طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

الخمر والإدمان الكحولي

خطر يجتاح العالم - فاحذروه

الدكتور: أبو الوفاء عبد الآخر

صيدلي الجامعة الإسلامية

 

 

الحمد للّه خلق الإنسان وأحسن خلقه، وأنعم عليه بنعمة الإسلام وجمل خلقه، وأكرمه بالعقل وأحسن عمله.. والصلاة والسلام على سيد الأنام، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وترك الأمة على المحجة البيضاء، وبصرها بالخير والشر.. صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.. أما بعد:

فإن أخطر الأفعال على الكيان الإنساني، وأشدها ضررا بالكيان الاجتماعي، لهي المعاصي، التي نهى عنها رب العالمين سبحانه وتعالى، وحذر منها سيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه. ومن أشد هذه المعاصي فتكا بالإنسان، وعصفا بالعقل والقيم والوجدان: الخمر.. المفسد للعقول والأبدان، والربا .. الآكل للثروات والأموال، والزنا الذي  يجعل النسل والأنساب مجهولين.

ودراستنا لمشكلة (الكحول، والخمر، والإدمان الكحولي)، والتركيز على هذه المعصية التي تسمى بحق (أم الكبائر)، لا تعني أننا نقلل من شأن باقي المعاصي، فكلها في ميزان السيئات ثقيلة، وعلى حياة الإنسان خطيرة، غير أننا أقدر على دراسة هذه المشكلة، حيث أنها ترتبط بالعلوم التي درسناها، وتقع في مجال تخصصاتنا المهنية التي نمارسها. ونحن معاشر الأطباء والصيادلة من أبناء الأمة الإسلامية، تقع علينا- أكثر من غيرنا- مسئولية التصدي لمشاكل الإدمان، ولاستعمال الكحول في الصيدلة والعلاج، والتوصل بعون اللّه وتوفيقه إلى الحلول الحاسمة وهي مسئولية دينية في المقام الأول، ومسئولية إنسانية في المقام الثاني. وفي مقال سابق[1] كانت الدراسة الخاصة بموضوع (التخلص من الكحول في الصيدلة والطب) قاصرة على (مقدمة ونبذة تاريخية) كمدخل للموضوع، ولقد اكتفينا بذلك القدر المختصر من الدراسة على أن يتم نشر الدراسات التفصيلية ذات الطابع التخصصي في مظانها المخصصة لمثل هذه الدراسات العلمية، وسوف نتحدث في هذا المقال وباختصار أيضاً عن النقاط التالية:

أولاً: الإدمان ودوافعه.

ثانياً: مواد الإدمان.

ثالثاً: أثار الكحول وأضراره الصحية.

رابعاً: الوقاية والعلاج.

أولا: الإدمان ودوافعه

 

تعريف: (الإدمان):  Addiction

هو حالة التعود على تعاطي عقار مع تولد الاعتماد البدني والاعتماد النفسي وظهور الحاجة إلى زيادة الجرعة tolerance   مع احتياج الجسم بشدة إلى العقار ليصبح في حالته الطبيعية، نتيجة لعمل بعض أنسجة الجسم وأجهزته تحت تأثير مادة الإدمان، ولما يحدث من بعض التكييف في كيمياء الأعصاب وفي الوظائف المرتبطة بالتشريح العصبي بالمخ في مواجهة التواجد المستمر أو الغالب لمادة الإدمان، ولهذا يتولد بمجرد البدء في الإقلاع عن تعاطي العقار (أعراض سحب withdrawal symptoms  شديدة قد تؤدي إلى أخطر الحالات) .

ومن أهم العقاقير التي تسبب حالات الإدمان: الكحول، والأفيون. وإلى جانب (الإدمان) وهو الإدمان الحقيقي، توجد حالة أخرى يتعرض لها الإنسان، تسمى (التعود)  Habit form : وهو الارتباط بتعاطي عقار بحيث يتولد عنه حالة اعتماد تكون أساساً ذات طابع نفسي، ويمكن تركه ببعض المشقة ولكن بدون حدوث أعراض سحب خطيرة. ونطلق على (التعود) الإدمان الكاذب، تمييزاً له عن (الإدمان) أو (الإدمان الحقيقي)، ومن أهم المواد التي تسبب (التعود) السجائر، والقهوة، والحشيش.

 

الدوافع المؤدية إلى التعود والإدمان:

أولاً: علاج الأمراض وبصفة خاصة تخفيف الآلام، أو جلب النوم، وأبرز المجموعات الدوائية المرتبطة بهذا الدافع: المخدرات Narcotics   والمنومات، ويشترك معهما (الكحول) كوسيلة للهروب من الحالة المرضية التي يعاني منها المريض أو كعلاج شعبي، أو كمادة صيدلانية تدخل في كثير من التركيبات الدوائية المطروحة بالأسواق.

