طباعة

 توثيق النص

 

 

 

مفهوم الأسماء والصفات

فضيلة الشيخ / سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية

(الحلقة الثانية)

 

 

أسلفت في الحلقة الأولى ما يتضمن أن معرفة الله جل وعلا هي المنطلق الذي تصح منه العبادة، إذ لو أنها قد انبعثت من غيره، لما انبسطت لها قاعدة ترتكز عليها، فلا يلبث صاحبها حتى يجدها تهوي به في مكان سحيق، وتستحيل هباءًَ منثورا، وكيف يعرض الإنسان عن معرفة خالقه وهو سبحانه يوالي عليه نعمه كل لحظة منذ ولادته حتى مماته؟ وكيف ينصرف عن التعرف على الحي القيوم الذي بيده مقاليد كل شيء، والذي لا يستغني عنه طرفة عين، ويسعى إلى التعرف على أفراد من البشر أمثاله، وهم لا يملكون له -فضلا عن أنفسهم- ضرّاً، ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً، ولا حياةً ولا نشوراً؟

إن أول ما يجب على العبد أن يتعرف على ربه سبحانه، ليستطيع أن يحقق الغاية التي من أجلها خلق، وهي التي ذكر الله عز وجل في قوله : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات آية 56)، إذ لا سبيل إلى تحقيق العبادة إلا عن طريق البدء بمعرفة الله تعالى، ولا يمكن للعبد أن يعبد من يجهله، وإلا كان تخبطا وضربا في تيه بيداء مهلكة.

ومن ثم بدأت أساهم - بقدر ما ييسر الله تعالى لي-   في الكتابة في باب التعرف على الله تعالى باعتباره نقطة البدء في حياة المسلم، بادئا ببيان مفهوم الربوبية في أربع حلقات سابقة، ثم ثنيت ببيان مفهوم أسماء الله تعالى وصفاته في حلقة أولى مضت، وانتهيت فيها من بيان أسماء الله تعالى التي تضمنتها سورة الفاتحة.

وفي هذه الحلقة أعرض -بحول الله وقوته- بيان أسماء الله تعالى التي تضمنتها سور القرآن الكريم، مشيرا إلى ما تكرر من الأسماء في مختلف سور القرآن الكريم، بالصيغة ذاتها، أو بصيغ مختلفة.

وسوف أحاول إن شاء الله تعالى -حوَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْسبما ييسر لي سبحانه-  إلقاء  بعض الضوء  على هذه الأسماء الكريمة التي تضمنتها سور القرآن الكريم، ابتداء من سورة البقرة حتى سورة الناس، وذلك على الوجه التالي:

 

المحيط:

هو اسم من أسماء الله تعالى، ورد في القرآن الكريم ثماني مرات منها ست مرات[1] بلفظ (محيطٌ) بالرفع فيما يأتي:

في قوله تعالى : {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} (البقرة آية 19)، وقوله :{إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران آية 120)، وقوله: {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (الأنفال آية 47)، وقوله: {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (هود آية 92)، وقوله : {أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} (فصلت آية 54)، وقوله: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} (البروج آية 20).

ومنها  مرتان[2] بلفظ (محيطاً) بالنصب، فيما يأتي:

في قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} (النساء آية 108)، وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً} (النساء آية 126).

وإحاطة الله تعالى بالشيء معناها: حصره إياه من جميع جوانبه، مع العلم المطلق بكل دقائقه، بحيث لا يتصور أن تفلت منه ذرة، أو ما فوقها، أو ما دونها، علما أو إيجادا، أو إعداما.

ففي مثل قوله تعالى : {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} (البروج آية 20)، تمثيل لعدم نجاة المكذبين الكافرين بعدم فوت المحاط به على المحيط[3]، ذلك بأنه سبحانه هو الذي خلق كل شيء وملَكَه، واستأثر بالتصرف فيه عن قدرة تامة، وعلم مطلق، لذا يقول سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} (الطلاق آية 12).

