|
|
|
|
دروس من الفتنة |
|
|
فضيلة الشيخ محمد المجذوب |
|
|
المدرس بكلية الدعوة |
|
|
|
|
|
قضت الحكمة الإلهية أن تكون حياة الإنسان على هذه الأرض سلسلة متصلة
الحلقات من المعارك، مع الشيطان وذريته من جانب، ومع غرائزه وشهواته من جانب
آخر، ثم مع حاجاته المتجددة أبداَ إلى الضرب في أكناف الأرض. وهو في كل ذلك معرض
لأصناف المحن والفتن التي تسلبه الطمأنينة، فلا ينفك فريسة للقلق والروع حتى يجد
منفذاً يقربه من السلامة ولو عن طريق الوهم. |
|
|
ونظرة واعية إلى واقع البشر في هذه الأيام تؤكد لنا هذه الحقيقة، إذ
ترينا البسيطة على امتدادها مسرحاً لألوان الأهوال، لا يكاد يسلم من لذعها كائن
ولو عاذ بالقمم أو غاص في الخضم.. وليس أسعد للإنسان في مثل هذا الجو الرهيب من
أن يعثر على منطقة أمان تهب له فرصة التخلص من قلقه ولو بعد حين. |
|
|
وعلى ضوء هذا الواقع المشهود ندرك قيمة الهبة العظمى التي خص اللّه بها
هذه البقعة من الأرض. حين أقام فيها بيته العتيق، وجعلها مثابة للناس وأمنا. |
|
|
ولقد شاء اللّه جلت حكمته أن يستأثر عرب الجزيرة بهذه النعمة منذ قيام
هذا البيت المطهر دون سائر أرجاء العالم، فكان لهم كالواحة الخضراء في جديب
الصحارى، يأوون إليه كلما أحاط بهم الروع، وضاق عليهم الرحب، فيستروحون في ظله
نفحات الأمن الذي عز
توافره في غيره. حتى ليلقى الرجل في كنفه قاتل أبيه أو أخيه أو ولده. فلا
يفكر في النيل منه، توقيرا لبيت ربه وذكرى أبويه وبانييه إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام - بل إن الجاني ليحصَن نفسه من عدوان غرمائه بمجرد اتخاذه قلادة
من لحاء الحرم، يطوَّق بها عنقه فلا تمتد إليه يد بما يكره ما دام يحمل أثرا من
ذلك الشعار، شعار السلام،.. ومن هنا كان الخروج من هذا المألوف شذوذا عن قيم
الفطرة في أوساط أولئك الجاهليين، حتى ليعتبرون مجرد الإقدام عليه ضربا من
الفجور المجمع على إنكاره. وهكذا يكون العدوان على حرمة البيت العتيق في عرف أهل
الجاهلية، عدوانا على الحياة نفسها لا على الإنسان وحده. |
|
|
وقد حاول مشركو قريش أن يسوغوا إحجامهم عن قبول الدعوة الإسلامية بالخوف
من انقلاب العرب عليهم، ظنا منهم أن تقديس العرب لذلك البيت إنما مرده إلى تقديس
قريش لَأْلهتهم المنصوبة عليه {وَقَالُوا إِنْ
نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} فجاء الرد
الإلهي على ذلك الزعم تذكيرا بأن الفضل لله وحده في توفير كل هذا الخير لجيران بيت {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى
إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا..} (28- 75). |
|
|
وما أجل وأروع تلك الصورة التي يتملاها العقل المؤمن في قوله تعالى
لهؤلاء المجادلين بالباطل في سورة
العنكبوت {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا
حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ..}. |
|
|
بالخوف من انقلاب العرب عليهم، ظناً منهم أن تقديس العرب لذلك البيت إنما
مرده إلى تقديس قريش لآلهتهم المنصوبة عليه {وَقَالُوا
إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} فجاء
الرد الإلهي على ذلك الزعم تذكيراً بأن الفضل لله وحده في توفير كل هذا الخير
لجيران بيته {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً
آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا..}28-57
وما أجمل وأروع تلك الصورة التي يتملاها العقل المؤمن في قوله تعالى لهؤلاء
