طباعة

 توثيق النص

 

 

 

من أبحاث فقه السنة

سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء

(الحلقة الثانية)

لفضيلة الدكتور أحمد علي طه ريان / الأستاذ المساعد بكلية الحديث الشريف

 

 

الخصلة الثامنة: غسل الجمعة: 

هل المراد بغسل الجمعة المشار إليه في بعض أحاديث سنن الفطرة، والذي عده الحافظ ابن حجر من الخصال الخمسة عشر: هو الغسل المشروع لحضور صلاة الجمعة والذي وردت جملة من الأحاديث تحث عليه وترغب فيه، وتأمر به كحديث ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب على المنبر فقال: "من جاء الجمعة فليغتسل"[1] أم أنه اغتسال شرع على كل مسلم سواء وجبت عليه الجمعة أو لم تجب، أراد حضور الجمعة أو لم يرد، أي أنه تشريع عام للمسلمين يضع الحد الأدنى الذي لا ينبغي على المسلم تجاوزه، وهو الاغتسال مرة كل سبعة أيام على الأقل- وهو ما يشير إليه حديث أبي هريرة: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده"  رواه مسلم والبخاري واللفظ له[2] وفي رواية أخرى له: "للّه تعالى على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً.."[3].

وقد نقل البدر العيني عن الكرماني قوله: التحقيق: "أن الحديث الأول - أعني حديث ابن عمر- دل على أن الغسل لمن جاء إلى الجمعة خاصة.. وهذا الحديث - أعني حديث أبي هريرة - عام للمجامع وغيره..."[4]. وذهب بعض الشراح إلى أن الغسل المأمور به في حديث أبي هريرة: إنما هو الغسل المشروع لحضور الجمعة.. واستدلوا له بما جاء عند النسائي بلفظ: "على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة"[5] وصححه ابن خزيمة كما روى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من حديث البراء بن عازب مرفوعا نحوه ولفظه "من الحق على المسلم أن يغتسل يوم الجمعة.."[6].

وأنا أميل إلى قول الكرماني: لأن مشروعية غسل الجمعة قد ثبتت بالأحاديث الكثيرة التي خصت الغسل بمن يحضر الجمعة..

أما حديث أبي هريرة هذا فهو من باب التشريع العام للمسلمين بضرورة مراعاة النظافة لأجسادهم بالاغتسال مرة كل أسبوع، ويعتبر هذا هو الحد الأدنى لكل مسلم لا يشرع في حقه أي اغتسال آخر.

وما جاء في بعض الروايات بتقييده بيوم الجمعة: فهو باعتباره عيد المسلمين الأسبوعي، وللمشاركة في الاغتسال مع المجامَعين في هذا اليوم.. كما أن هذا القول هو الأنسب لاعتبار غسل الجمعة من بين خصال الفطرة: لأن الملاحظ هو عمومية هذه الخصال ومشروعيتها لكل الناس وعدم تقيدها ببعض العبادات.. والقاسم المشترك بينها جميعا: أمران: النظافة والزينة.

حكم الاغتسال يوم الجمعة:

ذهب أهل الظاهر ورواية عن أحمد بن حنبل إلى أن غسل الجمعة واجب.. وقد حكي هذا القول: عن عمر وأبي هريرة وابن عباس وأبى سعيد الخدري وسعد بن أبى وقاص، وعبد اللّه بن مسعود وعمر بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع [7] وقد استدل الظاهرية ومن معهم على الوجوب بعدد من الأدلة: من بينها ما يلي:

أ- حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما: "من جاء إلى الجمعة فليغتسل" وقد تقدم.

ب- حديث أبى سعيد الخدري رضي اللّه عنه: "الغسل واجب على كل مسلم محتلم.." [8].

ج- ما جاء في قصة عمر مع عثمان رضي اللّه عنهما وقد جاء فيها قول عمر لعثمان: "وقد علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر بالغسل..." [9].

وهناك أدلة أخرى لكنها لا تخرج في جملتها عن مضمون الأدلة السابقة..

وجه الدلالة: التصريح بالوجوب ثم طلبه بصيغة الأمر المقتضية للوجوب عند الإطلاق؛ يفيد أن غسل الجمعة واجب.

وذهب جمهور أهل العلم: إلى أن غسل الجمعة سنة، بأنه مستحب والمعنى متقارب.. وقد استدل لهذا الرأي بعدد من الأدلة من أهمها ما يلي:

أ- حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام.." الحديث.. قال الترمذي: "هذا حسن صحيح.."[10].

ب- حديث سمرة بن جندب رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" قال الترمذي: "حديث سمرة حديـث حسن"[11].

ج- كما استدل له أيضاً بترك عثمان رضي اللّه عنه للغسل.. إذ لو كان واجبا لما تركه.. قال الشافعي في تقرير هذا الدليل: "ومما يدل على أن أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالغسل يوم الجمعة-كان- على الاختيار لا على الوجوب: حديث عمر حيث قال لعثمان: "والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل يوم الجمعة.."  فلو علما أن أمره على الوجوب لا على الاختيار لم يترك عمر عثمان حتى يردد ويقول له: ارجع فاغتسل، ولما خفي على عثمان ذلك مع علمه.. فدل هذا الحديث: على أن الغسل يوم الجمعة فيه فضل من غير وجوب"[12] وقال الباجي في شرحه على الموطأ تعليقا على هذا الحديث: "إنما أنكر عليه ما مضى من تركه الغسل ليكون ذلك تنبيهاً له على ما ينبغي أن يفعل في مثل ذلك اليوم عند سعة الوقت، ويقتضي إجماع الصحابة على أن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب وجوبا: يعصي تاركه وإنما يوصف بالوجوب على معنى التأكيد لحكمه، ولو كان فيهم من يعتقد وجوبه لسارع إلى الإنكار على عثمان- وأمره بالقيام إلى الاغتسال.."[13].