ثانيا: الرغبة في رفع الضغوط النفسية، أو الهروب من الواقع بمشاكله ومسئولياته وأبرز

المواد المرتبطة بهذا الدافع: (الكحول) ممثلاً في المشروبات الكحولية، وكذلك المطمئنات Minor Tranquilizers   والحشيش.  

ثالثاً: المحاكاة والتقليد والعرف الاجتماعي، وأبرز المواد المرتبطة بهذا الدافع المجموعة المسماة بالعقاقير الاجتماعية، وأهمها (الكافيين) ممثلاً في القهوة والشاي (والنيكوتين) ممثلاً في السجائر (التبغ)، ويشرك معهما (الكحول) ممثلاً في الخمور التي أصبح شرابها من سمات المجتمعات المعاصرة...

ومن هذا نرى أن (الكحول) هو المادة التي تتحرك بكل الدوافع: فالعامة يستعملونه كعلاج شعبي لمجموعة من الأمراض، وهم يفضلونه عن الأدوية التي تفوقه في المفعول والتي تعززها الدراسات العلمية والتجارب الطبية؛ والجبناء وضعاف الهمم والعزائم يهربون من الواقع بشرابهم (للخمور) التي تستمد شهرتها وأهميتها لكونها تمنح شاربها إحساساً نفسياً معيناً، وتقوده إلى حالة مزاجية تخرجه من واقع حياته، وذلك بجانب البقاء فترة من الوقت في حالة اللاوعي؛ وهي من المشروبات التي أصبحت من أهم المتطلبات لكثير من المجتمعات المعاصرة في حياتهم ومناسباتهم المختلفة: أفراحهم، مناسباتهم القومية، أعيادهم، حفلاتهم الرسمية، وصار الناس يقلدون بعضهم البعض في شرابهم للخمر في تلك المناسبات، فليس عجبا أن يصبح (الخمر) أكثر مواد الإدمان انتشارا، ويصبح (الإدمان الكحولي) أعم وأخطرْ أنواع الإدمان.

 

ويزيد من فاعلية الدوافع التي ذكرناها بعض العوامل المساعدة ومنها:

(1) المبالغة في تقييم الكحول، كعقار ومادة صيدلانية، واستعماله بكثرة في تجهيز المستحضرات الصيدلانية والتركيبات الدوائية، واعتباره من أهم المواد التي تدخل في صناعة الدواء كمذيب ومادة حافظة، حتى أنه توجد بالسوق الدوائي آلاف التركيبات الدوائية المحتوية على كحول بنسب متفاوتة، وأكثرها أدوية لعلاج السعال، ومقويات، وفاتحات للشهية ومن أشهرها مشروبات الكينا؛ ويقال أحيانا عن هذه الأدوية الكحولية بأنها مشروبات كحولية متنكرة، أو مشروبات كحولية خفية.

(2) أمراض العصر الحديث وأسلوب علاجها؛ والعقاقير المستعملة للعلاج من أكثر العوامل المساعدة للدوافع التي تسبب الإدمان؛ فقد كثرت في العصر الحديث الاضطرابات النفسية لتصاعد الصراع في النفس البشرية بين الخير المفطور عليه الإنسان، والشر الذي يوسوس به الشيطان، كما كثرت الضغوط الفكرية، والاضطرابات الوظيفية الجسدية، وكلها تعالج بأدوية مسكنة أو مهدئة أو مطمئنة أو منومة، وهي تحتوي على عقاقير تؤدي سريعاً إلى سوء الاستعمال وإلى التعود والإدمان. ومما يساعد على انتشار هذه العقاقير وإلى سهوله استعمالها، رغبة المريض المتعجلة في التخلص من أعراض المرض الذي يعاني منه، وتعجل الطبيب في علاج الحالة، وقناعته المبدئية واستحسانه لإخفاء أعراض المرض تمشياً مع رغبة المريض، لذلك فهو يسرع إلى وصف الأدوية التي تسكن الأعراض وتخفيها سواء كانت مسكنات أو مهدئات أو منومات.

(3) الترويج والإغراء والتحريض المدعومة بوسائل الإعلام وبالتيارات الفكرية المعاصرة، وخاصة بالنسبة للخمور.

