|
|
||
|
نماذج أخرى من الدعاة الصالحين |
||
|
أبو بكر الصديق |
||
|
لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري |
||
|
رئيس قسم التفسير بالجامعة |
||
|
|
||
|
إن عرضنا
لهؤلاء النماذج من الدعاة الصالحين لم يكن المقصود منه استيفاء كل كمال كانوا
عليه، في حياتهم فإن ذلك يتطلب منا وقتا وجهدا في حين أن الجانب المهم فيما
نتوخاه من حياة هؤلاء النماذج الصالحين هو جانب الدعوة إلى الله تعالى، فنعنى
بإبرازه ليكون قدوة لنا ومثالا صـالحا نحتذيه وننسج على منواله، عسى الله تعالى
أن يهبنا بعض ما وهبهم من الإخلاص له في الدعوة لله تعالى والصدق فيها والجد الذي
لا يعرف الهزل والعمل الذي لا يعرف الكلل ولا الملل. |
||
|
لقد كانت النماذج الأولى التي استعرضنا جوانب حياة
الدعوة فيها هي أعاظم الرسل من أولي العزم عليهم الصلاة والسلام وهم : نوح
وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين. |
||
|
أما المجموعة
الثانية من نماذج الدعاة الصالحين فهي الخلفاء الراشدون الأربعة أبو بكر وعمر
وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. |
||
|
ولنبدأ استعراضنا بأبي بكر الصديق، فمن هو أبو بكر
الصديق؟ إنه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن
كعب بن لؤي بن غالب القرشي. |
||
|
كني أبي بكر ولقب بالعتيق، والصديق وهما لقبا شرف
وكمال فالأول من العتاقة التي هي الحسن والجمال في الوجه، والثاني من الصديقية
التي هي أسمى ألقاب الصالحين في الحياة وكأن ذلك لصدقه وتصديقه، فهو أول من آمن
من الرجال بالرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه فيما جاء به وقد قال صلى الله عليه
وسلم - ما معناه -: "ما من أحد عرضت عليه الإسلام
إلا وكانت له كبوة إلا أبا بكر رضي الله عنه". |
||
|
هذا أبو بكر الصديق بن أبي قحافة من حيث
اسمه وكنيته ولقبه ونسبه. |
||
|
أما أبو بكر من حيث كمالاته النفسية
والخلقية، والتي هي مدار الأسوة للدعاة الناشئين فنستعرض طرفا منها فنقول: إن
فضل أبي بكر نتركه للرسول صلى الله عليه وسلم وجده يذكره لنا ويقف بنا عليه، فما
هناك من هو أصدق من رسول الله، ولا أعرف بأبي بكر منه فلنستمع إلى أعظم بيان في
هذا الشأن روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه
الصلاة والسلام: "إن من أمنِّ الناس عليَّ في
صحبته وماله، أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن
أخوة الإسلام". |
||
|
إن هذا الخبر الصادق يعلن عن سمو أبي بكر
وعلو شأنه بحيث لا ينبغي لأحد أن يطمع في درجة أبي بكر بحال من الأحوال، ولو
اكتفينا بذكر هذا الخبر في بيان فضل أبي بكر لكان كافيا، غير أن حبنا للصديق
يأبى علينا أن لا نذكر المزيد من فضائله. |
||
|
أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه
قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من
أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر أنا، قال فمن تبع اليوم منكم جنازة؟ قال أبو
بكر أنا، قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر أنا، قال فمن عاد منكم
اليوم مريضا؟ قال أبو بكر أنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعن في
امرئ إلا دخل الجنة". |
||
|
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه قال: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح
بهم". |
||
|
عفته: |
||
|
ومن كمالات الصديق النفسية والخلقية التي
اشتهر بها بين قومه في الجاهلية قبل الإسلام أنه لم يشرب خمرا قط ولم يقل شعرا،
وقد روى ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها بسند صحيح قالت: "والله ما قال
أبو بكر شعرا قط في جاهليته ولا في إسلامه، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في
الجاهلية". |
||
|
وهذا دال على كمال الرجل العقلي ومدى ما
كان عليه من مروءة تأبى عليه أن يسف في قول أو عمل يتنزه عنهما عظماء الرجال،
وهذا الكمال هو الذي رشح أبا بكر الصديق للدعوة إلى الإسلام فدعا أخيار قريش في
الجاهلية إلى الإسلام فأجابوه طواعية واختيارا وهم من كانوا من كبار الصحابة
وخيارهم فيما بعد كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير
بن العوام وغيرهم من رجالات الإسلام بمكة. ذكر ابن عساكر الرواية التالية وأنها
مع غرابة سندها لا تتعارض مع حياة الصديق وتطلعاته إلى الكمال حتى في عهد
الجاهلية قبل الإسلام قال فيها ابن عساكر: قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل شربت الخمر في الجاهلية؟" فقال:
"أعوذ بالله"، فقيل له: "ولم؟" قال: "كنت أصون عرضي
وأحفظ مروءتي فإن من شرب الخمر لم يحفظ عرضه وأضاع مروءته وكيف يحفظ مروءته أو
يصون عرضه من يفسد عقله فيصبح في حالة سكر لا فرق بينه وبين المجانين إذ قد يقول
الهجر ويأتي العهر وهو لا يرى ما قال ولا ما فعل، والعياذ بالله". |
||
|
كمال عقله: |
||
|
إن كمال العقل في المرء مصدر شرفه وينبوع كمالاته ومن أوتي
كمال العقل تأهل للعبادة بين الناس وشرف فيهم والسلطان عليهم وإن حظ الصديق من
كمال العقل كان وافرا كبيرا، ولنورد تدليلا على ذلك بعض مظاهر ذلك لنشاهد من
خلالها كمال عقل الصديق رضي الله عنه فنقول: |
||
|
1 – إسلامه المبكر
الذي لم يسبقه فيه أحد من رجال قريش أبدا بشهادة الكثيرين كعلي بن أبي طالب وزيد
بن أرقم وابن عباس وغيرهم وفي ذلك يقول حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله
عليه وسلم والدعوة الإسلامية رضي الله عنه : |
||
|
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة |
فاذكر أبا بكر بما فعلا |
|
|
خير البريئة أتقاها وأعدلها |
إلا النبي وأوفاها بما حملا |
|
|
والثاني التالي المحمود مشهده |
وأول الناس منهم صدق الرسلا |
|
|
2 – ثناء الرسول صلى
الله عليه وسلم في غير موطن من مواطن الشرف والكمال أخرجه البخاري عن أبي
الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هل أنتم تاركون لي أصحابي؟ إني قلت أيها الناس إني
رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت!!!! وقال أبو بكر: صدقت!!!!". |
||
|
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كا فأناه
إلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافئه بها الله يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط
ما نفعني مال أبي بكر" |
||
|
ولننه الحديث عن كمال عقل أبي بكر الصديق بالإشارة إلى أحداث جسام تجلى
فيها عقل أبي بكر ورجحانه بما لا تزيد عليه. |
||
|
الأولى: ثباته يوم وفاة الرسول حيث ذهلت العقول، وطاشت
الأحلام، وقال عمر ما قال[1]
فقام أبو بكر يخطب الناس ويهدئ روعهم، ويسكن من نفوسهم، ويقول: "من كان
يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"،