القدير: (القادر، المقتدر)

 

القدير:

هو اسم من أسماء الله تعالى، ورد في القرآن الكريم خمسا وأربعين مرة[4]،منها تسع وثلاثون مرة ورد فيها بلفظ (قديرٌ) بالرفع في مثل قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة آية 20)، وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة آية 106). وقوله: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة آية 148)، وقوله: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران آية 26)، وقوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة آية 17).

ومنها ست مرات[5] ورد فيها بلفظ (قديراً) بالنصب في قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً} (النساء آية 133). وقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} (النساء  آية 149)، وقوله: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} (الفرقان آية 54). وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} (الأحزاب آية 27). وقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} (فاطر آية 44)، وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} (الفتح آية 21).

 

القادر:

هو اسم من أسماء  الله تعالى؛ ورد في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة[6] ج منها أربع  مرات (3) (قادرٌ): بالرفع، في قولـه تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً} (الأنعام آية 37)، وقوله: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً} (الأنعام آية 65)، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} (الإسراء آية 99)، وقوله: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} (الطارق آية 8).

ومنها ثلاث مرات بالجر بلفظ (قادرٍ) في قوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} (يس آية 81)، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} (الأحقاف آية 33)، وقوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} (القيامة آية 40).

ومنها أربع مرات بصيغة الجمع بلفظ (قادرون) بالرفع في قوله تعالى:

{وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} (المؤمنون آية 18)، وقوله: {وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} (المؤمنون آية 95)، وقوله: {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} (المعارج آية 40)، وقوله: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} (المرسـلات آية 23).

ومنها مرة واحدة بصيغة الجمع بلفظ (قادرين)  بالنصب في قوله تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ}

 

المقتدر:

هو اسم من أسماء  الله تعالى، ورد[7] في القرآن الكريم أربع مرات، منها مرتان بلفظ (مقتدرٍ) بالجر، في قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر آية 42)، وقوله : {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر آية 55).

ومنها مرة واحدة بلفظ (مقتدراً) بالنصب في قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} (الكهف آية 45).

ومنها مرة واحدة بصيغة الجمع بلفظ (مقتدرون) بالرفع، في قوله تعالى: {فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ} (الزخرف آية 42).

واسم (قادر) على وزن (فاعل)، واسم (قدير) على وزن (فـعيل) وهي صيغة مبالغة، واسم (مقتدر) على وزن (مفتعل)، وفي اللغة العربية زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

وهذه الأسماء الثلاثة تتضمن جميعها أن الله سبحانه يستطيع أن يفعل كل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء،  وأمره -عندما يريد شيئا- إنما هي كلمة كن:  فيكون ما يريـد في الحال. وفي هذا  يقول سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (النحل آية 40)، وقوله: {سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (مريم آية 35)، وقوله: {سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس آية 82)، وقوله: {فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (غافر آية 68)، وقوله: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} (القمر آية 50).

وليس أدل على كمال القدرة المطلقة للقادر، القدير، المقتدر، من أن يوجد سبحانه ما يريده بكلمة كن فيكون ما يريد كلمح البصر.

 

العليم: (العالم- العلام):

هو اسم من أسماء الله تعالى بصيغة المبالغة على وزن فعيل، ورد في القرآن الكريم اثنتين وخمسين ومائة مرة[8]، منها أربعون ومائة مرة بلفظ (عليمٌ)[9] بالرفع، في مثل قوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة آية 29)، وقوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} (البقرة آية 95)، وقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة آية 115).

ومنها اثنتان وعشرون مرة[10] بلفظ (عليماً) بالنصب، في مثل قوله تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء آية 11)، وقوله: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً} (النساء آية 70)، وقوله: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} (النساء آية 127).

 

العـالم:

هو اسم من أسماء الله تعالى.. على وزن (فاعل)، وقد ورد في القرآن خمس عشرة مرة[11] منها  سبع مرات بلفظ (عالمُ) بالرفع[12]، في مثل قوله تعالى: {وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (الأنعام آية 73)، وقوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} (الرعد آية 9)، وقوله: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (السجدة آية 6).