(4) المناخ الاجتماعي الذي يسبب الظروف النفسية المؤدية إلى الإدمان، كالاختلاط والترف والتطلع، والصراع الطبقي، والمجتمع المعاصر الذي يعيش في حالة من اللامبالاة والذي لا يعترض بل ويستحسن استعمال بعض مواد الإدمان وعلى رأسها (الخمور)، وذلك بكل مستويات المجتمع، سواء كان مجتمع الأسرة الصغير، أو مجتمع الأصدقاء والمعارف الأكبر قليلاً، أو المجتمع العام العالمي، ولا يستثنى من ذلك إلا قلة من الدول التي تطبق الشريعة الإسلامية وقلة من المجتمعات التي يسود فيها العرف والتقاليد الإسلامية.

(5) عدم وجود عوامل المقاومة التي تعارض أو تمنع أو تعالج بجدية تلك الدوافع المؤدية

إلى الإدمان (فالدين الإسلامي) - أقوى العوامل وهو الذي يتميز عن باقي الأديان بأسلوبه الإيجابي في حل المشاكل- لا يأخذ دوره المناسب بأكثر الدول الإسلامية، كأداة للحكم والتشريع والتربية. ولا يخفى على كل منصف أن تعطيل دور الوازع الديني الإسلامي الذي يبصر الناس بعواقب الأمور أو يصرفهم عن الأفعال السيئة بقناعة وحماس، قد أدى بدوره إلى انحراف الضمير العالمي فأصبح لا يرى أدنى غضاضة في احتساء (الخمر) بل ويشجع عليه بعمل المسابقات في بعض الدول بين شاربي الخمر؛ وهو يجعله رمزاً للصداقة في المؤتمرات الرسمية عندما يقرع رؤساء الدول كؤوسهم بعضها مع بعض.. كما يجعله إعلاناً عن نجاح المشروعات ويباركها به وذلك عندما يقوم كبار المسئولين في دولة ما (بتدشين) مشروعاتهم بإراقة الخمر عليها.. وبذلك وغيره لم يعد احتساء الخمر من الأفعال المعيبة التي يخجل منها الإنسان، بل أصبحت من الأفعال التي يتباهى بها ويحرص عليها.

- "وعامل العرف" الذي يولد الإحساس بالخجل، قد تضاءل أثره.

"والقوانين الوضعية" قد احتوتها شعارات الحرية الشخصية الزائفة، وشغلتها المشاكل الاقتصادية، والثورات الاجتماعية الطاحنة، وكادت أن تنظر إلى المشاكل الأخلاقية بعامة وإلى مشاكل الإدمان بخاصة، على أنها مشاكل شخصية بحتة، يتولى كل فرد من أفراد المجتمع حلها بطريقته الخاصة، ولا يليق بالدولة أن تشغل نفسها بهذه الأمور الهينة وتلك المشاكل التافهة. بل إن مشكلة (البترول والطاقة) في نظر المجتمع العالمي أفراد وحكومات أخطر على الإنسانية من مشاكل (الخمر والربا والزنا) مجتمعة... والعامل الذي يشرب الخمر في موقع العمل لا يوجد في قوانين العمل ما يعاقبه طالما أنه يؤدي عمله، أما العامل الذي يتهاون في عمله بعض التهاون، فإن قوانين العمل تلاحقه بالعقوبات حتى تجهز عليه أو يحسن أداء عمله.

ثانياً: المواد المسببة للتعود والإدمان:  

إننا نقرر- وبكل الفزع والحسرة - أن المواد المسببة لسوء الاستعمال والتعود والإدمان قد تعددت مصادرها، وتضاعفت أعدادها، وتزايد استعمالها وتنوعت آثارها واستفحل ضررها، وأصبحت تهدد المجتمع الإنساني بدرجة خطيرة، في صحة أفراده الجسدية والعقلية والنفسية، كما أصبحت تهدده اجتماعيا واقتصادياً؛ وما زال (شراب الخمر والإدمان الكحولي)، أكبر مشاكل الإدمان في العالم، وكما تقول عنه بعض المراجع العلمية "مشكلة الإدمان التي تتضاءل بجانبها مشاكل الإدمان لباقي المواد مجتمعة".

وبعد أن كانت المواد التي تسبب الإدمان ذات مصادر طبيعية محدودة وكانت قليلة العدد فقد أصبحت تعد بالمئات، وذلك بعد أن تدخل علم الكيمياء في تجهيز مواد جديدة عن طريق البناء الكيميائي، وذلك بالإضافة إلى الاهتمام المتزايد بإنتاج كميات ضخمة من مواد الإدمان التقليدية وعلى رأسها الخمر والسجائر.

 

ونقدم مواد الإدمان الشائعة في المجموعات التالية:

(1) الكحول: وتوجد منه أشكال متعددة، منها:

- المشروبات الكحولية (الخمور): وهي المتعارف عليها - بين العصاة - كمشروبات مقبولة للسكر. وينضم إليها الخمر المعروف (بالبيرة).

