة خرج إلى الشام مجاهدا في حياة أبي بكر، وشهد اليرموك أميرا على بعض كراديسه[5].

ويذكر البلاذري أن أبا عبيدة عقد لحبيب بن مسلمة على خيل الطلب - جعله قائدا لفصيلة راكبي الخيل المطاردة - فكان يقتل من أدرك من جنود الروم الفارين[6].

ويبدو أن حبيبا ظل في جيش أبي عبيدة، وشارك في مواقعه في بلاد الشام، يقول البلاذري: (وسار أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية، وقد تحصن بها خلق من جند قنسرين، فلما صار بمهروبة - وهي على قريب من فرسخين من مدينة أنطاكية - لقيه جمع للعدو ففضهم وألجأهم إلى المدينة، وحاصر أهلها من جميع أبوابها، وكان معظم الجيش على باب فارس والباب الذي يدعى باب البحر، ثم إنهم صالحوه على الجزية والجلاء؛ فجلا بعضهم وأقام بعضهم، فأمنهم ووضع على كل حالم منهم دينارا وجريبا، ثم نقضوا العهد فوجه إليهم أبو عبيدة عياض بن غنم، وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الأول)[7].

 

ولاية أنطاكية:

وبعد توطيد الفتح ولى أبو عبيدة حبيبا أنطاكية ونواحيها، فغزا الجرجومة فلم يقاتله أهلها، ولكنهم بدروا بطلب الأمان والصلح، على أن يكونوا أعوانا للمسلمين، وعيونا ومسالح في جبل اللكام، وأن لا يؤخذوا بالجزية، وأن ينفلوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا حربا في مغازيهم، ودخل من كان في مدينتهم من تاجر وأجير وتابع من الأنباط وغيرهم وأهل القرى في هذا الصلح؛ فسموا الرواديف، لأنهم تلوهم وليسوا منهم[8].

 

فتوحه:

وكان الجراجمة يستقيمون للولاة مرة ويعوجون أخرى؛ فيكاتبون الروم ويمالئونهم[9].

ويذكر البلاذري أن حبيبا فتح قرقيسيا صلحا، وأنه لما ولي معاوية بن أبي سفيان الشام والجزيرة وجّه حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة، ورتب رابطة من المسلمين مع عاملها، وشحنها بجماعة من أهل الشام والجزيرة وغيرها، فكانت طريق الصوائف[10].

وكان حصن الحدث فتحه حبيب بن مسلمة أيام عمر بن الخطاب[11]، وفتح حصن زبطرة، وهما حصنان قديمان للروم[12]، وإلى حبيب ينسب موضع (بطنان حبيب)؛ لأن أبا عبيدة أو عياض بن غنم وجهه من حلب ففتح الحصن فنسب إليه[13].

 

وفوده على عمر بن الخطاب في خلافته:

روى ابن عساكر من طرق أن حبيب بن مسلمة كان يلي الطائف على عهد عمر، ويبلغ عنه عمر ما يحب، ولم يثبته (أي الجيش) حتى قدم عليه في حجة، وكان تام القامة، فسلم على عمر، فقال له: إنك لفي قناة رجل، قال: إني والله وفي سنانها، وفي رواية أنه قال: إنك لجيد القناة، قال: وجيد سنانها، قال عمر: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء، ففتحوها له، فعدا عن الأموال وأخذ السلاح.

وفي رواية أخرى لابن عساكر أن عمر لما عزل عياض بن غنم عن الجزيرة ولى حبيب بن مسلمة وضم إليه أرمينية وأذربيجان، ثم عزله وولى عمير بن سعد الأنصاري وسعيد بن عامر بن خديم[14].

وكان حبيب الروم كثير الغزو للروم شديد النكاية فيهم، دخل مرة أرض الروم على جيش؛ فاهتم عمر بأمرهم، فلما بلغه خروج حبيب ومن معه خر ساجدا لله، وكان لكثرة خوضه الحروب محبوبا من الناس، ومشهورا بالشجاعة، منوها باسمه على ألسن الشعراء، مدحه حسان بن ثابت بقوله:

يا أيها الناس أبدوا ذات أنفسكم

لا يستوي الصدق عند الله والكذب

قوموا بحق مليك الناس تعترفوا

بغارة عصب من فوقـها عصب

فيهم حبيب الموت يقدمهم

مستلئما قد بدا في وجهه الغضب

 

ولايته أرمينية:

ولما استخلف عثمان بن عفان كتب إلى معاوية - وهو عامله على الشام والجزيرة وثغورها - يأمره أن يوجه حبيب بن مسلمة إلى أرمينية، تقديرا منه لبلائه وأثره الجميل في فتوح الشام وغزو الروم.

ويذكر ابن كثير في حوادث سنة 28 - نقلا عن الواقدي - أن حبيب بن مسلمة غزا أرض الروم، ولما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص أخاه سلمان بن ربيعة، وأمدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة.

 

شهوده حروب صفين وغيرها مع معاوية:

ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، فقال: نزل حبيب بالشام، ولم يزل مع معاوية في حروبه في صفين وغيرها، ووجهه إلى أرمينية واليا عليها، فمات بها سنة 42 ولم يبلغ خمسين سنة.