وقرأ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي
اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}. |
||
|
الثانية: لما قبض رسول الله ونجم الشر وارتد من العرب
وقالوا: نصلي ولا نزكي، أتى عمر رضي الله عنه أبا بكر وقال له: "يا خليفة
رسول الله تألف الناس وأرفق بهم وإنهم بمنزلة الوحش" فقال أبو بكر:
"رجوت نصرك، وجئتني بخذلانك، وجئتني بخذلانك، جبارا في الجاهلية خوارا في
الإسلام؟ بماذا عسيت أن أتألفهم بشعر مفتعل أو بسحر مفترى هيهات هيهات، مضى
النبي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في
يدي، وإن منعوني عقالا". |
||
|
والثالثة: هي استخلافه عمر بن الخطاب على المسلمين ذلك
الاستخلاف الذي لم تر الدنيا خيرا منه قط إلا ما كان من استخلاف رسول الله صلى
الله عليه وسلم له رضي الله عنه ، ذلك الاستخلاف الذي بدأه باستشارة خيار أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا واحدا، فقد استشار عبد الرحمن بن عوف وعثمان
بن عفان وسعيد بن زيد أسيد بن حضر في أناس من المهاجرين والأنصار وذلك لما ثقل
في مرضه الذي توفي فيه…وقد قال له بعضهم: "ما أنت قائل لربك إذا سألك عن
استخلاف عمر علينا وقد ترى غلظته؟". وقال أبو بكر: "بالله تخوفوني؟
أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من وراءك". ثم
دعا عثمان فقال: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن
أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها
حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن
الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا فإن
عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت، ولا أعلم
الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته". |
||
|
ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما،
فبايع الناس ورضوا به. |
||
|
فكان في هذه الخلافة من عز الإسلام وامتداد سلطانه، ونصرة
المسلمين وصلاح حالهم ما لم يكن يخطر على بال أحد، فدلت هذه وسابقتاها على ما
أوتي أبو بكر من رجاحة العقل، وكماله وكمال العقل ورجاحته من ضروريات الداعي
الناجح ومن أخص صفاته الكمالية. |
||
|
شجاعته: |
||
|
إن الشجاعة القلبية لا تقل أهمية عن الشجاعة العقلية
بالنسبة لدعاة الحق والخير من رجال الدعوات بين الناس، وإذا كان أبو بكر الصديق
رضي الله عنه مضرب الأمثال في رجحان العقل وكماله وقد وقفنا على مظاهر ذلك في
الكلمة السابقة فإن الصديق كان في باب الشجاعة القلبية مضرب المثل أيضا، ولنكتف
في التدليل على ذلك وإثباته ببعض الوقائع فقط إذ لا يخامرنا شك في شجاعة أبي بكر
الصديق ولنترك للبزار يذكر لنا في مسنده الحديث الطريف التالي: قال علي رضي الله
عنه: "أخبروني من أشجع الناس؟" قالوا: "أنت"، فقال:
"أما أنا ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني من أشجع الناس؟".
قـالوا: "لا نعلم، فمن؟" قال: "أبو بكر الصديق؛ إنه لما كان يوم
بدر فجعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فو
الله ما دنا منا أحد إلا
أبو بكر شاهرا سيفه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من
المشركين، فهو أشجعنا". |
||
|
إن شهادة بطل
كعلي طبقت شهرة شجاعته الآفاق لأكبر دليل على شجاعة أبي بكر الصديق وها هو ذا
علي مرة أخرى يذكر من شجاعة أبي بكر ما يبهر العقل ويقرر تفوق أبي بكر الصديق
على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشجاعتين العقلية والقلبية قال علي
رضي الله عنه: "ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذته قريش،
هذا يجبأه (يبغته) وهذا يتلتله (يحركه ويزلزله) وهم يقولون: أنت الذي جعلت
الآلهة إلها واحدا قال علي: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر ، فكان يضرب هذا
ويجبأ هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله". |
||
|
وأخيرا فقد
أخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: "سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن
أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: رأيت عقبة بن أبي
معيط جاء إلى رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه
فخنقه به خنقا شديدا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي
الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟؟" إن تقدم أبي بكر لدفع عقبة بن أبي معيط
وتخليص رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاه ودفع ذلك الشقي عليه لعائن الله
على مرأى ومسمع من رجالات قريش المتواطئة على الجريمة بما صنع أخوهم لموقف بطولي
ينم عن شجاعة نادرة لمن قام به وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. |
||
|
جوده
وكرمه: |
||
|
إن الجود
والكرم من صفات الكمال في الإنسان، وما زالت البشرية منذ أن كانت تقدس هذين
الوصفين في الإنسان وتعتبرهما من مظاهر الكمال النفسي في الإنسان. |
||
|
بيد أن أصحاب الدعوات والذين يوقفون حياتهم على نصر دعوتهم، لا مناص من أن
يتكلفوا الجود والكرم ويوطنوا له النفس على ذلك حتى يصبح الجود والكرم من أخص
صفاتهم إذ الجود والسخاء والكرم وهي صفات ثلاث وإن اختلفت لفظا فإنها متحدة معنى
وهي بذل المعروف وتقديم الإحسان
والمبالغة في ذلك إلى حد الإيثار على الأهل والولد والنفس، وبذلك يملك الداعي
النفوس، ويجذبها إلى محيط دعوته، كما قال الشاعر: |
||
|
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم |
فطالما استعبد الإنسان إحسان
|
|
|
إن أبا بكر الصديق وهو أحد نماذج الدعاة
الصالحين من غير النبيين قد كان مع عفته وكمال عقله وعظم شجاعته جوادا كريما
يبذل في سبيل الله، وينفق على نصرة دينه ورسوله ما لا يبذله غيره، وذلك ثابت في
السنن. |
||
|
وحسبنا من ذلك قول الرسول صلى الله عليه
وسلم المتقدم: "إن من أمن الناس عليّ في صحبته
وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا غير ربي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة
الإسلام". وأصرح من هذا في بذل أبي بكر في سبيل نصرة رسول الله ودين
الله تعالى رواية أحمد عن أبي هريرة إذ فيها قوله صلى الله عليه وسلم: "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر رضي الله
عنه" ولما سمع هذا الثناء العطر من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم
ينحدر كأنه حب الغمام على قلب ظمآن، بكى رضي الله عنه وقال: "هل أنا ومالي
إلا لك يا رسول الله!". |
||
|
وأقوى من هذا أيضا رواية الترمذي عن أبي
هريرة وفيها قوله صلى الله عليه وسلم: "ما لأحد
عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر فإن له يدا يكافئه الله بها يوم القيامة.
وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر!". |
||
|
وتقول الآثار وهي متوافرة بين رجال السلف
ونسائهم إن أبا بكر الصديق أسلم وعنده أربعون ألف دينار من ذهب فأنفقها كلها في
سبيل الله نصرة لرسول الله وإنقاذا للمعذبين من المماليك المؤمنين كبلال وغيره،
وفيه جرى قول الله تعالى: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى, الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ
يَتَزَكَّى, وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى, إِلا ابْتِغَاءَ
وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى, وَلَسَوْفَ يَرْضَى} |
||
|
ولا ننسى إن نسينا ما قال أبو قحافة لما
هاجر أبو بكر وما صنعت معه حفيدته أسماء بنت الصديق، إذ لو ترك أبو بكر لأهله
مالا لما وضعت أسماء الحجارة في كوة المنزل ووضعت عليها منديلا وقالت للشيخ
تطمئنه، وتبدد من مخاوفه: "ضع يدك يا جدي على هذا فإنه قد ترك لنا أبو بكر
فلم نرزأ في ماله إن رزئنا في نفسه". |
||
|
وما دمنا نورد هذه الشواهد لا لندلل بها
على كرم أبي بكر فحسب بل لنحيي في نفوسنا ونحن نتهيأ لحمل رسالة دعوة الإسلام
هذا الخلق الكريم خلق الجود والسخاء والكرم لضرورة الدعوة والداعي إليه، فإننا
سنعرض مسابقة عمر وأبي بكر في هذا المضمار كما رواها أبو داوود والترمذي علنا
نخرج منها وقد أشبعت أرواحنا بمعاني البذل في سبيل الله وتهيأت نفوسنا لذلك
وأصبحنا بحمد الله نضرب في هذا السبيل بسهم غير قصير ولا قليل. |
||
|
وهذا عرض المسابقة قال عمر رضي الله عنه: "أمرنا رسول الله أن
نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم
أسبق أبا بكر - إن سبقته يوما - فجئت بنصف مالي فقال لي رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "ما أبقيت لأهلك؟" قلت : مثله. |
||
|
وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "يا أبا بكر ما أبقيت أهلك؟"
قال : "أبقيت لهم الله ورسوله"، فقلت: لا أسبقه في شيء أبدا". |
||
|
انتهت المسابقة كما هو ظاهر بفوز الصديق وسبقه وفضل السبق يظهر في كون
المسبوق عمر بن الخطاب أزهد الناس في الدنيا، وأقوى الناس على فعل الحق وقوله
والسؤال هو ما نصيبنا نحن من هذا الخلق الضروري للداعي، إنه بإجراء الخاطر على
مثل هذه الأمثال لأعاظم الرجال لا نعدم روح الجود ولا نفقد نفسية الكرم وما أنصح
به الداعي الناشئ أن يمرن نفسه ويروضها شيئا فشيئا على اكتساب هذه الخلال
والاتصاف بهذه المعاني الروحية الكريمة، وأنه لا بد آخذ منها بنصيب غير قليل لا
سيما عبد هيأه الله تعالى لدعوة عباده إليه فسوف يمده بكل ما يؤهله لذلك وإنا
والحمد لله لواجدون من ذلك أثرا في نفوسنا وإن كان يقل أحيانا ويكثر أخرى. |
||
|
علم أبي بكر رضي الله عنه : |
||
|
ومن جود أبي بكر إلى علمه وفقهه رضي الله عنه . |
||
|
إن الجانب العلمي في حياة الداعي يعتبر من أهم جوانب حياته، إذ بدون
العلم بدعوة الله تعالى والفقه في أسرارها والبصيرة في شرائعها وأحكامها، لا يتأتى
للمرء مهما كان صادقا مخلصا أن يدعو إلى الله تعالى، ويفيد الناس بدعوته إن من
لا يعرف الله تعالى ولا يعرف الطريق الموصل إليه سبحانه وتعالى، ليس من حقه ولا
من شأنه الدعوة إليه إذ فاقد الشيء لا يعطيه. |
||
|
ولما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أحد نماذج الدعاة الصالحين كان لا
بد من الكشف عن جانب حياته العلمية والفقهية ليقتدي به في ذلك ويؤتسى، إذ الغرض
من دراسة هذه الشخصيات التي لمعت أسماؤها في دنيا الدعوة وازدهرت بدعوتها الحياة
هو الاقتداء بهم وتقمص حياتهم، ليكون المقتدي بهم خلفا لهم في دعوتهم، يبلغها
كما بلغوها، ويبينها للناس كما بينوها وبذلك تتصل حلقات الدعوة ويستمر هدى الله
في الناس. |
||
|
إن أبا بكر الصديق على جانب كبير من العلم والفقه، إذ كان كبار علماء
الصحابة يعترفون له بذلك ويعدونه أعلمهم وأفقههم في دين الله تعالى، ولنذكر
شواهد ذلك براهين على علم أبي بكر وكماله فيه وعلى فقهه في شرع الله وتفوقه فيه
ولما عسانا أن نكتسب من علم أبي بكر وفقهه. |
||
|
1 – روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فقال: "إن
الله خير عبدا يبن الدنيا، وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله
تعالى". فبكى أبو بكر، وقال: "نفديك بآبائنا وأمهاتنا"،
وقال أبو سعيد: "فعجبنا لبكاء أبي بكر وقلنا يخير الله عبدا من عباده بين
الدنيا وبين ما عنده فيختار ما عنده فيبكي أبو بكر، ولكن لم يلبث حتى عرفنا أن
المخيّر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأن ذلك كان نعيا لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فعرفنا أن
أبا بكر كان أعلمنا". |
||
|
2-
قوله رضي الله عنه في أهل الردة كما في الصحيح: "والله لأقاتلن من فرق بين
الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم لقاتلتهم عليه". هذا القول منه رضي الله عنه دل على طول باع أبي بكر
في العلم وعلى سعة آفاقه في فهم نصوص الشريعة ومعرفة أسرارها. وكـيفية وجه
الاستنباط منها إذ قال: "الزكاة أخت الصلاة فو الله لأقاتلن من فرق
بينهما". واندهش الصحابة لموقف أبى بكر وعلى رأسهم عمر ولكن لم يلبثوا إلا
قليلا حتى ظهر لهم الحق واستصوبوا رأي أبي بكر في المسألة وقاتلوا أهل الردة حتى
خضعوا للإسلام. |
||
|
2-
موقفه رضي الله عنه من صلح الحديبية ورضاه به وسكون نفسه إليه في حين اضطرب عمر
رضي الله عنه وقال ما لا ينبغي أن يقال إزاء قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
وحكمه الأمر الذي جعل عمر يقول: "ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة لكلامي الذي تكلمت
به حتى رجوت أن يكون خيرا". |
||
|
