طباعة

 توثيق النص

 

 

 

سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء

(الحلقة الثالثة)
لفضيلة الدكتور أحمد ريّان
أستاذ مساعد بكلية الحديث
 

 

الخصلة الثالثة عشرة: إعفاء اللحية:

واللحى: بكسر اللام وحكي ضمها بالقصر والمد - جمع لحية - بكسر اللام فقط.

وهي اسم لما ينبت من الشعر على الذقن والعارضتين[1].

واللَّحيان: حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كل ذي لحي. ويقال التحى الرجل: صار ذا لحية وكرهه بعضهم، قال ابن سيده النسب إلى ذي اللحية: لحوي، ويقال رجل لحيان: إذا كان طويل اللحية[2]. 

وقد جاء الأمر بإعفاء اللحية في أحاديث كثيرة صحيحة، منها ما جاء بلفظ الإعفاء كحديث ابن عمر عند البخاري: "انهكوا الشوارب واعفوا اللحى"[3]، وعند مسلم "احفوا الشوارب واعفوا اللحى"[4]، وحديثه أيضا عند مسلم بلفظ: "أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية"[5]،وكذلك حديث عائشة عند مسلم "عشر من الفطرة" ,منها: إعفاء اللحية[6].

ةةة ة  

كذلك قد جاء الأمر بالإعفاء في بعض الأحاديث بلفظ "أوفوا اللحى" كما هو عند مسلم من حديث ابن عمر[7]، وبلفظ "وفروا اللحى" كما هو من حديثه عند البخاري[8].

وقال النووي: "وكل هذه الروايات بمعنى واحد". وبيان ذلك:

أن الإعفاء معناه الترك، وترك التعرض للحية بقص أو حلق يترتب عليه تكثيرها فهو من إقامة السبب مقام المسبب.

وذهب البعض: إلى أنها بمعنى: وفروا وكثروا، وصوبه صاحب الفتح ومعنى أرخوا اللحى: يعني أطيلوها.

ومعنى أرجوا وأرجئوا: أي لا تحلقوا بل أخروا حلقها.

وأما معنى وفروا اللحى: فهو من التوفير، وهو الإبقاء، أي اتركوها وافرة.

أما رواية أوفوا: فمعناها: اتركوها وافية.

 

ما تحقق به سنة اللحية:

وقد اختلف أهل العلم فيما تتحقق به سنة اللحية؛ فذهب فريق منهم إلى أنها لا تتحقق إلا إذا تركت وشأنها بحيث لا  يؤخذ منها شيء أصلا إلا في حج أو عمرة.

وقد استند هذا الفريق إلى ما يلي:

أ – الأحاديث الصحيحة التي جاءت في طلبها بلفظ الإعفاء وما في معناه، وبصيغة الأمر.

ب - ما أخرجه البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب"، وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه"[9].

وبما أن ابن عمر هو راوي الحديث؛ فتصرفه يعتبر بيانا للمعنى المراد من الحديث، وعلى هذا فلا يجوز الأخذ من اللحية أبدا بل تترك على حالها إلا في حج أو عمرة.

ج ـ ما أخرجه أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال: "كنا نعفي السّبال إلا في حج أو عمرة"[10]، والسبال: جمع سَبَلة - بفتحتين - وهي ما طال من شعر اللحية، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري.

وقد ذهب إلى هذا الرأي من التابعين: الحسن وقتادة؛ حيث قالا: يتركها عافية لقوله صلى الله عليه وسلم: "واعفوا اللحى"[11].

وقد نسب العراقي هذا الرأي للجمهور، وقال إنه مذهب الشافعي وأصحابه[12].

وذهب فريق آخر إلى جواز الأخذ منها بشرط ألا ينقص طولها عن قبضة اليد بمعنى أنه يجوز له أخذ ما زاد  على قبضة اليد أما إذا كانت أقل من قبضة فلا يجوز الأخذ منها، وقد استدل هذا الفريق بما يلي:

أ - ثر ابن عمر السابق وفيه: "كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه"، قال الحافظ في كيفية الاستدلال لهذا الفريق بهذا الأثر: "لذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التقصير بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه"[13].