ومنها مرة واحدة بلفظ (عالمَ) بالنصب[13]، في مثل قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (الزمر آية 46).

ومنها خمس مرات بلفظ (عالمِ) بالجر[14]، في مثل قوله تعالى: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة آية 94، الجمعة آية 8)، وقوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة آية 105).

ومنها مرتان بصيغة الجمع بلفظ (عالمين) بالنصب[15]، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} (الأنبياء آية 51)، وقوله: {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} (الأنبياء آية 81).

 

العَلاَّم:

هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعّال)، وهو صيغة مبالغة، يدل على سعة العلم وعظمته، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات، في قوله تعالى: {قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} (المائدة آية 109)، وقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} (المائدة آية 116)، وقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} (التوبة آية 78)، وقوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} (سبأ آية 48).

وعلم الله تعالى أزلي، وهو صفة من صفاته الذاتية سبحانه، يقتضي علمه بالظواهر والسرائر، وإحاطته بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعْزُب مثقال ذرة في السموات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر[16]، فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه[17].

والله العليم سبحانه قد كمل في علمه، يعلم ما يلج في الأرض،وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ويعلم ما في السموات والأرض، وهو تعالى بكل شيء عليم.

وأن العبد إذا استشعر عظمة علم الله، وسعته، وشموله لكل ما خلق الله جل وعلا، فإنه يعيش دائما يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطلب منه دائما أن يزيده من بالعلم الذي ينفعه في دينه ودنياه تنفيذا لقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (طه آية 114).

 

الحكيم:

هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فعيل)، ورد في القرآن الكريم سبعا وتسعين مرة[18]، منها  إحدى وثمانون مرة بلفظ (حكيم) بالرفع، في مثل قوله تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (البقرة آية 32)، وفي قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة آية 129)، وقوله: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران آية 6)، وقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (الأنعام آية 18)

ومنها ست عشرة مرة[19]، بلفظ (حكيما) بالنصب في مثل قوله تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء آية 11)، وقوله: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (الفتح آية 4)، وقوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} (الإنسان آية 30).

والحكمة هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء.

وحكيم بمعنى مُحْكِم، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} (النحل آية 88)[20].

 

التوّاب:

هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فعَّال)، ورد في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة[21]، منها ثماني مرات بلفظ (توّابٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة آية 37)، وقوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة آية 118)، وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (الحجرات آية 12).

ومنها ثلاث مرات[22] بلفظ (تواباً) بالنصب في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً} (النساء آية 16)، وقوله: {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} (النساء آية 64) قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} (النصر آية 3).

والتواب: معناه الذي يتوب على عباده كلما رجعوا إليه، فيقبل توبتهم.

كما قال تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} (غافر آية 3).

وكما قال : {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} (الشورى آية 25).

ومعرفة اسم التواب، يدعو العبد إلى الرجوع إلى ربه وتوبته من معاصيه باستمرار.

 

البارئ:

هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل)، ورد في القرآن الكريم ثلاث مرات[23]، في قوله تعالى: { إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ } (البقرة آية 54)، وقوله: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} (البقرة آية 54)، وقوله : {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (الحشر آية 24).

والبارئ: هو المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها، وقيل: المميز لبعضها عن بعض[24]، والبارئ من البَرء.

والبَرْء : هو تنفيذ وإبراز ما قدره وقرره الله تعالى إلى عالم الوجود [25].

والبرء : كذلك هو خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، لأن البرء من تبرئة الشيء من الشيء، من قولهم: برأت من المرض، وبرئت من الدين أبرأ منه، فبعض الخلق إذا فُصل من بعض سمي فاعله بارئا، وفي الأيمان: "لا والذي خلق الحبّة، وبرأ النسمة" [26].