وبيان الحادثة كما في البخاري وسيرة ابن
هشام أنه لما التأم الأمر بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش ولم يبق إلا
الكتاب، وثب عمر رضي الله عنه فأتى أبا بكر رضي الله عنه وقال: "يا أبا بكر
أليس برسول الله؟" قال أبو بكر: "بلى"، قال: "أو لسنا
بالمسلمين؟" قال: "بلى"، قال: "أو ليسوا بالمشركين؟"
قال: "بلى"، قال: "فعلام نعطي الدنية في ديننا؟" قال أبو
بكر: "يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد إنه رسول الله"، قال عمر:
"أنا أشهد أنه رسول الله"، ثم أتى رسول الله فقال: "يا رسول الله
ألست برسول الله؟" قال: "بلى"،
قال : "أو لسنا بالمسلمين؟" قال: "بلى"،
قال: "أو ليسوا بالمشركين"؟ قال: "فعلام نعطي الدنية في
ديننا؟" قال: "أنا عبد الله ورسوله لن أخالف
أمره ولن يضيعني". |
||
|
لقد قارن أهل العلم بين موقف أبي بكر من
هذه القضية وبين موقف عمر رضي الله عنهما فخرجوا بنتيجة حاسمة ألا وهو فقه أبي
بكر وسعة علمه، وأنه أعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق. |
||
|
وهناك مظاهر كثيرة تجلى فيها فقهه وعلمه
رضي الله عنه . |
||
|
حسبنا منها قول النبي صلى الله عليه
وسلم: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"
وقوله في رواية الترمذي: "لا ينبغي لقوم فيهم أبو
بكر أن يؤمهم غيره". |
||
|
حلمه وتواضعه: |
||
|
وبما أن الحلم والتواضع من مكارم الأخلاق
والداعي الصادق في دعوته لا غنى له عنهما بحال من الأحوال ، إذ ضد الحلم السفه
والطيش ومقابل التواضع الكبر، والعياذ بالله، فمن هنا نذكر بعض مظاهر هاتين
الخلتين الكريمتين في أبي بكر الصديق وهو أحد نماذج الدعاة الصالحين بعد
الأنبياء المرسلين. فنقول ذكر السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء الراشدين أن ابن
عساكر رحمه الله تعالى أخرج في كتابه أن أنيسة قالت: "نزلت بفناء أبي بكر
ثلاث سنين قبل أن يستخلف وسنة بعد ما استخلف، فكان جواري الحي يأتينه بغنمهن
فيحلبهن لهن"، إن عملا هكذا أبو بكر الوزير والصاحب الأول والصديق الأوفى
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم هو خليفة المسلمين كافة يتنازل في تواضع لا
نظير له عند أمثاله في دنيا الناس أبدا فيحلب لجواري الحي أغنامهن، إنها لمثل في
التواضع لا يسامى فيه أبو بكر ولا يدانى بحال من الأحوال. |
||
|
وأخرج ابن عساكر أيضا عن أبي صالح
القفاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعهد عجوزا كبيرة من النساء عمياء
في بعض أطراف المدينة يسقي لها ويقوم ببعض أمرها وذلك من الليل، فكان يأتيها
أحيانا فيجد غيره قد سبقه إليها فسقى وقضى حاجتها فحاول عمر أن لا يسبقه فوجده
أبا بكر الصديق، والعجب في ذلك أنه كان يفعل ذلك أيام خلافته رضي الله عنه فقال
عمر لما تبين له أنه أبا بكر أنت هو لعمري!. |
||
|
فهذه كالتي سبقت من مظاهر التواضع الفذ
النادر الذي لم يعرف به أحد غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأخرى فقد روي عنه
رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا مُدح يقول: "اللهم أنت أعلم مني أنت أعلم
مني بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا
يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون". |
||
|
هذا عن تواضع أبي بكر رضي الله عنه أما
حلمه فالحديث عنه يطول ومن أحلم من أبي بكر؟ أخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن
الأصبهاني قال: "جاء الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى أبي بكر وهو على منبر
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انزل عن مجلس أبي فقال: صدقت: إنه مجلس أبيك
وأجلسه في حجره وبكى، فقال علي رضي الله عنه : والله ما هذا عن أمري، فقال أبو
بكر: صدقت، والله ما أتهمك". |
||
|
إن هذه الحادثة إن تمت على وجهها كما
رويت تكشف عن مدى حلم أبي بكر الصديق وتجعله بحق مضرب المثل في الحلم وضبط النفس
ورباطة الجأش، وصدق القول وسلامة الصدر ولنستعرض جزئيات الحادثة مفصلة ليتبين لنا وجه الكمال النفسي
فيها، ونظهر حقيقة الحلم الذي كان خلق أبي بكر رضي الله عنه . |
||
|
يجلس أبو بكر على منبر رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهو خليفته في أمته بإشارته صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة
عليه، فيأتيه من يقول له: انزل من على منبرنا فإنه مجلس أبينا وجدنا فلا يتردد
أبو بكر في اعترافه بالحق فيقول: نعم إنه مجلس أبيك ولا يكتفي بدل الغضب
بالاعتراف الصريح بل يرفع الغلام المنحني له العاتب عليه في حجره ويبكي وما
أبكته كلمة الحسن وإنما أبكاه فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتفطن أبو
الحسن لتصرف ولده الصغير الذي آلمه فقد جده الذي كان يجلس على منبره فيأتيه
فيجلسه معه عليه فيقول لأبي بكر: انزل عن مجلس أبي وهي كلمة مثيرة للغاية ولو
كانت من صبي صغير لا يعقل، إذ قد يظن أن الغلام مدفوع لأن يقول هذا وهو ما جعل
أبا الحسن رضي الله عنهما يقول لأبي بكر مقسما له بالله تعالى أن هذا ما صدر عن
أمره، وإنما هو من تصرف الحسن فقط، وعرف أبو بكر نفسية ابن عم رسول الله وخاف أن
يظن به غير رحابة الصدر وسلامة النية وطيب الطوية فبادر بتصديقه، ونفي التهمة
عليه بقوله: صدقت وو
الله ما أتهمك. |
||
|
ولنكتف في الاستشهاد على حلم أبي بكر
وتواضعه بهذا الذي أسلفنا ونحن نعلم أن كمال أبي بكر النفسي الذي نظمه في سلك
الدعاة الصالحين ولا يأتي عليه قول ولا تتسع له الصفحات مهما كبرت وطالت. |
||
|
حسن سياسته: |
||
|
إن الكمال النفسي الناجم عن الإيمان
الكامل والعلم الواسع والتقوى العامة، يؤهل صاحبه لحسن السياسة وسلامة الحكم