وقد نقل بدر الدين العيني عن الإمام الطبري قوله: "فإن قُلْتَ: ما وجه قوله : "اعفوا اللحى"؛ وقد علمت أن الإعفاء الإكثار، وأن من الناس من إذا ترك شعر لحيته اتباعا منه لظاهر قوله: "اعفوا اللحى"؛ فيتفاحش طولا وعرضا ويسمج حتى يصير للناس حديثا ومثلا.

ثم قال:

"قد ثبتت الحجة عن ر سول الله صلى الله عليه وسلم على خصوص هذا الخبر، وأن اللحية محظور إعفاءها وواجب قصها على اختلاف من السلف في مقدار ذلك وحدِّه. فقال بعضهم: حدُّ ذلك أن يزاد على قدر القبضة طولا وأن ينتشر عرضا فيقبح.

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلا ترك لحيته حتى كبرت فأخذ يجذبها ثم قال: "ائتوني بحلمتين ثم أمر رجلا فجز ما تحت يده"، ثم قال له: "اذهب فأصلح شعرك أو أفسده، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع".

وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ ما فضل وعن ابن عمر مثله"[14].

وممن استحسن هذا الرأي : الشعبي وابن سيرين[15].

أما الفريق الثالث: عطاء فإنه يرى جواز الأخذ منها طولا وعرضا بغير حد مقدر ما لم يفحش الأخذ وينتهي إلى تقصيصها كما كانت تفعله الأعاجم.

ومن هذا الفريق: عطاء فقد نقل عنه قوله: "لا بأس بأن يأخذ من لحيته من طولها وعرضها إذا كبرت" وعلته: كراهة الشهرة وفيه تعريض نفسه لمن يسخر به واستدل بحديث عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها" قال الترمذي بعد أن أخرج هذا الحديث: "هذا حديث غريب". ثم قال بعد ذلك: "وسمعت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث لا أعرف له حديثا ليس له أصل أو قال: ينفرد به إلا هذا الحديث…ولا نعرفه إلا من حديث ابن هارون ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون"[16]..

ونقل عن القاضي عياض قوله: "يكره حلقها وقصها وتحذيفها.."، قال: "وأما الأخذ من طولها فحسن" وقال: "تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره قصها..وجزها.." وقال: "وكره مالك طولها جدا"[17].

وسئل مالك عن اللحية إذا طالت جدا قال: "أرى أن يؤخذ منها ويقص"[18].

وفي المذهب المالكي قولان في مقدار الأخذ: المعروف منهما: أنه لا حد للأخذ فيقتصر على ما تحسن به الهيئة، ومقابله: يأخذ ما يزيد على القبضة [19].

 

تعليق عام على الآراء السابقة وأدلتها:

الناظر في الأدلة السابقة التي استندت إليه الطائفة الأولى: يرى أنها أقوى سندا وأصرح دلالة من أدلة الفريقين الأخيرين اللذين يريان جواز الأخذ من اللحية مع اختلافهما في المقدار الذي يجوز الأخذ عنده.

كما أن إرسال اللحية - إلى حد معلوم - يكسب المرء وقارا في مسته وثباتا في عواطفه، كما أن في اللحية عصمة للشباب والكهول إذ يصبح المرء ذا اللحية أكبر من سنه، وأجل مقاما من درجته، وأكثر احتراما بين أترابه.

ولكن ما يحتاج إلى تأمل هو: هل المعاني التي تدل على عليها ألفاظ الإعفاء والتوفير والإبقاء ونحوها من الألفاظ التي جاءت في أحاديث طلب اللحية: مرادة على إطلاقها، وبتعبير آخر: هل المطلوب من كل مسلم ترك الأخذ من لحيته مدى حياته إلا إذا ذهب مرة أو مرات إلى الحج؟ ومن يذهب إلى الحج قليل إلى مجموع المسلمين، فمعنى ذلك أن غالبية المسلمين يجب عليهم ترك لحاهم تطول إلى ما شاء الله.