المجادلين بالباطل في سورة العنكبوت {أَوَلَمْ يَرَوْا
أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ!..}. |
|
|
إنه لمشهد التباين الهائل
بين واقع الأرض التي اجتاحتها أعاصير الفتنة حتى لا يفي برسمها إلا صورة الناس
كل الناس يتخطفون خلالها، إلى جانب الواحة المحروسة بحدود الله، وقد جعل لكل
داخل إليها الحق كل الحق في أن يكون آمنا.. |
|
|
هذه النعمة الكبرى، نعمة
الأمن، التي استأثر بها عرب الجاهلية وفقدتها سائر شعوب العالم من قبل، قد أصبحت
بعد فجر الإسلام حقا مشاعا لكل بني آدم. تهوي أفئدتهم إلى البيت وتنطلق زحوفهم
نحوه من كل حدب وصوب، ليتعارفوا في ظله فيأتلفوا، وليذكروا أسم اللّه في أيام
معدودات ومعلومات على ما رزقهم من أصناف الخيرات. ثم يرجعوا إلى ديارهم كيوم
ولدتم أمهاتهم، فرحين مبتهجين بما أكرمهم ربي من زيارة بيته، وبما وفقوا إليه من
أداء الشعائر وبذل المبرات، والتطهر من الآثام، فهم- كما وصفه- النبي أشعيا-
(مفديو الرب يرجعون بترنم، وفرح أبدى على رؤوسهم. ابتهاج وفرح يدركانهم ويهرب
الحزن والتنهد) . |
|
|
هذا الحرم المطهر الذي
جعله اللّه مثابة للناس، يئوبون إليه بين الحين والآخر، ليستمتعوا في ظله بدفء
العافية والهدوء، في معزل عن الشقاق والشحناء اللذين يزحمان مسالك الأرض، وأتم
نعمته عليه بأن ألزم واردين ومجاوريه موجبات الأمن التي تجدد ما رث من وشائج
الأخوة الإنسانية.. |
|
|
هذا الحرم الأمن... أليس
من غرائب المفارقات أن يعدو بعض الناس على حرمته، فيعكروا صفوه، ويخربوا أمنه،
فيجنوا بذلك على أنفسهم أول ما يجنون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ؟!.. |
|
|
أجل.. لقد وجد الشطان
خلال التاريخ غير واحد من جنود الباطل يرتضون أن يمتطيهم للإساءة إلى بيت الله،
الذي أقامه اللّه لاستقبال الوافدين إليه من عباده المتقين، فيردهم إلى ما فقدوه
من حقيقتهم- ويتجلى عليهم بالنفحات القدسيات التي تفئ عليهم بما سلبوه من
هناءتهم!. |
|
|
ولم يقتصر ذلك على ظلمات
الجاهلية، بل تجاوزها إلى تاريخ الإسلام أيضا.. |
|
|
لقد بدا أول عدوان في
الجاهلية على كرامة هذا البيت بيد (عمرو بن لحي) يوم رفع فوقه صنمه الذي استورده
من بلاد الروم، وما زال حتى أغرى الناس بالاستشفاع به إلى اللّه... فكان ذلك
مبدأ الزيغ عن ملة إبراهيم، إذ ما لبث الطواغيت المتتابعون على طريقه أن ملئوا
شرفات البيت المطهر بهذه الأرجاس، إلى أن شاء اللّه أن ينكسها فيكنسها بيد خاتم
رسل اللّه محيى ملة إبراهيم محمد صلى اللّه عليه وسلم.. |
|
|
ثم تلا ذلك زحف أبرهة، الذي
ركبه الغرور فآلى ليهدمن أول بيت وضعه اللّه لعباده في مكة مباركا، كي يصرف عنه
العرب إلى فليسه التي أقامها هو لهم في دار ملكه. فإذا هو وفيله وكتائبه
المغرورة كعصف مأكول.. وتشرق الأرض بنور الإسلام، ويسترد البيت مكانته
الإبراهيمية حنيفا خالصا للّه وحده. وكان من حقه أن يستمر على هذا الخط الرباني
ما دام للإسلام سلطان يحكم مجرى الأحداث وتهفو إليه القلوب.. قلوب أهل الحق ..
إلا أن الشيطان الذي أخزاه اللّه على أيدي الثلة الأولى من تلاميذ النبوة، لم
يلبث أن وجد الثغرات في بناء الأجيال التالية. فعشش وباض وفرخ، ثم زين لمبير
ثقيف أن يسلط على بيت الله مجانيقه التي صدعت البنية المكرمة، وقد ألقى على
لسانه حجته الإبليسية الداحضة، التي تقول بأن هدمه للبيت كان خدمة للإسلام، كي
يتمكن من إعادته إلي حجمه الذي عهده الناس أيام رسول اللّه والراشدين من بعده!