ونكتفي بهذا القدر من أدلة الجمهور لغنائها عن غيرها.. بعد أن اتضاح منها قوة موقف القائلين بسنية غسل الجمعة..

 

وقت الإغتسال للجمعة:

يرى الإمام مالك: أن وقت الاغتسال ينبغي أن يتصل بالرواح إلى الصلاة لحديث ابن عمر المتقدم: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"، أي أراد أن يجيء، ولأن الغسل شرع للنظافة وإزالة الروائح الكريهة التي تلحق بالناس من جراء العمل والمشي في يوم الجمعة: ففي حديث عائشة عند مسلم كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنسان منهم وهو عندي فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا.."[14]..

وقولها في الحديث الآخر "كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاه: فكانوا يكون لهم تفل فقيل لهم لو اغتسلتم يوم الجمعة"[15]. لذلك قال مالك في الموطأ: "من أغتسل يوم الجمعة أول نهاره وهو يريد بذلك غسل الجمعة، فإن ذلك الغسل لا يجزئ عنه حتى يغتسل لرواحه وذلك أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال في حديث ابن عمر: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل"[16].

وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن وقت الاغتسال للجمعة يبدأ من بعد طلوع الفجر لأن الاغتسال لحضور الجمعة فينبغي أن يكون متقدماً عليها، لكن لا يشترط اتصاله بالرواح، وقالوا: إن حديث ابن عمر لا يفيد شرط الاتصال، لأن معنى إذا جاء أحدكم: أي أراد المجيء أو قصد الشروع في المجيء، ولأن معظم الأحاديث الواردة في الاغتسال للجمعة لم يرد فيها ما يفيد اتصال الذهاب إليها.

وذهب الظاهرية إلى أن وقت الاغتسال يمتد من طلوع الفجر يوم الجمعة إلى نهاية عصرها فيجزئ وقوعه في أي جزء من هذا الوقت ولو بعد صلاة الجمعة. واستدلوا بالأحاديث التي أطلق فيها الاغتسال في يوم الجمعة كحديث أبي هريرة؛ وقد تقدمت الإشارة إلى بعضها وهو صادق بأي جزء من يوم الجمعة حتى يبقى من قرص الشمس مقدار ما يتم غسله قبل غروب آخره.. وأفضله أن يكون متصلا بالرواح وهو لازم للحائض والنفساء لزومه لغيرهما..[17].

والواقع أن رأي المالكية هو الظاهر- لمن يريد حضور الجمعة- لأن الاغتسال لإزالة الروائح الكريهة، والمقصود عدم تأذي الحاضرين المجتمعين لصلاة الجمعة، وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة.. كما أن الاغتسال في أول اليوم مع وجود الفاصل الكبير بينه وبين الصلاة يفوت الغرض الذي شرع الاغتسال لأجله.. والله أعلم[18].

 

كيفية الاغتسال للجمعة وفضيلته:   

الاغتسال للجمعة لا يختلف في كيفيته عن الاغتسال للجنابة في أركانه وسننه وفضائله:

أما التصريح بكونه مماثلا لغسل الجنابة، فقد جاء واضحاً في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقره، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر.."[19].

أما كيفية اغتسال الجنابة المشار إليه في طلب الاغتسال للجمعة في الحديث السابق: فقد ورد كاملاً في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة: يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ يمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأي أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه"[20].

 

الحكمة من غسل الجمعة:

يستفاد من الأحاديث الواردة في غسل الجمعة- وقد سبقت الإشارة إلى بعضها- إلى أن هذا الاغتسال ضرب هام من التشريع العملي في مجال النظافة البدنية لكل مسلم.. وهو يشير إلى ما ينبغي سلوكه على المسلمين من الاهتمام بنظافة ثيابهم ومساكنهم وأماكن عملهم وبالجملة ينبغي أن يصل أثره إلى كل مظهر من حياتهم الاجتماعية.

كما أن طلب الاغتسال في يوم الجمعة بذاته ما يشير إلى ما ينبغي أن يكون لهذا اليوم من الأهمية في حياة المسلمين باعتباره عيدهم الأسبوعي..

ومن جهة ثالثة: فإن الأمر بإزالة كل ما يتأذى به المسلمون المجتمعون في المساجد من قذر أو روائح كريهة دلالة واضحة على اهتمام الإسلام بمشاعر الناس والمحافظة على راحتهم ورفع كل ما يؤذيهم حتى تسود روح الألفة والمودة بينهم.. وبذلك يكون المسلمون قد تحققوا بقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ..}[21]..

 

الخصلة التاسعة الاستحداد:

الاستحداد: بالحاء المهملة: استفعال من الحديد والمراد: استعمال الحديد في حلق شعر العانة.. والتعبير بالاستحداد بدل التعبير بحلق: يشير إلى أنه لا مانع من التعبير بالكناية عن الأمور التي يستحى من التصريح بها.. إذا كان الغرض يفهم من الكناية، دون حاجة إلى التصريح بالشيء.. قال الحافظ ابن حجر: "قد وقع التصريح بحلق العانة في بعض طرق الحديث كما جاء عند مسلم، وهذا مما يدفع إلى الظن بأن التعبير بالاستحداد قد وقع من بعض الرواة".

والمراد بالعانة: الشعر النابت فوق ذكر الرجل وحواليه وكذلك الشعر النابت حوالي فرج المرأة.

وقال العدوي- من علماء المالكية - العانة: "هي ما فوق العسيب والفرج وما بين الدبر والأنثيين"[22].