ما يتبادر إلى فهمي - والله أعلم - أن التوفير أو الإعفاء المأمور به، مقيد بما إذا لم تطل اللحية طولا فاحشا بحيث يشوه سمت صاحبه ويجعله هدفا لأعين الناس وأضحوكة في أفواه السفهاء، أو بحيث تصير اللحية علامة مميزة له دون الناس لا يعرف إلا بها.

لذلك نرى أن فعل عمر رضي الله عنه مع الرجل الذي ترك لحيته تطول دون حد، ثم عدم إنكار الصحابة على عمر في هذا التصرف؛ دلالة على أن المعنى الذي تدل عليه هذه الألفاظ ليس على إطلاقه بل هو مقيد بما إذا لم يفحش، كما أن توفيرها إلى هذا الحد تتحقق فيه العلة التي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بإعفاء اللحية لأجلها، وهي مخالفة أهل الكتاب والمشركين الذين يحلقون لحاهم أو يقصرونها، ونستبعد عدم وصول شيء من هذه الأحاديث إلى عمر كما نستبعد نسيانه لها.

من جهة أخرى فقد روي عن ابن عمر وأبي هريرة، أنهما كانا يأخذان من لحيتهما ما يزيد على القبضة مع أنهما قد رويا أحاديث الأمر بالإعفاء مما يدل على أن الأمر ليس على إطلاقه.

قد يقال: إن الثابت عن ابن عمر: أنه كان يأخذ ما يزيد على قبضته في الحج أوالعمرة. نقول: فمن أين أخذ ابن عمر جواز الأخذ في النسك مع أن الأحاديث التي جاءت في الإعفاء مطلقة لم تستثن حالة النسك، والنسك قد نص فيه على الأخذ من شعر الرأس حلقا أو تقصيرا.

وعلى ذلك نقول: إن التحديد بالقبضة أو ما يقاربها زيادة أو نقصا، هو المعيار الذي ينبغي أن يصار إليه، مع عدم الإنكار على من يزيد على ذلك بشرط ألا يفحش وإلا أمر بالأخذ منها لأن هذا يتنافى مع الأمر بالزينة التي أمر الله الناس بالأخذ في أسبابها في قوله تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية[20].

وقوله صلى الله عليه وسلم من حديث طويل لقيس بن بشر التغلبي عن أبيه: "نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جُمّته وإسبال إزاره"، فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذ شفرته فقطع بها جمته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه"، وفيه أيضا: " إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش" أخرجه أبو داود وسكت عنه[21]، والفحش كل ما يشتد قبحه من ذنوب ومعاصي، ويكثر وروده في الزنا، وكل خصلة قبيحة فاحشة من الأقوال والأفعال.

والتفحش هو تكلف الفحش وتعمده في الهيئة الرديئة والحالة الكثيفة داخلة أيضا تحت التفحش والتفحش وإن الله جميل يحب الجمال[22].

 

الخصال المكروهة في اللحية:

ذكر الإمام النووي في المجموع عددا من الخصال المكروهة في اللحية نقلا عن الإحياء للغزالي الذي كان قد نقلها بدوره عن قوت القلوب لأبي طالب المكي، وفيما يلي بيان لهذه الخصال مع بيان سبب كراهتها وموقف العلماء منها إن وجد.

الخصلة الأولى: خضاب اللحية بالسواد، والأصل في كراهة الخضاب بالسواد ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة"[23].

وعند أحمد من حديث قصة إسلام أبي قحافة : "…فأسلم ولحيته ورأسه كالثغامة بياضا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غيروهما وجنبوه السواد"[24].

