|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
|
نماذج من
الدعاة |
|
|
الحلقة الثانية |
|
|
لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري. |
|
|
رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية. |
|
|
|
|
|
إمام الدعاة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم |
|
|
إذا كان بين عظماء الرجال نماذج من دعاة الحق والخير صالحون
فإن محمداً رسول الله صلى اللّه عليه وسلم هو إمامهم وقدوتهم في كل كمال كانوا
عليه ودعوا الناس إليه. |
|
|
فمن هو محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ |
|
|
إنه محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
بن قصي بن كلاب ابن كعب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النظير بن
كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن معد بن عدنان من ولد إسماعيل بن
إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام. |
|
|
ولد محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة بدار أبي
يوسف، ولدته آمنة بنت وهب بن زهرة بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. ولدته صبيحة يوم
الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل الموافق لأغسطس عام (570) ميلادية.
مات والده عبد الله بن عبد المطلب وهو حمل في بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب
وماتت والدته وهو ابن ست سنين، فحضنته أم أيمن جارية أبيه، ومات جده عبد المطلب
فكفله عمه أبو طالب. |
|
|
مظاهر الكمال المحمدي |
|
|
إن الكمال في محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يأتي
عليه وصف، ولا يمكن أن يوضع به كشف، فصفاء نفسه التي أشرقت بنور اللّه فكانت
كأصفى مرآة قد انعكست عليها مظاهر الكمال البشري كله، حتى كان محمد رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم مضرب الأمثال في كل كمال، وبذلك قدم لإمامة الأنبياء، وجعل
قدوة للمؤمنين. |
|
|
وها نحن نذكر بعض جوانب الكمال المحمدي ليورد عليه الطالب
الداعي قلبه، ويحيله بخاطره فيحصل على طاقة من الكمال النفسي ما يكون عوناً له
على حمل رسالته، وأداء واجب دعوته التي تحملها بإيمانه وعلمه. |
|
|
الاستعداد الروحي لتلقي الوحي: |
|
|
وعن استعداد محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الروحي
لتلقى الوحي نقول: إن النبي الكريم محمدا صلى اللّه عليه وسلم كان قبل إنبائه
وبعثته آية في النظافة والطهر، نظافة العرق وأصالته وطهارة الروح وسلامته، لقد
اتصلت ارومته بأصل جماله وكماله إبراهيم، والذي كان محمد صلى اللّه عليه وسلم
أشبه الناس به كما أخبر بذلك عن نفسه، وانحدر سلسبيل النقاء في أصلاب الآباء حتى
انتهى إلى قرار مكين فنبع منه محمد خير الناس أجمعين. هكذا كانت نظافة العرق
الكريم والنسب الشريف. وأما طهارة الروح وسلامته فحسبنا أن نلقي نظرة على ربيع
حياته، فتتجلى لنا من معاني الطهر آياته، وتفصح لنا عن سلامة روحه السنة عداته. |
|
|
لقد كان محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل نبوته في
شبابه وفتوته يتمتع بأفضل الأخلاق وأطيب الشمائل فلم يؤثر عنه ما يخل بمكارم
الأخلاق قط. إنه لم يأت ولا مرة واحدة ما كان يأتيه بنو قومه أبدا. فلم يسجد
لصنم، ولم يشرب خمرا ولم يلعب قمارا ولا ميسرا، ولم يستقسم بزلم ولم يظلم في عرض
أو مال أو دم أحدا. لقد كان بشهادة أعدائه وخصوم دعوته مثاليا في أخلاقه وناهيك
بإجماع قريش على إضفاء لقب الأمين عليه. هذا اللقب الذي لم يظفر به أحد في
ديارها وبين شبابها ورجالها أبدا، لقد كان - فداه أبي وأمي ونفسي وإني لصادق-
كان أمينا في سره وفي علنه، وفي قوله وفي عمله، أمينا في غيبه وفي مشهده، أمينا
في كل شيء وعلى كل شيء. |
|
|
وإذا كانت
قريش قد أجمعت على منحه ذلك اللقب السامي الكريم وهو لقب الأمين فإن اللّه تعالى
قد أقسم له في مطلع نبوته على أنه على خلق عظيم وهي شهادة لا تعدلها واللّه
شهادة إذ قال تعالى في فاتحة سورة القلم: {ن
وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ. مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ
لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. |
|
|
إن الكمال الروحي الذي عاش عليه محمد رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم وعرف به قبل نبوته لم يكن نتيجة تربية أم أو أب، أو أثر تعليم أستاذ
أو مرب قط، وإنما كان أثر عناية اللّه تعالى به. فاللّه الذي أوجده ليكون واسطة
بينه وبين عباده في تبليغ دينه وشرعه هو الذي حماه من كل ما يلوث نفسه ويعكر
صفاء روحه، وكان ذلك إعدادا له لحمل رسالة اللّه إلى عباد اللّه، إذ حمل مثل تلك
الرسالة يتطلب كمالا نفسيا، يكون صاحبه فيه مثلا أعلى لغيره من سائر الناس،
وكذلك كان رسول اللّه، وها هو ذا فداه أبي وأمي ونفسي يحدث عن صيانة اللّه تعالى
له وحفظه ليبقى طاهرا زكيا فيتأهل لما هيئ له من الوحي والنبوة، فيقول كما روى
البيهقي عن علي رضي اللّه عنه: يقول: "ما هممت
بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله عز وجل
فيهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة جاء ونحن في رعاء غنم أهلها وقلت لصاحبي: أبصر
لي غنمي حتى أدخل مكة اسمر فيها كما يسمر الفتيان"، فقال: "بلى"،
قال: "فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة فسمعت عزفا بالغرابيل والمزامير،
فقلت ما هذا؟" قالوا: "تزوج فلان فلانة" "فجلست أنظر، وضرب
اللّه على أذني، فواللّه ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي". فقال: "ماذا
فعلت؟" فقلت: "ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت" وذكر أنه حصل
له مرة أخرى فتم له مثل الذي حصل في الأولى، ثم قال: "فواللّه ما هممت ولا
عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني
[1]
اللّه عز وجل بنبوته".
|
|
|
نزول الوحي: |
|
|
إن تلك الطهارة الروحية الكاملة
التي كان عليها محمد بن اللّه قبل نبوته وبعثته هي التي هيأته بإذن ربه تعالى
للاصطفاء للنبوة والرسالة فكان بعد الوحي إليه ونزول جبريل عليه نبي اللّه ورسول
اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. |
|
|
إنه على رأس الأربعين من عمره
المبارك نبئ صلى اللّه عليه وسلم، إذ جاءه الحق وهو بغار حراء بعد أن كان قد حبب
إليه الخلاء وكان ذلك في شهر رمضان حيث نزل عليه جبريل عليه السلام وهو به فضمه
إلى صدره وأرسله ثلاث مرات وهو يقول له: اقرأ، فيرد قائلا: "ما أنا بقارئ". وفي الرابعة قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق. خَلَقَ
الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ
بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. فذهب بها صلى
اللّه عليه وسلم إلى زوجه خديجة رضي اللّه عنها يرجف بها بوادره، وهو خائف على
نفسه. فهدأت رضي اللّه عنها من روعه، وسكنت من اضطراب نفسه وهي تقول له: "واللّه
ما يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف،
وتعين على نوائب الحق". |
|
|
وانطلقت به رضي اللّه عنها إلى ابن
عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب
العبراني، فيكتب من الإنجيل ما شاء اللّه أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي بصره.