وحكي عن أبي العباس بن سريج: أن العانة: "هي الشعر النابت حول حلقة الدبر.." وعلى هذا يستحب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما.. بل قيل: إزالة الشعر من على الدبر أولى خوفا من أن يعلق به شيء من الغائط فلا يمكن إزالته للمستنجي إلا بالماء، وقد يتعذر الحصول عليه ولا يجد لديه إلا الأحجار فيظل متلبسا بالنجاسة.

إلا أن بعض العلماء استبعد شمول لفظ العانة للشعر النابت على الدبر كما يفهم ذلك من قول العدوي السابق، وقد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي القول بعدم مشروعية حلق ما حول الدبر.. كما نقل أيضا رأى الفاكهي في شرح العمدة: بأنه لا يجوز.. ثم قال: ولم يذكر للمنع مستنداً وأقول: إن مستنده يتلخص في أن لفظ العانة: خاص بما حول القبل ولا يتناول لما حول الدبر. والشعر المأمور بإزالته: هو شعر العانة فيكون المأمور به: هو الشعر النابت على القبل وما حوله فقط، ولا يتناول الشعر النابت حول الدبر.. ومن هنا قال ابن دقيق العيد: "كأن الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس.." وقال الشوكاني: "ليس هناك دليل على حلق شعر الدبر من فعله صلى الله عليه وسلم ولا من فعل أحد أصحابه"[23]. ومع ذلك أقول: قد صرح بعض العلماء: بأنه لا بأس من حلق شعر الدبر إذا كان القصد من ذلك التنظيف[24].

قال النووي: "السنة في العانة الحلق لما صرح به الحديث، فلو نتفها أو قصها أو أزالها بالنورة جاز وكان تاركا للأفضل وهو الحلق".[25].

أقول قول النووي: إن من أزال عانته بالنورة كان تاركاً للأفضل وهو الحلق فيه نظر؟.. فقد نقل الحافظ ابن حجر ما أخرجه ابن ماجه من حديث أم سلمة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم "إذا أطلى ولى عانته بيده" ثم قال: "رجاله ثقات لكن معل بالإرسال" وأنكر أحمد صحته.. أقول إنه يتقوى بما أخرجه ابن ماجه متصلا عن أم سلمة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم "كان إذا أطلى بدأ بعورته فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله"[26] قال الحافظ ابن كثير في كتابه الذي ألفه في الحمام- بعد أن ذكر هذا الحديث-: "هذا إسناد جيد"[27] وأخرج أحمد عن عائشة رضي اللّه عنها قولها: "أطلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالنورة، فلما فرغ منها قال: "يا معشر المسلمين عليكم بالنورة فإنها طلية وطهور، وإن اللّه يذهب بها عنكم أوساخكم  وأشعاركم"[28].

وأيضاً روي الإطلاء بالنورة عن جماعة من الصحابة: فرواه الطبراني عن يعلى بن مرة الثقفي.. والطبراني أيضا بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن عمر والبيهقي عن ثوبان والخرائطي عن أبي الدرداء وجماعة من الصحابة وعبد الرزاق عن عائشة.

كما وردت أحاديث قاضية بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يتنور.. ولكنها ضعيفة.. قال السيوطي: والأحاديث السابقة- إشارة إلى الأحاديث المثبتة أقوى سندا وأكثر عددا، وهي أيضاً مثبتة فتقدم.

ويمكن الجمع بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يتنور تارة ويحلق تارة أخرى.. وقد أوضح القول في هذا الموضوع صاحب نيل الأوطار فمن أراد المزيد فعليه الرجوع إليه[29].

 

من يتولى إزالة شعر العانة:

يتولى الشخص إزالة عانته بنفسه لما ثبت من تولي الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك بنفسه.. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك قريباً.

فإن تعذر ذلك لمرض أو كان الشخص أقطعاً: فإن أحد الزوجين يتولى ذلك للآخر لجواز النظر واللمس من كل منهما للآخر وقد صرح بعض العلماء بكراهة تولي ذلك من أحد الزوجين لكن محله إذا كان لغير ضريرة كما أوضحت ذلك في المثال السابق.

ولا يجوز للأجنبي أن يتولى ذلك للرجل الأجنبي عنه كما لا يجوز ذلك للمرأة أن تتولى ذلك للأجنبية عنها[30].

 

حكم الاستحداد:

الأصل في الاستحداد: أنه سنة باتفاق الفقهاء وقد عبر البعض عنه بأنه مستحب والخلاف في ذلك يسير وقد حكى النووي أنه قد اختلف فيه بالنسبة للمرأة إذا طلب ذلك منها زوجها على وجهين أصحهما الوجوب[31].

أما العدوي فقال بوجوبه بالنسبة للمرأة ولو لم يطلب منها الزوج ذلك لأن في إزالته جمال للمرأة ويجب عليها إزالة كل ما في إزالته جمال لها ولو شعر اللحية إن نبتت لها لحية..[32].

 

الحكمة من الاستحداد:

يعتبر الاستحداد وسيلة من وسائل المحافظة على صحة الجسم وقوته وسلامته لأن ترك الشعر يتكاثر في هذا الجزء من الجسم يسبب كثيرا من الالتهابات الجلدية التي تضر بالجسم وتوهنه.

كما أنه من الوسائل التي تلطف العشرة بين الزوجين وتزرع الإلفة والمودة بينهما.. ومن وجهة ثالثة: فإن الاستحداد يعد وجها من أوجه النظافة البدنية التي طلبها اللّه من خلقه بقوله عز من قائل.. {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ..} الآية..[33].