وقال أبو علي: هو المعنى الذي به انفصلت الصور بعضها عن بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو، وصورة حمار مفارقة لصورة فرس، فتبارك الله خالقا بارئا [27].

ومعرفة اسم الباري تجعل العبد يؤمن بأنه سبحانه هو الموجد لكل الأشياء من العدم فلا ييأس على ما فاته ولا يفرح بما آتاه، وقد قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد آية 22-23).

البصير:

هو اسم من أسماء الله تعالى بصيغة مبالغة على وزن (فعيل)، ورد في القرآن الكريم اثنتين وأربعين مرة[28]، منها إحدى وثلاثون مرة[29] بلفظ (بصيرٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} (البقرة آية 96)، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة آية 110)، وقوله: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (آل عمران آية 15)، وقوله: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (المجادلة آية 1)، وقوله: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} (الملك آية 19).

ومنها تسع مرات[30] بلفظ (بصيرا) بالنصب، في مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء آية 58)، وقوله: {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} (الإسراء آية 17)، وقوله: {إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً} (طه آية 35)، وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} (الفتح آية 24).

والبصير بمعنى مبصر، فهو سبحانه يرى كل شيء من خلقه دقَّ أو جلَّ، ظهر أو خفي، لا تحجب رؤيته الحواجب التي تحجب عن خلقه الرؤية، إذ يبصر سبحانه النملة السوداء تدب على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.

وإذا استشعر العبد أن ربه البصير يراه ولا يحجب عنه أي شيء من خلقه، فإنه يراقب ربه، ولا يكون دائما إلا في الموضع الذي يجب أن يراه فيه.

الواسع، (الموسع) :

(الواسع) : اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل)، ورد في القرآن الكريم تسع مرات[31] منها ثماني مرات[32] بلفظ (واسعٌ) بالرفع في قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة آية 115)، وقوله: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة آية 261)، وقوله: {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة آية 268)، وقوله: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران آية 73)، وقوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (المائدة آية 54)، وقوله: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور آية 32)، وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} (النجم آية 32).

ومنها مرة واحدة بلفظ (واسعاً) بالنصب في قوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} (النساء آية 130).

ويلاحظ أن اسم (الواسع) اقترن في سبع آيات -من التسع- التي ورد فيها باسم (العليم) ولعل هذا يشير إلى أن الله سبحانه يعطي من فضله الواسع من يشاء عن كمال العلم بمن يستحق هذا العطاء، سواء أكان هذا العطاء رحمة، أو مغفرة، أو ملكا، أو مالا، أو علما، أو أي نوع من أنواع العطاء، وعطاؤه سبحانه -فضلا عن كونه عن كمال العلم- فهو مع كمال الحكمة، وسعة المغفرة، وفي هذا نجد أن اسمه (الواسع) سبحانه جاء مضافا إلى المغفرة مرة واحدة {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} وجاء مقترنا باسمه (الحكيم) مرة واحدة كذلك {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً}.

ومعنى (الواسع) الذي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم.

وقيل: بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}[33] (طه آية 98).

وقال الفراء الواسع: الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء[34].

وقيل: الواسع : واسع الفضل يوسع على من يشاء من عباده [35].

وقيل: الواسع: الذي يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال.

وقيل الواسع: واسع الفضل والصفات وعظيمهما، ومن سعته وعلمه وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور[36].

و(الموسع): اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مُفْعِل) ورد في القرآن الكريم مرة واحدة بصيغة الجمع، بالرفع، في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات آية 47).

ومعنى (الموسع): ذو الوسع والسعة، وقيل الموسعون القادرون، فالموسع أي القادر [37].

وقيل الموسع: أي لأرجاء السماء وأنحائها، وأيضا الموسع على عباده بالرزق الذي ما ترك دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليه من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها، فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات[38].

وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، من قولهم: "وسع كل شيء علما" أي أحاط به[39].

السميع (والمستمع):

هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل) أي سامع[40].

