|
|
|
رسائل لم يحملها البريد |
|
بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي |
|
|
|
أختي العزيزة (هل): |
|
منذ أزمان بعيدة سحيقة وأنا جد متوقة إلى أن أكتب إليك هذه الرسالة، غير أن السعي الحثيث وراء الدنيا، والحب
الجم لجمع المال، قد شغلا أختك (همزة الاستفهام) عن أن تكتب إليك هذه الرسالة. |
|
ولولا خشيتي المبالغة والتفيش لقلت
إن الناس جميعا قد شغلوا بما شغلت به أختك هذه الأيام، فحب المال قد ألهى الرجال
عن أزواجهم وذراريهم، وصرف العلماء عن كتبهم وقراطيسهم، وصد المدرسين عن الخلوص
والإخلاص للدرس والتدريس. |
|
وقد أكون قد ثبت إلى صوابي بعد هذا
الضياع، ورجعت إلى رشدي بعد هذه الضلالة، أليس في هذه الرسالة التي أخطها إليك
تباشير الصباح؟؟ |
|
أختي العزيزة: |
|
أنت تعلمين ما بيننا من صلات رحم
ووشائج قربى، فأنا وأنت أختان في الاستفهام، ولنا في هذا القبيل أخوات أخر لا
ينبغي أن يهملن وينسين، لقد تبعثرنا في كتب العلم وتوزعتنا أبحاث العلماء، وأنا
أخشى على صلات الرحم أن تتقطع، وعلى وشائج القربى أن تبلى، فكان لزاماً أن أتعرف
أخبارك وأن أتحسس من الأخوات جميعاً، وليس هناك طريقة أجدى من هذه الرسائل
نتجاذب فيها أطراف الأحاديث، ونتبادل فيها حقائق العلم والعرفان. |
|
لقد كان كتاب اللّه العزيز أعظم
صالة تجمعنا وأشرف نسب يضمنا وأعز مكان نقيم فيه، فحري بنا أن تتحدث كل واحدة
منا عن أحوالها في هذا الكتاب العظيم، وعن مواضعها في آيات اللّه المعجزة. |
|
لقد ذكرنا نحن- أدوات الاستفهام-
في كتاب اللّه العزيز أكثر من ألف مرة، وإن شئت الدقة والتحديد فقولي ألفا
وأربعاً وثلاثين، وأسأل اللّه تعالى أن أكون قد أصبت في هذا الحساب والإحصاء،
فهو شيء قمت به بدءاً لم أجده في كتاب ولا أعلم أحداً قام به من قبل. |
|
وإذا نظرت إلى عدد ما ذكرنا في
كتاب اللّه العزيز بالقياس إلى عدد آياته التي بلغت ستة آلاف ومائتين وستاً
وثلاثين (1) رأيت أن لنا نصيباً موفوراً من الذكر، ومنزلة عالية بين أساليب
البيان. |
|
وهنالك ميادين أخرى كثيرة لنا فيها
فضل وإحسان، ومجالات واسعة لنا فيها هيمنة وسلطان، فنحن- معاشر أدوات الاستفهام-
يقوم علينا الأدب التمثيلي الذي هو من أصعب أنواع الأدب وأرقاها، وعلينا تقوم
طريقة من أنجح طرق التدريس وهى طريقة الحوار، والعلماء والقضاة والمحامون
والمدرسون وكبار مراسلي الصحف، هؤلاء
- وغيرهم كثير- لا ينالون النجاح والفوز إلا إذا كانوا ذوى مقدرة فائقة
على إنشاء الأسئلة الدقيقة العميقة وحسن الحوار، ولا أكون متجانفة عن الحق إذا
قلت إن معظم ما في هذا العالم من مسائل العلم والمعرفة كان جواباً عن سؤال. |
|
غير أن القرآن الكريم هو الذي أكسبنا هذا الشرف العظيم، ووهب
لنا هذا الفضل الواسع، فكان حقاً علينا أن نذكر أحوالنا فيه، وأن نقصر الرسائل
على ما أولانا إياه. |
|
أختي العزيزة (هل): |
|
لقد ذكرت أنا- همزة الاستفهام- في
القرآن الكريم أكثر من خمس مائة مرة، وإن شئت الدقة والتحديد قلت خمس مائة وتسع
عشرة مرة، وأسأل اللّه تعالى ألا أكون قد أخطأت في العد والحساب. |
|
هذا القدر الذي نلته أنا كان كثيراً
جداً- والحمد لله- لم تصلي إليه أنت ولا قاربته أخت أخرى، ومعاذ الله أن أقول
هذا مخيلة واستكباراً، وإنما هو تحدث بنعمة اللّه وفضله، وبيان لما أولانيه من