وما أحسبه إلا قد علم يقينا أن الصحابي الجليل سليل الصحابة الأجلة عبد اللّه بن
الزبير، لم يتجاوز رغبة نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتوسعة البيت حتى يشمل
حجر إسماعيل عليه السلام، ولكنها الدنيا التي أعماه حبها فلم يفرق بين مرضاة
اللّه وغضبه.. فكان ذلك من الطاغية أول خرق في حرمات البيت يشهده تاريخ الإسلام. |
|
|
وما هي إلا حقبة قصيرة
حتى تلا تلك الهجمة العاتية طغيان صنائع المجوسية من القرامطة، الذين اقتحموا
ساحة المسجد عام 317 ه بقيادة شيطانهم الأكبر سليمان الجنابي- أبو طاهر- ففتكوا
بالآلاف من عماره. ما بين طائف وراكع وساجد، وقتلوا الآلاف من أبناء مكة، وسبوا
الآلاف من نسائم وذراريهم، ثم عادوا بالحجر الأسود. الذي انتزعوه من الركن الذي
أنزله فيه رسول اللّه، ليجعلوه في بناء مزور دعوا سفهاءهم للطواف به على طريقة
أبرهة من قبل.. |
|
|
وغير بعيد من ذلك العهد
جاء العدوان الثالث- عام 414- على يد مصري غتل من ملاحدة اليهودي بن كلس مؤله
الحاكم المجنون.. وبينما الناس في غمرة من الخشوع لجلال اللّه حول بيته، إذا هو
يستل دبوسا من الحديد فيهوى به على الحجر الأسود.. وكانت مؤامرة أريد بها
استكمال ما بدأه اللعين أبو طاهر من قبل، ولكن اللّه سلم. فأحيط بالمجرم ومن معه
من الفرسان فقتلوا عن أخرهم. |
|
|
واليوم.. على مقربة من
خاتمة القرن الرابع عشر يروع عالم الإسلام بالفاجعة، التي كادت تعفي على
سابقاتها الفواجع. |
|
|
لقد حدثت الفظائع الأولى
في عهود المواصلات البطيئة، فانحصر أثر كل منها في نطاق البيئة المتقاربة، ثم لم
تتسرب أنباؤها إلى الأبعاد إلا بعد فوات المناسبة، وعقيب برود الجراح حيث مضت
إلى الجماهير عن طريق المسافرين والمؤرخين، ليعيدوا الفكر في ظروفها ودوافعها،
ويستخلصوا من دروسها العبر التي لا تنسى. |
|
|
أما قارعة اليوم فقد
اقتحمت قلوب الناس وأسماعهم منذ انفجارها عن طريق البرق والعواكس الفضائية،
فكانت كالزلزال الضخم ما كاد ينطلق من مركزه حتى انتشرت رواجعه على امتداد
الساحة المتصلة به، تلك الساحة التي تشمل أرجاء العالم الإسلامي كله دون
استثناء.. ويا لهول ما غمر ذلك العالم من ذهول وهو يتلقى أنباء الحدث العظيم!.. |
|
|
ولعمر اللّه ما كان شيء
من ذلك الذهول الرهيب بعجيب.. فكيف.. ولم؟.. والنازلة إنما تحل في أقدس أقداس
هذا العالم.. في أول بيت وضع للناس، في البقعة التي حرمها اللّه، فجعلها مأمن
الخائف، وأنس الشريد، وملاذ الطريد.. في القبلة التي تشد المسلمين بروابط الوحدة
والأخوة صباح مساء.. في المثابة التي يفيئون إليها كلما أدهمت الأحداث، وتعرضت
وشائج الأرحام لبوادر الجفاف. |
|
|
وقد ضاعف من وقع النكبة
في البيت العتيق ذكريات لم تبرد جذوتها بعد عن مصير أخيه المسجد الأقصى،
ومحاولات العدو التي لم تتوقف قط منذ أسبوع العار، لإزالة معالم الإسلام من حوله
ومن تحته، ولا سيما أن روائح محاريبه وقبابه المحترقة بنيران الغدر اليهودي ما
تزال تملأ صدور المسلمين، فتجدد شعورهم بهول المأساة التي لا تزداد على الأيام إلا
تضخما وتفجرا.. وشتان بين جريمة يقترفها بحق المسجد الأقصى أحفاد القرود من
سلالات قريظة والنضير وقينقاع، فلا يستغرب صدورها عن قتلة الأنبياء وسدنة الفساد