فقالت له خديجة: "يا ابن عم اسمع من ابن أخيك"، فقال له ورقة: "يا
ابن آخي ماذا ترى؟" فأخبره رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى، فقال
له ورقة: "هذا الناموس
[2]
الذي نزل اللّه على موسى ليتني أكون فيها جذعا. يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك"،
فقال صلى اللّه عليه وسلم: "أو مخرجي هم؟" قال:
"نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا
مؤزرا". ثم لم يلبث ورقة أن توفي فتر الوحي... وأثناء فترة الوحي تبدى له
جبريل عليه السلام في صورته الملائكة وقد سد الأفق، وله ستمائة جناح ثم أخذ يدنو
منه؟ ويتدلى حتى كان منه قاب
[3]
قوسين أو أدنى فأوحى اللّه إليه ما أوحى، ونزل عليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ.
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ
فَاصْبِرْ}. |
|
|
الدعوة سراً: |
|
|
وبعد فترة الوحي التي فترها وكانت
سنتين ونصف سنة حمي الوحي وتتابع وآمنت خديجة وورقة بن نوفل أول من آمن برسالة
رسول اللّه، ثم آمن علي بن أبى طالب وكان صبيا في حجر رسول الله صلى اللّه عليه
وسلم، وآمن بعده زيد بن حارثة الكلبي وكان مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،
وصلى هؤلاء مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، إلا ورقة فإنه مات قبل مشروعية
الصلاة، وكانت قبل الإسراء ركعتين في الصباح وركعتين في المساء لقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}، ثم أسلم أبو بكر رضي الله عنه، وأسلم بدعوته
نفر كريم كان منهم عثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة
بن عبيد اللّه. ولما استجابوا لدعوته رضي اللّه عنهم أجمعين أتى بهم إلى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلموا وصلوا. فكانت هذه فضيلة لأبي بكر تضاف إلى
أخرى قال فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما
دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر
بن أبي قحافة ما عكم عنه (تلبث)" قال رؤية (وأنصاع وثاب بها ولما
عكم) حين ذكرته له وما تردد فيه. |
|
|
ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن الجراح، ثم الأرقم بن أبي
الأرقم، الذي اتخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من داره مركزا للدعوة يعلم
فيها من آمن من أصحابه ويصلي بهم طيلة ما كانت الدعوة سرا بمكة وبين قريش، وأسلم
في هذه الفترة من النساء غير خديجة أسماء بنت عمير امرأة جعفر بن أبي طالب،
وأمها هند بنت عوف بن الحارث أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج الرسول صلى
الله عليه وسلم وأخت لبابة أم الفضل امرأة العباس. وهي والدة عبد اللّه بن جعفر جواد
العرب في الإسلام وتزوجها أبو بكر الصديق بعد استشهاد جعفر بموته فولدت له
محمدا، وتزوجها بعد وفاة أبي بكر علي رضي اللّه عنه فولدت له يحي، فما أكثر بركة
هذه المؤمنة، وما أعظم يمنها رضي اللّه عنها وأرضاها. |
|
|
واستمرت الدعوة سرا زهاء ثلاث سنوات فأنزل اللّه تبارك
وتعالى قوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}. |
|
|
الدعوة جهراً: |
|
|
امتثل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر ربه فجهر بدعوته
التي كانت سرا، ولما رأت قريش ذلك لا سيما بعد أن ذكر آلهتهم وعابها ناصبته
العداء، وأجمعت على خلافه وعداوته ووقف أبو طالب إلى جانب رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم يذود عنه ويحميه، حتى اضطرت قريش إلى إرسال وفدها يفاوض أبا طالب في
شأن رسول الله، ويطلب منه أن يمنع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من تسفيه
أحلامهم، وسب آلهتهم، وعيب دينهم، أو يخلي بينهم وبينه لينالوا منه. وعرض أبو
طالب وجهة نظر وفد قريش على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم. فقال صلى اللّه عليه
وسلم: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني
والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك دونه ما تركته".
واستعبر رسول اللّه فبكى ثم قام فناداه أبو طالب، فقال: "اذهب يا ابن أخي
فقل ما أحببت فواللّه لا أسلمك لشيء أبدا". |
|
|
ولما علمت قريش بعدم خذلان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
مشت إلى أبي طالب تساومه في الموضوع فقدمت له شـابا هو أنهد فتى في قريش وأجمله،
وقالت: "خذ هذا بدل ابن أخيك فاتخذه ولدا واسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد
خالف دينك ودين آبائك فنقتله فإنما هو رجل برجل"، فرد أبو طالب قائلا: "واللّه
لبئس ما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما
لا يكون". |
|
|
ولما بلغ الأمر هذا الحد، أظهرت
قريش عداءها السافر، وأخذت تشن حربا ضروسا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
وعلى أصحابه، وقد كثر عدد هم وتزايد أمرهم فأغرت برسول اللّه صلى الله عليه وسلم
سفهاءها فكذبوه وأذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول اللّه صلى
اللّه عليه وسلم مظهر لأمر اللّه لا يستخفي به، مبادلهم بما يكرهون من عيب دينهم،
واعتزال أوثانهم. وحدث أن نال أبو جهل من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وكانت
حين كان أبو جهل يسب ويشتم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مولاة لعبد الله بن
جدعان تسمع، فلما جاء حمزة وكان في قنص أخبرته بما صنع أبو جهل إزاء رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم فاحتمل حمزة الغضب، وطلب أبا جهل حتى وجده فضربه ضربة عنيفة
فشج رأسه وقال له: "أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول" ولما رأت قريش
أن حمزة قد أسلم علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد عز وامتنع، وأن حمزة
سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه صلى اللّه عليه وسلم. |
|
|
وكان أول من جهر بالقرآن وأسمعه
قريشا عبد اللّه بن مسعود حيث اجتمع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما
وقالوا: "واللّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه"
فقال عبد اللّه: "أنا" . فأبوا عليه ذلك غير أنه أبى إلا أن يكون هو
فذهب في ضحى النهار إلى المسجد فوقف عند المقام، وقريش في أنديتها حول المسجد وقرأ بأعلى صوته: بسـم الله الرحـمن الرحيم {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ}، ولما سمعت