 

المدة التي لا ينبغي تجاوزها في الاستحداد:

ثبت عن أنس رضي اللّه عنه أنه قال: "وقَت في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين يوما.."[34].. وفي رواية أبي داود: "وقت لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.." الحديث.. ولكن إسنادها ضعيف.. والاعتماد على رواية مسلم فإن قوله: "وقت لنا" بالبناء للمجهول هي كقول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، وهو مرفوع كقوله.. قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور من أهل الحديث والفقه والأصول.[35].

وهذا هو الحد الأقصى الذي لا ينبغي تجاوزه، أما الوقت الذي ينبغي أن يفعل فيه استحباباً فنقل عن الشافعي وعلماء الشافعية: أن ذلك يكون يوم الجمعة من كل أسبوع كما نقل ذلك عن الباجي والقرطبي من المالكية، وقد رجحه السيوطي استنادا إلى حديث أبي جعفر الباقر الذي سنذكره بعد قليل.

ويرى بعض العلماء أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والضابط في ذلك الطول المتعارف عليه عادة فمن طالت عانته أو أظافره أو طال شعر إبطه فإنه ينبغي عليه إزالته بدون تحديد وقت معين لذلك، وقد اختار هذا الرأي عدد كبير من أهل العلم[36]..

أما حديث أبي جعفر الذي رواه البيهقي في سننه الكبرى "كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يستحب أن يأخذ من شاربه وأظافره يوم الجمعة" فقد قال العراقي عنه: "إنه مرسل.."[37] كما أن حديث علي بن أبي طالب الذي جاء فيه "رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقلم أظافره يوم الخميس ثم قال: يا علي قص الظفر ونتف الأنف- ولعله: الإبط- وحلق العانة يوم الخميس والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة" فقد قال العراقي عنه: في إسناده من يحتاج إلى الكشف عنه من المتأخرين.. أما الحسين بن هارون الضبي وما بعده فثقات.... والله أعلم..[38]..

 

الخصلة العاشرة: نتف الإبط:

الإبط: بكسر الهمزة والباء الموحدة وسكونها وهو المشهور.. ويذكر ويؤنث: يقال تأبط الشيء وضعه تحت إبطه.

قال النووي: "السنة: نتفه كما صرح به في الحديث فلو حلق جاز"[39] وعن يونس ابن عبد الأعلى قال: "دخلت على الشافعي ورجل عنده يحلق إبطه، فقال إني علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع"[40].

قال الغزالي: "هو في الابتداء موجع ولكنه يسهل على من اعتاده"- قال: "والحلق كاف لأن المقصود النظافة".

وقد تعقب بأن الحكمة في نتفه: أنه محل للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق فيه فيتلبد ويهيج، فشرع فيه النتف الذي يضعفه فتخف الرائحة به، بخلاف الحلق فإنه يقود الشعر ويهيجه فتكثر الرائحة لذلك[41].

قال: ابن دقيق العيد: "من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل.." لكنه بين أن النتف مقصود من جهة المعنى: فذكر نحو ما تقدم:- من حيث تأثير النتف في تخفيف الرائحة- ثم قال: "وهو معنى ظاهر لا يهمل فإن مورد النص إذا احتمل معنى مناسباً يحتمل أن يكون مقصودا في الحكم لا يترك، والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنور.. لكنه يرق الجلد فقد يتأذى صاحبه به ولا سيما إن كان جلده رقيقا"[42] وفي المغني: "إن أزال الشعر بالحلق والنورة جاز ونتفه أفضل لموافقته الخبر".

قال حرب: "قلت لإسحاق: نتف الإبط أحب إليك أم بنورة؟ قال: نتفه إن قدر.."[43].

وبالجملة نقول: إن النتف أولى للنص عليه وهذا لمن يقدر عليه أما من لم يقدر عليه فقد أجيز له الحلق أو التنور.. وقد ظهرت في هذه الأيام أنواع كثيرة من المواد المزيلة للشعر مما جعل هذه المسألة أكثر يسرا وسهولة.

ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن لحديث التيامن.. وفيه "كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله..".

ولا يجوز ترك شعر الإبط لأكثر من أربعين يوما لحديث أنس السابق "وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة" وقد تقدم أنه في صحيح مسلم.

 

حكم نتف الإبط:

حكى النووي اتفاق الفقهاء على أن نتف الإبط سنة.. وهذا القول لا يختلف كثيرا عن قول العراقي: "إنه مستحب إجماعا"[44] لتقارب المعنى بين الحكمين؛ ولكنه يختلف كثيرا عما نقله الحافظ عن ابن العربي: من أن الخصال الخمس الواردة في حديث أبي هريرة: وهي حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب والختان؛ واجبة، معللا ذلك: "بأن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين"[45] وقد تقدم بيان ذلكَ في صدر هذا البحث.. فلو قال النووي اتفق أكثر الفقهاء على سنية نتف الإبط لكان أقرب إلى التحقيق.

ويمكن حمل قول ابن العربي بالوجوب: في حق من طال شعره وكثر حتى تفاحش بحيث صار مصدر أذى للمسلمين بما ينبعث عنه من الروائح الكريهة وخصوصا في الأجواء الحارة والأماكن المغلقة.

وعلى ذلك فيكون الأخذ من الشعر والأظافر أولا بأول في حدود الأربعين يوما مستحبا أو سنة، فإذا تركه أكثر من أربعين يوما حتى طال كثيرا وتفاحش فيكون الأخذ حينئذ واجبا في حقه واللّه أعلم.

على أنه يندب غسل اليدين بعد الانتهاء من نتف الإبط لإزالة ما علق بها من شعر أو رائحة كريهة[46].