وقوة القيادة والحكمة فيها وهذا الذي تم لصديق بحذافيره وبرز فيه وكان مثال
الحاكم العادل، والسياسي البارع والقائد المظفر الرشيد ويكفينا شاهدا على كمال
أبي بكر في رشده وحسن سياسته، وعظمة قيادته، من عشرات الشواهد والتي من أبرزها
إعلان الحرب على المرتدين وقتالهم إلى أن أخضعهم للإسلام وعادوا إليه،وتسيير جيش
أسامة الذي عبأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال دون تحريكه وخروجه إلى بلاد
الشام مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وفاته فإن أبا بكر - والفتنة قائمة
والمسلمون في أحرج المواقف وأصعب الأحوال - قد أنفذ جيش أسامة كما أراد الله
ورسوله فكان في ذلك من الخير والنصرة للإسلام والعزة ما لا يقدر قدره. |
||
|
أقول يكفينا شاهدا خطبته التي خطبها بعد
أن تمت بيعته خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين فقد رسم في تلك
الخطبة التاريخية الشهيرة سياسته في الحرب والسلم وفي الحكم والقضاء كما في
القيادة والتدبير فقال: "يا أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن
أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي
عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله تعالى والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه
إن شاء الله تعالى، ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا
تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله تعالى بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله
فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله". |
||
|
ففي هذه الخطبة الموجزة الفصيحة البليغة
قرر أبو بكر بيعة المسلمين له، في تواضع كامل، حيث قال: "قد وليت عليكم
ولست بخيركم" وقابل فيها الإحسان وطالب مبايعيه بإعانته في حال إحسانه في
حكمهم وإدارة شؤونهم، وبتقويمه وتسديده في حال خطئه وإساءته كما أعلمهم أن القوي
والضعيف أمام الحق متساويان، وأنه لابد من إنصاف القوي من الضعيف مهما كانت قوة
القوي وضعف الضعيف وأعلن مبدأ الجهاد وقرره ودعا إلى القيام به، وحذر من الخيانة
والفساد والشر، وختم خطابه بتقرير مبدأ البقاء للأصلح بقوله: "أطيعوني ما
أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"، فاشتمل
خطابه على دعائم سياسته وخطط حكمها فضرب بذلك المثل واستلم من يومئذ القيادة
وساس الأمة بما رسم من خطط فكان أشبه بنبي في أمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه
وسلم . |
||
|
وفاته رضي الله عنه: |
||
|
ولم تكتمل الثلاث سنوات التي تولى فيها
أبو بكر الصديق المسلمين حتى وافاه أجله فتوفي في بيته نتيجة مرض لازمه قرابة
نصف شهر ودفن بجوار نبيه وحبيبه ولحقت روحه بالرفيق الأعلى فسلام الله عليه
ومغفرته ورضوانه. |
||
|
أخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت: "كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى
الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وله ثلاث وستون سنة". فرضي الله عنه
وأرضاه وجعل الجنة مأواه. |
||
|
عمر بن الخطاب |
||
|
إن كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه
الأول في سلسلة الدعاة الصالحين في هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم فإن
عمر بن الخطاب يكون حلقة الثانية من تلك السلسلة فهو أفضل هذه الأمة وأكرمها على
ربه تعالى بعد أبي بكر الصديق، ولا نزاع، فمن هو عمر يا ترى؟ وما هي مظاهر كماله
التي يقتدى به فيها، وهو أنموذج من الدعاة الصالحين؟. |
||
|
وفي الجواب نقول: إن عمر بن الخطاب هو
الفاروق ثاني الخلفاء الراشدين، والده نفيل بن عبد العزى بن رباح بن فرط بن رزاح
بن عدي بن كعب بن لؤي العدوي القرشي، يكنى أبا حفص، ولقبه الفاروق لأن الله
تعالى فرق بإسلامه بين الحق والباطل من السابقين الأولين ولد بعد عام الفيل
بثلاث عشرة سنة وأسلم في السنة السادسة من البعثة المحمدية تقدم إسلامه فلم يسلم
قبله إلا أربعون رجلا وإحدى عشرة امرأة ومن مميزاته أنه قرشي شغل سفارة قريش في
الجاهلية، أعز الله تعالى الإسلام بإسلامه، وبشر بالجنة وشهد له رسول الله صلى الله
عليه وسلم في حياته وصاهر رسول الله حيث زوجه ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله
عنها وكان ثاني الخلفاء الراشدين الأربعة، وله أوليات سما عن غيره وفاز بها دون
سواه منها: |
||
|
أنه أول من سمي بأمير المؤمنين وأول من
وضع التاريخ الهجري وأول من اتخذ بيت المال وأول من سن قيام شهر رمضان وأول من
عس وأول من عاقب على الهجاء وأول من جلد في الخمر ثمانين جلدة، وأول من اتخذ
الدرة وكانت أهيب من سيف، وأول من فتح الفتوح، ومصر الأمصار وبرد البريد، وله
أوليات غير هذه فحسبنا منها ما ذكرنا. |
||
|
ومن مظاهر كمالات عمر التي
يقتدي به فيها
ما يلي: |
||
|
1
– شجاعته: |
||
|
إن عمر كان مضرب المثل في الشجاعة
القلبية والعقلية معا، والأحداث التالية تجلي لنا حقيقة شجاعة عمر وتظهرها كما
هي آية في بابها لا يشك فيها ولا يرتاب. |
||
|
إعلان إسلامه: فقد روى أنه لما أراد الله
إسلامه خرج إلى المسجد الحرام ليلا وقد ضرب أخته المخاض فدخل في أستار الكعبة
لعله يدعو الله تبارك وتعالى أن يخفف عن أخته ويسهل أمر ولادتها فجاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر فصلى ما شاء الله أن يصلي ثم انصرف، قال عمر
فسمعت يعني من قراءة رسول الله شيئا لم أسمع مثله، فخرج قال: فاتبعته، فقال: من
هذا؟ فقلت: عمر، فقال: "يا عمر، ما تدعني لا ليلا ولا نهارا" فحسبت أن
يدعو علي فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله فقال: يا عمر أسره يعني
أمر إعلان شهادته وإسلامه، فقلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك.