لذلك قال أكثر العلماء بكراهة الخضاب بالسواد…وقال النووي: "والصحيح بل الصواب: أنه حرام". ثم حكى عن مذهب الشافعية عدم التفرقة في المنع بين الرجال والنساء، وحكى عن إسحاق بن راهوية أنه رخص فيه للمرأة: أن تتزين به لزوجها [25].

وقد رخص في الخضاب بالسواد طائفة من السلف، منهم سعد بن أبى وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد، واختاره ابن أبي عاصم من كتاب الخضاب له، وأجاب عن حديث ابن عباس السابق؛ بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وعن حديث جابر السابق في قصة إسلام أبى قحافة؛ بأن ذلك في حق من صار شيب رأسه مستبشعا ولا يطرد ذلك في حق كل أحد[26].

وقد رخص فيه بعض العلماء إذا كان المرء مجاهدا، لما فيه من إدخال الرهبة في نفوس الأعداء بإظهار الشباب وما ينطوي عليه ذلك من مظهر القوة[27].

الخصلة الثانية: تبييض اللحية بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة، وإظهارا للعلو في السن لطلب الرياسة والتعظيم والمهابة والتكريم، أو لقبول حديثه وإيهام اللقاء بالمشايخ.

الخصلة الثالثة: خضابها بحمرة أو صفرة تشبها بالصالحـين ومتبعي السنة وعلة الكراهة هنا هي النية السيئة أما الأصل في الخضاب بالتحمير أو التصفير فهو محمود وقد حث عليه صلى الله عليه وسلم فقد نقل أحمد في المسند بإسناد حسن عن أبي أمامة قال: "خرج رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: "يا معشر الأنصار: حمروا وصفروا وخـالفوا أهل الكتاب"[28].

الخصلة الرابعة: نتفها من أول طلوعها وتحفيفها بالموسى إيثارا للمرودة واستصحابا للصبا وحسن الوجه، وتعتبر هذه الخصلة أقبح الخصال المكروهة في اللحية.

الخامسة: نتف الشيب؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وسلم عند أبي داود: "لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يصيب شيبة في الإسلام - قال عن سفيان: إلا كانت له نورا يوم القيامة وقال في حديث يحيى: إلا كتب الله له بها حسنة وحط بها عنه خطيئة"[29].

وعن الترمذي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نتف الشيب وقال إنه نور المسلم" وقال: هذا حديث حسن[30].

قال ابن العربي: "وإنما نهى عن النتف دون الخضب لأن النتف فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه"[31].

السادسة: تصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعا ليستحسنه النساء وغيرهن.

السابعة: الزيادة فيها والنقص منها، قال الغزالي: تكره الزيادة في اللحية والنقص منها وهو أن يزيد في شعر العذارين من شعر الصدغين إذا حلق رأسه أوينزل فيحلق بعض العذارين[32].

الثامنة: تسريحها تصنعا ورياء لأجل الناس.

أقول :اعتبار التسريح من الخصال المكروهة إذا كانت تصحبه نية الرياء وحب الثناء والتظاهر بمظهر العجب والخيلاء، أما التسريح لأجل النظافة وتحسين الهيئة فهو أمر محمود، فقد أخرج مالك عن عطاء بن يسار قال: "أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس واللحية فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بيده أن أخرج كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان"[33]، والثائر: الشعث: بعيد العهد بالدهن والترجل.

وكذلك حديث أبي قتادة الأنصاري الذي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: "إن لي جمة أفأرجلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ونعم وأكرمها"[34]، الحديث رجال إسناده رجال الصحيح[35].

وأيضا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له شعر فليكرمه" قال في الفتح: وإسناده حسن وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله ثقات.

قال الشوكاني بعد ذكره لحديث أبي هريرة وما قاله الحافظ بشأنه: فيه دلالة على استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح[36].

الخصلة التاسعة: ترك اللحية شعثة منتفشة إظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه، وأيضا كانت هذه الخصلة من الخصال المكروهة لأجل النية السيئة، أما من شغل عنها بعمل أو مرض أو غير ذلك حتى تشعثت فأرجو ألا يكون عليه بأس.