 

الخصلة الحادية عشرة: تقليم الأظافر:

والتقليم: تفعيل من القلم وهو القطع. يقال قلمه: يعني قطعه واسم ما قطع منه: القلامة.. ويقال لها أيضا: المقلومة.. وقد يشدد للكثرة ووقع في بعض الروايات "وقص الأظافر" وقص الظفر: أخذ أعلاه من غير استئصال، قال الحافظ ابن حجر: "والتقليم أعم.." والأظفار جمع ظفر: بضم الظاء والفاء وسكونها.. والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر لأن الوسخ يجتمع فيه فيتقذر وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة[47].

وقد نقل الحافظ ابن حـجر عن البيهقي في شعب الإيمان- من طريق قيس بن حازم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة فأوهم فيها فسئل فقال مالي لا أوهم ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته؟" ثم قال: "رجاله ثقات مع إرساله، وقد وصله الطبراني من وجه آخر"[48] وقد رواه صاحب المغني بلفظ "مالي لا أسهو؟ وأنتم تدخلون علي قلحا ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته.."[49].

والرفغ: بضم الراء وبفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة: يجمع على ارفاغ وهي مغابن الجسد: كالإبط، وما بين الأنثيين، والفخذين، وكل موضع يجتمع فيه الوسخ. فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره، والتقدير: وسخ رفغ أحدكم.. والمعنى إنكم لا تقلمون أظافركم ثم تحكون بها أرفاغكم فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة.. قال أبو عبيد: "أنكر عليهم طول الأظفار وترك قصها".

قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر ما تقدم: وفيه إشارة إلى الندب إلى تنظيف المغابن كلها ويستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه ضرر على الإصبع.. واستحب أحمد للمسافر أن يبقى منه شيئا لحاجته إلى الاستعانة بذلك غالبا..[50].

وإذا تجمع وسخ تحت الأظفار فإن لم يمتنع وصول الماء إلى ما تحته لقلته صح الوضوء بلا خلاف.. وإن منع وصول الماء إلى ما تحته: فقال بعض العلماء بعدم صحة الوضوء كما لو كان الوسخ في موضع آخر من أعضاء الوضوء.. وقال البعض الآخر بصحة الوضوء والغسل وأنه يعفى عنه للحاجة وذلك لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يأمرهم بتقليم الأظفار وينكر ما تحتها من الوسخ ولم يثبت أنه أمرهم بإعادة الصلاة..[51].

 

ترتيب قص الأظافر:

لم يثبت في كيفية قص الأظافر حديث يمكن الاعتماد عليه في ذلك..

وقد قال الإمام الغزالي في الإحياء: "لم أر في الكتب خبرا مرويا في ترتيب قلم الأظافر ولكن سمعت أنه روي أنه صلى اللّه عليه وسلم بدأ بمسبحة اليمنى وختم بإبهام اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام.." أي كان القص على الترتيب التالي:

يبدأ بمسبحة اليمنى ثم الوسطى ثم الخنصر، ثم خنصر اليسرى إلى إبهامها ثم إبهام اليمنى.. ثم قال الغزالي: "ولما تأملت هذا خطر لي من المعنى ما يدل على أن الرواية فيه صحيحة" ثم ذكر لذلكَ حكمة: قال الحافظ العراقي بعد نقله كلام الغزالي: "والذي ذكره حكمة ظاهرة فإنه لا شك أن الابتداء باليمنى أولى، ثم إن أشرف أصابع اليمنى المسبحة؛ فقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يشير بها عند الدعاء وفي التهشد.. الخ ما قال"[52].

 وبالرغم من استحسان العراقي لما قاله الغزالي: فقد استهجنه الإمام المازري المالكي - وهو إمام في علم الأصول والكلام والفقه - وانتقده بشدة.. وقد عقب النووي على كلام الغزالي والمازري، بقوله: "إن الذي ذكره الغزالي لا بأس به إلا في تأخير إبهام اليمنى فلا يقبل قوله فيه، بل يقدم اليمنى بكمالها ثم يشرع في اليسرى، وأما الحديث الذي ذكره فباطل لا أصل له.."[53].

وأما الرجلان فيبدأ بخنصر اليمنى ثم يمرر على بقية الأصابع بالترتيب حتى يختم بخنصر اليسرى كما في تخليل الأصابع في الوضوء..[54].

 

لا بأس من تولي شخص آخر تقليم الأظافر وقص الشوارب:

يخير الشخص الذي يريد تقليم أظافره أو قص شواربه، بين أن يتولى ذلك بنفسه أو يتولاه غيره عنه إذ لا هتك حرمة في ذلك ولا ترك مروءة ولا سيما ممن لا يحسن قص أظافر يده اليمنى؛ فإن كثيرا من الناس لا يتمكن من قصها بنفسه لعسر استعمال اليسار لديه فإن الأولى في حق مثله أن يتولى ذلك غيره عنه، لئلا يؤذى يده، وقد ورد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ من شارب المغيرة بن شعبة على سواكه..[55].

 

استحباب دفن ما أخذ من الأظفار والأشعار:

استحب عدد من الفقهاء دفن ما أخذ من الأظفار والأشعار سواء من العانة أو الإبط أو الشارب أو الرأس..

وقد جاء في المغني روى الخلال بإسناده عن ميل بنت مشرح الأشعرية قالت: "رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها. ويقول: رأيت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يفعل ذلك.."[56] كما جاء فيه أيضا: قال مهنا: "سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟" قال: "يدفنه.." قلت: "بلغك فيه شيء؟" قال: "كان ابن عمر يدفنه وروينا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم "أنه أمر بدفن الشعر والأظفار وقال: "لا يتلاعب به سحرة بني آدم"[57] وقال النووي: "نقل عن ابن عمر واتفق عليه أصحابنا"[58]..