العالمي، وأخرى تحمل كبرها طائفة تزعم أنها وقفت نفسها للدعوة إلى الله. وللذياد
عن ملة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.. ومن هنا جاء حجم الجريمة مضاعفا أضعافا
كثيرة، إذ كانت حتى الساعة بمثابة القمة بالنسبة إلى سائر أشكال العدوان التي
تعرض لها البيت الحرام في الجاهلية وبعد الإسلام.. فوا أسفاه، ووا حسرتاه، ووا
حزن أمتاه!.. |
|
|
وبعد.. فمن هم هؤلاء
الأشقياء الذين بلغت بهم القحة والتهور والاستهتار بكرامة كل المسلمين، في مشارق
الأرض ومغاربها.. إلى حد الإقدام على كل هذه الفجائع، التي تعجز عن ممارستها أمة
من الشياطين ؟!.. |
|
|
أسفهاء طمس الجهل
بصائرهم، فلم يفرقوا بين حلال وحرام، ونور وظلام !؟.. أم هم حملة علم ضل بهم
الطريق، فانزلقوا في هاوية (بلعام) الذي آتاه اللّه آياته، فعجز عن الارتفاع بها
إلي الملأ الأعلى، فأخلد إلى الأرض واتبع هواه!. |
|
|
إن فيهم لملامح من هؤلاء
وأولئك، إلا أنهم سبقوا الفريقين في كبر جنايتهم على أنفسهم بعد جنا يتهم على
أمن المؤمنين. |
|
|
أما أنهم السفهاء الذين عميت
قلوبهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم.. فذلكَ ما لا يتطلب برهانا ولا دليلا، لأن
السفه أبرز معالمهم... بل إن مجرد تسللهم بالسلاح إلى بيت اللّه، وإغلاقهم
أبوابه بوجوه الوافدين عليه من المصلين والقارئين والمعتمرين إنما هو دليل على
أنهم لا يعدون أن يكونوا من المجانين أو المنتحرين.. وكفى بهذا آية تؤكد براءة
العلم من تصرفاتهم التي لا يقرها عقل ولا دين.. |
|
|
أجل.. إن قادة هؤلاء السفهة
قد مارسوا القراءة من قبل، وحفظوا غير قليل من الكتاب والسنة، وكتبوا بعض رسائل
أودعوها خلاصة ما استقر في قلوبهم من الأفكار التي كشفت شذوذهم وانحرافهم عن
سواء السبيل، فإذا أبرز سماتهم العناد والغرور، الذي غشى على بصائرهم، فأراهم كل
فهم انتهى إليه كبار علماء العصر خطأ بل ضلال لا يستحق بنظرهم سوى الرد والرفض،
تماما كما فعل قتلة ذي النورين رضى اللّه عنه الذين غسل المضللون أدمغتهم، من كل
أثر للوعي الإسلامي السليم، وشحنوا قلوبهم بالكراهية للخليفة المظلوم، حتى باتوا
كما وصفهم هو بقوله "أراهمني الباطل شيطانا.." فقد نسوا كل سابقة لصاحب رسول اللّه، وانقلب بنظرهم
بإيحاء موجهيهم محض شيطان والعياذ باللّه!. |
|
|
أجل لقد مضى هؤلاء وأولئك
من الدهماء وراء مضلليهم، مسلوبي الإرادة والتفكير، أشبه بالضرير الذي أسلم
قياده إلى شيطان يتلعب به كما يشاء، فأعادوا بذلك دور أسلافهم من أتباع الفتنة،
الذين بلغ بهم الضياع حد استباحة حرم المسلمين وإهدار دمائهم. فإذا وقع في
أيديهم أحد من أهل الكتاب لم يمسوه بسوء بل اكتفوا بأسماعه القرآن ثم أبلغوه
مأمنه!.. ذلك بأنهم لم يفقهوا من الإسلام إلا ما دسه في أذهانهم طواغيتهم. فهم
من أكثر المسلمين ملازمة لكلام الله وحديث رسله..، إلا أنهم من أبعد الناس عن
نور العلم الحق، الذي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام.. |
|
|
أنا لا أريد التعرض لدواخلهم،
فأحكم على عقائدهم بالسداد أو الفساد. فالمغيب للّه وحده، وليس لنا سوى المشاهد
من الأعمال.. وهو هنا كاف لإدانتهم بالجريمة، دون أي اعتبار لما في وراءه من
ألوان النوايا.. |
|
|