قريش قراءته تأملوها، وجعلوا يقولون: "ماذا قال ابن أم عبد ؟" ثم
قالوا: "إنه يتلو بعض ما جاء به محمد". فقاموا إليه فجعلوا يضربونه في
وجهه، ولما عاد عبد اللّه وأثر الضرب في وجهه قال له أصاحبه: "هذا الذي
خشيناه عليك". فقال: "ما كان أعداء اللّه أهون علي منهم الآن، ولئن
شئتم لاغادينهم بمثلها غدا". قالوا: "لا، قد أسمعتهم ما يكرهون"
ولما عز المسلمون بإسلام حمزة رضي اللّه عنه وعظم أمرهم وكثر عددهم كسرت قريش عن
نابها وضاعفت من أذاها للمؤمنين الذين ليس لهم مناعة من قومهم. ولما رأى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك عرض على المستضعفين الهجرة إلى الحبشة، فقال لهم:
"لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم
عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجا مما أنتم فيه"، فخرج
عند ذلك المسلمون إلى أرض الحبشة[4]. |
|
|
وما زال أذى قريش منصبا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
والمؤمنين من أصحابه بحيث لا يستطيع أحد من المؤمنين أن يصلي في المسجد الحرام
حتى أسلم عمر رضي اللّه عنه وقاتل قريش حتى صلى حول الكعبة وعندها عز المسلمون
بعمر ابن الخطاب وأصبحوا يصلون حول الكعبة جهارا نهارا كما قال عبد اللّه بن
مسعود: "إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة،
ولقد كنا لا نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند
الكعبة وصلينا معه". بيد أن قريشا لما رأت انتصار المؤمنين بعمر رضي اللّه
عنه جنت جنونها وركبت رأسها وطالبت من أبي طالب وبني هاشم تسليم الرسول صلى
اللّه عليه وسلم للقتل. ولما فشلت في ذلك أمرت بمقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة فلا
يباعون ولا يبتاع منهم ولا يكلمون، ولا يقدم لهم أدنى مساعدة ولا تقضى لهم أية
حاجة وحاصرتهم في شعب أبي طالب، وكتبت بذلك صحيفة وعلقتها بالكعبة ودام حصارها
للرسول صلى اللّه عليه وسلم وبني هاشم ثلاث سنوات جاع فيها بنو هاشم حتى أكلوا
ورق الشجر، وقيض اللّه تعالى رجالا من قريش منهم هشام بن عمرو بن الحارث، وزهير
بن أمية بن المغيرة والمطعم ابن عدي فأتوا على الناس وهم حول الكعبة وقالوا: "يا
أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباعون ولا يباع منهم،
واللّه لا نقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة"، وانتهى الأمر بنقض
الصحيفة وخروج بني هاشم والحمد للّه، وعلى أثرها توفي أبو طالب وتوفيت خديجة رضي
اللّه عنها فاشتد الكرب برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعظم ألمه وحزنه. |
|
|
ومن سجل التاريخ أنهم عذبوا في ذات الله تعالى من المؤمنين
في مكة سمية أم عمار ابن ياسر وولدها وزوجها فقد ماتت سمية تحت العذاب قتلها أبو
جهل بحربة طعن بها في فرجها، فكانت أول شهيدة في الإسلام، كما عذب بلال إذ كان
مولاه أمية بن خلف الطاغية الجمحي يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في
بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: "لا
واللّه لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى" فيقول
وهو في ذلك البلاء: "أحـد.. أحـد". وكان بنو مخزوم يخرجون بعمار بن
ياسر وبأبيه وأمه وكانوا أهل بيت إسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء
[5]
مكة فيمر بهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيقول: "صبرا
آل ياسر موعدكم الجنة". |
|
|
الدعوة في دار الهجرة: |
|
|
إنه بعد موت أبي طالب اشتد أذى قريش برسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم فخرج إلى الطائف يطلب نصرة رجال من ثقيف فعمد إلى ثلاثة نفر من سادة
ثقيف وهم عبد ياليل ابن عمرو، ومسعود بن عمرو، وأخوهما حبيب بن عمرو فكلمهم في
شأن نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قريش بعد أن دعاهم إلى
اللّه سبحانه وتعالى فأسمعوه ما ألمه، وألم كل مؤمن إذ قال له الأول: "هو
يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك"، وقال الثاني: "أما وجد الله
أحدا يرسله غيرك". وقال الثالث: "واللّه لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا
من اللّه كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليكَ الكلام، ولئن كنت تكذب على
اللّه ما ينبغي لي أن أكلمك". فقام رسول اللّه من عندهم وقد يئس من خبر
ثقيف. |
|
|
وواصل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عرض نفسه على القبائل
العربية في أسواقها وعلى مياهها، يدعون إلى اللّه تعالى ويطلب النصرة على قومه
الذين أذوه وبالغوا في أذاه. |
|
|
ولما أراد الله تعالى أن يعز رسوله وينصر دينه، خرج رسول
الله صلى اللّه عليه وسلم على سابق عادته إلى موسم الحج يدعو إلى ربه ويطلب
نصرته على قومه فشاء الله تعالى أن يلقى نفرا من الخزرج عند العقبة فدعاهم إلى
الله تعالى وقرأ عليهم ما شاء اللّه من القرآن فآمنوا وأسلموا وكانوا ستة نفر
منهم أسعد بن زرارة من بني النجار، فلما عادوا إلى المدينة نشروا الدعوة حتى لم
يبق بيت إلا فيه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام. |
|
|
ولما كان الموسم من العالم المقبل، وأتى الموسم من الأنصار
اثنا عشر رجلا، فلقوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالعقبة وبايعوه على
الإسلام بأن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئا. ولما لم يكن في نصوص البيعة ذكر
الحرب قيل فيها بيعة النساء وذلك لعدم فرض القتال يومئذ. ونصوص البيعة هي
الواردة في قوله تعالى من سورة الممتحنة: {يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ} الآية. |
|
|
ولما أرادوا العودة إلى المدينة بعث معهم رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم مصعب ابن عمير رضي الله عنه يقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع
الإسلام ويفقههم في دين اللّه، فذهب معهم ونزل على أسعد بن زرارة رضي اللّه
عنهما، وكان يؤمهم في الصلاة. (خرج يوما أسعد بن زرارة بمصعب بن عمير إلى حائط
لبني الأشهل فاجتمع عليهما ناس من المسلمين فسمع بذلك سعد بن معاذ، فقال لأسيد
بن حضير، وكل منهما كان سيدا في قومه: "لا أبالك انطلق إلى هذين الرجلين
اللذين أتيا دارينا ليسفها ضعافناءنا فأزجرهما وأنههما أن يأتيا دارينا بعد.
ولولا أن سعد منا من حيث علمت لكفيتك ذلك". فذهب أسيد بعد أن أخذ حربته،
فلما رآه سعد، قال: "يا مصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق اللّه فيه".