الخصلة العاشرة: النظر إلى اللحية إعجابا وخيلاء غرة بالشباب أو فخرا بالمشيب وتطاولا على الشباب[37].

 

حكم اتخاذ اللحية:

فيما تقدم عرفنا أن اتخاذ اللحية سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد هنا بيان موقع هذه السنة من الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة لدى أكثر الفقهاء : الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة.

وإنما قلت أكثر الفقهاء: لأن بعضهم يعتبر الأحكام التكليفية ستة، باعتبار السنة من بين الأحكام ليست مندرجة في الوجوب أو الندب، وبعضهم يعتبرها سبعة: الفرض، والوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والكراهة التحريمية، والكراهة التنزيهية، والإباحة.

فهل إطلاق لفظ السنة على اللحية، يقصد به معنى السنة عند الفقهاء، وهي ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، أو ما طلبه الشارع طلبا  غير جازم أو الأمر الذي داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يأمر فيه بعزيمة، حسب اصطلاح كل منهم في بيان السنة.

أو أن هذا الإطلاق: باعتبار أن مشروعية السنة إنما ثبتت بواسطة السنة؟

واضح من استعراضنا للأحاديث الصحيحة والآثار الثابتة وما انطوت عليه من الأوامر المشددة؛ إن إطلاق السنة على اللحية: هو أن مشروعيتها ثبتت بالسنة، وأن حكم اتخاذها واجب وأن إزالتها نهائيا بالموسى أو بالنورة أو بأي مزيل آخر حرام.

وقد شدد بعض العلماء النكير على فاعل ذلك: قال أبو شامة: "وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس: إنهم كانوا يقصونها"[38].

وإني لأعجب من قول القاضي عياض: "يكره حلقها وقصها وتحريقها"[39]: إذ سوى بين إزالتها وبين تقصيرها، وقد ثبت التقصير - على الأقل- من بعض الصحابة؛ لكن لم ينقل عن أحد منهم أنه كان يحلق لحيته ولو مرة واحدة.

كما أعجب لبعض أهل العلم الذين يحلقون لحاهم ويدّعون أن سنة اللحية كانت خاصة بسكان الجزيرة العربية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه من المسلم فقها وأصولا أن فعله صلى الله عليه وسلم الأصل فيه التشريع إلا لقرينة دالة على الخصوصية، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أن طلب اللحية جاء بألفاظ الأمر الصريحة المقتضية للوجوب، والتي لا يمكن تأويلها أو ليّها إلى مثل هذه الدعوى، كما أننا لم نعثر على أي قرينة يمكن أن تكون صارفة لهذه الأوامر عن ظاهرها.

وأما ذكر إعفاء اللحية مع سنن الفطرة؛ فقد قلنا: إن المراد من لفظ السنة في الحديث، هو الطريقة وليس هو المعنى الذي قصده الفقهاء من السنة: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه..الخ.

وقد صرح علماء المالكية بحرمة الحلق قولا واحدا حيث قال العدوي: "إن حلق اللحية بدعة محرمة"[40] إلا أنهم قد اختلفوا في حكم تقصيرها والمختار عندهم أنه يستحب تقصيرها إن طالت جدا، فإن لم تطل أو طالت قليلا وحدثت مبالغة في القص بحيث صار الشخص مثلة - عند أهل الاعتبار- فإن القص يحرم في هذه الحالة وإن لم يحصل تجاوز في القص ولم تحصل به مثلة فإنه خلاف الأولى[41].

 

الحكم فيما إذا نبتت للمرأة لحية:

اختلف الفقهاء فيما إذا نبتت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فحكي عن الإمام الطبري: أنه لا يجوز لها حلق شيء من ذلك ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص[42].

وحكى النووي عن مذهب الشافعية أنه يستحب لها حلق ذلك[43].

وقال العدوي المالكي: ويجب على المرأة إزالة ما في إزالته جمال ولو شعر اللحية إن نبتت لها لحية[44].