- الكحول الصافي: وله استعمالات متعددة، ومنها استعماله في تركيبات خاصة كمسكر، ويشربها العصاة تارة لرخصها، وتارة لقوة مفعولها المسكر.

- كثير من التركيبات الدوائية، ذات الأغراض العلاجية المختلفة، وهي تحتوي على نسب متفاوتة من الكحول الذي يوصف بأنه (كحول متنكر) أو (كحول متخفي) وبعض هذه التركيبات الدوائية يستعمل بديلاً للخمر، خاصة في الدول التي مازال شراب الخمر فيها، لا يقره القانون أو (العرف المتدين) ومن هذه التركيبات الشائعة: أنواع الكينا المختلفة (كينا بسليري-كينا لايس- كينا روماني، فتالشوف)؛ وبعض التركيبات التي تطرح في الأسواق كمقويات: تونيك باير، ب. ج. فوس، ستيم... الخ، وبعض التركيبات ذات الأغراض العلاجية البحتة كبعض شرابات السعال.

- ماء الكولونيا: وإن شئت فقل (خمر كولونيا) فهي تحتوي على كحول تصل نسبته إلى 90%،  واستعمالها العادي معروف للجميع، غير أن البعض يشربها بديلا عن الخمور. 

(2) المخدرات Narcotics: ومن أشهرها الأفيون وعناصره الفعالة.

(3) المنومات والمهدئات Sedative – hypnotics : ومن أشهرها (مجموعة البربيتورات).

(4) المطمئنات  Minor Tranquilizers : وتسمى أيضا (مزيلات القلق) ومن أشهرها (مركب مبروبامات).

(5) مواد الهلوسة: وعلى رأسها المادة المعروفة (بالحشيش) أو (القنب الهندي).

(6) العقاقير الاجتماعية Social drugs : وعلى رأسها (مادة النيكوتين) الممثلة في (السجائر) أو (التبغ).

ولا تدخل كل المواد المسببة للتعود والإدمان في نطاق هذه المجموعات، فهناك (مجموعة مضادات الحساسية) كما أن هناك مجموعات خارج نطاق العقاقير الدوائية مثل الهيدروكربون الطيار Volatile Hydrocarbons    ...الخ، ولقد اكتفينا بذكر تلك المجموعات الستة التي تشتمل على معقم مواد الإدمان، المألوفة والأكثر انتشارا.

ثالثا: آثار الكحول وأضراره الصحية

لقد أصبحت الأضرار المتسببة عن تعاطي مواد الإدمان - بعد أن استفحل خطرها- موضع الاهتمام المتزايد من جانب كثير من العلماء خاصة العاملين منهم بحقل الأمراض العصبية والنفسية، كما ارتفعت صيحات العلماء المخلصين ورجال الأخلاق والاجتماع تطالب بإيجاد الحلول الحاسمة، واتخاذ الإجراءات الحازمة لإيقاف موجة الإدمان التي تجتاح العالم.

أما بالنسبة (للإدمان الكحولي)، وهو موضوع بحثنا، فلقد تمت الدراسات المستفيضة الخاصة بالتعرف على آثار الكحول الضارة في الإنسان، سواء كان كحولاً صافياً، أو كان في أية صورة من الصور، خمرا كانت أو مستحضراً دوائياً. وتم التعرف على آثار الكحول وأضراره بأية كمية يتعاطاها الإنسان. وأجريت التجارب، وتحققت المشاهدات، ورصدت حالات الإدمان، والسكر ودون السكر، وكادت أن تتوحد المعلومات العلمية وكذلك الفكر العلمي تجاه مفعول الكحول في الإنسان وآثاره الضارة بأية كميات يتعاطاها الإنسان، ولم تعد تلك المعلومات موضع جدل بين العلماء، وهي الآن موضع استقصاء وتعرف على مزيد من التفاصيل.

 

وفيما يلي تقدم بعض المعلومات العلمية المقتضبة:

أولا: يثبط الكحول الجهاز العصبي المركزي من البداية إلى النهاية، وهو مثبط أيضاً للمراكز العليا بالمخ التي تميز الشخصية الإنسانية عن الحيوانات، والتي اكتسبت أدائها بالتعاليم الدينية والتهذيب والثقافة، والتي تقوم بكبح جماح الغرائز الإنسانية؛ ولذلك فإن الكحول يطلق العنان لهذه الغرائز بمفعوله المثبط لعمل المراكز العليا الضابطة لها والمهيمنة عليها، ويترتب على ذلك بالضرورة بعض مظاهر الانطلاق العضلي والذهني مما يظنها البعض نشاطا، وهي في حقيقتها حالات انفلات من سيطرة المراكز العليا، لهذا فهي نشاط كاذب ومؤقت.