وما أرى حاجة لمحاكمة
أفكارهم بشأن المهدي، بعد أن أشبعها علماؤنا بحثا وتدقيقا، فنحن مع أهل العلم في
إثبات ظهوره ذات يوم على الوجه الذي حدده الخبر النبوي الصحيح، وهو تحديد بالغ
الوضوح بحيث لا يحتمل أي شبهة إلا عند أدعياء المعرفة ممن لا ينظرون أبعد من
أنوفهم.. وقد أثبت هؤلاء المغرورون أنهم هم الأدعياء حقا، وإلا فكيف يفسرون
دخولهم بالسلاح إلى البيت العتيق؟! وكيف يؤولون إغلاقهم أبوابه دون الناس وهم
يقرؤون في كتابه الخالد {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ
مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا!!}
وبأي تعليل يسوغون تجمعهم على تلك الصورة القتالية، بعد أن فضحوا أنسفهم من خلال
خطبهم المسجلة، وهم يوزعون الأوامر على أعوانهم من حملة السلاح ليتخذوا مواقعهم
هنا وهنالك على المآذن وفوق السطوح وفي زوايا المسجد... مما يقطع بأنهم قد خططوا للصدام منذ اللحظة
الأولى، على الرغم من إعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أن اللّه قد
أباح له مكة ساعة من نهار، ولن تباح لغيره بعد ذلك إلى الأبد ... ويستحيل على
معني بخبر المهدي، إلى الحد الذي أوضحوه في رسائلهم، أن يفوته الإطلاع على هذا
الحديث المشهور (4) وما يحمله من إنذار خطير لكل من تسول له نفسه العبث بأمن
البيت، بل بأمن مكة المكرمة كلها.. فكيف إذا ذكرنا وعيد العزيز الحكيم في شأن
بيته الكريم {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ
بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}(22-25) وقد فهم أولو العلم
من ذلك أن مجرد الهمَ بسوء في بيت الله كاف لاستيجاب العذاب الموعود. |
|
|
ثم إني لا أدري لماذا
تقفز إلى ذهني، وأنا أفكر في حركة هؤلاء الممرورين صور أسلافهم من الخوارج الذين
حبسوا بصائرهم في نطاق الأخطاء التي شاهدوها أو توهموها، فلم يجدوا سبيلا
للإصلاح إلا في القضاء على القادة الثلاثة في عواصم الإسلام الثلاث!... وسرعان
ما تتابعوا في هذا المنحدر يفتعلون الأحداث، ويحدثون الفتوق، ويعطلون الطاقات
الإسلامية عن مواصلة الجهاد لنشر دين الله وإقامة شريعة اللَه- وهم مصرون على
غرورهم بأنهم وحدهم حماة الإسلام، وكل من عداهم فأعداء للّه ورسوله... |
|
|
وما أكاد أفرغ من هذه
المشاهد الموجعة حتى أجداني تلقاء صور متلاحقة من وقائع الرعب المعاصرة التي توشك
أن تعم الدول كلها، فتطغي أنباؤها على سائر الحوادث العالمية الأخرى.. إن ثمة
جيلا من الشذاذ تباعدت مصادر هوياتهم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ولكنهم
تلاقوا على أمر واحدا هو الكراهية لأوضاع المجتمعات التي يعايشونها، ثم التعبير
عن ذلك بالتجرد للعنف، فهم اليوم مصدر بلاء غير محدود على شعوبهم، التي سلبت
نعمة الاطمئنان، فهي تتخبط من تصرفاتهم في ظلمات من القتل والخطف والإرهاب،
تستثير الشفقة من كل إنسان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. |
|
|
ومن حق هذه المشاهد على
تباعد أزمنتها وتباين أغراضها، أن تتداعى في خيال المفكر، لما يربط بينها من
وحدة في الخلفيات غير المنظورة. ذلك أن النقمة من الواقع كانت هي الشرارة التي
فجرت في أعماق الجميع رغبة التغيير، ثم اختلفت بهم السبل، فسلك كل فريق منهم الاتجاه الأقرب إلى طبيعته