 

استحباب غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظافر:

استحب بعض الفقهاء غسل رؤوس الأصابع بعد قلم الأظفار لما قيل: إن حك الجسم بالأظفار المقلومة قبل غسلها يضر بالجسم..[59]..

 

حكم تقليم الأظفار:

حكى النووي اتفاق العلماء على أن تقليم الأظفار سنة سواء في ذلك الرجل والمرأة واليدان والرجلان.. وحكى العراقي والمقدسي: الاستحباب[60] والفرق بين الأمرين يسير.

لكن يعكر دعوى الاتفاق المقول بها من قبل هؤلاء الأعلام ما سبق من قول ابن العربي بالوجوب بالنسبة للخصال الواردة في حديـث أبي هريرة رضي اللّه عنه.. ومن بينها تقليم الأظفار.. وقد ذكرنا فيما سبق مستنده وما قال به بعض العلماء في الرد عليه.

 

الحكمة من الأمر بقص الأظافر واعتبار ذلك من سنن الفطرة:

1- الظفر القصير مفيد لحك الجسم لكن إذا طال عن حده صار مصدر إيذاء للشخص وإيذاء لغيره من المتعاملين معه فيكون الأمر بإزالة الظفر الطويل أمرا بإزالة أذى عن المسلمين وهو مطلوب في كل وقت وعلى أي حال..

2- في إزالته أيضا وقاية عن كثير من الأمراض؛  لأن الأوساخ التي تتجمع بين الظفر الطويل ونهاية الإصبع تصير مأوى خصبا للجراثيم والميكروبات وهي من أسرع الوسائل فتكا بصحة الإنسان.

3- في إزالة بقايا الغائط بالاستنجاء بواسطة اليد فإنه قد يعلق بها بعض الغائط حيث يدخل بين الظفر ونهاية الإصبع ويصعب استخراجه بالغسل العادي، فإذا توضأ الشخص ولم ينتبه لذلك فإنه يصلي وهو حامل للنجاسة..

كما أن رؤوس أصابعه تكون مصدر رائحة كريهة دائما وهو ما يشير إليه الحديث.. "ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته.." وقد سلفت الإشارة إليه.

 

الخصلة الثانية عشر: قص الشارب:

الأصل في القص: تتبع الأثر، وقيده بن سيدة في المحكم: بالليل كما يطلق أيضا على إيراد الخبر تاما على من لم يحضره، كما يطلق ثالثا على قطع شيء من شيء بآلة مخصوصة، والمراد به هنا: قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال[61].

أما الشارب: فهو الشعر النابت على الشفة العليا.. وقد اختلف في جانبيه وهما السبالان؛ فقيل هما من الشارب ويشرع قصهما معه، وقيل هما من جملة شعر اللحية فيعفيا..

وقد ورد في بعض الأحاديث "قص الشوارب"؛ فقيل: هو من الواحد الذي فرق وسمي كل جزء منه باسمه من باب المبالغة والتعظيم؛ فقالوا لكل جانب منه شاربا ثم جمع على شوارب.

وحكى ابن سيده عن بعضهم: من قال: الشاربان أخطأ وإنما الشاربان ما طال من ناحية السبلة.. قال ويسمى السبلة كلها شاربا.. ويؤيده أثر عمر الذي أخرجه مالك: أنه كان إذا غضب فتل شاربه، والذي يمكن فتله من شعر الشارب؛ السبال وقد سماه شاربا..[62].

وقد روت أكثر الأحاديث بلفظ القص كحديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم وحديث عائشة وحديث أنس عند مسلم وكذلك حديث ابن عمر عند البخاري..[63].

وقد وقع عند مسلم في رواية أبي هريرة بلفظ "جزوا الشوارب" كما وقع عنده وعند البخاري من حديث ابن عمر بلفظ "احفو الشوارب.." وقد ورد عند البخاري من رواية ابن عمر بلفظ "أنهكوا الشوارب.."[64] فانتهت مجموع هذه الروايات إلى أمرين: أحدهما: الأخذ من الشوارب بدون استئصال لها وهي الروايات التي جاءت بلفظ القص أو التقصير... وثانيها: استئصال الشوارب وهي الروايات التي جاءت بألفاظ الاحفاء والجز والإنهاك والتعدد في الروايات المختلفة المعنى الواردة في موضوع الشوارب جعلت العلماء يختلفون في كيفية الأخذ المشروع منها.

 

كيفية الأخذ من الشوارب وآراء الفقهاء فيها:

ذهب الحنفية ومعهم بعض الفقهاء إلى أن كيفية الأخذ المشروع في الشوارب هو استئصالها بالحلق.. وذلك لما جاء في كثير من الأحاديث من التعبير بالاحفاء والإنهاك والجز ونحوها.. وكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة: إذ الاحفاء- بالحاء المهملة والفاء - الاستقصاء في الأخذ.

كما أن النهك- بالنون والكاف- يدل على المبالغة في الإزالة، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم للخافضة: "أشمي ولا تنهكي" أي لا تبالغي في خفاض المرأة..

وكذلك لفظ الجز- بالجيم والزاي الثقيلة- فإنه يدل على قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد[65].

كما استدل هذا الفريق أيضا: بفعل بعض الصحابة رضي اللّه عنهم وكذلك عدد من خيار التابعين.

فقد نقل البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنه كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد ويأخذ هذين يعني بين الشارب واللحية..[66].

وعن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر قال ذكر لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم المجوس فقال: "إنهم يوفرون سبالهم- جمع سبلة ومعناه الشارب- ويحلقون لحاهم فخالفوهم"، قال: "وكان ابن عمر يستعرض سبلته فجزها كما تجز الشاة ويجز البعير"[67]..