بعثه معاوية مع شرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس في سفارة إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فدخلوا عليه، فبدأ حبيب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا عمل بكتاب الله وثبت لأمر الله، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلته إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس ليكون أمرهم شورى بينهم؛ فيولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم، فقال له علي: وما أنت لا أم لك، وهذا الأمر وهذا العزل؛ فاسكت فإنك لست هناك، ولا بأهل لذاك، فقال له حبيب: أما والله لتريني حيث تكره، فقال له علي: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك؛ لا أبقى الله عليك إن أبقيت! اذهب!؛ فصعّد وصوّب ما بدا لك، وكان فيما قال لهم علي: لا أقول إن عثمان قتل مظلوما ولا ظالما، فقالوا: نحن نبرأ ممن لم يقل إن عثمان قتل مظلوما، وخرجوا من عنده؛ فتلا قوله تعالى: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}، ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم.

ويعقب الحافظ ابن كثير على ذلك بقوله: وهذا عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه[15].

وكان حبيب على ميسرة جيش معاوية يوم صفين، وفي رواية أخرى أنه كان على الميمنة[16]، وقد بارز حبيب الأشتر فاقتتلا قتالا شديدا ولم يغلب أحد أحدا[17]، وشهد حبيب التحكيم ثاني عشرة من أهل الشام[18]، قال أبو عمر بن عبد البر: كان أهل الشام يثنون على حبيب بن مسلمة، قال سعيد بن عبد العزيز: كان حبيب بن مسلمة فاضلا، مجاب الدعوة، ويقال إن معاوية كان قد وجه حبيبا بجيش إلى نصر عثمان بن عفان، فلما بلغ وادي القرى، بلغه أن عثمان قد قتل، فرجع ولم يزل مع معاوية في حروبه[19].

وكان حبيب يلح على معاوية بالعمل بسيرة أبي بكر وعمر، روى ابن عساكر عن ابن عجلان قال: لما أتى معاوية موت حبيب بن مسلمة سجد، ولما أتاه موت عمرو بن العاص سجد، فقال له قائل: يا أمير المؤمنين سجدت لوفدين وهما مختلفان، فقال: أما حبيب فكان يأخذني بسنة أبي بكر وعمر، وأما عمرو فيأخذني بالإمرة الإمرة؛ فلا أدري ما أصنع[20].

 

كان مجاب الدعوة:

أخرج البيهقي والطبراني عن أبي هريرة أن حبيبا كان مستجاب الدعوة، وكان قد أمر على جيش، فدرب الدروب، فلما لقي العدو قال للناس: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم - أو قال: سائرهم - إلا أجابهم الله"، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: اللهم احقن دماءنا، واجعل أجورنا أجور الشهداء[21].

 

وفاته:

اختلف في محل وفاته:

فقال البلاذري: إنه لما أمره عثمان بالانصراف إلى الشام نزل حمص فنقله معاوية إلى دمشق، فتوفي فيها سنة 42، وقال ابن عبد البر: إن معاوية وجهه إلى أرمينيا واليا عليها، فتوفي فيها سنة 42، وذكر ذلك ابن سعد وابن عساكر، وأنه مات ولم يبلغ الخمسين كما تقدم[22]، وفي رواية ابن عساكر أن حبيبا دخل الحمام فأطال المكث فيه فمرض مرضه الذي مات فيه.

وقال أبو زرعة الدمشقي: إن لحبيب ولدا كثيرا عندنا بحوران، ومنزلة بطرف من أطراف حوران، وكان بعضهم يصهر إلي، ورثاه شريح بن الحارث بقوله:

ألا كل من يدعى حبيبا وإن بدت

مروءته يفدي حبيب بني فهر

همام يقود الخيل حتى كأنما

يطأن برضراض الحصا جاحم الجمر

رضي الله عنه وأرضاه وعفا عنه في المجاهدين والقادة الفاتحين.

 

 



[1]أشهر مشاهير الإسلام  لرفيق العظم ص828 وتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر4/35.

[2]تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر4/35، وأسد الغابة1/449، والإصابة2/25.

[3]تهذيب تاريخ دمشق4/35.

[4]تهذيب تاريخ دمشق4/35 ، والاستيعاب لابن عبد البر1/321.

[5] تهذيب تاريخ دمشق4/35.

[6] فتوح البلدان للبلاذري141.

[7] فتوح البلدان152.

[8] فتوح البلدان164.

[9] فتوح البلدان180.

[10]  فتوح البلدان189..

[11] فتوح البلدان193.

[12] فتوح البلدان195 .

[13] فتوح البلدان154.

[14] الاستيعاب1/326 وأشهر مشاهير الإسلام828.

[15] البداية والنهاية7/259.

[16] البداية والنهاية7/261 وتهذيب تاريخ دمشق7/35.

[17] البداية والنهاية7/262.

[18] البداية والنهاية7/278 والاستيعاب1/321.

[19] الاستيعاب لابن عبد البر326.

[20] تهذيب تاريخ ابن عساكر7/36.

[21] الاستيعاب1/321 والإصابة2/25.

[22] فتوح البلدان195 والطبقات الكبرى7/410 وتهذيب تاريخ دمشق7/36.