فهذه الرواية وهي إحدى الروايات وردت في إسلام عمر رضي الله عنه تدل على شجاعة
عمر القلبية والعقلية معا فقد أقسم أن يجاهر بعقيدته الإسلامية ولا يبالي بمن
يؤذيه من أجلها. |
||
|
1-
إعلان عن هجرته: |
||
|
فقد روي أن المؤمنين لما كانوا يهاجرون
من مكة يخرجون منها متسللين مختفين خشية أن يعلم بهم المشركون فيردوهم إلا عمر
لما أراد الهجرة فإنه أعلن عن هجرته. |
||
|
أخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال:
"ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هاجر هم بالهجرة
تقلد سيفه وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما، وأتى الكعبة وأشراف قريش
بفنائها فطاف سبعا ثم صلى ركعتين عند
المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوه من أراد أن تثكله أمه وييتم
ولده[2]
وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد. |
||
|
2
- شهوده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد الحربية كلها فلم يتخلف عن
غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، وكان ممن ثبت معه يوم أحد فدل على
شجاعة عمر التي هي مضرب الأمثال، ومناط قدوة للرجال والأبطال. |
||
|
2-
زهده: |
||
|
إن الزهد في الدنيا والإعراض عن طلب
زينتها، والعزوف عن شهواتها دلالة على كمال إيمان المرء ورجاحة عقله إذ الدنيا
حقيرة، وزينتها خداع وشهواتها آلام تدفع بآلام أشد منها وفي الحديث: "لو
كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة لما سقى الكافر منها جرعة ماء". |
||
|
وفي القرآن الكريم : { وَلَوْلا أَنْ
يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ
أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ, وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}. |
||
|
ومن هنا كان أكمل الناس إيمانا وأرجحهم
عقلا من عزف عن الدنيا، وترفع عنها، واستهان بشهواتها وتخلى عنها إلا ما كان
بلاغا لا بد منه. |
||
|
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه كان
مثلا ناطقا في هذا الباب، وباستعراضنا لمواقفه التالية تتأكد هذه الحقيقة عندنا،
ويثبت زهد عمر لدينا. |
||
|
ذكر السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء
الراشدين أن ابن سعد أخرج أن حفصة وعبد الله ابني عمر وغيرهما كلموا عمر فقالوا:
لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق؟ قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا:
نعم، قال: قد علمت نصحكم، ولكني تركت صاحبي على جادة، فإن تركت جادتهما لم
أدركهما في المنزل. |
||
|
وذكر القرطبي في تفسيره عن قتادة أنه
قال: ذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاما وألينكم لباسا،
ولكني أستبقي طيباتي للآخرة، قال: ولما قدم عمر الشام صنع له طعام لم ير قط
مثله، قال: هذا لنا؟ فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير!. |
||
|
فقال خالد بن الوليد: لهم الجنة.
فاغرورقت عينا عمر بالدموع، وقال: لئن كان حظنا من الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم
في حظهم بالجنة، فلقد باينونا بونا بعيدا. |
||
|
وذكر ابن سعد عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أنه قال: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه. وذكر ابن سعد أيضا أن عثمان
النهدي قال: رأيت على عمر إزارا مرقوعا بأدم. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة:
حججت مع عمر فما ضرب فسطاطا ولا خباء كان يلقي الكساء على الشجرة ويستظل تحته،
وقال: قال عبد الله بن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء. |
||
|
والذي ينبغي أن يذكر هنا ونحن نستعرض زهد
عمر من خلال ذكريات حياته الخالدة في عالم الفضائل والكمالات أن زهد عمر قد
تلقاه دروسا علمية من سيد الزاهدين كلهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم
وهذا مسلم يروي لنا الرواية التالية فيقول: إن عمر رضي الله عنه دخل على النبي صلى
الله عليه وسلم وهو في مشربته حين هجر نساءه، قال فالتفت فلم أر شيئا يرد البصر
إلا إهبا جلودا معطونة قد سطع ريحها، فقلت : يا رسول الله أنت رسول الله وخيرته،
وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير؟ قال : فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم
جالسا وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة
الدنيا، فقلت: استغفر لي، فقال: "اللهم اغفر له فبمثل هذا الدرس النبوي
تشبعت روح عمر بمعاني الكمال وأصبح عمر في ذلك نعم المثال. |
||
|
3
- عدله: |
||
|
إن عدل عمر قد طبقت لشهرته الآفاق، وما
هناك من المسلمين من يذكر لديه عمر ولم يذكر عدله في أمة رسول الله صلى الله
عليه وسلم يوم استخلف عليها حتى كان لفظ العدل مقرونا في ذهن كل مؤمن يا ابن
الخطاب رضي الله عنه وكعدله شدته في الحق وعدم تساهله في شيء منه ولنذكر بعض مظاهر عدل عمر وشدته في
الحق، ذكر ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال: "كنا جلوسا بباب عمر رضي الله عنه
فمرت جارية فقالوا: "هذه سرية أمير المؤمنين"، فقال عمر: "ما هي
لأمير المؤمنين سرية، ولا تحل له، إنها من مال الله تعال"ى، فقلنا:
"ماذا يحل له من مال الله تعالى"، قال: "ألا لا يحل لعمر من مال
الله تعالى إلا حلتين: حلة للشتاء وحلة للصيف، وما أحج به واعتمر، وقوتي وقت
أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين"
وقال خزيمة بن ثابت رضي الله عنه: "كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له واشترط
عليه أن لا يركب برذونا ولا يأكل فقيا ولا يلبس رقيقا ولا يغلق بابه دون ذوي
الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة". |
||
|
وروى ابن جرير قال: أخبرني من أصدقه أن
عمر بينما هو يطوف عاسّا متفقدا أحوال الناس ليلا سمع امرأة تقول: |
||
|
تطاول هذا الليل واسودّ جانبه |
وأرّقني أن لا خليل ألاعبه
|
|
|
فو الله لولا الله تخشى عواقبه
|
لزحزح من هذا السرير جوانبه |
|
|
فقال عمر: "مالك؟" قالت: "أغزيت زوجي منذ أشهر، وقد
اشتقت إليه"، قال: "أردت سوءا؟" قالت: "معاذ الله"،