 

الحكمة من مشروعية إعفاء اللحية:

تنطوي مشروعية إعفاء اللحية على كثير من الحكم الجليلة والمعاني العظيمة وقد أشرنا إليها فيما سبق ويمكن تلخيص هذه الحكم فيما يلي:

1- تعتبر اللحية عنوانا بارزا على رجولة الرجل ومروءته وشجاعته.

2- اللحية تكسب الرجل ثباتا في عواطفه ورزانة في مواقفه وحكمة في تصرفاته مع أهله وغيرهم.

3- تعتبر اللحية حارسا أمينا على نزعات القلب وخلجات الشيطان فإذا ما وسوس الشيطان وزيّن للمرء الاقتراب من معصية تذكر هيئته موقف الناس منه.

4- اللحية شعار المسلمين فمن حافظ عليها فقد حافظ على شعار هام من شعارات الإسلام.

5- في إرسال اللحية مخالفة لأهل الكتاب والمجوس وغيرهم من ملل الكفر.

 

الخصلة الرابعة عشرة: فرق شعر الرأس:

الفرق - بإسكان الراء - تفريق بين الشيئين حين يتفرقا، والفرق: الفصل بين الشيئين، وقوله تعالى: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً}[45]، قال ثعلب: هي الملائكة تُزَيّل بين الحلال والحرام، وقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ}[46]، أي فصلناه وأحكمناه.

ورّق الشعر بالمشط: يَفرُقه، يفرِقه فرقا، وفرَّقه: سرحه، والفرق: موضع المفرق من الرأس، وفرق الرأس: ما بين الجبين إلى الدائرة.. ومفرَقه كذلك وسط الرأس.

وقولهم للمفرق: مفارق: كأنهم جعلوا كل موضع منه فرقا فجمعوه على ذلك، ومنه قول عائشة رضي الله عنها عند البخاري: "كأني أنظر إلى وبيصة الطيب في مفارق النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم…الحديث"[47].

ونقل الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض قوله: "الفرق هو فرق شعر الرأس بعضه عن بعض وكشفه عن الجبين، والسدل هو إرسال اشعر وعدم ضم جوانبه"[48].

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام يخالف ما كان عليه المشركون من العوائد وكانوا يفرقون شعورهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل فيه وحي؛ على اعتبار أنهم أهل دين في الجملة، وقيل: كان يوافقهم فيما لم ينزل فيه شيء؛ رغبة في استئلافهم وميلهم إليه واتباعهم لشريعته، وكانوا يسدلون شعورهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسدل شعره أولا مخالفة للكفار وموافقة لأهل الكتاب، فلما انتشر الإسلام وأسلم المشركون وظل أهل الكتاب على ما هم عليه وكفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم جحدا وعنادا خالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سدلهم الشعر وكان يفرقه ويأمر زوجاته أن يفعلن ذلك به؛ ففي حديث ابن عباس عند البخاري: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد"[49].

وفي الموطأ سدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ما شاء الله ثم فرق بعد ذلك"[50].

 

حكم الفرق:

حكى الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض: أن الفرق سنة واستند إلى أنه هو الذي استقر عليه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويفهم مما حكاه الحافظ عن بعض العلماء، أن الفرق واجب وأنه قد نسخ به السدل، ووجهه: أنه قد جاء في حديث ابن عباس: "كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء"، فالظاهر أنه فرق بأمر من الله، وقد حكى عن عمر بن عبد العزيز، كما جزم بذلك الحازمي.

أقول إن الظاهر الذي حكاه الحافظ قد صرح به في رواية معمر إذ جاءت بلفظ: "ثم أمر بالفرق" ومعلوم أن الأمر إذا أطلق يستفاد منه الوجوب.

وقد عقب القرطبي على هذا القول بقوله: "الظاهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب بقصد الاستئلاف فلما لم يؤثر فيهم ذلك، أحب مخالفتهم ففرق، وحينئذ يكون الفرق مستحبا، وما جاء في الحديث بلفظ الأمر؛ لا يبعد عن ذلك لأن الأمر يشمل الواجب والمندوب".

