طباعة

 توثيق النص

 

 

 

كلمة التحرير

مؤتمر القمة الإسلامي وآمال المسلمين

د. عباس محجوب: أستاذ مساعد بكلية الدعوة

 

 

نأمل أن يكون مؤتمر القمة الإسلامي المقام في مكة من أهم أحداث هذا القرن الجديد وبداية الخطوات الجادة في سبيل عودة المسلمين إلا ربهم وإلى منهج الله وكتابه وشريعته، بعد أن جربوا طوال السنوات الماضية شرائع البشر ومناهجهم، وأهمية هذا المؤتمر الذي يرفع شعار التضامن الإسلامي أنه يعقد في مكة المكرمة مهبط الوحي ومنبع النور وقبلة المسلمين في الأرض، مكة التي اختارها الله مكانا لبيته الذي يتجه إليه المسلمون كل يوم خمس مرات؛ سائلين الله وحده عابدين له دون سواه.

ولقاءات القمة هي أحدث أساليب الاتصال والتفاهم والترابط بين أمم الأرض، فضلا عن أمة الإسلام التي يربط بعضها ببعض أقوى الروابط وأمتن الصلات، وهي رابطة العقيدة ثم اللغة والنسب، والهموم المشتركة، والأهداف الإلهية الواحدة، والرسالة الخالدة، والتاريخ المشرق النابض في الماضي الخالد، والحاضر الحي والمستقبل المليء والموعود بجد العمل وإخلاص العبادة، وجمال العودة إلى منهج السماء وشريعة الله الخالدة وكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن عقيدة التوحيد هي التي حققت أول وحدة في تاريخ البشرية؛ قامت على أسس سليمة، وهي الوحدة القائمة على إفراد الله بالربوبية والألوهية والحاكمية والولاء والقبلة.

ويأتي هذا المؤتمر والعالم يعيش في ظلام دامس، وتخبّط وضلال وكفر وابتعاد عن الله، وافتقاد للقيادة الرشيدة التي تخلى المسلمون عن القيام بأعباءها وتحمل مسؤولياتها، وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله :{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، ولأن الأمم الإسلامية لم تستخدم مقدراتها ولم تستفد من مقومات القيادة في دينها وعلمها وتاريخها، تخلت عن مكانها في قيادة البشرية وأصبحوا أتباعا يسيرون في ذيل التاريخ ويأكلون من فتات المعرفة، وانتقلت القيادة إلى الغرب تقود البشرية كما تريد، وأصبح العالم يعاني فقرا في القيادة وإفلاسا في التوجيه، وانقسمت نفسها إلى شرقية في الدول الشيوعية وغربية في دول الغرب.

أما المجتمع الاشتراكي فهو يعاني من عدم سلامة المنهج وثبات المبدأ؛ إذ تهدمت مبادئ الشيوعية كلها تحت معاول الهدم والتطبيق والتغيير، وواجه الفكر الشيوعي زعزعة في المبادئ فلم يعد العالم الاشتراكي يؤمن بدكتاتورية الطبقة العاملة؛ أساس النظام الماركسي، وتعددت المدارس الاشتراكية في العالم متمردة على تعاليم ماركس وانجلز ولينين، وأصبحت المقولات الشيوعية المحفوظة مثار سخرية وتندر، وأصبح الاستعمار الشيوعي أكثر شراسة مما عرف البشر من أنواع الاستعمار، وانتشرت جيوش الشيوعية المفلسة تحتل البلدان عنوة في المجر وبلغاريا والحبشة وأفغانستان.

أما الاستعمار الأمريكي فهو ناعم الملمس خبيث المقصد؛ يحتل البلدان حسب أنظمة الحكم فيها، ويستعمل أنواعا من التهديدات والعقوبات الاقتصادية، والضغوط السياسية، مع أنه يعاني من ضعف قيادته للمجتمع الأمريكي الذي يعاني من مشكلات الجنس والمخدرات وهوس الشباب وتمرده.

إن العالم الغربي يستغل معطيات الحضارة في نشر البغي والاعتداء واستنزاف مقدرات الشعوب، ولا مخرج للعالم من غياب القيادة المؤمنة الرشيدة إلا بالرجوع إلى الله، واتخاذ الشريعة منهجا للحياة وعبادة الله وحده، ولا يتم ذلك إلا بالدعوة الصادقة لزعماء المسلمين وقادتهم؛ وأغلبهم لا يطبقون شريعة الله ولا يتبعون منهجه، ولا يأخذون بالإسلام كنظام صالح لقيادة البشرية وتوحيدها وتحكيم شريعتها؛ حتى يمكن أن تقدم نماذج للحكم الإسلامي والاستقرار النفسي والمادي والأمن والطمأنينة ونحوها من ألوان السعادة التي تتم باتخاذ القرآن والسنة دستورا للحياة.