فقال: "فأملكي عليك نفسك فإنما هو البريد إليه". |
||
|
فبعث إليه: ثم دخل على حفصة فقال :
"إني سائلك عن أمر أهمني فأفرجيه عني، كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟"
فخفضت حفصة رأسها واستحت، فقال لها عمر: "إن الله لا يستحيي من الحق"،
فأشارت بيدها ثلاثة أشهر وإلا فأربعة أشهر، فكتب عمر ألا تحبس الجيوش فوق أربعة
أشهر. |
||
|
وروي أن أبا موسى الأشعري كان عاملا لعمر
رضي الله عنهما، وأنه أعطى يوما رجلا من رجاله بعض سهمه فرفض أن يقبله فجلده أبو
موسى عشرين سوطا وجز شعره عقوبة له فأخذ الرجل شعره وأتى عمر فشكا إليه ما لقي
من عامله أبي موسى رضي الله عنه فكتب عمر إلى أبي موسى: "سلام عليك أما بعد
فإن فلانا أخبرني بكذا وكذا فإن كنت فعلت ذلك في ملأ من الناس فعزمت عليك لقعدت
له في ملأ من الناس حتى يقتص منك، وإن كنت فعلت ذلك في خلاء من الناس فاقعد له
في خلاء من الناس" فقدم الرجل على أبي موسى وتعاظم الناس الأمر وقالوا له
اعف عنه فقال الرجل: "لا والله لا أدع حقي لرجاء أحد من الناس" فلما
قعد أبو موسى للقصاص رفع الرجل رأسه إلى السماء، ثم قال: "اللهم إني قد
عفوت". |
||
|
ومثل هذه الحادثة وهي من أكبر مظاهر
العدل في الحكم حادثة المصري الذي سابق ابنا لعمرو بن العاص والي مصر على عهد
عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد شكا المصري إلى عمر وقال له: "إن الوالي
أجرى الخيل وسابقني ابنه فسبقته، فغضب ابنه محمد بن عمرو ووثب علي يضربني بالسوط
ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمين"، فبعث عمر إلى عمرو وابنه محمد فقدما إليه
من مصر فأجلسهما عمر في مجلس القصاص، ونادى عمر قائلا: "أين المصري"
وأعطاه الدرة وقال له: "اضرب ابن الأكرمين" فضربه المصري حتى أخذ حقه منه،
ثم قال عمر ابن الخطاب: "اجعلها على صلعة عمرو، فو
الله ما ضربك ابنه إلا
بفضل سلطانه"، فقال المصري: "يا أمير المؤمنين قد ضربت من
ضربني"، فقال عمر : "أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون
أنت الذي تدعه"، ثم التفت إلى عمرو قائلا في غضب : "متى استعبدتم
الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟". |
||
|
ومن مظاهر
العدل الشورى، وقد عرف عمر رضي الله عنه بما لا مجال للشك فيه أنه كان يستشير
أصحابه ويعرض عليهم كل ما يهمه من أمر المسلمين إذا التبس عليه، ويسترشد
بآرائهم، ويأخذ بما يراه أقرب إلى الحق والصواب في كل ما يشتبه عليه من الأمور
ويختلط. |
||
|
والرواية
التالية تمثل نموذجا لما يراه عمر في الشورى ويؤمن به، روي أنه قال لأصحابه
يوما: "دلوني على رجل أستعمله على أمر أهمني"، قالوا:
"فلان"، قال: "لا حاجة لنا فيه"، قالوا: "فمن
تريد؟" قال: "أريد رجلا إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم
وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم"، قالوا: "ما نعرف هذه الصفة إلا
في الربيع بن زياد الحارثي"، قال: "صدقتم"، فولاه. |
||
|
وروي أن أهل
الكوفة قدموا يوما يشكون أميرهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: "من
يعذرني من أهل الكوفة إن وليتهم التقي ضعفوه[3]
وإن وليتهم القوي فجروه[4]"
فقال المغيرة بن شعبة: "يا أمير المؤمنين إن التقي الضعيف له تقواه ولك
ضعفه وإن القوي الفاجر لك قوته وعليه فجوره، قال: "صدقت، أنت القوي الفاجر
فاخرج إليهم". |
||
|
علمه: |
||
|
إن علم ابن
الخطاب كان مسلما به بين علماء الصحابة رضوان الله عليهم ولو اكتفينا بقول علي
رضي الله عنه فيه: "إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر ما كنا نبعد أن السكينة
تنطق على لسان عمر"، أخرجه الطبراني في الأوسط لكفانا دليلا على علم عمر
ولو طلبنا الشهادة على علم عمر لكفتنا شهادة عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان
إذ قال الأول : "لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان، ووضع علم أحياء الأرض في
كفة لرجح علم عمر بعلمهم" ولقد كانوا يرون أنه ذهب تسعة أعشار العلم، أخرجه
الطبراني في الكبير. |
||
|
وقال الثاني
أي حذيفة رضي الله عنه: "كان علم الناس مدسوسا في حجر عمر". |
||
|
وليس أدل على
علم عمر رضي الله عنه من موافقاته للقرآن الكريم تلك الموافقات التي يرى فيها
عمر الرأي فينزل القرآن بموافقته فيما رآه وتقريره ومن ذلك أسرى بدر إذ رأى
قتلهم، ورأى غيره فداهم فنزل قول الله تعالى: {لَوْلا
كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. |
||
|
ومنه رأيه في
احتجاب نساء الرسول حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أمرت أمهات
المؤمنين أن يحتجبن" فنزلت آية الحجاب: {وَإِذَا
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}. |
||
|
ومنه رأيه
الصلاة خلف المقام وإشارته بذلك فأنزل الله تعالى: {وَاتَّخِذُوا
مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}. |
||
|
ومنه قوله لما
تمالأ بعض نساء الرسول صلى الله عليه وسلم لغيرتهن فاعتزلهن رسول الله صلى الله
عليه وسلم: |
||
|
"يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء
فإن كنت طلقتهن فإن الله معك والملائكة وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون
معك فأنزل الله تعالى قوله: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ
طَلَّقَكُنّ} الآيتين. |
||
|
والذي عرف إيمان عمر وتقواه لم يشك في علمه أبدا لأن
العلم نور يقذفه الله في قلوب عباده المؤمنين المتقين، فليس هو بكثرة الرواية
ولا بكثرة الدرس والتحصيل كما بقولون وتلك الفراسة القوية التي أوتيها عمر وشهد
بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "لو
كان في أمتي محدثون لكان منهم عمر"، وشهد بها ابنه عبد الله حيث
قال: "ما قال أبي في شيء أظنه كذا، إلا كان كما ظن، ما هي إلا من نور علمه
وصفاء روحه، وقوة يقينه". |
||
|
فعن هذه
الثلاث مكتملة تتولد الفراسة ويعظم الفرقان فيصبح صاحبها يقول فلا يخطئ ويظن فلا
يكذب، وما أحوج الداعي إلى الله تعالى إلى مثل علم عمر وإيمانه وقوة يقينه ليحظى
بالفرقان ويظفر بالفراسة فينجح في دعوته، ويصل إلى أقصى ما يريده لها من الذيوع