فقال: "مصعب إن يجلس أكلمه". فجاء أسيد ووقف عليهما وقال: "ما
جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة"، فقال
له مصعب: "أو تجلس، فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟"
قال: "أنصفت" ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه
القرآن.. فقال: "أسيد ما أحسن هذا الكلام وأجمله. كيف تصنعون إذا أردتم أن
تدخلوا في هذا الدين" قالا له: "تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد
شهادة الحق، ثم تصلي ففعل أسيد ذلك"، ودعا أسيد سعد بن معاذ فحضر مجلس مصعب
فأسلم وهكذا انتشر الإسلام بالمدينة بإسلام أسعد بن زرارة ووجود مصعب بن عمير
وبدخول أسيد بن حضير وسعد بن معاذ في الإسلام فلم تكن إلا أيام قلائل وما في
المدينة بيت إلا وفيه إسلام ومسلمون إلا ما قل وندر.. |
|
|
وما إن دارت السنة دورتها وخرج حجاج المدينة من المسلمين
والمشركين إلى موسم الحج، وخرج معهم مصعب بن عمير رضي اللّه عنه واتصل مصعب
برسول الله صلى اللّه عليه وسلم مع رجال من أهل المدينة بمكة وواعدهم رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم (العقبة) أيام التشريق، وحج الجميع وقضي الحج، ولما كانت
ليلة الميعاد مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خرجوا في نصف الليل يتسللون من
رحالهم حتى نزلوا بالشعب عند العقبة ينتظرون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،
وما هي إلا ساعة وإذا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه عمه العباس بن عبد
المطلب، حضر وهو مشرك يومئذ ليطمئن على ابن أخيه ويستوثق له من مسلمي المدينة
فيما عاهدوه عليه. وتمت بيعة العقبة الثانية بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
وبين نحو من ثلاثة وسبعين رجلا من الخزرج والأوس وكانت البيعة بعد أن تكلم
العباس أول متكلم فقال: "يا معشر الخزرج: إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد
منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلاده،
وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما
دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم
مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه". فقال الخزرج: "قد
سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول اللّه فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.." |
|
|
فتكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى
اللّه تعالى ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على
أن تمنعوني مما تمنعون به نساءكم وأبناءكم" وإلى هنا قام البراء بن
معرور رضي الله عنه فأخذ بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقال: "نعم
والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا"
[6]
وقاطعه أبو الهيثم بن التيهان قائلا: "يا رسول اللّه إن بيننا وبين الرجال
حبالا وإنا قاطعوها- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الّله أن ترجع إلى قومك
وتدعنا ؟؟" فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم قال: "بل الدم
[7]
الدم الهدم الهدم. أنا منكم وأنتم
مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم". ثم خطب العباس بن عبادة
الأنصاري فكرر ما قاله ابن عبد المطلب تقريبا. فقال أهل المدينة: "إنا
نأخذه - رسول اللّه - على مصيبة المال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله
إن نحن وفينا بذلك يا رسول اللّه ؟ قال: "الجنة".
|
|
|
عندئذ قالوا أبسط يدك يا رسول اللّه نبايعك فبسط صلى اللّه
عليه وسلم يده فبايعوه، واختار منهم أثني عشر نقيبا وهم: أسعد بن زرارة وسعد بن
الربيع، وعبد اللّه بن رواحة، ورابع بن مالك، والبراء بن مرور، وعبد الله بن
عمرو بن خزام، وعبادة بن الصامت ابن قيس، وعبادة بن الصامت بن دليم بن حارثة،
والمنذر بن عمرو بن خنيس. وهؤلاء من الخزرج. |
|
|
ومن الأوس: أسيد بن حضير بن سماك، وسعد بن خيثمة بن الحارث،
ورفاعة بن عبد المنذر بن زبير. |
|
|
وعاد أهل البيعة إلى المدينة ولم يتخلف منهم إلا سعد بن
عبادة حيث أسرته قريش، وذلك أن قريشا لما بلغها بيعة أهل المدينة للرسول صلى
اللّه عليه وسلم على حربها طلبت أهل البيعة فلم تدركهم حتى تحملوا راحلين فنجوا
إلا سعدا أدركته فأسرته فهو في أسرها حتى أطلقه الله تعالى من أسرها بواسطة جبير
بن مطعم بن عدي بعد أن عذبته قريش العذاب الشديد. |
|
|
وما أن وصل المبايعون المدينة حتى انتشر خبر البيعة في ربوع
المدينة وتحولت فعلا المدينة إلى دار إسلام وقلعة من قلاعه، وعندئذ أمر الرسول
صلى اللّه عليه وسلم أصحابه أن يهاجروا إليها فهاجروا إرسالا، ولحق بهم مهاجروا
الحبشة كذلك وانتظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر ربه بالهجرة حين جاء
الإذن فخرج مع أبي بكر الصديق مهاجرا إلى المدينة، وكان في هجرته آيات منها ما
كان في غار ثور ومنها في شاة أم معبد، ومنها مع سراقة بن جعشم. |
|
|
أما غار ثور فقد أعمى اللّه تعالى المشركين عن رؤية الرسول
صلى اللّه عليه وسلم وصاحبه فيه. وهم يقلبون الحجارة حجرا حجرا بحثا عنه صلى
الله عليه وسلم ولم يروه، إذ العناكب نسجت
[8] على
فم الغار والحمامة عششت وبيضت في الحال مما جعل المشركين لا يشكون أن بالغار
أحدا وهم يمرون به في كل لحظة متتبعين الآثار، حتى قال أبو بكر: "لو أن
أحدا نظر إلى قدمه لرآنا"، فأجابه الرسول صلى اللّه عليه وسلم قائلا: "ما ظنك
[9]
باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر"، وفي القرآن الكريم: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ
أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا..}. |
|
|
وأما شاة أم معبد فالآية فيها أنها كانت في درها بعد أن
كانت لا تحلب لما أصابها من جهد السنة الشهباء، إذ مر رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم مع أصحابه بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة جلدة برزة تختبئ بفناء
بيتها وتطعم وتسقي من يمر بها. فسألها: "هل عندها شيء يشترونه منها؟"
فقالت: "واللّه لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب". فنظر
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى شاة في كسر البيت. فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟" فقالت: هذه شاة
خلفها الجهد عن الغنم، فقال: "هل بها من لبن؟"
فقالت: "هي أجهد من ذلك"، قال: "أفتأذنين
لي بحلبها؟" قالت: "قم بأبي وأمي، إن رأيت بها حليبا فأحلبها"،
فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالشاة فمسح ضرعها، وذكر اسم اللّه، وقال: "اللهم بارك لها في شاتها"، فتفاجت ودرت
واجترت، فدعا بإناء لها يربض[10]
الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا
وشرب صلى اللّه عليه وسلم آخرهم فشربوا جميعا عللا بعد نهل، ثم حلب فيه آنية حتى
ملأ الإناء فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها. وجاء زوجها فوجد عندها اللبن فعجب
وقال: "من أين لك هذا؟ والشاة عازب ولا لحلوبة بالبيت"، فقالت: "إنه
مر بنا رجل
[11]
مبارك كان حديثه كيت وكيت". فقال زوجها أبو معبد: "واللّه إني لأراه
صاحب قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد" فوصفته له، فقال: "هذا
والله صاحب قريش، ولو كنت وافقته لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك
سبيلا". |
|
|
أما سراقة فالآية فيه أنه لما بلغه أن قريشا جعلت مائة بعير
لمن يرد عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حياً أو ميتا ركب فرسه وحمل سلاحه
وخرج في طلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما أن سار وجدَ به السير حتى أخذ
فرسه يعثر في الأرض وكلما عثر الفرس سقط سراقة على الأرض. وهكذا عدة مرات فلما
رأى أنه دنا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورفاقه عثر الفرس وذهبت يداه في
الأرض وسقط سراقة عنه، ورأى دخانا كالإعصار فعرف حين رأى ذلك أنه الرسول صلى
الله عليه وسلم قد منع منه وأنه ظاهر لا محالة. فنادى: "أنا سراقة بن جعشم
أنظروني أكلمكم، فواللّه لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه". ولما عاد
