طباعة

 توثيق النص

 

 

 

أبو الأعلى المودودي

مؤسس الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية

لفضيلة الشيخ محمد شريف الزئبق

المدرس بكلية الدعوة.

 

 

في يوم السبت أول ذي القعدة سنة 1399 هـ توفي الشيخ أبو الأعلى المودودي فكانت وفاته فاجعة أليمة أصابت المسلمين جميعاً في عالم عامل مجاهد، وإمام فذ، أثر في الجيل الإسلامي المعاصر تأثيرا عظيما، فقد دعا من شبه القارة الهندية إلى نهضة إسلامية على أسس علمية متينة، وأسس في الهند ثم في باكستان الجماعة الإسلامية على مبادئ الإسلام القويمة في قالب عصري سديد.

 

نشأته:

ولد المودودي في بلدة (أورنك أباد) بإقليم حيدر أباد الركن في الهند، وكان والده من العلماء الصالحين الذين امتهنوا مهنة المحاماة والدفاع عن المظلومين، فعني بتربية ولده وتثقيفه، فبدأ بتعليمه القرآن الكريم، واللغتين العربية والفارسية، والفقه والحديث، ولم تمض سنوات حتى كان أبو الأعلى الفتى الصغير قد حصل من العلوم في خمس سنوات ما لم يحصله نظراؤه من الأطفال في ضعف هذه المدة، وبعد أن استوى عوده، ونال من الثقافة الإسلامية حظا طيبا. ألحقه أبوه في المدرسة الحكومية وكانت سنه لا تزيـد عن إحدى عشرة سنة، فأجري له اختبار للقبول، ونجح إلى الصف الثامن، واستمر في المدرسة إلى نهاية المرحلة الثانوية.

وحدث أن أصيب والده بمرض أقعده عن العمل فانقطع إلى ملازمته وخدمته، والعناية به، ولم يلبث أن توفي أبوه ولم يتجاوز السادسة عشرة فكان عليه أن يعتمد بعد اللّه على نفسه، فعمل في الصحافة، وهو بعد فتى غض الإهاب، واستمر في طلب العلم والمطالعة بعيدا عن الأسلوب التقليدي الذي يسير عليه طلبة العلم في زمنه، حيث كانوا ينصرفون إلى كتب المتون والشروح والتقريرات والمنظومات الفقهية واللغوية:

وكانت هذه الفترة من تاريخ الهند تموج بأحداث خطيرة بعد الحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث جسام في العالم الإسلامي، حيث كان الإنجليز يحكمون الهند حكما استعماريا غاشما، وكان المسلمون يتململون ويتألمون حين يجدون أبناءهم مجندين في الجيوش البريطانية التي كانت تتصدى لحرب إخوانهم المسلمين في الدولة العثمانية، مما كان له رد فعل شديد لدى المسلمين في الهند، فتنادى زعماؤهم إلى الدفاع عن الخلافة الإسلامية، وكان الإنجليز في الوقت نفسه يشجعون الهندوس ويؤيدون دعوتهم القومية، وبرز (غاندي) زعيما هندوسيا يقود الشعب الهندي للاستقلال، وكان قد نشأ في أحضان الإنجليز، فأظهروه زعيما خطيرا يعمل على إقامة دولة في الهند على أساس القومية العلمانية، ويحاول خداع مسلمي الهند ليسيروا في صفه باسم القومية والتحرير، ويطلب منهم تناسي تاريخ الهند الإسلامي الذي لم يكن فيه بزعمه غير الحروب والدمار، وأن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف، مستغلا قيام ملاحدة حزب الاتحاد والترقي في تركيا مصطفى كمال وأنصاره - بإلغاء الخلافة سنه 1342 هـ، فكان غاندي يصول ويجول ويدعو المسلمين في الهند إلى الانضواء تحت لواء القومية الهندوسية ونبذ دعوة الوحدة الإسلامية لإعادة الخلافة،..

وكان المودودي يسمع هذه الدعوة الفاجرة من غاندي فتثور نفسه ويغلي الإيمان في قلبه، ويكب على الكتب والمراجع ليرد افتراءات غاندي وغيره من أعداء الإسلام فألف كتابه الأول (الجهاد في سبيل الله) وطبع سنة 1347 هـ وسنه لم تتجاوز الخامسة والعشرون.

