طباعة

 توثيق النص

 

 

 

المثالية والواقعية في الإسلام

لفضيلة الدكتور جمعة علي الخولى

 رئيس قسم الدعوة بالجامعة الإسلامية

 

 

تفردت الدعوة الإسلامية عن غيرها من شتى الدعوات والأديان الأخرى بخصائص كفلت لها البقاء والدوام.

خصائص أعوزت ديانات سابقة فذهبت معالمها، وتلاشت في الحياة سدى، حتى أصبحت كأمس الذاهب.

أجل .. لقد اجتمع لهذه الدعوة من الخصائص ما لم يجتمع لدين قبلها، ولن يجتمع لنظام بعدها ذلك أن الله اختتم بها رسالاته، وأكمل بها دينه، وأتم بها نعمته على البشر، فلابد أن يكون فيها من عناصر البقاء والحفظ ما يجعلها إلى قيام الساعة.

من هذه الخصائص التي انفردت بها الدعوة الإسلامية ( الجمع بين المثالية والواقعية في شكل محكم رائع ).

فما هي المثالية والواقعية ؟ وكيف جمع الإسلام بينهما ؟

لا نعني بالمثالية أن الإسلام يحلق بتعاليمه في مثالية خيالية لا وجود لها إلا في عالم الأحلام. أو أنه يبني شرائعه وأحكامه في مملكة الخيال حتى إذا اصطدم بالواقع أصبح سراباً.

كلا .. فتلك مثالية خيالية يعرفها دارسو الفلسفة وعيبها أنها بعيدة عن واقع الإنسان وما ركب فيه من غرائز نزعات، وما يعتوره من نقص وقصور، والإسلام دين واقعي أبعد ما يكون عن خيال الفلاسفة وأحلام الحالمين..

وإنما نعني بالمثالية أن الإسلام يحرص على إبلاغ الإنسان أعلى أفق ممكن من المستوى العالي الرفيع، في يسر وراحة وطمأنينة، كالشمس تراها عالية أمام العيون، لكنها تلتقي مع واقع الناس ومع أقل المخلوقات وأضعف الكائنات وأبسطها، تمد الجميع بما لديها من خير وتشمله بالحرارة والنور، وهي محتفظة بسنائها وسموها ومكانتها ومكانها.

إن الإسلام ينشد لمعتنقه الكمال والمثل العليا دائماً، لكنه يطلب بأسبابه ويسعى إليه من بابه، ولا يكلف الناس شططاً، ولذلك كان من الصعب فصل المثالية عن الواقعية في الإسلام، وإنما هما شرعة للبشر متكاملة تنير لهم سبل الخير وترسم له قواعد السلوك وقوانين المعاملات.

كذلك لا نعني بالواقعية الرضا بالواقع أياً كان وضعه أو صورته، أو أن الإسلام يطوع مبادئه لتوافق الحياة على أي لون، أو لتساير الواقع على أي شكل كلا.. فالإسلام لم يجيء ليربت على شهوات الناس وأنظمتهم. أو ليرضى بأوضاعهم المختلة، وتقاليدهم المعوجة، وإنما جاء ليلغي كل أشكال الجاهلية ونظمها، ولينشئ من ذات نفسه نظاماً خاصاً به، كونه يتشابه في جزئيات مع واقع الناس أو لا تتشابه، هذا أمر عارض، والمهم هو في الأصل الذي يشرع ويقنن ويحلل ويحرم، أما سائر الأنظمة الأخرى فهي تقوم على أساس أن البشر هم الذين يشرعون لأنفسهم بمعزل عن شرع الله ووحيه، وتوجيهه وأمره، فهما منهجان متناقضان.

كذلك لا نعني بالواقعية الإعتماد على الواقع الذي تدركه الحواس فقط، ونبذ كل ما لا تؤيده التجربة.

لا نعني بالواقعية هذا ولا ذاك .. وإنما نعني بها مراعاة ظروف الإنسان وفطرته وحدود طاقته، وطبيعة تكوينه، وواقع حياته، وذلك من حيث :

-

أنه مخلوق من مادة وروح وللروح أشواقها، وللمادة مطالبها.

-

ومن حيث أنه يعيش على الأرض، ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتناسل، ويحب ويكره، ويصح ويمرض.