سراقة خائبا لامه أبو جهل فأنشده الأبيات التالية: |
|
|
لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه |
أبا حكم والله لو كنت شاهدا |
|
رسول ببرهان فمن ذا يقاومه؟ |
علمت ولم تشكك بأن محمد |
|
بأن جميع الناس طرا يسالمه |
بأمر يود الناس فيه بأسرهم |
|
ومن أولى آيات الهجرة أنه لما خرج رسول الله وصاحبه من
الغار ولم يعرف أين كان اتجاههما جاء رجل من الجن من أسفل مكة وأخذ يتغنى
بالأبيات التالية من الشعر، والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من
أعلى مكة: |
|
|
فيقين حلا خيمتي أم معبد |
جزى الله رب
الناس
خير جزائه |
|
فأفلح من أمسى رفيق
محمد |
هما نزلا بالبر حيث
تروحـا [12] |
|
ومقعدها للمؤمنين بمرصد |
ليهن بني كعب مكان
فتاتهم |
|
فإنكم إن تسألوا الشاة
تشهد |
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها |
|
به من فعال لا يجازى
وسؤدد |
فيا لقصي ما زوى الله
عنكم |
|
أبر وأوفى ذمة من محمد |
فما حملت من ناقة فوق
رحلها |
|
ووصل الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر الصديق
المدينة ودخلها من جنوبها حيث نزل بديار بني عمرو بن عوف بضاحية قباء وكان ذلك
يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فأقام بها خمسة أيام دعا فيها إلى الله تعالى
وتلا القرآن وعلم المؤمنين دين اللّه تعالى وصلى بالناس، وبنى مسجد قباء فكان
أول مسجد بني في الإسلام وترك منازل بني عمرو بن عوف قاصدا المدينة فأدركته صلاة
الجمعة فصلاها في حي بني سالم بن عوف بالمسجد الذي يعرف الآن بمسجد الجمعة بواد
يقال له (رانوناء) فكانت أول جمعة تصلى في دار الهجرة وعرضت له رجالات أحياء
الأوس والخزرج كل يطلب النزول إليه ويقول: أقم عندنا في العدد والعدة والمتعة،
والرسول صلى اللّه عليه وسلم يأبى عليهم ذلك، وكلما اعترضوا ناقته لينيخوها
بأحيائهم يقول لهم: "دعوها فإنها مأمورة"
حتى وصل إلى حي بني النجار من أخواله
[13]
فبركت الناقة وألقت بجرانها
[14] في
المكان الذي بني فيه المسجد النبوي الشريف على مقربة من دار أبي أيوب خالد بن
زيد الأنصاري رضي اللّه عنه والذي نزل عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضيفا
وبقي بمنزله حتى بنيت الحجرات الشريفة فسكنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
|
|
وكان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة
بناء مسجده الشريف والذي شارك في حمل حجارته وهو يرتجز يقول: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.. فاغفر للأنصار
والمهاجرة.." |
|
|
وعمار بن ياسر يرتجز ويقول: |
|
|
يدأب فيه قائمـا وقاعدا |
لا يستوي من يعمر المساجدا |
|
ومن يرى عن الغبار حائدا |
|
|
ففهم أحد الصحابة أنه يعترض به فهدده بالضرب فغضب لذلك رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم وقال: "مالهم ولعمار
يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار". |
|
|
ودخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه بحمل اللبن فقال: "يا
رسول اللّه قتلونى يحملون علي مالا يحملون" فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ينفض وفرته بيده وهو يقول: "ويح ابن سمية
ليسوا بالذين يقتلونك: إنما تقتلك الفئة الباغية". |
|
|
ولم تدر السنة حتى استجمع للرسول صلى الله عليه وسلم إسلام
الأنصار فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهله إلا ما كان من ثلاث أو أربع
بيوتات من الأوس فإنهم بقوا على شركهم، وتم بناء المسجد والحجرات في خلال تلك
السنة، وأول خطبة خطبها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة تلك التي رويت
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ونصها: "أنه قام فيهم
فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال أما بعد... أيها الناس فقدموا
لأنفسكم. تعلمن واللّه ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له
ربه، وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك ؟ وآتيتك مالا
وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينا وشمالا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير
جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة
طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف. والسلام عليكم ورحمة
الله و بركا ته.." |
|
|
وخطب مرة أخرى أيضا فقال: "إن
الحمد لله... أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من
يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده
لا شريك له. إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في
قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه
أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب اللّه، أحبوا اللّه من كل قلوبكم، ولا تملوا
كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، قد
سماه اللّه خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث، ومن كل ما
أًوتى الناس من الحلال والحرام؛ فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق
تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح اللّه بينكم إن
اللّه يغضب أن ينكث عهده. والسلام عليكم". |
|
|
ومن أجل ما قام به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من
الأعمال في مجال الدعوة بالمدينة بعد بناء المسجد وجمع المؤمنين فيه للصلاة
والتربية والتعليم هو كتابه الذي كتبه بين المهاجرين والأنصار، وقد ضمنه موادعه
يهود المدينة، ومعاهدتهم وإقراره لهم على دينهم وأموالهم، وما شرط لهم واشترط
عليهم وهو كتاب يقع في أكثر من ثلاث صفحات تضمن خطوطا سياسية إصلاحية حربية
وسلمية لا نظير لها في معاهدات الناس وكتاباتهم في هذا الشأن بحال من الأحوال،
وهو في كتاب السيرة لابن هشام. |
|
|
ومن أجل الأعمال كذلك مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين
المهاجرين والأنصار حيث قال في مجمع حاشد من المهاجرين والأنصار: "تآخوا في اللّه أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبى
طالب فقال هذا أخي..." فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ابن
أبي طالب أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين وهكذا حتى لم يبق
أحد من المهاجرين والأنصار إلا آخى أحدا وآخاه، واللّه أكبر ماذا نتج عن هذه
المؤاخاة من الخير والبركة الأمر الذي لا نظير له ولم تعرف الدنيا له مثيلا. كل
ذلك في نطاق الدعوة إلى اللّه تعالى التي يجب أن يتخذ لها كل الأسباب الكفيلة
ببلوغها وانتشارها وانتصارها وإسعاده للناس عليها في الدنيا والآخرة. |
|
|
وبعد هذه الخطوات الجبارة التي خطاها الرسول صلى اللّه عليه
وسلم في مضمار الدعوة بدار الهجرة اتسع الطريق أمامه فداه أبي وأمي، فضاعف
الجهود، إذ نجم النفاق بين سكان المدينة من عرب مشركين ويهود على حد سواء، وأخذت
التجمعات والتكتلات ضد الرسول والمؤمنين تظهر هنا وهناك وتبعتها الاتصالات
بالعدو بمكة، وعظم الأمر، واشتد الخطب، ووقف الرسول صلى اللّه عليه وسلم
والمؤمنون وقفة البناء الشامخ والجبال الراسية فلا تزعزع ولا تضعضع. ولكن الجهاد
بالسيف والمال والقال والحال حتى نصر اللّه أولياءه وخذل أعداءه ولكن ما بين ذلك
من الأحداث الجسام والأعمال العظام مالا يأتي عليه وصف!! وليراجع له كتب السير
والمغازي فإنه كان العجب العجاب في حياة الدعوة بالمدينة وحياة سيد الدعاة بها
صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا. |
|
|
الصورة المثالية في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم: |
|
|
إن الصورة المثالية الكاملة في شخصية الرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم تتجلى في خلقه وفي خُلُقِه معا وهي بالغة في كل منهما منتهى
الكمال، والحمد لله واهبه والمتفضل به. أما في خلقه صلى اللّه عليه وسلم فإن
أصحاب السير وجميع كتب من كتب في السيرة المحمدية مجمعون على أن محمدا رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس ذاتا، وأجملهم وجها، وأحسنهم قدا
واعتدالا، ولنترك الرواة الصادقين يصفون لنا الذات المحمدية كما رأوها وعرفوها.