ونشأته، مع بقاء الكل أسارى نظرتهم السوداء، إذلم يستطيعوا الارتفاع عن تصورهم
المحدود، الذي لا يؤمن بأن في الحياة وسيلة للإصلاح خارج نطاق العنف والكراهية. |
|
|
إنه الغلو والغرور، الغلو
في التشاؤم الذي يضخم به الشيطان حجم المسيئات حتى تحجب عن عيني المتشائم طيف كل
حسنة. |
|
|
ثم الغرور الذي أفسد
مقاييس أصحابه، فضيق عليهم مجال الرؤية، فلا يبصرون شيئا وراء منظورهم الكالح
الكريه. |
|
|
وإذا كان لإرهابي أوروبة
وأمريكة واليابان والصين وما إليها بعض العذر في جنوحهم للجريمة بسبب فقدانهم
أنوار الوحي، وتخبط أممهم في أوحال الفجور والطغيان، فأي عذر للمسلم في سلوك
متاهات هؤلاء الكافرين، وبين يديه الصراط الذي لا يضل سالكه، وأمامه الدليل الذي
لا يبرح يذكره بمسئوليته نحو أولئك الجانحين، وبرسالته التي هي الرحمة المهداة
للعالمين !... بلى... إنه الغلو والغرور. |
|
|
وقديما أخرج الغلو أمما من عبادة اللّه إلى عبادة الحجارة، نحتوها تماثيل لصالحيهم لتذكرهم بفضائلهم كيلا يفارقوها، ثم زين لهم الشيطان اتخاذها آلهة من دون اللّه... كما زين للمخدوعين من المتأخرين اتخاذ شيوخهم آلهة، لا يعصون لهم أمرا ولا يخالفون لهم نهيا! |
|
|
وقبل ذلك
كان للغرور سلطانه على نزيل الملائكة، فأخرجه من رحمة اللّه إلى غضبه، وأخرج به
قرونا بعد ذلك كثيرا من جنة الطاعة إلى جحيم المعصية التي أحالت الحياة البشرية
مسرحا لصراع لا نهاية له مادام هناك إنسان وشيطان. |
|
|
ولعمر الحق أن لفحة من
هذا الغرور وذلك الغلو قد أصابت بلوثتها بعض ذوى الغيرة من أصحاب (القلوب
الطيبة) فراحوا- عقيب الفتنة - يثيرونها شعواء على الجامعات الإسلامية،
والسلفية، والملتزمين بالسنة النبوية، حتى سمحوا لأنفسهم بتحميلهم مسئولية
الانحراف الذي زين لأصحابه ذلك العدوان الأثيم على حرم اللّه.- ولو هم رجعوا إلى
عقولهم دون عصبيتهم لردوا كل اتهام من ذلك النوع الذميم، ولرددوا مع سلفهم
الكريم قول ربهم العليم الحكيم: {سُبْحَانَكَ
هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}.. |
|
|
وبعد... فإن في كارثة
الحرم التي زلزلت ضمائر المسلمين في كل مكان، لدروسا كبيرة جديرة بأن تثير في
صدورنا العميق من التأملات، والكثير من التطلعات... ولعل في رؤوس هذه الدروس
تعميق الوعي بحقائق الإسلام، ومزيدا من توثيق الصلة بين المجتمع وهذه الحقائق،
حتى تزول كل فجوة بين الدين والواقع... وسيكون من نتائج ذلك صيانة الطابع
الإسلامي للمجتمع من كل منافس دخيل سواء في نطاق الأفكار، أو التعليم، أو
الإعلام على اختلاف وسائله. |
|
|
وشيء آخر هام هو أن نشجع
الحوار حول كل مشكلة تواجه الفكر الإسلامي على أساس من الحكمة والموعظة الحسنة
والجدال بالتي هي أحسن، وبذلك نفسح المجال أمام الشباب المتحمس! للتنفيس عن
مكنوناته، والاستماع إلى الفهم الآخر، وبهذا وذاك ننقذه من العزلة الفكرية التي
تعرضه وتعرض أمته للكثير من المآسي، التي خبرناها خلال التاريخ. |
|
|
واللّه وحده المسؤول أن
يجنبنا مزالق الغلو والغرور، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه
الهادي إلى كل خير والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا باللّه. |
|
|
في المحرم 1400 |
|