-

ومن حيث أنه ذكر وأنثى تختلف حاجات وميول كل منها وطبيعته الفسيولوجية.

-

ومن حيث أنه فرد مستقل في نفسه، أو فرد مشترك مع غيره.

كل هذه الأمور - وكثير غيرها - راعاها الإسلام وكيف أحكامه الفرعية تبعاً لها حتى تنطلق مسيرة الحياة في توازن مستقر، ولا تتعطل أو تتهدد مصالح العباد..

 وفي ضوء ذلك التعريف لكل من المثالية والواقعية، جعل الإسلام حداً أدنى أو مستوى أدنى من الكمال لا يجوز الهبوط عنه، لأن هذا المستوى ضروري لتكوين شخصية المسلم على نحو معقول، ولأنه أقل ما يمكن قبوله من المسلم ليكون في عداد المسلمين، وقد شرع هذا المستوى على نحو يستطيع بلوغه وأداؤه أقل الناس استعداداً لفعل الخير وابتعاداً عن الشر، وهذا المستوى يتكون من الفرائض الواجبة، والمحرمات المنهي عنها [1]، وهذا الفرائض والمحرمات جعلت  بحيث يستطيع كل واحد الوفاء بمقتضاها، وعند الضرورات تراعيها الشريعة وتقدرها قدرها..

وبجانب هذا المستوى الإلزامي الواجب بلوغه على كل مسلم وضعت الشريعة مستوى آخر أرفع منه وأوسع، ورغبت فيه الناس وحببت إليهم بلوغه.

وهذا المستوى العالي يشمل المندوبات وأنواع القربات التي ترغب الشريعة في القيام بها، ويشمل كذلك المكروهات والمشتبهات التي ينبغي تنزه المسلم وابتعاده عنها [2]، لكن  الوصول إلى ذلك المثل أو المستوى الأعلى يحتاج إلى جهد ضخم لا يتيسر لكل الناس، بل هو رهين بمواهب خاصة، واستعداد خاص يتميز به القلة النادرة من الناس.

لذلك لا يفرض الإسلام هذا المثل الأعلى على الجميع فرضاً، لا يلزمهم جميعاً به، بل يرسمه أمامهم، ثم يتركهم لطاقاتهم، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[3]، ويتقبل من كل ما يتقدم  به على قدر جهده {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [4] .

إنه يحبب إليهم الصعود والإرتفاع، ولكنه يدعهم يتطوعون بذلك، ثم يثيبهم بقدر ما تطوعوا جزاءً في الآخرة، فلا يظلم ربك أحداً، ولا يقسره على ما لا يقدر عليه.. ونضرب على هذا التقعيد لكل من المستويين الأعلى والأدنى بعض الأمثلة:

ا- يأمر الإسلام المسلمين بأداء خمس صلوات في اليوم والليلة، بحيث لا يقبل من المسلم أداء بعضها أو التقصير فيها، ثم يفتح أمامهم باب النوافل والمندوبات لأصحاب الهمم العالية التي تريد التسامي إلى آفاق عليا لتقرب من الملأ الأعلى الذي يفيض عليها من بركاته ونفحاته ما تغتبط عليه وتغبط به، وفي الحديث القدسي: " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ".

2- فرض الإسلام على المسلمين صيام شهر واحد في العام ما يستثنى من ذلك إلا أصحاب الأعذار على أن يقضوه {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[5]. لكن  هناك طاقات أخرى تطيق أكثر من ذلك. لذلك دعا الإسلام إلى التقرب إلى الله بمزيد من الصيام في غير شهر رمضان..

3- فرض الإسلام أيضاً الزكاة، لكنه حبب معها الإنفاق في سبيل الله {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}[6] .

4- كما أباح للناس أن يأخذوا بثأرهم، ولكنه حبب إليهم العفو {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}[7] {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}[8].

5- كما يبيح لهم الإستمتاع بطيبات الحياة، ولكنه يحبب لهم أن يتخففوا منها، ويرتفعوا عليها، ويتجهوا إلى نعيم الروح {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّه}[9].