والكحول بهذا الجمع بين الأثر المثبط للجهاز العصبي المركزي وبين التنشيط الكاذب يسبب قوة مع لا إرادة، وطاقة ذهنية مع ثرثرة كلامية بلا منطق، واندفاع مع خوف وجبن.. وهذه الصفات والصفات المضادة تلازم شارب الخمر ابتداء إلى أن يصل إلى مرحلة اللاوعي:

- وهذه إحدى الدراسات التي تصف الحال الذي يكون عليه شارب الخمر نتيجة لما يحدثه الكحول من آثار على الجهاز العصبي المركزي، والمراكز العليا.. تقول الدراسة (تختلف حدة مفعول الكحول باختلاف الأشخاص، كما أنها تختلف في الشخص الواحد بين حين وآخر. والجرعات الصغيرة تغري بالمزيد، وتظهر على شارب الخمر تغييرات ذهنية من البداية وبأقل كمية، ويمكن الكشف عنها باختبارات خاصة، كما تظهر عليه- مع زيادة الجرعات- أعراض الإثارة وعدم الاتزان.

ومن مظاهرها الضحك لأتفه الأسباب، وظهور نوبات من الغضب المفاجىء أو الرقة والوداعة:

كما أنه يتحدث في موضوع أو في غير موضوع، ويصبح حديثه أكثر فكاهة وأبعد ما يكون عن الوقار. وتصبح حركات شارب الخمر- قبل أن ينتقل إلى مرحلة اللاوعي والغيبوبة- أكثر حيوية، ولكنها لا تبعث على الاحترام في كثير من الأحيان ويضيع الشعور بالمسئولية فلا يميز بين التافه والمهم).

- وهذه دراسة تبين الأعراض التي تطرأ على شارب الخمر، نتيجة لتأثير الكحول على الجهاز العصبي المركزي، وحسب تركيز الكحول بالدم، تختلف الأعراض باختلاف نسبة تركيز الكحول في الدم على النحو التالي:

أقل من0.1 % يمكن الكشف عن تغييرات بإجراء اختبارات خاصة.

أقل من 0.1%-0.2 % عدم اتزان

أقل من 0.2 %-0.35 % التخبط- ترنح الخطي- ثقل الكلام

أقل من0.3 %-0.4 % نوم عميق

أقل من0.35 %-0.55 % غيبوبة

أكثر من5.5 % وفاة

وتوجد الرغبة إلى أعمال العنف وارتكاب الجرائم، والانتحار، والحزن والبكاء في بعض الأحيان.

ثانياً: يهيج الكحول الغشاء المخاطي بالمعدة، وإذا زاد تركيزه بالمعدة عن 3% عطل مفعول الأنزيمات الهاضمة، ويترتب على ذلك سوء الهضم وضعف الشهية للطعام مما يؤدي إلى سوء التغذية والضعف العام، وما يصاحب ذلك من ضعف للمقاومة واستهداف لكثير من الأمراض الميكروبية كالدرن، وغير الميكروبية كأمراض نقص الفيتامينات والتهاب الأعصاب، وأمراض الكبد.

 ثالثاً: يزيد الكحول- ولو بكميات قليلة من حدة ومضاعفات وخطورة الكثير من الأمراض، مثل أمراض الكلى، وقرحة المعدة، والإثنى عشر وقرحة القولون، والتشنج العصبي، ومرض السكر.

رابعاً: الكحول من أقوى الأسباب المعروفة التي تسبب (التليف الكبدي)، وهو يؤدى إلى المرض الكبدي الخطير (كهبة الكبد) والذي يسمى بالإنجليزية Liver Cirrhosis  

خامساً: يؤثر الكحول مباشرة على الألياف العصبية البصرية، فيحدث تلفاً بالأعصاب البصرية، مما يؤدي إلى (الغطش التسممي) الذي يتميز بأنه يكون مركزياً مما يؤدي إلى عدم القدرة على القراءة أو الرؤيا القريبة، وينتهي بفقد الإبصار المركزي.

سادسا: ومن أهم الأضرار التي تنتج عن الكحول والتي بدأت الدراسات العلمية الاهتمام بها، ما يحدث داخل الجسم من تعارض بين الكحول وأدوية العلاج التي يتعاطاها المرضى، وذلك في إطار (التفاعلات بعين الأدوية المشتركة في الإنسان) Drug - Drug Interactions  :

- فقد ينتج عن التفاعل بين الكحول وبعض العلاجات، نقص ضار في مفعول الدواء، ومثال ذلك: نقص مفعول علاج الدرن المشهور (ا. ن. هـ) إذا عولج به من يشربون الكحول.