إن المسلمين يواجهون مشكلات عصيبة وتحديات خطيرة نتيجة عدم تحكيمهم لكتاب الله، وعلى رأس هذه المشكلات التي أخذت السنوات من عمر المسلمين معركتنا الدائمة مع اليهود، والتي أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنها معركة دائمة ومستمرة، واليهود لم يحققوا أهدافهم إلا في ظروف غياب الخلافة الإسلامية ووحدة المسلمين وتجريد أهم قضاياهم من الصبغة الإسلامية، وأقرب مثال لذلك قضية فلسطين التي استطاع أعداء الله في الشرق والغرب جعلها قضية عربية؛ حتى وصل الأمر إلى اقتناع (منظمة التحرير الفلسطينية) بذلك؛ فاعتنقت الدعوة إلى قيام دولة علمانية في أرض فلسطين، وشردت القضية في ذلك في متاهات القومية والمذهبية والعنصرية، وأبعد عنها دول إسلامية لها ثقلها المادي والمعنوي، والمعركة في الحقيقة معركة بين العقيدة الإسلامية والدعاوى اليهودية، وما لم يجدد قادة المسلمين هوية هذه القضية الدينية ويعودوا إلى الله يطلبون العون ويأخذون بأسباب النصر؛ فسوف تتحقق مطامع اليهود في إسرائيل الكبرى، وسيرنو اليهود إلى مقدسات الإسلام الأخرى بعد أن التهموا المسجد الأقصى وعاثوا فيه فسادا وأحرقوه بالنيران عام 1969م.

إن على قادة المسلمين أن يوجهوا الشعوب الإسلامية إلى تنفيذ أمر الله الدائم {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، وإلا فسوف يتحقق فيهم قول الله تعالى :{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}، أو {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}.

إن الاتجاه إلى الاعتراف بإسرائيل ضمن حدود 1967م وتدويل مدينة القدس اتجاه خطير، على قادة الشعوب الإسلامية ألا يقبلوه، والبديل لذلك رفع راية الجهاد وفتح باب التطوع للشباب المسلم، وإطلاق الحريات العامة للشعوب المسلمة، وإيقاف المجازر والتقتيل للمسلمين، وإغلاق السجون المفتوحة للدعاة إلى الله.

أما قضية أفغانستان فيجب ألا تكون المواقف المتصلبة للغرب هي الدافعة لمواقفنا، بل علينا اتخاذ المواقف التي يمليها علينا ديننا وحق إخواننا المسلمين في مؤازرتهم وإعدادهم وتزويدهم بالمال والسلاح والرجال؛ إعلاء لكلمة الله وتلبية لداعي الجهاد للكفر والإلحاد.

إن الحرب الإيرانية العراقية حرب بين المسلمين تستنزف دماءهم، وتدمر قوتهم، وتثير الضغائن وتلهب العصبية؛ وكل ذلك ليس في سبيل الله ولا نصرة لدينه، والخاسرة هي الشعوب الإسلامية التي تقاد إلى طرق لا تريد أن تسلكها، وعلى قادة المسلمين أن يؤازروا المساعي التي بدأتها المملكة في سبيل اجتماع قطبي البلدين لوضع حد للحرب الدائرة بينهما ضمن إطار إسلامي.

إن علينا أن نضع الحلول للمشكلة اللبنانية، ومشكلات المسلمين الذين يبادون في الفلبين وتشاد والحبشة وسوريا ونيجيريا وغيرها من البلاد؛ حتى تشعر الأمم الإسلامية أن قادتها يجتمعون على مصالحها ويرعون الله في أماناتها.

إن قوة المسلمين في قيام منظمة وحدة إسلامية على أسس إسلامية ونوايا صادقة وإخلاص لله، وعلى تحقيق صور التعاون الاقتصادية والتكامل واستثمار أموال المسلمين في الدول الإسلامية، وعلى الاعتصام بحبل الله المتين ونوره المبين والتمسك بكتاب الله تنفيذا له وعملا بما جاء به والعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقيد بها؛ {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.

د. عباس محجوب