وهكذا يفتح الإسلام باب التطوع، والإرتقاء إلى المثالية، ولكن ليس على سبيل الإلزام وإنما على سبيل الإختيار، فذلك أفعل في تربية النفس، وأدعى إلى تحقيق الغاية [10] لأن المتطوع يشعر بلذة عميقة في تطوعه، تعوضه عن المشقة التي يحتملها، وتحبب إليه الإستمرار فيه. لذة لا يستشعرها من يؤدي واجباً مفروضاً عليه، فتستجيب النفس بأقصى طاقاتها، وتصل في ارتفاعها إلى ما يشبه المعجزات.

ولقد أوجد الإسلام بمنهجه هذا في التربية جيلاً من البشر قل أن يجود الدهر ورفعهم إلى الذروة العليا من الكمال، مستوى تتطلع إليه الأبصار فيبهرها ضوءه وعظمته وسناه..

وإليك بعض النماذج التي تبين لك مثالية الإسلام.. وواقعيته في آن واحد .. نماذج تتحدث عن أشخاص مثاليين يفتخر بهم التاريخ الإسلامي لأنهم وصلوا إلى مستوى من الكمال يظنه بعض من لا يدركون ضرباً من الخيال ..

-

هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يتولى الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم للولاية من مسئوليات جمة، ومشاكل مشغلة، لكن الرجل الكبير، صاحب القلب الكبير.. لا تشغله هذه المسئوليات عن خدمة نسوة الحي العجائز، فلما ولي الخلافة، قالت بنات الحي، لا يحلب لنا أبو بكر منائح دارنا، فبلغ ذلك أبا بكر الصديق، فقال:" بلى والله لأحلبنها لكم " فكان يحلبها كل يوم، ويسأل المرأة:" أأرغي، أم أصرح " أي أجعل الحلاب له رغوة، أم صافياً بدون رغوة، فأي ذلك قالته فعل [11].

-

وعمر بن الخطاب .. الذي تأخذ على الإنسان جوانب العظمة فيه فلا يدري بأيها يأخذ وأيها يدع .. لكننا رغبة في الإيجاز نكتفي بمثال..

روى ابن الجوزي في تاريخ عمر بن الخطاب عن أنس قال:" كانت بطن عمر تقرقر عام الرماد من أكل الزيت، وكان قد حرم على نفسه السمن، قال: فكان ينقر بطنه بأصبعه ويقول قرقري أو لا تقرقري فوالله لا تأكلي السمن حتى يأكله الناس " [12].

فانظر كيف يحس الحاكم بمشاكل شعبه، ولا يتميز عليهم في طعام أو لباس، وهو الذي لو شاء أن يتوسع فهو القائل:" والله إني لو شئت كنت من ألينكم طعاماً وأرقكم عيشاً، ولكني سمعت الله تعالى عير قوماً بأمر فعلوه فقال:{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [13].

-

وعثمان بن عفان يرى المسلمين وقد انقطعت مواردهم في أيام أبي بكر ووقعوا في ضائقة اقتصادية شديدة، ثم تجيئه العير محملة ببضائع كان استوردها من الشام فيسرع إليه التجار في المدينة يريدون أن يستغلوا ساعة العسرة، فيتقدمون إليه بعرض سخي أن يربحوه في الدرهم درهمين، فيردهم عثمان قائلاً:" أعطيت أكثر من ذلك، فيعرضون ثلاثة فيقول أعطيت أكثر من ذلك، فيعرضون أربعة دراهم ثم خمسة وهو يردهم في كل مرة، فقالوا: يا أبا حفص، ما سبقنا إليك أحد، نحن كل تجار المدينة، فيقول إن الله أعطاني عشرة أمثالها، ثم يقسم لأتركنها خالصة للمسلمين يرد بها عنهم غائلة الحاجة "..

ماذا كان على عثمان رضي الله عنه وهو يريد البر بالمسلمين أن يأخذ على الأقل ثمن بضاعته ويكون في ذلك نبيلاً مشكور النبل .. ولكنه مثل يفرضه على نفسه، ويتطوع لتحقيقه [14].

-

وعلي بن أبي طالب يمكنه الله  من أحد أعدائه في إحدى المواقع، حتى ليجلس على صدره ويأخذ بسيفه، وفجأة ينهض عنه، ويتركه طليقاً، ويعجب رجل من المسلمين كان يراقب الحادث، ويسأله لم تركت عدو الله، وقد أمكنك الله منه ؟ فيقول:" حين هممت أن أجتز رأسه بصق في وجهي، فخشيت إن أنا فعلت أن أكون قد قتلته غضباً لنفسي لا لله "..