والانتشار. |
||
|
تواضعه: |
||
|
إن تواضع عمر رضي الله عنه ليس مقصورا على خدمة
الأرامل، وضعفة المسلمين، ولا على أكله الخشن ولباسه الخشن، فإن وراء ذلك ما هو
أعظم إنه معرفة الحق والخضوع له وقبوله ممن يقوله ويدعوه إليه ولنكتف في ذلك
بالرواية التالية: خطب عمر الناس يوما فنهى في خطـابه عن التغالي في المهور
فقامت امرأة فقالت: "يا عمر أنصدقك أم نصدق قول الله تعالى- وفي لفظ
أيعطينا الله وتمنعنا يا عمر- يقول الله تعالى: {وَإِنْ
أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ
قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً
وَإِثْماً مُبِيناً}" فقال عمر: "صدق الله وكذب عمر وأصابت
المرأة وأخطأ عمر"، وفي رواية كل الناس أفقه منك يا عمر. |
||
|
سياسته
وقضاؤه: |
||
|
إن سياسة عمر الرشيدة السديدة التي كان من آثارها
الفتوحات العظيمة إذ تم على عهد حكمه فتح العراق وفارس والشام وفلسطين ومصر
وازدهرت على عهده البلاد الإسلامية ازدهارا لم تزدهر قبله ولا بعده مثله أبدا
فعز الإسلام والمسلمون ونعمت أمة الإسلام بالأمن والرخـاء في كل ديارها ومن هنا
لم تصبح بنا حاجة إلى ذكر نماذج من أوجه سياسته لأمة الإسلام، التي حكمها بإذن
الله عمر رضي الله عنه. |
||
|
أمـا قضاؤه
فحسبنا أن نستعرض له كتابه إلى أبي موسى الأشعري حيث جمع فيه أصول القضاء
وقواعده، وأتى فيه بما لم يعرفه القضاء في أي عصر من عصور الأمة الإسلامية خلا
عهد رسوله الله صلى الله عليه وسلم وخليفته أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهذا نص
الكتاب فلنقرأ متملينه متأملين فيه فإنه لوحة مشرفة في القضاء ونظام خالد للقضاة
في دنيا المسلمين قـال رضي الله عنه: "أما بعد... |
||
|
فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة فعليك بالعقل
والفهم وكثرة الذكر فافهم إذا أدلى إليك الرجل بالحجة، فاقض إذا فهمت وأمض إذا
قضيت فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك حتى
لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على المدعي واليمين على من
أنكـر. |
||
|
والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، وحرم
حلالا ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه، فإن جاء ببينة أعطه
حقه وإلا استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى ولا يمنعنك
قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من
التمادي في الباطل، الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك واعمد إلى
أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا
في حـد أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب أو قرابة، فإن الله
تولى منكم السرائر وادرأ بالبينات والأيمان، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي
بالناس عند الخصومة والتنكر عند الخصومات فإن القضاء عند مواطن الحق يوجب الله
تعالى به الأمر ويحسن به الذكر فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله
تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما ليس في قلبه شأنه الله تعالى، فإن
الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا فما ظنك بثواب من الله في عاجل
رزقه وخزائن رحمته والسلام". |
||
|
وفاته رضي
الله عنه: |
||
|
إن وفاة عمر قد يستغربها المرء إلى حـد الإنكار لولا
أن أمرها أصبح بين المسلمين من الضروريات التي لا يختلف فيها الإنسان مع الإنسان
وذلك للتواتر العظيم الذي تم لها، ووجه الغرابة فيها أن عمر الخليفة العادل
والإمام الراشد والأمير الصالح الذي أحبه كل المسلمين، ولم يبغضه حتى الكافرون
يموت قتيلا في عاصمة الإسلام بل في محراب الصلاة والمسلمون يصلون وراءه وهم مئات
أو ألوف. |
||
|
ولكن الذي تبلغه دعوة عمر لنفسه بأن يموت شهيدا
بالمدينة النبوية ويعلم استجابة الله دعـاء أوليائه يبطل استغرابه وينتهي إنكاره
فقد صح عنه رضي الله عنه أنه كان يسأل الله تعالى فيقول: "اللهم ارزقني
شهادة في سبيلك ووفاة في بلد نبيك". |
||
|
واستجاب الله
لعمر دعوته وحقق له أمنيته ففي يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث
وعشرين من الهجرة طعن عمر رضي الله عنه وهو يصلي في المحراب طعنه أبو لؤلؤة
المجوسي غلام للمغيرة بن شعبة وبقي يعالج تلك الطعنة حتى توفاه الله ودفن يوم
الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين هجرية في مثواه الأخير في حجرة عائشة مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم والصاحب والصديق أبي بكر رضي الله عنه . |
||
|
وكان لوفاة
عمر من الآثار السيئة على الإسلام والمسلمين ما يعجز المرء عن ذكره والقلم عن
حصره، إذ كانت حياة عمر بابا مغلقا دون الفتن وبموت عمر انكسر الباب وماجت الفتن
فلم تزل بالمسلمين إلى يومنا هذا كما جاء ذلك في صحيح البخاري إذ جاء فيه قول
عمر: "أيكم يحفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة" قال حذيفة:
"فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر"، قال: "ليس عن هذا أسألك ولكن التي تموج
كموج البحر"، قال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها
بابا مغلقا، قال عمر : "أيكسر الباب أم يفتح؟" قال: "بل
يكسر"، قال عمر: "إذا لا يغلق أبدا"، قلت: "أجل" وسئل
حذيفة: "هل كان عمر يعلم أنه الباب؟" قال: "نعم، كما أن دون غد
ليلة". |
||
|
|
|
[1]قول عمر رضي الله عنه كما
رواه أبو هريرة: "إن رجالا من المنافقين يدعون أن رسول الله مات، ولكنه ذهب
إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، وقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن
قيل قد مات ووالله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى
فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله مات". |
|
[2]يتم من باب ضرب وعلم. |
|
[3]ضعفوه: جعلوه ضعيفا
بالاحتيال عليه والخروج عن طاعته أو نسبوه إلى الضعف فيكون كاستضعفوه
أي نسبوه إلى الضعف وهو العجز. |
|
[4]فجروه نسبوه إلى
الفجور وهي ارتكاب المعاصي وأصله الميل عن القصد والعدول عن الحق. |