وعن عبيد اللّه بن أبي رافع قال: "رأيت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد اللّه وابن عمر ورافع بن خديج وأبا أسيد الأنصاري وابن الأكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم حتى الحلق.."[68]..

وحكى ابن حجر: عن الطبري من طرق: عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم[69].

وقد أخذ بهذا عدد من أهل العلم، وهو اتجاه المذهب الحنفي حيث يرى الحنفية أن الاحفاء أفضل من التقصير..

وفي مقابل هذا الفريق كان الإمام مالكَ يرى أن السنة في الشوارب هي التقصير لها وكان ينهى عن الاحفاء وينكره ويفسر الأحاديث التي جاءت بالاحفاء وما في معناه: بأخذ أسفل الشارب والمطل على الشفة العليا حتى يبدو بياض هذه الشفة قال ابن القاسم عن مالك: "احفاء الشارب عندي مثلة والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو طرف الشفتين.. وقال أشهب سألت مالكا عمن يحفى شاربه، فقال: "أولى أن يوجع ضربا"، وقال لمن يحلق شاربه: "هذه بدعة ظهرت في الناس..".

وفي الموطأ: قال يحيى: "وسمعت مالكا يقول: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل بنفسه.."[70].

وقال النووي في المجموع: "ثم ضابط قص الشارب: أن يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله، هذا مذهبنا.."[71].

وقال العراقي: "إن التقصير هو مذهب مالك والشافعي.."[72].. وتعبير النووي والعراقي وهما من أساطين المذهب الشافعي أكثر تحقيقا عن اتجاه المذهب من غيرهم.. بمعنى أن السنة في الشوارب في المذهب الشافعي: هي التقصير.. وهذا مخالف لما حكاه ابن خويز منداد عن الشافعي أنه كالحنفي يرى الاحفاء [73] كما يتنافى مع ما حكاه الطحاوي من أن أصحاب الشافعي كالمزني والربيع كانوا يحفون، وما أظنهم إلا أنهم أخذوا ذلك إلا عنه[74]..

وأهم ما استند إليه هذا الفريق في القول: بأن السنة في الشوارب هي التقصير: دلالة الأحاديث الكثيرة الواردة بلفظ القص أو التقصير، والتي أشرنا إلى بعضها فيما تقدم.

وأيضا بما روى عن ابن عباس أنه قال: "كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقص أو يأخذ من شاربه، قال: وكان خليل الرحمن إبراهيم يفعله" أخرجه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب.."[75].

وكذلك حديث زيد بن أرقم عند الترمذي أيضا "أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:"من لم يأخذ من شاربه فليس منا.." قال الترمذي عنه: "هذا حديث حسن صحيح"[76].

وقد وضح حديث المغيرة كيفية الأخذ حيث جاء فيه "أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلا طويل الشارب فدعا بسواك وشفرة فوضع السواك تحت الشارب فقص عليه.."[77].

كما يستدل هذا الفريق بفعل بعض أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ فقد ذكر البيهقي بإسناده إلى شرحبيل بن مسلم الخولاني.. قال: "رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقصون شواربهم ويعفون لحاهم ويصفرونها: أبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن بسر، وعتبة بن عبد السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، والمقدام ابن معد يكرب الكندي، كانوا يقصون شواربهم مع طرف الشفة.."[78]..

وأما الإمام أحمد بن حنبل فقد روى الأثرم عنه: أنه كان يحفي شاربه احفاء شديدا، وسمعته يسأل عن السنة في احفاء الشارب، فقال: "يحفي.." وقال حنبل:"قيل لأبي عبد اللّه: ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟"  قال: "إن احفاه فلا بأس وإن أخذ قصا فلا بأس"، وقال أبو محمد في المغني: "هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه.."[79]..

 

مناقشة وجهة الفريق الأول:

نوقشت وجهة الفريق الأول من قبل معارضيه: بأن الاحفاء المذكور في بعض الروايات ليس معناه الاستئصال، بل المراد به التقصير، غاية ما في الأمر؛ أنه يشتد في أخذ الشعر المتدلي من أسفل الشارب حتى يبدو طرف الشفة العليا حتى لا يؤذي الأكل ولا يجتمع فيه الوسخ..

وقال ابن عبد البر: "الاحفاء محتمل لأخذ الكل، والقص مفسر للمراد والمفسر مقدم على المجمل".

وقال الحافظ ابن حجر- بعد أن ذكر وجهة هذا الفريق من أحاديث الاحفاء وما ورد عن ابن عمر وغيره- قال: "إن كل ذلك محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها ولا يستوعب بقيتها، نظرا إلى المعنى في مشروعية ذلكَ؛ وهو مخالفة المجوس والأمن من التشويش على الأكل: وبقاء زهومة المأكول فيه، وكل ذلكَ يحصل بما ذكرنا".

ثم ذكر الحافظ بعد ذلكَ: أن طريقته هذه تجمع مفترق الأخبار الواردة في الموضوع.. ثم يقوي وجهة نظره هذه: بأن الداودي جزم بذلك حين شرح أثر ابن عمر المذكور في الإحفاء.. كما أنه مقتضى تصرف الإمام البخاري؛ لأنه أورد أثر ابن عمر وأورد بعده حديثه وحديث أبي هريرة في قص الشارب فكأنه أشار إلى أن ذلكَ هو المراد من الحديث.. ثم ذكر عن الشعبي: أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العليا، وما قاربه من أعلاه، ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم ولا يزيد على ذلك ثم قال: "وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار"[80].