ماذا كان يفرض على علي هذا التصرف النبيل، الذي يقرب من الأساطير، إن هذا العدو كان حرياً أن يعود فيقتله، وعلي يعلم ذلك دون شك .. ولكنها المثالية السامية والنظافة الكاملة داخل هذا الضمير [15].

وغير هؤلاء كثير وكثير.. وعلى امتداد التاريخ الإسلامي تجد هذه الكواكب الدرية تلمع في الآفاق وتسطع بنورها على دنيا الناس لتثبت لهم أن الإسـلام قادر بمنهـجه الفذ وتعاليمه العالية أن يوجد ملائكة تمشي على الأرض وتنشر الرحمة والعدل على العالمين..

لكن الذي تجدر الإشارة إليه هنا أن هؤلاء وأمثالهم بلغوا هذا المستوى من الرفعة والكمال وهم يعيشون حياة الناس، ومشاكل الناس، ولم يكونوا يعيشون في أبراج عاجية بعيداً عن ظروف المجتمع. وواقع الجماهير..

إنهم لم يكونوا يعيشون في أديرة أو صوامع، ولم يحرموا على أنفسهم حلالاً، وإنما كانوا يحبون مشاكل أممهم الاجتماعية والسياسية والحربية.. وغيرها بالإضافة إلى نشاطهم في العبادة والقربات، وكان ارتفاعهم إلى تلك القمم السامية بالإرادة الإيمانية، والقلب الواعي المستنير.. ولا يزال الطريق الذي سلكوه،  والمنهج الذي باشروه هو هو.. يهيب بطلاب الكمال أن يتقدموا..

وبعد أن طوفنا بك في عالم المثل القائمة على أساس من الواقع الحي لا الخيال المعدوم نعرض عليك الآن مظاهر ودلائل لواقعية الإسلام في عباداته وأخلاقه وشرائعه، مما يزيدك بياناً بعظمة هذا الدين، الذي لم يشتط مع الخيال، ولم يضيق على الناس واسعاً، فيجنح بهم إلى مثالية مفرطة، كما أنه لم يمل بهم إلى واقعية مفرِّطة تبعد الناس عن المثل العليا وتهونها في نفوسهم، وإنما يرسم من المثالية ما يرتفع بالبشر إلى آفاق مشرقة رحيبة تحف بها ملائكة الخير، وتقترب بهم إلى النور العلوي المقدس، وفي الوقت نفسه تأخذ من الواقعية ما تتضمنه من عزم وعدل وحزم مما يكون الذاتية الإسلامية المتميزة، وبذلك تسير الدعوة في خط متوازن لا إفراط فيه ولا تفريط، ولكن عدل و اتزان، وحكمة و إتقان..

فمع شواهد الواقعية والله المستعان..

أولاً: في العبادات:

نظراً لظروف الإنسان وكثرة أعبائه في الحياة وما يتطلبه ذلك من السعي لطلب المعيشة والضرب هنا وهناك لرعاية مصالحه وتدبير شئونه..

ونظراً لما يتعرض له الشخص في حياته من مرض وملل، ومن ظروف طارئة وسفر فإن الشريعة راعت في شئون العبادة ما يأتي:

أ- قلة التكاليف:

لم تثقل على الناس بكثرة التكاليف، ولم تكلفهم رهقاً، فالله الرحيم بعباده يعلم أن في عباده ضعفاً، وأن وراءهم شغلاً لقوم حياتهم وتحصيل أرزاقهم ومن ثم كلفهم بعبادات محدودة لا تستغرق كل الوقت، ولم يطلب منهم الانقطاع للعبادة كالرهبنة المسيحية حتى لا يؤثر ذلك على سير المصالح ودولاب الحياة ..