 

عمله في الصحافة:

وفي سنة 1351 هـ أصدر المودودي مجلة (ترجمان القرآن) وجعلها منبرا للدعوة الإسلامية، وكان يبدؤها بتفسير القرآن العظيم بأسلوب يحافظ فيه على جوهر المعنى بأسلوب عصري يبلغ به دعوة الإسلام إلى معاصريه. وكان المودودي يشترك في تحرير مجلات أسبوعية منها مجلة (تاج) التي كان يديرها وحده ثم تحولت إلى جريدة يومية. ولما انتقل إلى العاصمة (دلهي) التقى برئيس جمعية علماء الهند الشيخ أحمد سعيد، وأصدرت هذه الجمعية سنة 1358هـ جريدة (مسلم) وعين المودودي مديرا لها، ولما أغلقتها السلطة الاستعمارية أصدرت الجمعية جريدة أخرى بإدارته.

 

تأسيس الجماعة الإسلامية:

لقد فطن المودودي رحمه اللّه وهو يبحث موضوع (الجهاد في سبيل اللّه) إلى حقيقة الإسلام، وأنه لابد له من دولة تقيم شرائعه وأحكامه من العدل بين الناس، ورعايته فقرائهم، وهذا يستلزم قيام جميع المؤسسات التي تحتاجها الدولة كالقضاء والجيش والشرطة والبعثات الدبلوماسية وغيرها، فهو يقول: "الحكومة الإسلامية لا تكون في الحقيقة إلا حكومة مبلغة ومرشدة، مهمتها إعلاء كلمة اللّه في الأرض، وغايتها من الجهاد تغليب الإسلام على الكفر".

ونظر المودودي فرأى الأغلبية من المسلمين في الهند منقسمة إلى فريقين: أحدهما يسير في موكب حزب المؤتمر الهندي تحت زعامة غاندي الذي يدعو إلى قومية هندية موحدة، ويحارب فكرة تقسيم الهند على أساس الدين، والثاني يؤيد حزب الرابطة الإسلامية بزعامة محمد علي جناح، والذي يدعو إلى إنشاء دولة باكستان منفصلة عن الهند على أساس القومية الإسلامية.

وكان زعماء الرابطة الإسلامية جماعة مثقفة بثقافة عصرية، وليس في أذهانهم فكرة واضحة عن النظام الإسلامي الذي تقوم عليه دولة باكستان، وكان هدفهم هو إنشاء دولة مستقلة للمسلمين على أساس (القومية الإسلامية) لا (الفكرة الإسلامية) أو النظام الإسلامي؛ وقام المودودي بمجابهة هذا التيار الذي يلقى تأييد عامة المسلمين بسبب الظروف الصعبة التي كان يعيشها المسلمون في الهند والمذابح الطائفية التي يتعرضون لها في كل مكان.. وقد شرح المودودي فكرته في مجلة ترجمان القرآن، وفي المحاضرات التي كان يلقيها في مختلف البلدان عام 1358هـ كقوله: "إن المسلمين ليسوا أمة كالألمان أو الإنجليز أو الهندوك تنتمي إلى عنصر مخصوص أو تنتسب إلى أرض بعينها، وإنما المسلمون حزب ذو فكرة ومبدأ، لا ينحصرون في أرض أو سلالة، وعليهم أن يجذبوا الهنادك إلى حزبهم العالمي ذي الفكرة السامية والنظرة العالمية الشاملة كما جذبهم أسلافنا من قبل".

وليس عجيبا أن لا تستوعب الأكثرية من المسلمين هذه الفكرة، وكان من الطبيعي أن تستهويها نظرية (القومية الإسلامية) بإزاء (القومية الهندية) لأن العاملين في الدعوة الإسلامية كانوا لا يملكون الوسائل، وفي الوقت نفسه كان عددهم قليلا جدا، وفي سنة 1359هـ صادق مؤتمر الرابطة الإسلامية على تأسيس (دولة إسلامية مستقلة) وعندئذ رأى المودودي أن الوقت قد حان لينتظم الذين تأثروا بدعوته وأفكاره في سلك جماعه تستعد لمجابهة ما سيعانيه المسلمون في الهند، وما سيواجهه الإسلام في باكستان، فاجتمع على دعوته خمسة وسبعون رجلا في مدينة لاهور من مختلف أنحاء البلاد الهندية وأسسوا (الجماعة الإسلامية) وانتخبوه أميرا لها وكان ذلكَ في الثاني من شهر شعبان 1360 هـ.