- وقد ينتج عن التفاعل بين الكحول وبعض العلاجات، زيادة خطيرة في مفعول الدواء، ومثال ذلك: زيادة مفعول مضادات التجلط إذا عولج بها من يشربون الكحول.

- وقد ينتج عن التفاعل بين الكحول وبعض العلاجات، تفاعلات تسممية تؤدي إلى أخطر النتائج وقد تؤدي إلى الوفاة، ومثال ذلك: ما يحدث من تفاعلات (المنع الدوائي)  Antabuse reaction   في جسم الإنسان بين علاجات مرض السكر والكحول. ومنها: اضطرابات في ضربات القلب، وسرعة في النبض وانخفاض حاد في الضغط، وضيق في التنفس، وهبوط شديد.

- بل إن الكحول المستعمل من الخارج على شكل معاجين الحلاقة، أو ماء الكولونيا، قد يحدث تفاعلات خطيرة وقاتلة مع بعض العقاقير التي يتناولها المريض، ومن هذه العقاقير دواء ديسولفيرام Disuefiram  لهذا يحذر الباحثون بشدة من استعمال الكحول موضعياً بأية صورة من الصور وبأية كمية في حالة تعاطي ذلك العقار..

ولا زالت الدراسة الخاصة بالتفاعلات بين الأدوية المشتركة في الإنسان في أولها، خاصة فيما يختص (بالكحول)، ولهذا كان لزاماً على علماء الأمة الإسلامية المتخصصين في هذا المجال أن يشاركوا في الدراسات المتعلقة بالكحول ويهتموا بها كثيرا.

سابعا: ولا يقتصر الضرر على شارب الخمر فحسب، بل في حالة (الحوامل) يمتد أثر الكحول إلى الأجنة، فيكونوا دون التكوين الطبيعي، ويكون نموهم بعد الولادة بطيئاً وتوجد انحرافات في الجهاز الدوري، وتشوهات بالجمجمة والوجه... الخ.

ثامناً: يعتبر الكحول من أسرع المواد المسببة لسوء الاستعمال والتعود، والإدمان، وهذا يضاعف من خطره (وبعد)... فقد ذكرنا- وباختصار- الآثار والأضرار الصحية التي يسببها الكحول للإنسان، وهناك أضرار أخرى كثيرة وخطيرة، تتعلق بالنواحي الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، نترك لعلماء الأمة الإسلامية الأفاضل  -كل في مجال تخصصاته- القيام بتقديم الدراسات عنها.

رابعا: الوقاية والعلاج:

لقد أصبح سوء الاستعمال والتعود والإدمان، لكثير من المواد بعامة وللكحول بخاصة من أضخم وأخطر المشاكل التي تواجه المجتمع المعاصر، وكادت هذه المشاكل أن تكون مستعصية على العلاج، سواء من حيث صرف الناس عن تلك الأفعال السيئة، أو من حيث انتشال الذين وقعوا فريسة لها، ليعودوا مرة أخرى إلى مجتمع الأصحاء. وتتزايد أعداد أولئك المنحرفين عاما بعد عام في أرقى الدول رغم النصائح والتحذيرات والإجراءات وذلك على حد قول المهتمين بهذه المشاكل. ونرى صيحات الفزع ترتفع، ودلائل اليأس تظهر على دراساتهم وتقاريرهم. وتقول إحدى الدراسات (بالرغم من شيوع المخاطر عن تعاطي الكحول، وتدخين السجائر، فقد أصبحتا متمكنتين على كل المستويات وفي جميع أنحاء العالم وهما في تزايد مستمر. ولقد فشلت بشكل واضح طرق التوعية والتثقيف، وكذلك الحظر والتحريم المسبقان في التقليل من المشكلة، ومن الضروري إيجاد اتجاهات أخرى إذا أريد حلا للمشكلة. ولقد تصور أولئك الذين يئسوا من حل المشكلة أن الإعلانات المضادة، والأساليب الإعلامية الحديثة كفيلة بالقضاء على هذه المشكلة تماما، ثم تعجبوا من نتائج محاولاتهم في علاج المشكلة، حيث يرون أن التحذيرات والدعايات المضادة يصاحبها تزايد مستمر في استعمال هذه المواد الضارة، وأخيراً أعلنوا يأسهم من حل مشاكل الإدمان بما اتخذوه من وسائل.