وفي الوقت نفسه لم تجعل الشريعة ارتباط الإنسان بالعبادة ارتباطاً خفيفاً على ندرة حتى لا يتبلد حسه، ولا تهبط روحه، وإنما شرعت له من العبادات ما يكفي لتهذيب خلقه، وسمو روحه وسلوكه، بحيث يكون دائم الاتصال بالله رب العالمين فجعلت له عبادة يومية تؤدي خمس مرات كل يوم، وتتراوح بين أجزاء اليوم كله وبعضاً من الليل.

وجعلت عبادة سنوية كالصوم والزكاة، وعبادة في العمر كالحج..

ومع قلة التكاليف يسر في الأداء كذلك. فالصلاة مثلاً تستغرق حدود الساعة من يوم طوله أربع وعشرون ساعة..

والصوم شهر واحد من سنة طولها اثنا عشر شهراً، ثم إن وقت الصيام هو النهار فقط، أما الليل فللإنسان أن يتمتع فيه بكل حلال مباح..

والحج مرة واحدة للمستطيع..

والزكاة كذلك مرة واحدة في العام على الغنى الذي ملك النصاب، حال عليه الحول..

وإذا كانت تلك إشارة موجزة إلى الفرائض، لكن تأتي النوافل والقربات لمن أراد أن يترقى في ميدان الأعمال الصالحة. {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [16].

ب- التنويع والتلوين:

عرف الإسلام طبيعة الملل في الإنسان، فغاير بين أنواع العبادات وأشكالها، ما بين عبادة بدنية كالصلاة والصيام، وأخرى مالية كالزكوات والصدقات وثالثة جامعة بينهما كالحج والعمرة، حتى لا يسأم الإنسان من عبادة واحدة رتيبة لا تتغير.

جـ- الرخص والتخفيفات:

كما شرعت الشريعة الرخصة والتخفيفات في العبادة، وذلك حين تعرض للإنسان ظروف تقعده عن أداء العبادة في صورتها الكاملة، و ذلك كظروف المرض والسفر ونحوهما.

والفقه الإسلامي يؤكد أن التكاليف شرعت على أساس واضح من قاعدتي رد الحرج والتخفيف عن الناس، وبتتبع مواطن هذا التخفيف في الشريعة تجد من مظاهره الآتي:

1- تخفيف بالإسقاط.. وذلك كإسقاط الحج والصوم والجهاد ونحوهما من العبادات كصلاة الجمعة مثلاً، كل ذلك بأعذار مفصلة في كتب الفقه الإسلامي..

2- تخفيف بالتنقيص : مثل قصر الصلاة الرباعية للمسافر إلى اثنتين.

3- تخفيف بالإبدال، كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم عند فقد الماء، أو المرض.

4- تخفيف بالتقديم والتأخير، كتقديم صلاة العصر إلى وقت الظهر، وكتأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء عند حصول الأسباب المبررة لذلك..

5- تخفيف بالتغيير.. وذلك كتغيير هيئة الصلاة المعروفة وقت خوض المعركة مع العدو، أو الخوف منه، مما يسمى في  الفقه بصلاة الخوف، وصلاة الالتحام.. الخ.

هذه بعض مظاهر اليسر والسماحة للشريعة في العبادات، ومراعاتها لواقع الإنسان وما يعتوره من ظروف..

لكن لابد من وقفة هنا لتوضيح أمر قد يتبادر إلى بعض الأذهان، فتتأوله أغراض وتميل به أفهام.. وهو.. أنه ليس معنى التخفيف في الإسلام أن هذا الدين لا يعود أتباعه إلا على السهل الخفيف دائماً، فيقتل في نفوسهم روح الرجولة والجد والإقدام، ويعودهم على الطراوة والمستويات الدنيا..

لا.. إن الإسلام، يأخذ أتباعه بالتكاليف التي تبني الفضائل، وتصعد إلى الكمال وتتيح للخصائص العليا في الإنسان أن تنطلق..

إنه يأخذهم بالشجاعة في ميدان القتال، والشهامة والمروءة في باب المعاملة، والكثرة في ميدان العبادة والتهذيب في ميدان الأخلاق..

لكن الإسلام- لمعرفته لضعف الإنسان وعجزه في كثير من المواطن- يراعي هذه الظروف ويشرع ما يناسبها خفة وتيسيراً على الناس..

فتراه يقول للشخص المريض إذا لم تستطع الصلاة قائماً فصل قاعداً، فإن لم تستطع فصل راقداً، فإن لم تستطع فبالإيماء..