 

مناقشة وجهة الفريق الثاني:

كما تعرضت وجهة الفريق الثاني القائل بأن السنة في الشوارب: هي التقصير وأخذ ما طال على الشفتين؛ إلى بعض المناقشات من الفريق الأول؛ ومن بينها ما يلي:

أن الاحفاء الوارد في كثير من الأحاديث: معناه الاستئصال: وليس هو ما طال على الشفتين، وتشهد لذلك كتب اللغة كالصحاح والقاموس والكشاف.. كما أن رواية القص لا تنافي الاحفاء لأن القص قد يكون على جهة الاحفاء وقد لا يكون، ورواية الاحفاء معينة للمراد وأيضا حديث "من لم يأخذ من شاربه فليس منا.." لا يعارض رواية الاحفاء لأن فيها زيادة يتعين المصير إليها ولو فرض التعارض من كل وجه لكانت رواية الاحفاء أرجح. لأنها في الصحيحين.. كما أن حديث "أن رسول الله أخذ من شارب المغيرة بن شعبة على سواكه.." محتمل وهو وإن صح فإنه لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الواردة في الاحفاء[81] وقد حاول بعض العلماء أن يجمع بين الاحفاء والقص فقال: "يقص من أعلاه ويحلق من طرفه" [82].

المختار: بعد أن استعرضنا آراء الفقهاء، ومستند كل منهم: تبين لنا أن الاحفاء وإن كان يحتمل التقصير لكنه إلى معنى الاستئصال أقرب، وأن القص وإن احتمل أن يكون من قرب جذور الشعر لكنه إلى التقصير الوسط أقرب.

إذا وضح هذا: علم أن كلا من التقصير والاحفاء سنة صحيحة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وأن المرء مخير بين الأمرين من غير تفضيل أحدهما على الآخر.

وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا هو رأي الإمام أحمد الذي أجاب به السائل حينما قال له: "ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟" قال: "إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذ قصا فلا بأس.."

كما أن الحافظ العراقي؛ قد نقل حكاية التخيير عن القاضي عياض..[83] كما أنه رأي الإمام الطبري: حيث نقل عنه قوله: "دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض والإحفاء على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتخير فيما يشاء.."[84].

 

استحباب البداءة بالجانب الأيمن:

يستحب في الأخذ من الشارب أن يبدأ الأخذ بالجانب الأيمن للحديث السابق "كان وسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء.."

 

وقت الأخذ من الشارب:

أما التوقيت في الأخذ من الشارب فيجري في ما قلناه سابقا عن بعض أهل العلم: من أنه يختلف باختلاف الأشخاص، وأن البعض قد استحب فعله في يوم الجمعة من كان أسبوع، المهم ألا يتركه لأكثر من أربعين يوما: لحديث أنس السابق "وقت لنا في قص الشارب الحديث.."

 

التخيير بين مباشرة الأخذ بنفسه أو يوليه غيره:

يجوز في قص الشارب أن يباشر ذلكَ بنفسه أو يتولاه غيره عنه لحديث المغيرة بن شعبة المتقدم.. إذ لا هتك حرمة في ذلكَ.. ولا نقص مروءة..

 

هل يترك السبالان أو يؤخذ منهما؟:

اختلف أهل العلم في الأخذ من طرفي الشارب وهما المسميان بالسبالين هل يقصا مع الشارب، أم يتركا كما يفعله كثير من الناس؟..

   نقل عن الغزالي في الإحياء: أنه لا بأس بترك سبالين وهما طرفا الشارب.. فعل ذلك عمر رضي الله عنه وغيره، لأن ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمرة الطعام إذ لا يصل إليه..

   وروى أبو داود من رواية أبي الزبير عن جابر قال: "كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة.."

   وكره بعض العلماء بقاء السبال لما فيه من التشبه بالأعاجم بل بالمجوس وأهل الكتاب.

   قال العراقي - بعد أن أحكى الرأيين السابقين -: وهذا إشارة إلى الرأي الأخير - أولى بالصواب.. لما رواه ابن حبان في صحيحه؛ من حديث ابن عمر قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس، فقال: "إنهم يوفرون سبالهم، ويحلقون لحاهم"، فكان ابن عمر يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير.."

وروى أحمد في مسنده في أثناء حديث لأبي أمامة.. فقلنا يا رسول الله: فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب" - والعثانين - بالعين المهملة والثاء المثلثة وتكرار النون - جمع عثنون: اللحية[85]..

 

حكم الأخذ من الشارب:

   حكى الإمام النووي الاتفاق على أنه سنة.. وعبر الحافظ العراقي عنه بالاستحباب والأمر بينهما سهل لكن يعكر دعوى الاتفاق هذه ما سبقت الإشارة إليه من قول ابن العربي بالوجوب وما ذهب إليه ابن حزم الظاهري من أن يقص الشارب فرض: أخذاً بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر "خالفوا المشركين.." "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى.."[86] حيث جاء الطلب بصيغة الأمر المقتضية للوجوب عند الإطلاق..

   فلو قيل: اتفق أكثر الفقهاء على السنية لكان أقرب للتحقيق وقد علل الشاطبي عدم الوجوب في الأمور التي تقتضيها الفطرة السليمة أو مكارم الأخلاق أو محاسن العادات: بأن الشارع قد اكتفى في طلبها بمقتضى الجبلة الطبيعية والوازع الباعث على الفعل..والدليل على ذلك: أنه لم يأت بنص جازم في طلب الأكل والشرب واللباس والواقي من الحر والبرد والنكاح الذي به بقاء النسل، وإنما جاء ذكر هذه الأشياء في معرض الإباحة أو الندب، ومن ثم أطلق كثير من الع يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ لماء على تلك الأمور: أنها سنن أو مندوب إليها[87].

 

الحكمة من طلب الأخذ من الشارب:

1- في الأخذ من الشارب مخالفة لأهل الكتاب والمجوس وغيرهم من ملل الكفر..