كما أن دعوى النسخ ليست واردة إذ لو كان السدل منسوخا لتركه الصحابة رضي الله عنهم أو أكثرهم، لكن المنقول عنهم أن بعضهم كان يفرق والبعض الآخر كان يسدل شعره ولم يعب بعضهم على بعض.

لذلك قال الجمهور باستحباب الفرق اتباعا لما كان عليه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وهو المختار.

وقد حكى الحافظ ا بن حجر رأي النووي بقوله: قال النووي: الصحيح جواز السدل  والفرق[51].

ولكن الموجود في المجموع له: قوله: يستحب فرق شعر الرأس لحديث ابن عباس وذكر الحديث[52].

ولعله أطلق الجواز لما هو أعم من المباح المستوي الطرفين؛ فقد يطلق الجواز على ما يقابل الحرام حيث يراد به ما يشمل المكروه والمندوب والمباح، أو كان يرى أولا الجواز الذي يراد به المباح المستوي الطرفين، ثم تبين له بعد ذلك أنه مستحب فصرح به في المجموع وهو من آخر أعماله رحمه الله.

 

الخصلة الخامسة عشرة: الختان:

الختان - بكسر الخاء- من الختن وهو موضع القطع من الذكر والأنثى ومنه الحديث : "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل".

ويطلق الختان على الذكر والأنثى، وقيل الختْن للرجال والخفاض للإناث، ويقال لقطعهما: الإعذار والخفض.

والختانة: صناعة الخاتن، والخـتن: فعل الخاتن الغلام[53].

وقد عرفه بعض العلماء بأنه: قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص[54]، والمراد به بالنسبة للرجل: هو قطع الجلدة التي تغطى الحشفة بحيث تنكشف الحشفة كلها، وقيل: يكفي قطع شيء من القلفة وإن قلّ بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها، وصحح القول الأول[55].

وبالنسبة للمرأة قطع جزء من الجلدة التي توجد فوق مخرج البول وتشبه عرف الديك[56].

وقد استحب العلماء  في ختان الرجل: العمل على استئصال الجلدة التي تغطى الحشفة بحيث يكون القطع من عند أول الحشفة، أما في المرأة فينبغي الاقتصار على أخذ جزء يسير ولا يبالغ في القطع، أخذا بحديث أم عطية رضي الله عنها: أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل" ولا تنهكي: بفتح التاء  والهاء، أي لا تبالغي في القطع وفي رواية: "أشمي ولا تنهكي" شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة والنهك المبالغة فيه.

والحديث أخرجه أبو داود وقال: ليس بالقوي[57] قال الحافظ ابن حجر: وله شاهدان من حديث أنس ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي[58].

وتزعم العرب أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت له فلقته أي اتسعت فصار كالمختون، وقد استحب العلماء من الشافعية فيمن ولد مختونا أن يمر بالموسى على الموضع من غير قطع امتثالا للأمر.

وحـكى ابن الحاج المالكي قولين في المسألة: القول السابق عن الشافعية وقول آخر لعدم الحاجة إلى ذلك؛ لأن هذه مؤنة كفانا الله إياها فلا حاجة تدعو إلى فعلها ولأن كشف العورة من كبير أو صغير لا يباح إلا لضرورة شرعية والضرورة معدومة في هذه الحالة[59].

وقال ابن الحاج: واختلف في حق النساء: هل يخفضن مطـلـقا أم يفرق بين نساء  أهل المشرق ونساء أهل المغرب، فنساء أهل المشرق يؤمرن به لوجود الفضلة عندهن من أصل الخلقة ونساء أهل المغرب لا يؤمرن به لعدمها عندهن وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد مختونا، فكذلك: سواء بسواء، يقصد أنه يجري في هذه المسألة القولان السابقان فيمن ولد مختونا[60].