وتراه يقول للمسافر صل قصراً، وإن كنت صائماً افطر، لماذا ؟ لمشقات السفر ومتاعبه التي يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيها:" السفر قطعة من العذاب ".

إذن فهو من باب تقدير الظروف لا أكثر.. ومع ذلك فهو يعلق أنظارهم إلى أعلا دائماً فيقول: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[17].

ولعله من المفيد هنا أن نلقي ضوءاً على المشقة وصورتها في الشريعة الإسلامية المشقة نوعان.. نوع محتمل يتلاءم مع طاقة الإنسان وفطرته، وهذه لا يسعى الشرع إلى إسقاطها عن الإنسان أو إزالتها، لأنها نوع من المشقة العادية التي لا تكلف الإنسان رهقاً أو عنتاً، وهي وإن حدث بها نوع تعب في أدائها إلا أنه لا يوجد حرج يصعب تحمله في فعلها، وذلك كسائر الجهود العادية والمشقات المطاقة عند أداء الصوم والحج وغيرهما..

2- ومشقة خارجة عن طاقه الإنسان وقوة احتماله، وهذه رفعها الله فضلاً وكرماً عن المسلمين.وذلك كالوصال في الصوم، وفرض التهجد ليلاً، قال سبحانه {ُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [18].

ومن أدعية القرآن الكريم التي علمها المؤمنين { رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [19].

مع أن هناك من الشواهد ما يشير إلى أن الأمم السابقة كان فيها بعض الأصر والمشقات، لكن ذلك رفع عن الأمة الإسلامية تخفيفاً من الله وتيسيراً، وفي الحديث:" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". كما علمنا القرآن الكريم هذا الدعاء من خواتيم سورة البقرة {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [20].

ومن الأمور التي كانت موجودة في سالف الأمم ما يلي:

ا- الجزء النجس من الثوب يجب قرضه.

2- تحريم الانتفاع بغنائم الحرب..

تحريم العمل يوم السبت.

4- عدم قبول الدية بدل القصاص..

5- الأمر بقتل أنفسهم على التوبة {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}[21].

6- تحريم بعض لحوم الحيوانات وشحوم بعض آخر [22].

ومما تنبغي ملاحظته هنا أن اللّه أحل الأمم- ومنهم اليهود- الطيبات وحرم عليهم الخبائث لكن بني إسرائيل لما بغوا وأسفوا، حرم الله عليهم بعض الحلال عقاباً لهم كما قال سبحانه:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}[23]. وفي آية أخرى بعد ذكر بعض المحرمات قال سبحانه :{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [24]

ومن هذه الأمور المتشددة أيضاً ما جاء في سفر الخروج[25].

" من ضرب أباه أو أمه يقتل قتلاً ".

" من شتم أباه أو أمه يقتل قتلاً ".

" إذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات يرجم الثور، ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئاً ولكن إذا كان الثور نطاحاً من قبل وقد أُشهد على صاحبه فقتل رجلاً أو امرأة فالثور يرجم وصاحبه يقتل " [26].

وفي سفر العدد " من مس ميتة إنسان ما يكون نجساً سبعة أيام " [27].

" إذا مات إنسان في خيمة فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجساً سبعة أيام".

" وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس " [28].

وفي سفر التثنية " إذا كان ابن معـاند ومـارد ولا يسمع لقول والديه يرجم بالحجارة حتى يموت" [29].

وفي سفر اللاويين أحكام عن الحائض، وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء، وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجساً، وكل ما تجلس عليه يكون نجساً " [30].

تأمل هذه الأمور لتدرك فضل الله على الأمة الإسلامية ورحمته بها، واهتف معي " سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ".

ولعله بعد هذا البيان عرفت ما يريحك عن واقعية العبادات الإسلامية وملاءمتها لفطرة الإنسان وتكوينه .. وأنها لم تكلفه شططاً، ولم تجنح به إلى خيال..

ثانياً : الأخـلاق :

كان الإسلام في أخلاقه واقعياً كذلك، بمعنى أن ما دعا إليه من صفات النبل والكمال ليس فوق طاقة البشر، وإنما هو في مقدورهم وفي دائرة استطاعتهم، وذلك كالصبر على المكاره، والعفة عن الحرام، والصدق في القول، والوفاء في المعاملة ... الخ.