وحقيقة الأمر أنه ليس هناك ما يدعو إلى الدهشة من النتائج الفاشلة، التي انتهى إليها أولئك العاملون على محاربة الإدمان، فالإباحة (للخمر) مهما كانت مفيدة، فلابد أن تنتهي بشارب الخمر إلى سوء الاستعمال والتعود والإدمان، وذلك تمشيا مع ملابسات شرب الخمر وطبيعة الإدمان فيه؛ والتحذيرات من شراب الخمر، والدعايات المضادة له، يقابلها على الطرف الآخر وبقوة شديدة واقع معارض ممثلاً في صناعة الخمور ومصانعها التي تعد بالآلاف، وتجارة الخمور ومكاسبها التي تعد بالبلايين من الدولارات، وقوة نفوذ العاملين في صناعة وتجارة الخمور والمستهلكين لها من الحكام والساسة ورجال الأعمال ورجال الفكر ومشاهير الفنانين والفنانات، وهم جميعاً يشكلون القدوة والقيادة للمجتمعات البشرية المعاصرة بكل طبقاتها وثقافاتها ومعتقداتها وأجناسها وأقاليمها ودولها وتنظيماتها..

فأين قوة التحذير من قوة التحريض؟!! وأين قوة المنع والمعارضة من قوة النشر والمؤازرة. ثم يبرز بعد ذلك السؤال الحائر الذي يردده بانزعاج بعض دعاة الإصلاح: ما السبب في صمود مشاكل الإدمان، لا بل واستفحالها عاماً بعد عام رغم جود الإصلاح والعلاج؟!.

ويأتي الجواب سريعا: ليست هناك جدية أو صدق نية لحل هذه المشاكل؛ كما أن تعارض أسلوب الحياة المعاصرة بكل انحرافاته مع وسائل العلاج والإصلاح يجهض كل محاولات المصلحين، والنفسانيين والأطباء المعالجين، ويجهض قوانين الدول مهما بلغت من الصرامة. ولا يعقل ولا يتوقع أن يتم القضاء على مشكلة الإدمان الكحولي، وشراب الخمور، بينما قادة الأمم ورجال السياسة والفكر ورجال المال والصناعة واقتصاديات كثير من الدول ووسائل الإعلام، وقوى الشر والفساد- في معظم أنحاء العالم- تعمل- وبضراوة- على الترويج لهذه المواد الضارة..

وعلى ضوء ما ذكرنا من النتائج الفاشلة التي حصل عليها من يعملون لعلاج مشاكل الإدمان، فإننا نطالب بوضع خطط سليمة متكاملة تحقق الإصلاح الجاد والقضاء التام على مشاكل الإدمان وبخاصة (الإدمان الكحولي)..

وعلينا أن نقتدي وأن نستفيد بسنة كريمة وعمل إصلاحي عظيم قام به نبي هذه الأمة- أمة الإسلام- نبينا (محمد) صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله، إنها الإصلاح الكامل والحل الشامل لمشكلة الخمر التي شاع شرابها، وسيطرت على عقول العرب وتأصلت في نفوسهم وعاداتهم، وذلك قبل الإسلام وإلى أن جاء نبي الإسلام، نبي الرحمة، الرسول الصادق الأمين، صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين- فتم القضاء على هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة قضاءاً تاماً، بين قوم أشد معارضة وعناداً، من المجتمعات المعاصرة ولكنها الدعوة الصالحة، والقيادة الصادقة التي كلل ويكلل اللّه سبحانه وتعالى أعمالها بالخير والتوفيق والفلاح.

ونقدم- باختصار- بعض الإجراءات اللازمة وطرق العلاج المناسبة التي نقترح الأخذ بها للقضاء على مشكلة الإدمان:

أولاً: إيقاف سيل المغريات وأسباب التحريض على الفسق، والتوقف عن عرض جوانب الحياة اللاهية، والمنطلقة إلى اللذة الجسدية وإلى الترف والى الكسب المادي، وذلك بوضع رقابة صارمة وجادة على الأعمال الفكرية والبرامج الترفيهية، والمواد الثقافية المقروءة والمسموعة والمنظورة، ولكي تصبح جميعها في الاتجاه الإصلاحي، وبعيداً عن الإثارة والتبذل.. هذا بالإضافة إلى وجود القدوة الصالحة بين أصحاب النفوذ والسلطان وكل من تقتدي بهم المجتمعات البشرية.

 ثانياً: الاهتمام بالجوانب الأخلاقية والسلوكية للمجتمع، والأخذ بالمفاهيم السليمة لقيم الحياة، واتباع الأساليب التربوية الصحيحة لتربية أفراد المجتمع منذ الطفولة، ويوجد في الدين الإسلامي- خاتم الأديان السماوية - مناهج تربوية مفصلة، سبق تطبيقها بالمجتمعات الإسلامية، وثبت نجاحها، ومن الصواب العمل بها توفيراً للجهد، وتحقيقاً للفائدة وضماناً لحسن النتائج.