وقد ورد في القرآن الكريم خمسا وأربعين مرة[41]. منها اثنتان وأربعون[42] بصيغة (سميعُ) بالرفـع في مثل قوله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة آية 127).

وقوله: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة آية 137). وقوله: {لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنعام آية 115)، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (لقمان آية 28)، وقولـه: {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} (سبأ آية 50).

ومنها ثلاث مرات[43] بصيغة (سميعاً) بالضم في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء آية 58). وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء آية 134)، وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} (النساء آية 148).

ويلاحظ أن اسم (السميع) سبحانه ورد مقترنا باسم (الحليم) اثنتين وثلاثين مرة[44] وتسع مرات[45] مقترنا باسم (البصير). ومرة واحدة[46] باسم (القريب). وورد مرتين[47] مضاف إلى (الدعاء) في قوله: { إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} (آل عمران آية 38).

وقوله: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} (إبراهيم آية 39).

ويجلِّي لنا تمام سمعه -سبحانه- بكل شيء، ما رواه الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت :

"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى آخر الآية. والمجادلة هي: خولة بنت ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت، وكان امرءا به لمم، وكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته".

وكذلك في رواية أخرى لابن أبي حاتم عن عائشة أنها قـالت: "تبارك الله الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى تقول يا رسول الله: أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت لـه بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني. اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}[48]".

أما اقتران اسم (السميع) سبحانه باسم (العليم) واسم (البصير) فإن سمعه مع علمه محيط بهم وبصره نافذ فيهم. فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء[49].

وأما اقتران اسم (السميع) سبحانه باسم (القريب)، وإضافته إلى الدعاء، فإنه سبحانه وهو فوق عرشه يسمع كل حركة وسكنة ولفظـة من خلقه. وكـل دعاء من عباده، فيجيب من يدعوه لشدة قربه منهم، فهو عليٌّ في قربه قريب في علوه. كما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة آية 186)، وكما قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق آية 16)، وكما يقـول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ".

المستمع:

وهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مفتعل). وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة[50] بصيغة الجمع بلفظ (مستمعون) بالرفع، في قوله تعالى: {قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} (الشعراء آية 15).

ومعنى (مستمع) أي سامع لموسى وهارون عليهما السلام -وسامع لكل خلقه بلا ريب- وذلك كقوله لهما: {لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (طه آية 46) أي أنه  يسمعهما -وهو فوق عرشه- ماذا يقولان لفرعون ويراهما وهما تحت حفظـه وتأييده[51].

وقد قيل إن (سمع) تأتي بمعنى أجاب، وذلك في مثل ما يقول المصلي عند رفعه من الركوع: "سمع الله لمن حمده" أي استجاب[52].

العزيز:

هو اسم من اسماء الله تعالى على وزن (فعيل)، وقد ورد في القرآن الكريم تسعا وثمانين مرة[53] منها اثنتان وثمانون[54] بلفظ (العزيز) أو (عزيز) بالرفع، في مثل قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة آية 129)، وقوله: {لا إِلَهَ إِلا َّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران آية 18). وقوله: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة آية 38)، وقوله: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } (هود آية 66). وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (إبراهيم آية 47). وقوله: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } (الشعراء آية 9)، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (فاطر آية 28).

ومنها ست مرات[55] بلفظ (عزيزا) بالنصب من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} (النساء آية 56). وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (النساء آية 158). وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} (الأحزاب آية 25). وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (الفتح آية 19).