شرعت الجماعة الإسلامية في مهمتها بتعميم الدعوة ونشر فكرة الإسلام، وكان الأستاذ المودودي رحمه الله لا يزال ينشر آراءه وأفكاره في مجلته ترجمان القران، ويلقي المحاضرات في الموضوعات الإسلامية أمام طلاب الجامعات وأساتذتها، وظهر في الجماعة نخبة من المؤلفين وقفوا حياتهم ومواهبهم لاستجلاء محاسن الإسلام بأسلوب عصري متين، وحرصت الجماعة الإسلامية على تربية أعضائها على الأخلاق الإسلامية وحثهم على أداء شهادة الحق قولا وعملا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. ولم يزد أعضاء الجماعة في مدى ست سنوات (من.136- 1366 هـ) على ستمائة وخمسة وعشرين عضوا، إذ كان على من يلتحق بعضوية الجماعة الإسلامية أن يستقيل من وظائف الحكومة الإنجليزية المستعمرة، وإن كان محاميا أن يمتنع عن المرافعة أمام المحاكم التي كانت تحكم بغير ما أنزل اللّه، وأن يرفضوا التعامل بالربا والعقود المحرمة الأخرى، وقد أثبت هؤلاء النفر المؤمنون الذين بايعوا المودودي أنهم جادون في عملهم للإسلام ودعوته.

 

جهاده وبلاؤه:

وحين انقسمت الهند إلى دولتين الهند وباكستان، ازدادت أعباء (الجماعة الإسلامية) فكان عليها إلى جانب نشر التصور الصحيح للإسلام وإعداد الفرد المسلم وإصلاح المجتمع، أن تعمل على جعل باكستان دولة إسلامه تطبق الإسلام، وذلك:

1- بمطالبة الحكومة بوضع الدستور الإسلامي وتطبيق ا الشريعة الإسلامية..

2- إعداد جيل متمسك بتعاليم الإسلام، مستقيم السلوك يستطيع تحمل مسئوليات النظام الإسلامي.

وقد كان لجهاد الجماعة الإسلامية لوضع الدستور الإسلامي لدولة باكستان أن أصدرت الجمعية التأسيسية (قرار المبادئ) سنة 1368هـ الذي ينص على أن الحاكمية في باكستان ليست إلا للّه عز وجل وأن كل ما تتمتع به الدولة من الصلاحيات والسلطات هي وديعة عندها للّه سبحانه وتعالى، وأن الحكومة من واجبها أن تجعل المسلمين يعيشون حياة إسلامية يرتضيها اللّه ورسوله.

وقد كان من كيد أعداء الإسلام أن الحكومة البريطانية ورثت دولة باكستان الناشئة تحكم القاديانيين وسيطرتهم على جانب من السلطة فكان ظفر اللّه خان وزيرا للخارجية وبعض الضباط القاديانيين يتحكمون في سلاح الطيران.. وكانت للقاديانية دعاية واسعة خبيثة بين ظهراني المسلمين، فكتب الأستاذ المودودي (المسألة القاديانية) وبين في هذا الكتاب حقيقة القاديانية وخطرها على المسلمين، وبسبب هذا الكتاب ألقي القبض على الأستاذ المودودي سنة 1372 هـ مع عدة مئات من أعضاء الجماعة الإسلامية، وحوكم المودودي أمام محكمة عسكرية فأصدرت قرارا بإعدامه واستقبل المودودي هذا الحكم بطلاقة وجه ورحابة صدر، ولكن المحكمة عادت فخففت الحكم إلى السجن المؤبد، وبقي المودودي في السجن ثمانية عشر شهرا، ثم اضطرت الحكومة إلى إطلاق سراحه تحت ضغط جماهير الشعب المسلم في باكستان وفي العالم الإسلامي.

وفي سنه 1384 هـ قامت الحرب بين الهند وباكستان بسبب عدوان الهند على كشمير فاضطر أيوب خان رئيس الباكستان أن يذهب إلى مقر الجماعة الإسلامية في لاهور وأن يصحب المودودي في سيارته إلى دار الإذاعة ليوجه خطابا إلى الأمة وإلى الجيش كان يذاع على المقاتلين في الجبهة، وتحقق الانتصار للجيش الباكستاني رغم ضآلة عدده وعدته أمام الجيش الهندي.