ثالثا: التعرف على الدوافع الحقيقية لتعاطي الخمور وغيرها من مواد الإدمان، والتعرف

على العوامل المساعدة لهذه الدوافع، وذلك بدراسة المريض ككل: بدنياً، ونفسياً، واجتماعيا.. والعمل على إبطال هذه الدوافع بالتربية والعلاج، أو بالتأديب والعقوبة، ونبين ذلك بشيء من ا التفصيل فيما يلي:

(1) يتم فحص المريض من الناحية الصحية، ويعالج من كل ما يعاني منه من الأمراض خاصة تلك التي دفعته إلى تعاطي مادة الإدمان؛ فإذا كان يشكو من صداع مزمن، أو آلام عضوية مستمرة، أو اضطرابات وظيفية.. فيجب علاجه من هذه الأمراض حتى لا يكون هناك سبب لتعاطي مادة الإدمان بقصد العلاج.

(2) دراسة مشاكل المريض العاطفية والاجتماعية والاقتصادية، ومعاونته على التوصل إلى الحلول الواقعية السليمة والميسرة لهذه المشاكل. وتصحيح مسار فكره وتصويب نظرته إلى هذه المشاكل، بالعلاجات النفسية والروحية، وتعديل نظامه المعيشي والاجتماعي، والتصحيح السلوكي، والاستعانة بالتربية الرياضية. وليس أقوى من التوجيه الديني والتربية الدينية في تعديل السلوك، هذا مع إعطائه جرعات من الإيمان، والتقوى بالعبادات الإسلامية والعقيدة الإسلامية.

(2) وفي حالة شراب الخمر، والإدمان على شرابه، فإن الإقلاع التام عن تعاطي الخمر هو العلاج السليم، وهذا أفضل من محاولة التخفيف المتبعة في مواد الإدمان الأخرى.

رابعاً: وللقضاء على شراب الخمر ابتدأ أو بالنسبة للذين أدمنوا على شرابه فإنه بجانب العقوبات العلنية الرادعة التي توجد في الشريعة الإسلامية، يجب ملاحقة تلك العادة الملعونة بكل وسائل الإعلام للتحقير منها وممن يشربونها، وعرض الأفلام التسجيلية للسكارى والمخمورين في كل مراحل شرابهم لبيان ما يطرأ عليهم، وما يحدث لهم وما يصدر عنهم، والإكثار من فترات البث الإعلامي ضد هذا الشراب الملعون عن طريق البرامج التلفزيونية والإذاعية، وبذكر الإحصائيات والدراسات التي تؤكد ضرر وخطورة الخمر بأية كمية، والإكثار من التوجيهات والدراسات الدينية والتمثيليات الهادفة التي تنفر من الخمر وشرابه ومن المخمورين ومن تجار الخمور.

خامساً: إعادة النظر في الاستعمالات المشروعة لجميع الأدوية المحتوية على مواد تسبب التعود والإدمان، والعمل على الحد من استعمالها، وقصر استعمالها على حالات الضرورة، وفي نطاق الاضطرار الذي تقره الشريعة الإسلامية، ولقد سبق أن تحدثنا عن (الضرورة) في المقال السابق[2].

 سادساً: أما بالنسبة (للخمر) ومادته الفعالة (الكحول)، فلا ضرورة لاستعمالها في الطب والصيدلة؛ وهناك أبحاث تجري لتقييم الاستعمالات الحالية للكحول في الدواء والعلاج، وتشير الدراسات الأولية إلى إمكان الاستغناء عن الكحول صيدلانياً وطبياً. ومن الواجب على علماء الأمة الإسلامية العاملين في حقل الطب والصيدلة أن يعملوا جادين للتخلص من استعمالات الكحول في تجهيز الأدوية وفي العلاج: وبهذا يقدمون إلى أمتهم الإسلامية وإلى الإنسانية خدمات جليلة، ويؤدون واجباً دينيا مقدساً..

وبعد... فهذه (مشكلة الخمر والإدمان الكحولي) التي تجتاح العالم المعاصر، أعرضها في هذه الدراسة المختصرة، سائلا المولى سبحانه وتعالى أن يهيئ لها من بين أبناء الأمة الإسلامية من يجدون لها الحل الشامل.

وباللّه التوفيق، وهو سبحانه نعم الولي ونعم النصير.

 

عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال: قلت يا رسول اللّه أي المسلمين أفضل؟ قال: "من يسلم المسلمون من لسانه ويده".

(متفق عليه)

عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه أنه سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة".. أي اللسان والفرج.

(متفق عليه)

 

 

 

 


[1] انظر مجلة الجامعة الإسلامية. العدد الثالث. السنة الحادية عشرة. ص 247.

[2] انظر مجلة الجامعة الإسلامية. العدد الثالث، السنة الحادية عشرة . ص 249.