فقد روى مسلم عن البراء أنه قال: |
|
|
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مربوعا بعيد
ما بين المنكبين، عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء ما رأيت شيئا قط
أحسن منه صلى الله عليه وسلم". |
|
|
كما روى مسلم عن أنس رضي اللّه عنه أنه قال: |
|
|
"كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أزهر اللون كأن
عرفه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول اللّه صلى
اللّه عليه وسلم". |
|
|
وقال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما: "سألت هند بن أبي
هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي
منها شيئا أتعلق به فقال: |
|
|
"كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخما مفخما
يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب (البائن الطول) عظيم
الهامة رجل الشعر أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ من غير قرن،
بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرينين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم،
كث اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كان عنقه
جيد دميه في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، سواء البطن والصدر، بعيد
ما بين المنكبين، ضخم الكراديس (رؤوس العظام) أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي
الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، سائل الأطراف، عبل الذراعين (غليظهما) خمصا
الأخمصين ينبوعهما الماء، إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هوناً، إذا مشى
كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من
نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام". |
|
|
وأما في خلقه العظيم فإنه بأبي هو وأمي كان مثالا من أمثلة
الكمال البشري، فلا يسامى في أخلاقه ولا يدانى بحال فهو فريد دهر الدنيا ووحيد
عصرها. |
|
|
حنثت يمينك يا زمان فكفري |
حلف الزمان ليأتين بمثـله |
|
وها نحن نستعرض شذرات[15] من
ذهب كماله في كل مجالات حياته الأخلاقية والنفسية والعقلية لنقف على عين
الحقيقة، ونعرف الكمال المحمدي الذي كان به سيد الدعاة الصالحين وإمامهم أجمعين. |
|
|
في عفوه وحلمه: |
|
|
إن العفو كالحلم كلاهما من الأخلاق الإنسانية الفاضلة. وإن
الاستقصاء للشمائل المحمدية غير محتمل أصيلا ، ولقد أحسن من قال: |
|
|
كما مثل النجوم الماء |
إنما مثلوا أصفائك للناس |
|
ولذا فإننا نكتفي دائما بنماذج
لذلك الكمال المحمدي في كل مظهر من مظاهره. ومن شمائل الحلم والعفو عنده صلى الله
عليه وسلم نذكر الأمثلة الثلاثة الآتية: |
|
|
1- صح أنه كان صلى اللّه عليه وسلم في غزاة فأعطى رجاله
فرصة للاستراحة فيها فانشروا في واد يسّتريحون تحت ظلال أشجاره، وأتى هو شجرة
فعلق صلى اللّه عليه وسلم سيفه في أحد أغصانها ونام فجاء أعرابي من المشركين
فاخترط السيف وقال للرسول صلى اللّه عليه وسلم: "من يمنعك اليوم مني يا
محمد؟" فرفع إليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: "اللّه.." فارتاع الرجل وسقط السيف منه،
فتناوله الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقال: "من
يمنعك أنت الآن مني" فقال الأعرابي: "لا أحد..." فعفا عنه
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وانصرف. إن هذا لهو العفو بعد المقدرة الذي يستحق
صاحبه الإجلال والإكبار، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو ذاك. |
|
|
2- قسم صلى اللّه عليه وسلم مالا بين أصحابه فجاءه أعرابي
فجذبه من طرف ردائه وقال: "هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه"، فغضب
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وما زاد على أن قال: "ويحك
من يعدل إذا لم يعدل اللّه ورسوله رحم اللّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا
فصبر". |
|
|
3- دخل أعرابي المسجد، واضطرته الحاجة إلى التبول فانحنى
ناحية من المسجد وأخذ يبول، فانتهره أصحابه رضوان اللّه عليهم أجمعين، وصاحوا
فيه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوه
لا تزرموه" (أي لا تقطعوا عليه بوله) فتركوه حتى قضى بوله، ثم أمر
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدلو من ماء فصبه عليه. فحلم الرسول صلى اللّه
عليه وسلم هذا أنطق الأعرابي فقال: "اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم
معنا أحدا". فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لقد
تحجرت واسعا يا أخا العرب". |
|
|
رجاحة عقله: |
|
|
من الكمالات المحمدية رجاحة عقله صلى اللّه عليه وسلم،
ولنورد برهانا على ذلك أربعة مواقف كانت له صلى اللّه عليه وسلم اثنان منها في
عهد ما قبل الإسلام، واثنان في عهد الإسلام وهي أربعة مواقف من عشرات أو مئات
المواقف كل موقف منها دال على ما أوتي صلى الله عليه وسلم من رجاحة العقل وكمال
الإدراك. |
|
|
فالأول: |
|
|
هو حضوره صلى اللّه عليه وسلم حلف الفضول وقوله فيه: "لقد حضرت حلف الفضول بدار عبد اللّه بن جدعان. وما أحب
أن لي بحلف حضرته في دار عبد الله ابن جدعان حمر النعم ولو دعيت به لأجبت"
[16]
إن هذا الحلف عقد على أساس نصرة المظلوم والوقوف إلى جنبه حتى يؤخذ له الحق ممن
ظلمه، فحضور النبي صلى اللّه عليه وسلم هذا الحلف مؤيداَ له مغتبطا به، حتى قال:
"ما أحب أن لي به حمر النعم"، دال
على كمال عقله صلى الله عليه وسلم ورجاحته.. |
|
|
والثاني: |
|
|
حكمه صلى الله عليه وسلم بأن يوضع الحجر الأسود في ثوب، ثم
تأخذ بأطرافه القبائل القرشية حتى إذا بلغ الحجر مكانه من جدار البيت تناوله هو
ووضعه في موضعه، وكذلك فعل حتى قضى بذلك على فتنة متوقعة وخصومة قائمة من أشد
الخصومات أوشكت أن تزهق فيها الأرواح، فدل تصرفه الحكيم هذا على رجاحة عقله
وكماله الذي أهله لأن يكون أكمل الناس عقلا بلا منازع. |
|
|
والثالث: |
|
|
أنه لما دخل مكة يوم الفتح منتصرا ووجد رجالات قريش قد
تجمعوا حول الكعبة ينتظرون حكم الفاتح المنتصر عليهم ماذا يفعل بهم، ناداهم
قائلا: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟"
قالوا: "أخ كريم وابن أخ كريم". فقال: "اذهبوا
فأنتم الطلقاء.." |
|
|
إن هذا الموقف المثالي في تاريخ العظماء ينم فعلا على ما
أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجحان العقل وكماله، الأمر الذي أصبح به
مثلا عاليا في هذا الشأن. |
|
|
الرابع: |
|
|
أنه تنازل لقريش عن كتابة لفظ الرحمن الرحيم، وعن لفظ رسول
اللّه في كتابة وثيقة المعاهدة التي أبرمها مع قريش عام صلح الحديبية، إذ أمر
