|
|
|||
|
البحث عن سيف صلاح الدين |
|||
|
لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي |
|||
|
|
|||
|
في عام 490 هـ الموافق 1096 م حشد
الغرب الصليبي بنيه من كل جنس وهجم على الشرق الإسلامي في أعداد كموج البحر.
وحتى يبرروا الهجوم العدواني لابد من استغلال العاطفة الدينية فصاحوا في الناس
أن بيت المقدس أصبح في يد شعب غريب يقصدون المسلمين وما كان ذلك هو السبب وإن
علقوا على صدورهم الصلبان لكنهم نظروا في واقعهم ووجدوا أنهم على حالة من الفقر
والعوز لا يصلح معها عيش، أرضهم تضيق بهم وتعجز عن إمدادهم بالطعام، وأرض الشرق
لا نظير لها في خيراتها.. هم في حاجة إلى ثروات وإمكانات يريدونها للنهوض بغربهم
وهي لا توجد إلا في الشرق الإسلامي. |
|||
|
هذا إلى جانب ما هم عليه من حقد دفين على الإسلام وأهله فهم لا يألون جهدا، ولا يدخرون وسعا في حربه وطيّ راياته، والقضاء على أمته. وفي سبيل تلك الغاية يعتسفون الطرق، ويركبون الصعب والذلول. |
|||
|
من أجل هذا وذاك سالت بهم الوديان
كل مسيل، يدفعهم حقد أسود ويسوقهم عدوان أثيم على ديار المسلمين الذين استحكمت
يومئذ بينهم العدوات وضعضعت من قوتهم عميق الحزازات مما جرأ النصارى عليهم
ودفعهم إلى أن يغزوهم في عقر دارهم. |
|||
|
وهكذا اندفعت كتائبهم، وتوالت حملاتهم،
لا ينقضي منها عنيف إلا جاء بعده أعنف، وقد صور ذلك القاضي الفاضل وزير صلاح
الدين الأيوبي أصدق تصوير حين قال للسلطان: "إنه لما اجتمعت كلمة الكفر من
أقطار الأرض، وأطراف الدنيا، ومغرب الشمس ومزخر البحر، ما تأخر منهم متأخر ولا
استبعد المسافة بينك وبينهم مستبعد وخرجوا من ذات أنفسهم الخبيثة، لا أموال تنفق
فيهم، ولا ملوك تحكم عليهم ولا عصا تسوقهم، ولا سيف يزعجهم، مهطعين إلى الراعي،
ساعين في أثر الساعي، وهم من كل حدب ينسلون ومن كل بر وبحر يقبلون"[1]. |
|||
|
وما راع المسلمين إلا
رؤيتهم النصارى يقتحمون عليهم ديارهم، ويرفعون السيوف في وجوههم، ويدفعون
بالخيول في صدورهم. وأمام هذه المباغتة تنادى المسلمون والتحمت صفوفهم وواجهوا
هذا العدوان بشجاعة لا نظير لها، ودارت بين الفريقين معارك عنيفة انتهت باستيلاء
المسيحيين على بيت المقدس. |
|||
|
وعندما لعبت بعقولهم
نشوة الانتصار راحو يذبحون النساء والأطفال والشيوخ وأئمة المسلمين وعبادهم وهم
داخل بيت المقدس وفي رحابه.. لم تمنعهم قدسية المكان عن ارتكاب هذه الجريمة التي
تنشق لها المراير، وتنفطر من هولها القلوب. |
|||
|
وتمكن الصليبيون من السيطرة على
الشام وخاصة الجزء الساحلي من آسيا الصغرى إلى خليج العقبة. وبهذا تحكموا في
منافذ الشرق الإسلامي فتفتحت لهم طرق التجارة، وسيطروا على الأسواق الشرقية
فأصبحت لهم مورد كسب، وينبوع ثروة، ومصدر غنى ورخاء. |
|||
|
وقف المسلمون أمام هذه الهزيمة
التي طعنت كرامتهم بأصمى سلاح، وتركت في حلوقهم أمر من طعم العلقم وقفوا يتطلعون
بعين الأمل إلى قائد راشد الرأي قوي العزيمة مشدود الشكيمة لا يرام ما وراء
ظهره، صبور في ميدان القتال، لا يستسلم مهما عظمت الخطوب، وكثرت عقبات الدروب..