أقول: قد قطع الشيخ أبو محمد الجويني في المسألة المقيس عليها: حيث قال: لو ولد مختونا بلا قلفة فلا ختان؛ لا إيجابا ولا استحبابا..

ثم قال: فإن كان من القلفة التي تغطي الحشفة شيء موجود وجب قطعه، كما لو ختن ختانا غير كامل فإنه يجب تكميله ثانيا حتى يَبِين جميع القلفة التي جرت العادة بإزالتها في الختان[61].

 

حكم الختان:

نظرا لعدم ورود نصوص صريحة - ثابتة- من الشارع توضح مدى مشروعية الختان، فقد اختلفت آراء الفقهاء فيه اختلافا كبيرا حسب ما وصل إلى كـل منهم من الأخبار الدالة على مدى هذه المشروعية، ونشير فيما يلي - بإيجاز- إلى أهم الآراء في حكم الختان ثم نذكر أدلة كل منهم إن شاء الله تعالى.

ذهب الشافعي وأكثر أصحابه إلى أن الختان واجب للرجال والنساء، وروي هذا القول عن عطاء  إذ نقل عنه قوله: لو أسلم الكبير لا يتم إسلامه حتى يختتن، كما نقل هذا الرأي أيضا عن سحنون من المالكية.

وروي عن أبى حنيفة قولان: أحدهما: بأنه واجب وليس بفرض.

ثانيهما: بأنه سنة يأثم تاركه.

وذهب مالك وأكثر العلماء إلى أنه سنة في حق الرجال والنساء، وفي كتب كثير من المالكية: بأنه سنة في حق الرجال مستحب في حق النساء، ونقل هذا الرأي عن بعض الشافعية وعن أبي حنيفة.

وذهب أحمد بن حنبل إلى أنه واجب في حق الرجال سنة في حق النساء.

كما أن هناك وجها عند الشافعية يذهب إلى أنه ليس بواجب في حق النساء[62].

وبالجملة فقد انحصرت الأقوال في ثلاثة آراء.

الأول: واجب في حق الرجال والنساء.

الثاني: واجب في حق الرجال سنة في حق النساء.

الثالث: سنة في حق الرجال والنساء.

 

مستند كل رأي من هذه الآراء الثلاثة:

استند من يقول بالوجوب مطلقا إلى عدد من الأدلة من أهمها ما يلي:

الأول: قال تعالى: {… أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}[63] وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث إبراهيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختتن إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم"[64].

وقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فأتمهن هي خصال الفطرة، ومنها: الختان، والابتلاء: إنما يقع غالبا بما يكون واجبا.

وقد نوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلا إن كان إبراهيم عليه السلام قد فعله على سبيل الوجوب؛ إذ من الجائز أن يكون قد فعله على سبيل الندب، فيحصل الامتثال باتباعه على وفق ما فعل فيكون مندوبا، وقد قال تعالى في حق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[65]، وقد تقرر في الأصول أن أفعاله بمجردها لا تدل على الوجوب، كما أن باقي الكلمات العشر ليست واجبة.

وقد أجيب عن هذه المناقشة: بأن إبراهيم عليه السلام لا يفعل ذلك في مثل سنه إلا عن أمر من الله.. وقد نقل الحافظ ابن حجر عن أبي الشيخ في العقيقة من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه "أن إبراهيم عليه السلام أمر أن يختتن وهو حينئذ ابن ثمانين سنة، فعجل واختتن بالقدوم، فاشتد عليه الوجع فدعا ربه، فأوحى  الله إليه: إنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك..." ثم قال بعد ذلك.. والاستدلال متوقف على أنه كان في حق إبراهيم عليه السلام واجبا.. فإن ثبت ذلك استقام الاستدلال به وإلا فالنظر باق[66].

الثاني: ما أخرجه أبو داود من حديث كليب جد عثيم بن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ألق عنك شعر الكفر واختتن" أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن حجر سنده ضعيف، وقد قال ابن المنذر لا يثبت فيه شيء[67].