الكاتب أن يكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم فقال ممثل قريش الدبلوماسي سهيل بن عمرو:
"أمسك. لا أعرف الرحمن الرحيم، بل أكتب باسمك اللهم"، فتنازل عن ذلك
وكتب باسمك اللهم. ولما قال للكاتب: "أكتب هذا ما
صالح عليه محمد رسول الله" قال ممثل قريش: "أمسك لو شهدت أنك
رسول اللّه لم أقاتلك، ولكن أكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه"،
فتنازل عن ذلك وكتب، في حين أن أصـحابه وعلى رأسهم عمر وعلي رضي اللّه عنهم قد
كرهوا ذلك وأبوا أن يفعلوه، ورأوا أنه إعطاء للدنية في دينهم، غير أن النتائج
الطيبة التي عقبت ذلك التنازل دلت على قصر نظر القوم، وبعد نظر الرسول صلى اللّه
عليه وسلم، وكمال عقله ورجاحته، الأمر الذي كان به مضرب المثل في كمال العقل
وحسن السياسة وكمال التدبير. |
|
|
رحمته: |
|
|
إن الرحمة التي كان يحملها قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم
كانت رحمة مثالية لم يحظ بها أحد من الناس، ولم تكن وصفا في كمالها لغيره صلى
اللّه عليه وسلم وها نحن نعرض لبعض مظاهرها التي تجلت فيها فنقول: رفع إليه ولده
إبراهيم وهو مريض يجود بنفسه فوضعه بين يديه وبكى صلى الله عليه وسلم وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي
ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". |
|
|
وزار مرة قبر أمه فوقف عليه وبكى طويلاً وانصرف وهو يقول: "استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته
في أن أزور قبرها فأذن لي". |
|
|
ولما فتح صلى الله عليه وسلم حصن بني أبي حقيق من خيبر أتى
رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بصفية بنت حيي بن اخطب وبامرأة أخرى، فمر بهما
بلال على قتلى يهود، فلما رأتهم الجارية التي مع صفية صاحت وصكت وجهها، وحثت
التراب على رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الجارية ما رأى
قال: "أنزعت منك الرحمة يا بلال تمر بالمرأتين
على قتل رجالهما؟". |
|
|
هذا ولم تكن رحمته صلى اللّه عليه وسلم قاصرة على بني الناس
مؤمنهم وكافرهم فحسب بل دعت ذلك إلى الحيوانات، فقد قال وهو يقرر الرحمة ويحض
عليها ويورثها في القلوب: "في كل ذات كبد رطبة
أجر"، ويقول: "عذبت امرأة في هرة
أوثقتها فلم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت"
وقال: "بينما كان كلب يطيف بركيه كاد يقتله العطش
إذ رأته امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته فغفر الله لها به". |
|
|
كرمه: |
|
|
إن الكرم النفسي الذي يتحلى به الرسول صلى اللّه عليه وسلم
لا يأتي عليه الوصـف، وكيف يوصف كرم من لم يسأل شيئاً طول حياته وهو في حوزته
فقال لا أبدا. خرج يوما وعليه حلة من أجمل الحلل وأبهاها فرآه أحد أصحابه، فقال:
"يا رسول الله أعاينها" فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيته
فخلعها وأتاه بها فأعطاه إياها. ولم يسأله له؟ وكان قصد الرجل السائل أن تمس
جلده بعد أن مست بشرة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لما يره في ذلك من البركة. |
|
|
وجاءه مرة رجل يسأل مالا، فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع
الرجل إلى قومه وقال: "يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر
أو قال من لا يخشى الفاقة". |
|
|
وبايع مرة جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما في جمل له، قد
كل من السفر فباعه إياه بكذا مائة درهم، ولما جاء يتقاضاه الثمن أعطاه الثمن
والجمل معا الله أكبر فماذا عسانا أن نذكر.. هذا من كرم محمد صـلى اللّه عليه
وسلم، إنه بحق أكرم من على الأرض بلا نزاع... |
|
|
عدله: |
|
|
إن المثالية في عدل محمد صلى اللّه عليه وسلم والعدل خلق من
أخلاق النفس الكاملة، تتجلى في مواقف عديدة كانت له صلى الله عليه وسلم وإنا
لنكتفي منها بذكر موقفين فقط الأول: أنه لما سرقت المخزومية وجاء أسامة بن زيد
حب رسول اللّه وابن حبه جاء مدفوعاً برجالات قريش ليشفع لها عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليسقط عنها حد السرقة وهو قطع يدها. قال له الرسول صلى اللّه
عليه وسلم وهو غضبان: "أتشفع في حد من حدود الله
يا أسامة، والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها". |
|
|
وثانيهما: أنه صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه
المجاهدين في وقعة بدر، وكان بيده قدح من القداح يعدل به الصفوف للقتال، فرأى
سواد بن غزية حليف بني عدي بني النجار متقدماً على الصف فطعن في بطنه بالقدح
الذي بيده وقال: "استو يا سواد"،
فقال: "يا رسول اللّه أوجعتني وقد بعثك اللّه بالحق والعدل فاقدني من نفسك"،
فكشف رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن بطنه وقال استقد. |
|
|
إن في هذين الموقفين من مظاهر العدالة مالا يقادر قدره. |
|
|
شجاعته: |
|
|
إن شجاعة قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم لم تكن أقل من
شجاعة عقله، إنه قد بلغ فيها بحق المثالية التي لا توصف، وناهيك في إثبات هذا
الخلق العظيم أن يقول أفذاذ الأبطال كعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وخالد
بن الوليد وغيرهم ممن عرفوا بالبطولات النادرة، والشجاعات الفذة أن يقولوا: "كنا
إذا حمى الوطيس واشتد البأس نلوذ برسول الله صلى اللّه عليه وسلم نتقي به". |
|
|
وشاهد آخر، قد انهزم الجيش الإسلامي يوم حنين هزيمة منكرة
وتفرق رجاله هاربين في كل واد، ويثبت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كالجبل
الأشم في الميدان يقاتل وحده وينادي أصحابه فثابوا إليه وقاتلوا معه حتى انتصروا
وهزموا أعداءهم شر هزيمة. |
|
|
وشاهد آخر على شجاعته صلى الله عليه وسلم هو شهادة أنس بن
مالك بقوله كما روى ذلك مسلم: "كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحسن
الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق
ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم راجعا، وقد سبقهم إلى
الصوت وهو على فرس أبي طلحة عري في عنقه السيف وهو يقول: "لم تراعو لم تراعوا". |
|
|
وحسبنا دليلاً على شجاعة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم
قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا
تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}، فلولا علم
الله تعالى بما وهب رسوله من الشجاعة التي لا توجد عند غيره لما كلفه بأن يقاتل
وحده... |
|
|
إن شخصا يكلف بالقتال وحده، وقتال من؟ إنه قتال كل أهل
الكفر على الأرض، وما على الأرض يومها إلا كافرا باستثناء تلك الحفنة المؤمنة من
أصحابه رضي اللّه عنهم لشخص هو من أشجع من طلعت عليه الشمس وغربت في دنيا الناس.