ولما وصل بوتو وحزبه إلى حكم باكستان سنة 1392 هـ لم يستطع أن ينفذ ما كان ينادى به من جعل دستور الدولة اشتراكيا علمانيا رغم أكثريتة الساحقة، لأن الجماعة الإسلامية والهيئات الدينية الأخرى استنكرت مشروعة، وأبت إلا أن يكون الدستور متفقا مع قرار المبادئ، فرضخ هذا المتغطرس وحزبه لرغبة الشعب المسلم ووضع مادة تصرح بأن دين الدولة الإسلام، ومصدر التشريع فيها هو الإسلام.

 

بين المودودي والندوي:

كان الأستاذ السيد أبو الحسن الندوي قد ألف كتابا في نقد بعض آراء الأستاذ أبي الأعلى المودودي التي وردت في بعض كتبه وخاصة كتاب (المصطلحات الأربعة في القرآن)، وقد طبع منذ سنوات باللغة الأردية في السند ثم طبعت ترجمته باللغة العربية باسم (التفسير السياسي للإسلام) في عام 1399 هـ ويقول السيد الندوى أن السيد المودودى قد كتب له في رسالته الأخيرة التي تلقاها منه حين وصله كتاب المذكور الذي جاءت فيه ملاحظاته عليه. كتب له مرحبا بهذه الملاحظات وشكره عليها، ودعاه إلى مراجعة سائر كتاباته ومؤلفاته، وإبداء الملاحظات عنها وقال: "إنني لا أستطيع أن أقول إني سأوافق عليها تماما، ولكني أدرسها وأتأمل فيها" وقال: "إنني لا أعتبر نفسي فوق مستوى النقد واختلاف وجهات النظر.."

ومما يذكر أن كلا الرجلين كانا من أعضاء رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ومن أعضاء المجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ويشيد السيد الندوي حفظه اللّه بالسيد المودودي "الذي قامت دعوته على أسس علمية أعمق وأمتن من أسس تقوم عليها دعوات سياسية.. وكانت كتاباته وبحوثه موجهة إلى معرفة طبيعة هذه الحضارة الغربية وفلسفتها للحياة، وتحليلها تحليلا علميا قلما يوجد له نظير في الزمن القريب، وقد عرض الإسلام ونظام حياته، وأوضاع حضارته وحكمه، وصياغته للمجتمع والحياة، وقيادته للركب البشري والسيرة الإنسانية في أسلوب علمي رصين، وفي لغة عصرية تتفق مع نفسية الجيل المثقف ومستوى العصر العلمي ويملا الفراغ في الأدب الإسلامي المعاصر من زمن طويل، ويقضي حاجة الشباب الطموح إلى مجد الإسلام والمسلمين.." ويقول الندوي أيضا: "وقد بعثت كتاباته - المودودي - القوية ثم جهوده المتواصلة الرغبة القوية العارمة لقيام حكم إسلامي ونظام إسلامي ومجتمع أفضل في كل بلد إسلامي".

 

مؤلفاته:

نقل إلى اللغة العربية من مؤلفاته بضعة وثلاثون كتابا منها: الجهاد في سبيل اللّه - الإسلام والجاهلية - شهادة الحق - الدين القيم - مبادئ الإسلام - المصطلحات الأربعة في القرآن - نظرية الإسلام الخلقية - الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية - تفسير سورة النور – الحجاب - موجز تجديد الدين وإحيائه - واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم - منهج جديد للتعليم والتربية - أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة - معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام - مسألة ملكية الأرض في الإسلام - نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور والقانون - القانون الإسلامي - نظام الحياة في الإسلام - واجب الشباب المسلم اليوم - حاجة الإنسانية إلى جماعة رشيدة - البعث بعد الموت - الثبوت العقلي للرسالة المحمدية - نحن والحضارة الغربية - المسألة القاديانية - الحضارة الإسلامية: أصولها ومبادئها- حركة تحديد النسل في ميزان النقد - تذكرة دعاة الإسلام - أضواء على حركة التضامن الإسلامي - بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية - حدود التشريع الإسلامي ومكانة الاجتهاد فيه.- العدالة الاجتماعية: حقيقتها وسبل تحقيقها.

وقد حرصت المملكة العربية السعودية على تكريم هذا الإمام المجاهد فمنحته لجنة جائزة الملك فيصل جائزتها للعالم الماضي، فتقبلها شكرا ووضعها في خدمة الدعوة الإسلامية، رحمه الله وعوض الأمة الإسلام عنه خير العوض، وأجزل مثوبته في دار المقامة عنده.