رفعة وعظيم شأن. |
|
وما ينبغي لمثلي أن تكون من هؤلاء
الذين يظهرون الفقر وهم أغنياء، ويعيبون الدنيا وهم ينشقون أزهارها المخضلة،
ويخضمون أوراقها الخضر. |
|
قد تعجبين وتسألين: كيف نلت هذا
المقدار من الذكر، وأنى لي هذا الغنى والوفر؟! |
|
أنا لا أستطيع جواباً حاسما، ولكن
قد يكون وضعي على حرف واحد جعلني سهلة على اللسان، سريعة الحركة والدوران، ليس
في استعمالي كلفة ولا مشقة. فكان من هذا أن جئت على أساليب كثيرة شتى، ولبست حللاً
من البيان حالية مبينة. |
|
ومن الأساليب الرائعة المحكمة التي
جئت عليها أسلوب الجملة المنفية، فقد صحبت فيها أحياناً (لم) وأحياناً أخرى
(لا)، وفي قليل من الأحيان وجدتني مصاحبة (ليس). |
|
ولي مع (لم) هذه النافية الجازمة
صور كثيرة منها {أَلَمْ تَرَ إِلَى...} جئت
على ذلك في القرآن الكريم خمس عشرة مرة، غير أني أريد أن أقول شيئا قبل أن أمضي
بعيداً في تفصيل هذه المرات، ذلك الشيء هو ما قاله ابن هشام الأنصاري في كتابه
(مغنى اللبيب)، وما علقه الدسوقي على ذلك القول في حاشيته. |
|
قال ابن هشام (2): "لا يكون
الاستفهام منه تعالى على حقيقته". وعلق الدسوقي (3): |
|
"لأن طلب الفهم يقتضي سبق
الجهل وهو محال، فحينئذ يحمل ما ورد فيه على أنه للتقرير أو للتوبيخ أو للإنكار". |
|
وقال الزركشي في كتابه البرهان (4):
"فإن الرب تعالى لا يستفهم خلقه عن شيء، وإنما يستفهمهم ليقررهم ويذكرهم
أنهم قد علموا حق ذلك الشيء". |
|
وأقول أنا بعد هذا: إن الاستفهام
منه تعالى يجيء لما تقدم ويجيء أيضا للتنبيه والتعجيب والتعجب كما في {أَلَمْ تَرَ إِلَى...} التي جاءت في خمس عشرة
آية أذكرها لك مرتبة حسب ورودها في سور القرآن الكريم: |
|
ففي الآية الأولى من هذه الآيات
يقول اللّه تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ
اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ}. (الآية 243- البقرة). |
|
ولا أخفي عليك أن للعلماء آراء
متعددة في المعنى الذي جئت عليه أنا- همزة الاستفهام-في هذه الآية الكريمة: |
|
ففي تفسير القرطبي (5) "قوله
تعالى: {أَلَمْ تَرَ...} والمعنى عند
سيبويه تنبّه إلى أمر الذين.." |
|
ويقول أبو حيان الأندلسي في تفسير
البحر المحيط (6): "وهذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النفي فصار الكلام
تقريراً، فيمكن أن يكون المخاطب علم بهذه القصة قبل نزول هذه الآية الكريمة،
ويجوز أن يكون لم يعرفها إلا من هذه الآية ومعناه التنبيه والتعجب من هؤلاء". |
|
وقد ذكر الزركشي في كتابه البرهان
(7) أن من ضروب الاستفهام التنبيه ومثل له بآيات منها هذه الآية وقال: "والمعنى
في كل ذلك أنظر بفكرك في هذه الأمور وتنبه". |
|
وقال الزمخشري في تفسيره الكشاف
(8): "{أَلَمْ تَرَ} تقرير لمن
سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين، وتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يخاطب به
من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب". |
|
وفي تفسير الجلالين (9): "{أَلَمْ تَرَ} استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع
ما بعده". |
|
ويقول صاحب الفتوحات الإلهية (10)
معلقاً على قول الجلالين المتقدم: " قوله "تعجيب" أي إيقاع