ذلك هو محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وصحبه وسلم. |
|
|
وأخيراً: إن هذا الكمال الخلقي الذي أصبح به محمد رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم أكمل إنسان وأفضله وأعظمه على الإطلاق، الأمر الذي
أهله بحق لأن يكون مثالاً أكمل للدعاة الصالحين ونموذجاً نادراً بين كل دعاة
الحق والخير في دنيا الدعوة والدعاة، إنما هو مستمد من مصدر كل كمال، ونابع من
فيض رباني لا يعرف النضوب ولا يغيض، ولكنه سلسبيل متدفق لا يقف ولا ينتهي ذلكم
هو القرآن الكريم الذي استمد منه محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كماله
النفسي والخلقي فكان مثالاً للكمال البشري في هذه الحياة، ولقد صدقت أم المؤمنين
عائشة الصديقة رضي الله عنها وقد سئلت عن خلق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم
فقالت: "كان خلقه القرآن". |
|
|
وها هي ذي أوصافه صلى اللّه عليه وسلم في القرآن، تلك
الأوصاف التي استحق بها أن يكون خير الدعاة بل سيدهم وأمامهم ولا فخر، فلنورد ما
ذكرا ولنورد الخاطر عليها وردا. |
|
|
وصفه ربه تعالى بكمال الخلق وعظمته فقال من سورة القلم: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ. مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ
رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لأجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ}. |
|
|
ووصفه بكامل الرأفة وعظيم الرحمة بما لم يصف به غيره من
صالحي عباده فقال تعالى من سورة التوبة: {لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}. |
|
|
ووصفه بكمال العدالة، وحمل شرف الرسالة، وقوة الهداية فقال
تعالى من سورة الأحزاب: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً
مُنِيراً}. |
|
|
ووصفه بالمزكي للنفوس المهذب للأخلاق والمثقف للعقول المطهر
للأرواح فقال من سورة الجمعة: {هُوَ الَّذِي
بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ
قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}. |
|
|
ووصفه بأنه برهان على نفسه في إثبات رسالته وتقرير نبوته
وكمال هدايته لخلقه قال اللّه تعالى من سورة النساء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}. |
|
|
ووصفه بكمال الشجاعة وقوة الاعتصام باللّه والتوكل عليه
فقال من سورة النساء والأعراف: {فَقَاتِلْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ}. وقال: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا
تُنْظِرُونِ. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ
يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}. |
|
|
ووصفه بكمال العبودية له وشرفه باختصاصه به دون سواه من
سائر عباده الصالحين فقال تعالى من سورة الجن: {وَأَنَّهُ
لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} وقال
من سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى
بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}. |
|
|
ووصفه بأنه الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر المحل للطيبات
المحرم للخبائث وهي صفات عظيمة وكمالات عديدة مازه بها وفضله بمثلها تعظيما له
وتكريما فقال تعالى من سورة الأعراف: {يَأْمُرُهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}. |
|
|
هذه بعض صفات الكمال المحمدي في القرآن الكريم وغيرها كثير
اكتفينا بهَا إشارة إلى أن الكمال المحمدي في النفس والخلق إنما هو مستقى من فيض
القرآن الذي هو ينبوع الكمالات وبحر الفيوضات، وها نحن نذكر طرفا آخر مما أدب
اللّه تعالى رسوله فكمله وللمعالي أهله ورفعه فجعله أسوة للمؤمنين وقدوة
للصالحين، ولنعرف بذلك سر الكمال المحمدي الذي أصبح به أنموذج للدعاة الصالحين،
وأفضل الخلق أجمعين. |
|
|
قال تعالى له وهو يؤدبه: {خُذِ
الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. وَإِمَّا
يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ} (الأعراف). |
|
|
وقال له: {ادْفَعْ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
حَمِيم}. |
|
|
وقال له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ
لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. |
|
|
وقال له: {فَاصْبِرْ عَلَى
مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ
تَرْضَى. وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً
مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ
خَيْرٌ وَأَبْقَى. وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا..}. |
|
|
وقال له: {وَلا تَقُولَنَّ
لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً. إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ
رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ
هَذَا رَشَداً}. |
|
|
وقال له: {إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا
تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً
وَأَصِيلاً. وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}. |
|
|
وقال: {يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}. |
|
|
وقال له: {وَأَنِ احْكُمْ
بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ
أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}. |
|
|
وقال له: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ
عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ
الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُتَّقِينَ}. |
|
|
|
|
[1] ذكر هذه الحادثة ابن كثير في تاريخه. وقال
فيها هذا حديث غريب جدا وقد يكون عن علي نفسه. وقد يكون قوله في آخره حتى أكرمني
الله بنبوته.والله أعلم. أ هـ |
|
[2] صاحب سر الملك. الجاسوس في الخير والجاسوس في الشر. |
|
[3] كناية عن القرب. والقاب: ما بين وتر القوس وطرفه وهو مقلوب الأصل قابا قوس. |
|
[4] كان عدد المهاجرين 83 رجلا ما عدا أطفالهم الذين هاجروا معهم ومن ولد في الهجرة. |
|
[5] الرمضاء: الرمل الحار من شدة حرارة الشمس. |
|
[6] أزرنا: كناية عن النساء، إذ الازار يكنى به عن المرأة. |
|
[7] الهدم كناية عن الحرمة فمعنى الحديث: ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم أهل الهدم الدار تهدم وقد كانت تحوي الحرمات وتحوطها... |
|
[8] خبر نسج العنكبوت وتعشش الحمامة ذكره البزار ومسنده. |
|
[9] أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد. |
|
[10] يشبع الجماعة. |
|
[11] أصبح آل أبي معبد يؤرخون به فيقولون بعد أن جاءنا الرجل المبارك أو بعد رأينا الرجل المبارك. |
|
[12] وردت رحلا من الرحيل. |
|
[13] لأن أم عبد المطلب والد عبد الله أبي الرسول صلى الله عليه وسلم أمه سلمى بنت عمرو من بني عدي بن النجار. |
|
[14] الجران ما يصيب الأرض من صدر البعير وبطنه. |
|
[15] الشذرة والجمع شذرات بالتحريك وشذور قطع الذهب تلتقط من معدنه. |
|
[16] عبارة ابن هشام: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب لي به حمر النعم. ولو أدعى به في الإسلام لأجبت. |