إذا رأى خرقا بادر بسده، وإذا أبصر سارع برده، توحيدا للكلمة، وذوداً عن حرمات
الأمة وحماية لظهرها وتمكينا لدينها.. |
|||
|
وجدوا ضالتهم المفقودة وأمنيتهم
المنشودة في القائد الفذ صلاح الدين الأيوبي الذي ترجمت له مواقفه المشهورة
وأعماله المذكورة التي جعلته يقف في تاريخ الإسلام معلما فريدا وقمة شاهقة
الذرى.. وأول شيء فعله أن عمد إلى الكلمة فجمعها، وإلى الصدع فرأبه، وإلى الصف
فوحده، جاعلا من مصر والشام والجزيرة العربية وديار بكر أمة واحدة، وقوة ضاربة،
واستنفرهم للجهاد في سبيل الله، وانصرف يتألَفهم بشتى الوسائل ومختلف الطرق،
ولقد كانت غاية وعرة الطريق صعبة المنال كثيرة العقبات، ولكنه تخطاها واحدة
وواحدة، بالصبر والحكمة، وقوة العزيمة وشدة شكيمته. يقول له وزيره القاضي الفاضل:
"وليس لك من المسلمين كافة مساعد إلا بدعوة، ولا مجاهد معك إلا بلسانه، ولا
خارج معك إلا بهمَ، ولا خارج بين يديك إلا بأجرة، ولا قانع منك إلا بزيادة،
تشتري منهم الخطوات شبرا بذراع وذراعا بباع، تدعوهم إلى اللّه فكأنما تدعوهم
لنفسك، وتسألهم الفريضة وكأنما تكلفهم النافلة، وتعرض عليهم الجنة وكأنك تريد أن
تستأثر بها دونهم"[2]. |
|||
|
ولكن القائد الراشد يستطيع بعمق
تفكيره وحسن تدبيره أن يجعل من الضعف قوة، ويجني من الشوك عنبا، ويصنع من الناس
ذهبا. فها هو يجعل من المسلمين وهم على حالهم ذاك أمة موحدة الهدف، مسموعة
الكلمة مرهوبة الجانب، متخذة من الإسلام آصرة، ومن كتاب اللّه إماما ومن العربية
لسانا، ومن جميع المسلمين إخوانا. راجعا في هذه الوحدة إلى سالف عزها وسابق
مجدها.. تلك كانت أمنيته التي ظل يعمل لها، ويهبها جهده ووقته وسيفه، لا يبتغي
من وراء ذلك كسباً شخصياً، وليس أدل على ذلك من أنه بادر بعد القضاء على الدولة الفاطمية،
بمصر- بادر بالانضمـام إلى علم الدولة العباسـية الكبرى في بغداد حتى تكتمل
الوحدة، ويتم بتوحيد الكلمة والصفوف أمام الغزو الصليبي، ولا يجد أمام تماسكهم
من الهزيمة خلاصا، ولا عنها مناصا. يحدثنا التاريخ بأن بعض وزراء الدولة
الفاطمية بدءوا يراسلون الصليبيين سرا، يكشفون لهم عن وجهها، ويرغبونهم في
غزوها، فبات السلطان مقتنعا بضرورة القضاء عليها وطي بنودها ومسح وجودها، فلما
تم له ذلك لم يبادر بقطع الخطبة عن الخليفة الفاطمي ويدعو لأمير المؤمنين
ببغداد، لأن الجو لم يتهيأ بعد لمثل هذه الخطوة إذ لا يزال ملبدا بالغيوم منذرا
بالخطر، وبعد مشاورة من يثق في رأيه اهتدى إلى إبطال الزيادة المعروفة في آذان
الشيعة: .." حي على خير العمل" جسا للنبض وتحسسا لمشاعر الناس. وتلك
نظرة صادقة وسياسة راشدة، لأن الدولة الفاطمية التي حكمت مصر (297- 567) كانت
تغدق المال على المصريين خاطبة ودهم، راغبة في تأييدهم وانتمائهم إلى المذهب
الشيعي الذي تقوم عليه الدولة. |
|||
|
والناس في كل زمان ومكان عبيد
المال والإحسان. فلما تمكن واستوثق عفى على آثارها تماما فحرق كتبها، وأبطل