المخاطب في أمر عجيب غريب أي في التعجب منه، فعلى هذا يستفاد من الآية أن
المخاطب لم يسبق له علم بتلك القصة قبل نزول الآية وقبل استفهام تقرير فعليه
يكون المخاطب عالماً بالقصة والمقصود تقريره بها. اهـ شيخنا". |
|
ويقول أبو السعود في تفسيره (11): "{أَلَمْ تَرَ} تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل
الكتاب وأرباب الأخبار وتعجيب من شأنهم البديع". |
|
ولعلك أيتها الأخت العزيزة تسألين
بعد هذا كله وتقولين: وما رأيك أنت في هذه الآراء، وما الذي تختارين وترجحين؟ |
|
الرأي الذي أختاره وأرجحه هو ما
تقدم أن قلته وهو أن الاستفهام هنا للتعجب والتعجيب والتنبيه، وأما الذين قالوا
إنه للتقرير فلست معهم، فالتقرير يأتي لأحد أمرين (12). |
|
الأول: حمل المخاطب على الاعتراف بالأمر
الذي استقر عنده من ثبوت شيء أو نفيه كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ
قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ
سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ...}
(الآية 116- المائدة). |
|
والثاني: تثبيت النسبة التي اشتمل
عليها الاستفهام في الذهن، فإن كان المخاطب جاهلا بها فالأمر ظاهر، وإن كان
عالما بها فلزيادة التثبيت، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ
يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى}(الآية 6- الضحى) وكما في قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}. (الآية 36-
الزمر). |
|
ولا يبدو لي أن الاستفهام في هذه
الآية الكريمة {أَلَمْ تَرَ إِلَى} جاء
لأحد هذين الأمرين. |
|
أما عدم ظهور الأمر الأول فلأن
الاستفهام في هذه الآية الكريمة {أَلَمْ تَرَ
إِلَى} ليس فيه حمل للمخاطب على الاعتراف بشيء، وهذا واضح يدل عليه
أن ليس فيها جواب يبين المعترف به. |
|
أما الأمر الثاني: وهو أن يكون
للتقرير بمعنى تثبيت النسبة في الذهن فمبني عند من يرون الخطاب للرسول صلى اللّه
عليه وسلم على أن اللّه تعالى قد أعلمه بهذا من قبل، أو مبني على أن الخطاب لمن
سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب الأخبار، وهذا البناء على كل حال افتراض لا
دليل عليه وليس من ورائه كبير فائدة. |
|
أما من يرى أن الاستفهام هنا في {أَلَمْ تَرَ إِلَى} للتشويق فلست أرى رأيه، وقد
تسألين وتقولين: ولم كان ذلك؟ |
|
فأقول: إن هذه المعاني البلاغية
التي تخرج إليها أدوات الاستفهام من تشويق وتعجيب وتقرير وإنكار وغير ذلك إنها
تخضع للذوق الأدبي الشخصي وليس لها قواعد موضوعة يمكن أن يحتكم إليها، وبسبب من
هذا جاءت الآراء مختلفة في معنى هذا الاستفهام وفي غيره، غير أن التشويق بخاصة
مع خضوعه للذوق الشخصي يعتمد على شيء من المنطق يقتضي أن يكون استفهام التشويق
في جملة تامة مستقلة يجيء بعدها المشوق إليه في جملة أو جمل مستقلة أخرى، كي
تتاح للنفس فرصة الانفعال والتشويق إلى ما سيأتي بعد، وذلك كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (الآيتان 10، 11 من سورة
الصف). وكما في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ
الْغَاشِيَةِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} (الآيات من 1- 15 من
سورة الغاشية) وكما في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا
سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} (الآيات من 27 إلى 37 من
سورة الذاريات). |
|
ففي هذه الآيات جاء الاستفهام
التشويقي في جملة تامة مستقلة، ثم جاء المشوق إليه بعد ذلك في جملة أو في جمل
أخرى. |
|
والذي اخترته من آراء العلماء في
معنى الاستفهام في هذه الآية الكريمة أن يكون للتعجب وللتعجيب، وليس بين التعجب
والتعجيب منافاة ولا تعارض، فالتعجب منظور فيه إلى القائل جل جلاله، والتعجيب
منظور فيه إلى المخاطب. |
|
ومن الناس من ينكر أن يكون
الاستفهام هنا للتعجب ويقول إن اللّه سبحانه وتعالى لا يعجب من شيء، وهو يظن أن
تعجبه سبحانه وتعالى سيكون كتعجب خلقه، ولا أدري من أين جاءه هذا الظن واللّه
سبحانه وتعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}،
وتعجب اللّه تعجب يليق بكماله وجلاله، ولا يمكن أن يكون بينه وبين تعجب غيره
مشابهة ما أو مماثلة. |
|
على أن تعجب اللّه سبحانه وتعالى
ثابت في القرآن الكريم وثابت في السنة المطهرة: |
|
ففي القرآن الكريم يقول اللّه
تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}
قرأ حمزة والكسائي {عجبتُ} بضم التاء،
ورويت هذه القراءة أيضاً عن عبد اللّه بن مسعود وغيره. وظاهر أن المتعجب هو
اللّه سبحانه وتعالى. |
|
وفي السنة المطهرة روي عن النبي
صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "عجب ربنا من قنوط
عباده وقرب خيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب"
حديث حسن(14). |
|
أما الرأي القائل إن الاستفهام في {أَلَمْ تَرَ...} للتنبيه بالمعنى الذي تقدم عن
الزركشي وهو "انظر بفكرك في هذا الأمر وتنبه" فحق فيما أراه وصواب.
والتنبيه بهذا المعنى يستدعيه التعجيب ويقتضيه، لأن التعجيب يقوم على أحد أمرين: |
|
إما على الاستحسان والاستعظام
والإجلال كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى
رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ
جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً}الآية (45) الفرقان. |
|
وإما على الإنكار والاستهجان
والاستغراب كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا
أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ
أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً
بَعِيداً} الآية (60- النساء) والحال في كلا الأمرين ببعث على
التنبيه بمعنى التأمل والتبصر والاعتبار وهو ما دعا إليه القران الكريم في كثير
من آياته. |
|
أختي العزيزة (هل): |
|
والآن - قد انتهيت من الكتابة إليك
بالمعاني التي جئت عليها في هذه الآية الكريمة - أريد أن أحدثك بالكلمات التي تليني في هذه الآية. |
|
لقد دخلت على (لم) النافية الجازمة
للفعل المضارع (تر) وعلامة جزم هذا الفعل حذف الألف من آخره ولعلك لم تسمعي من
قبل أن هذا الفعل قد قرئ بسكون الراء على توهم أن الراء آخر الكلمة أو على إجراء
الوصل مجرى الوقف (15). و (تر) فعل مضارع مسند إلى ضمير المخاطب، ولكن من يكون
هذا المخاطب؟ |
|
من المفسرين من يقول إنه الرسول
صلى اللّه عليه وسلم، ومنهم من يجوز أن يكون الخطاب له عليه الصلاة والسلام ولكل
أحد، ويقول التفتازاني: الأوجه عموم الخطاب للدلالة على أن هذه القصة قد بلغت من
العجب حيث ينبغي لكل أحد أن يتعجب منها (16). |
|
و (تر) في هذا الاستفهام علمية