ومعنى (العزيز) الغالب كل شيء، والذي ذلّّّ لعزته كل عزيز، والممتنع فلا يغلبه شيء[56] وهو سبحانـه (رب العزة)، وبيده وحده العزة، يعز بها من يشاء، ومن يرد العزة فلا مصدر لها سوى (العزيز) سبحانه: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} (فاطر آية 10). وقد أثبت الله تعالى لنفسه العزة جل وعلا. ومن عزته أعز رسوله صلى الله عليه وسلم، وأعز كذلك المؤمنين، فقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (المنافقون آية 8)، وقد توعد الله تبارك وتعالى المنافقين الذين يلتمسون العزة عند الكافرين الذين اتخذوهم أولياء من دون المؤمنين فقال سبحانه: { بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} (النساء آية 138، 139)، وقد اقترن اسم (العزيز) سبحانه بأسماء  أخرى لله تعالى على الوجه الآتي:

1- اقترن باسم (الحكيم) تسعا وأربعين مرة: واقترانه به يفيد أنه الغالب الذي لا يعجزه  شيء  سبحانه، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله جميعا فيضع الأشياء في محالها التي تناسبها مناسبة كاملة.

2- واقترن باسم (ذو انتقام) ثلاث مرات[57]: واقترانه به يفيد أنه الغالب الذي يقدر على أن ينتقم ممن يستحق الانتقام منه بمنتهى العدل منه سبحانه.

3- واقترن باسم (القوي) سبع مرات[58]. واقترانه به يفيد أنه سبحانه ذو القوة التي لا تغلب فبقوته سبحانه وعزتـه يوقـع بمن يشاء من عقوبته ولا معقب لما يريد سبحانه.

4- واقترن باسم (الحميد) ثلاث مرات[59]: واقترانه به يفيد أنه سبحانه العزيز الغالب الذي لا يضام من لاذ بجانبه المنيع، المحمود في جميع أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره[60]، فهو المحمود في كل حـال[61].

5- واقترن باسم (الرحيم) ثلاث عشرة مرة[62]: واقترانه به يفيد أنه مع عزته وقوته وغلبته سبحانه، رحيم بخلقه بمعنى أنه لا يعجل العقوبة على من عصاه بل يؤجله وينظره، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. وقـال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب[63]، وقيل: العزيز الذي قد قهر كل مخلوق ودان له العالم العلوي والسفلي - الرحيم: الذي وسعت  رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى كل حي- العزيز: الذي أهلك الأشقياء بأنـواع العقوبات، الرحيم: بالسعـداء حيث أنجاهم من كل شر وبلاء[64].

6- واقترن باسـم (العليم) خمس مرات: واقترانه به يفيد أنه العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل، والنهار، والشمس، والقمر، يخـتم الكلام بالعزة والعلم كما في قوله تعالى: {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}[65] كذلك هو العزيز الذي من عزته انقادت له هذه المخلوقات العظيمة. فجرت مذللة بأمره حيث لا تتعدى ما حده الله لها ولا تتقدم عنه ولا تتأخر، العليم الذي أحاط علمه بالظـواهر والبواطن، والأوائل والأواخر[66]، كما أنه العزيز الذي قهر الخلائق فأذعنوا له، والعليم بجميع الأشياء، العليم بأقوال المختلفين وعمَّاذا صدرت، وعن غاياتها ومقاصدها، وسيجازي كلا بما علمه فيه[67].

7- واقترن باسم (الغفور) مرتين[68] وباسم (الغفار) ثلاث مرات[69]، واقترانه بهما يفيد أنه مع عزته وغلبته لكل خلقه، فإنه سبحانه يغفر جميع الذنوب صغيرها وكبيرها لمن تاب إليه وأقلع عنها. ويلاحظ هنا أن اسم العزيز اقترن باسم (الغفور، والغفار) وكـل منهما صيغة مبالغة على وزن (فَعُول، وفَعَّال) مما يدل على كثرة غفره سبحانه للتائبين المنيبين.

8- واقترن باسم (المقتدر) مرة واحدة[70] في قوله تعالى: { كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر آية 42)، واقترانه به يفيد أنه العزيز الغالب الذي أخذ المكذبين أخذ عزيز غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى[71].

9- واقترن باسم (الوهاب) مرة واحدة[72]. أي مع أنه سبحانه العزيز الغالب القاهر الذي لا يرام جنابه يعطي بغير حساب