آراءها، وحارب عقيدتها المنحرفة عن نهج الحق، ومنع أن يفسر القرآن على حسب
الأهواء والميول كما يفعل الشيعة، وأمر بتدريس فقه المذاهب الأربعة، بعد أن كان
ذلك ممنوعا أمام فقه الشيعة، كما أمر بقطع الخطبة عن الخليفة الفاطمي، وإعلانها
لخليفة بغداد. |
|||
|
وهكذا طوى هذه الصفحة بكل هدوء طيا
محكما، وأسدل ستاراً سميكا على تلك الحقبة من التاريخ بما عليها. |
|||
|
وحتى تنتظم الوحدة جميع المسلمين
كتب رسالة إلى ملك المغرب يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن ينهي إليه فيها أن هناك
مددا متصلا يأتي الكفار من الغرب، ذلك أن فرع الكفار بالشام استصرخ بأصل الكفار
من الغرب فأجابوهم رجالا وفرسانا، وشيبا وشبانا، الأمر الذي جعلهم قوة متزايدة
النماء، وأخر استرجاع ما اغتصبوه، ويطلب منه النجدة وقطع الطريق أمام المدد
الصليبي، وينبئه أنهم كانوا يأملون أن يصلهم هذا المدد من جانبه ليكون للمسلمين
آمالا وللكافرين آجالا، فلما بطأ أرسلوا هذه الصيحة علها تحرك هذا المدد ولا غرو
في ذلك، (فقد تحفل السحابة ولا تمطر إلا أن تحركها أيدي الرياح، وقد تترك النصرة
فلا تظهر إلا أن تضرع إليها ألسنة الصفاح..). |
|||
|
والرسالة طويلة دبجها شيخ أهل
الترسل في زمانه وكاتب الديار المصرية وزير صلاح الدين- القاضي الفاضل[3]
وهي وثيقة تاريخية بالغة الأهمية، وقطعة باهرة البيان- ويذكر المؤرخون أن الظروف
الداخلية والقلقة للمغرب أخرت الاستجابة إليها، وتلبية ندائها. |
|||
|
وعلى الصعيد الداخلي أدرك بنور
بصيرته وصفاء روحه وصائب حكمته أن ما عند اللّه تعالى لا ينال إلا بطاعته
والتزام شريعته، فعمد إلى المظالم يرفعها عن كاهل الناس، وإلى المنكرات الفاشية
يزيل أسبابها، ويغلق أبوابها، ويفرض حرمة الأخلاق، ويضرب على أيدي العابثين
ويؤكد حاكمية الدين. واستطاع أن يجمع الناس حول راية الجهاد، ويتجه بهم إلى
ميدان القتال، وينازل بهم كتائب الأعداء، صابرا محتسبا، لا يجد اليأس إلى نفسه
سبيلا، ولا ترى في مواقفه من الرياء فتيلا، فلا غرو أن نصره اللّه نصرا بقي على
مر الحقب ذكرا طيبا في الدنيا، ووسام شرف على هامات المسلمين. فقد نازل الصليبين
في كثير من المعارك انتهت بنصره، وبث الخوف في أوصالهم لما امتاز به هو وجنوده
من تضحية وبذل وفداء، وكلّ قد تدجج بسلاح العقيدة والإيمان، وهو سلاح فعال إذا
دخل معركة آمال كفتها، وغير نتيجتها. |
|||
|
وعلى مشارف (حطين) دارت رحى معركة
فاصلة انتصر فيها صلاح الدين انتصارا باهرا. ورأى أن يجهز على الصليبيين قبل
التقاط أنفاسهم وتجميع شتاتهم، فبادرهم بجيش عرمرم إلى (بيت المقدس) وأمام قوته
الضاربة وسطوته القاهرة رأوا ألا قبل لهم به ولا طاقة، فرفعوا أكفهم طالبين
الصلح رابحين حياتهم، فدخله يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب عام ثلاثة
وثمانين وخمسمائة من الهجرة. |
|||
|
ثم تعقبهم فأجلاهم عن كثير من
الحصون والقلاع التي اغتصـبوها، وسـيطروا عليها فتم له اسـترجاع المقدسات..