تتعدى إلى مفعولين ولكنها هنا لم تأخذ مفعوليها، وعديت بحرف الجر (إلى) لأنها
ضمنت معنى ما يتعدى بهذا الحرف، والمعنى ألم ينته علمك إلى الذين... (17). |
|
ومن العلماء من يقول إن (تر) هنا-
وإن كانت علمية- قد استعملت استعمال (تنظر) فتعدت تعديتها للإشارة إلى أن هذا
الأمر قد بلغ من الوضوح والظهور والتحقق مبلغ الشيء |
|
المحسوس المشاهد الذي تبصره
العينان ولا يمكن إنكاره (18). |
|
و{الَّذِينَ
خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} هم الذين كان حالهم عجبا وعبرة، ولعلك
تلاحظين- يا أخت- أن الآية الكريمة عبرت باسم الموصول ولم تسم جماعه بعينها،
وقالت: {مِنْ دِيَارِهِمْ} ولم تسم
مكاناً معيناً كانت فيه هذه الديار. لقد ترك ذلك كله لأنه لا عبرة فيه، وإنما
العبرة فيما جاء بعد في صلة الموصول وما عطف على هذه الصلة. |
|
لاحظي كلمة {مِنْ دِيَارِهِمْ} والدار من أعز ما يملكه
إنسان الحاضرة، وخروجهم منها يدل على عظم ما كانوا فيه من فزع، وهول ما كانوا
فيه من خوف. |
|
والتعبير ب {أُلُوف} وهي من جموع الكثرة، وترك التعبير
بآلاف وهي من جموع القلة، يدل على أنهم كانوا كثيرين جدا لا يعلم عدتهم إلا
اللّه. |
|
ثم جاءت {حَذَرَ الْمَوْتِ}- وهي مفعول لأجله- تبين سبب
الخروج على ما هم عليه من كثرة كاثرة. |
|
لقد أخرجهم {حَذَرَ الْمَوْتِ} من ديارهم: من مسارح الطفولة
وملاعب الصبا، من مجالس السهر والسمر، ومن مهاجع الأمن والسكينة. أخرجهم منها
كالجراد المنتشر يهيمون على وجوههم، يسوقهم الخوف ويحدوهم الفزع، وقد غفلوا أو
جهلوا أن الموت والحياة بيد اللّه، وأن الحذر لا يدفع القدر، فقال تعالى ليبين
ذلك كله: {مُوتُوا} ولعلك- يا أخت-
تحسين ما في هذا الأمر {مُوتُوا} من
قوة وجبروت وكبرياء، فاللّه هو القوي الجبار المتكبر، ولعلك تلاحظين أن الآية
الكريمة لم تذكر عاقبة هذا الأمر وهي أنهم قد ماتوا، لأن هذا شيء مفهوم من قوله
تعالى: {مُوتُوا} فأمر اللّه تعالى
محقق النفاذ لا يتخلف {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا
أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. |
|
وقوله تعالى: {ثُمَّ أَحْيَاهُم} يدل بـ {ثُمَّ} على أن الإحياء لم يجيء سريعاً بعد
الإماتة وإنما جاء على فترة من الموت. |
|
وفي صيغة {أَحْيَاهُم} وفي جرس حروفها تجد النفس معاني
الرحمة والفضل والإحسان. وبعد أن بين اللّه سبحانه وتعالى حال هؤلاء الناس
الباعثة على التعجب الداعية إلى التدبر والتبصر والاعتبار قال في ختام هذه الآية
الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ}. |
|
وأنت تلاحظين أن الجملة الأولى قد
أكدت بثلاثة مؤكدات: إن، واللام، واسمية الجملة. |
|
وجاء هذا التأكيد تعظيماً لشأن هذا
الخبر وما اشتمل عليه، وقد يكون لتنزيل الناس منزلة المنكرين من أجل أن أكثرهم
لم يكن من الشاكرين. |
|
ولا تنسي أن تتذوقي ما في {ذُو فَضْلٍ} من قوة، فهذه الذال مع الواو ثم
هذه الضاد مع اللام المرنان قد أعطت هذه الصفة جرساً فخماً ضخماً في اللفظ وفي
السمع يناسب معناها العظيم. ويراد ب {النَّاسِ}
الناس جميعاً فهي تشمل الذين أماتهم ثم أحياهم وتشمل غيرهم. |
|
وقد يبادر إلى الذهن من قوله
تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ} أن الناس جميعاً يشكرون للّه ذلك الفضل العظيم، فقال
تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَشْكُرُونَ} دفعاً لهذا الذي قد يبادر إلى الذهن ويسبق في الظن،
وبياناً لواقع الناس القبيح المعيب الذي قل فيه الشكر والشاكرون. |
|
وفي إعادة لفظ {النَّاسِ} مرة ثانية مع أن المقام مقام إضمار
زيادة إيضاح وبيان لهؤلاء الذين لا يشكرون، فزيادة إزراء عليهم وتشنيع. |
|
أختي العزيزة (هل): |
|
كنت أود أن أحدثك بما جاء في
الآيات الأربع عشرة الباقية التي ورد فيها هذا الاستفهام {أَلَمْ تَرَ إِلَى...} ولكني خشيت أن تملي من
طول الحديث على الرغم من أن طول مثل هذا الحديث لا يمل. سأترك ذلك إلى رسالة
قادمة أكتبها إليك إن شاء اللّه تعالى. |
|
والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته. |
|
مراجع ما ورد في هذه الرسالة مرتبة
حسب ترتيب الأرقام التي جاءت فيها: |
|
1- الإتقان للسيوطي جـ 1 ص 67 طبعة
الحلبي بمصر. |
|
ب- قرآن كريم (بهامشه تفسير
الجلالين) الناشر مكتبة الجمهورية العربية لصاحبها عبد الفتاح عبد الحميد- بجوار
الأزهر/ ص 524 تحت عنوان خاتمة. |
|
2، 3- حاشية الدسوقي على مغنى
اللبيب لابن هشام الأنصاري ج 1 ص 9 الناشر مطبعة ومكتبة المشهد الحسيني-
القاهرة. |
|
4- البرهان للزركشي جـ 2 ص 327
تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- الطبعة الثانية- الناشر عيسى البابا الحلبي
وشركاؤه. |
|
5- تفسير القرطبي جـ 3 ص 230- طبعة
مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية- بالقاهرة. |
|
6- تفسير البحر المحيط لأبي حيان
الأندلسي- جـ 2 ص 249- طبعة مصورة عن طبعة مولاي السلطان عبد الحفيظ سلطان
المغرب- الناشر دار الفكر. |
|
7- البرهان للزركشي جـ 2 ص 340
تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- الطبعة المتقدم ذكرها |
|
8- تفسير الكشاف للزمخشري جـ 1 ص
77 طبعة الحلبي بمصر. |
|
9- تفسير الجلالين/ هامش الفتوحات
الإلهية ب 1 ص 197- طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه بمصر. |
|
10- الفتوحات الإلهية جـ1 ص 197
الطبعة المتقدم ذكرها. |
|
11- تفسير أبى السعود جـ 1 ص 237
الناشر مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد بالقاهرة. |
|
12- شروح التلخيص/ حاشـية الدسوقي-
ب 2 ص 294 وص د 29 طبعة الحلبي بمصر. |
|
13- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي
جـ 7 ص 354 الطبعة المتقدم ذكرها. |
|
14- العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام
ابن تيمية/ الطبعة الثالثة- الناشر محمد عبد المحسن الكتبي بالمدينة المنورة. |
|
15- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي
ج 2 ص 249 الطبعة المتقدم ذكرها. |
|
16 و 17- الفتوحات الإلهية ج 1 ص
197 الطبعة المتقدم ذكرها. |
|
18- تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج
2 ص 475 نسخه مصورة/ الناشر دار المعرفة. |
|
النظام السياسي في الإسلام |
|
التوحيد والرسالة والخلافة هي
دعائم ثلاث يقوم عليها بناء نظام الإسلام السياسي، وليس من الميسور أن نحيط بنظم
السياسة الإسلامية بجميع فروعها وشعبها إلا إذا فهمنا هذه المبادئ: التوحيد
والرسالة والخلافة حق الفهم. |
|
(أبو الأعلى المودودي رحمه
الله) |