وإطفاء جمرة الأعداء ورفع راية الإسلام عالية خفاقة على كثير من الأماكن واضعا
الحروب الصليبية على قدم النهاية؛ وكان رحمه اللّه في كل معاركه معهم مثلا أعلى
في المروءة والسماحة، فكان انتقامه عند المقدرة عفوا شاملا، وهو يرمي من ذلك إلى
إظهار سماحة الإسلام وشكر فضل اللّه، إلى جانب ما جبل عليه من كرم الخلق ونبل
الطبع وسماحة النفس. وفي أيامه الأخيرة كان يسر لبعض خاصته أن أملَه المنشود
إعادة الأرض المغتصبة ورد خطر الصليبيين عنها، وتعيين من يثق فيه لتصريف شؤونها
وحماية ثغورها، ثم يتفرغ حينئذ إلى الدعوة إلى اللّه تعالى فلا يدع مكانا في
العالم إلا حملها إليه حتى لا يرى على وجه الأرض إلا مؤمنا باللّه رب العالمين،
أو معطيا الجزية للمسلمين خاضعا لهم داخلا تحت طاعتهم. |
|||
|
إلا أن آثار الجهاد بدأت تظهر على
القائد، فقد عاش للّه أكثر مما عاش لنفسه، ومكث في ميادين القتال أكثر مما مكث
في حدائق القصور، وعاشر سمر الرماح وبيض الصفاح أطول مما عاشر أهله وذويه.
وأخيرا أدرك الإعياء البطل فلزم الفراش في الشام وفي شهر صفر عام 589 هـ فاضت
روحه إلى ربه، وتذكر بعض المراجع أنهم دفنوا معه سيفه الذي كان يجاهد به، كأنه
جرى في خلدهم أن ليس هناك أحد جدير بحمل سيفه وإتمام دوره وتحقيق أمله. |
|||
|
والواقع أن أمتنا قد تنهزم في بعض
الأحيان حتى أن عدوها ليظن أنها أصبحت رمادا هامدا، ولكن ما هي حتى يظهر قائد
عبقري التفكير عميق النظر والتدبير فيكتشف أن تحت الرماد شرارة فما يزال ينفخ
فيها حتى تتأجج نارا تلتهم الأعداء ويخافها الأقوياء. وفي تاريخنا من العبر
والدروس ما لو تأملناه ووعيناه لعادت هزائمنا نصرا، وخسائرنا مكسبا وربحا، خاصة
في الأوقات التي نتعرض فيها للهزائم العسكرية والهزات النفسية، فيكون عونا لنا-
بعد اللّه- على الثبات أمام العدو المتربص بنا الطامع في أرضنا. فهلا راجعنا
رصيدنا التاريخي لنعرف كيف بلغت عزتنا، وركيزة مجدنا وقوتنا وإن كان التاريخ لا
يعيد نفسه، فإن أوجه المماثلة في حوادثه المعادة أكثر من أوجه المخالفة، فما
الحرب العالمية الأولى إلا امتداد للحروب الصليبية، وليس أدل على ذلك مما قاله
(غورو) القائد الفرنسي بعد أن تم له النصر على السوريين في معركة (ميسيلون) فقد
مضى هذا القائد إلى قبر صلاح الدين، وخاطبه قائلا: "ها قد عدنا يا صلاح
الدين" ولولا أن الله حكم على الأموات ألا يتدخلوا في شؤون الأحياء لقام
إليه القبر يلحمه السيف. |
|||
|
فلنأخذ لذلك أهبته، ولنعد له عتاده
وقوته. واللّه حسبنا وهو مولانا فنعم المولى ونعم النصير. |
|||
|
الشريعة الإسلامية |
|||
|
تمتاز الشريعة الإسلامية عن
القوانين الوضعية بأنها مزجت بين الدين والدنيا، وشرعت للدنيا والآخرة، وهذا هو
السبب الوحيد الذي يحمل المسلمين على طاعتها في السر والعلن والسراء والضراء
لأنهم يؤمنون بأن الطاعة نوع من العبادة يقربهم إلى اللّه. |
|||
|
(الشهيد عبد القادر
عودة) |
|
||
|
|
|
[1] كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، أبو شامة ط 1287 هـ ، جـ 2 ص 168. |
|
[2] مختارات من كلام القاضي الفاضل (مخطوط) بدار الكتب المصرية رقم (2882). |
|
[3] الكامل في التاريخ ابن الأثير ط 1جـ 11، ص 247. |