صحيح أن في الأخلاق الإسلامية ضوابط للسلوك الإنساني، وكف لأهواء النفس وجماحها، وإلجامها بلجام من الاستقامة والنظافة ..

لكن ذلك أمر لا بد منه للحفاظ على إنسانية الإنسان التي ترتفع به عن مستوى المخلوقات الدنيا، والمشقة التي فيها إنما هي من نوع المشقة المحتملة التي مرت بك آنفاً، وإلا فإذا تفلت الإنسان من هذه الضوابط والقيود الخلقية، هبط إلى عالم الأحراش وهذه ما لا يريده الإسلام للإنسان ..

والإسلام من الناحية الأخلاقية لا يتصور الإنسان ملكاً يمشي على الأرض، ولا يتلبس بمقتضيات التكوين المادي فيه ..

إنه ينظر إليه نظرة كلية، بمادته وروحه، وعقله وشهوته، وعواطفه وغرائزه فيضع له من مستوى الأخلاق ما يحرره من قيود الرذائل وأغلالها، وسفساف الأمور وأحقارها التي تقعد بالإنسان عن التصعد إلى المراتب الإنسانية الرفيعة وتربطه بحبال متينة نحو الأرض..

وإليك مثالاً مقارناً على واقعية الأخلاق في الإسلام، وملاءمتها لفطرة الإنسان وعدم تحليقها في عالم الخيال..

جاء على لسان المسيح عليه السلام في بعض  الأناجيل " أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر.. من سخرك ميلاً فاذهب معه ميلين من سرق قميصك فأعطه إزارك ".

هذه دعوة حارة للعفو والسماحة التي اشتهرت بهما المسيحية، وذاك إحدى سماتها البارزة..

لكن إذا جاز ذلك " في مرحلة محدودة و لعلاج ظرف خاص، فإنه لا يصلح توجيهاً عاماً خالداً لكل الناس في كل العصور والبيئات، فإن مطالبة الإنسان العادي بمحبة عدوه، ومباركة لاعنيه قد يكون شيئاً فوق ما يتحمله، ولهذا اكتفى الإسلام بمطالبته بالعدل مع عدوه {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [31]. كما أن  إدارة الخد الأيسر لمن ضرب على الخد الأيمن أمر يشق على النفوس، بل يتعذر على كثير من الناس أن يفعلوه، وربما جرأ الفجرة الأشرار على الصالحين الأخيار، وقد يتعين في بعض الأحوال، ومع بعض الناس أن يعاقبوا بمثل ما اعتدوا، ولا يعفى عنهم فيتبجحوا ويزدادوا بغياً وطغياناً، ولهذا تجلت واقعية الإسلام حين شرع مقابلة السيئة بمثلها بلا حيف ولا عدوان فأقر بذلك مرتبة العدل، ودرء العدوان، ولكنه حث على العفو والصبر والمغفرة للمسيء، على أن يكون ذلك مكرمة يرغب فيها، لا فريضة يلزم بها [32]، وهو واضح في مثل قوله تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [33]، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [34].

ثالثاً : الشرائع :

وشرائع الإسلام واقعية أيضاً، وحتى لا يطول بنا الحديث نكتفي بمثال واحد يتعلق بموقف الشريعة من شهوات الجسم والنفس..

اعترف الإسلام بالواقع البشري على حقيقته، فلم يكبت نوازع الجسد، وشهوات النفس وإنما اعترف بهما من حيث المبدأ، ومن حيث أنهما شعور في النفس لا ينبغي كبته ولا مصادرته، {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [35] {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [36].

لكن الإسلام في الوقت نفسه لا يسمح للإنسان أن ينطلق مع هذه الشهوات إلى آخر مدى حتى تستعبده، وتخرج به عن إنسانيته، فيضر بنفسه وبمجتمعه..

وإنما نظم له كيف يستمتع بلذاته في غير ما كبت ولا حرمان..

أ- فبالنسبة للشهوة الجنسية لا ينظر الإسلام إليها على أنها رجس كمن عمل الشيطان كما تذهب إلى ذلك بعض المذاهب المتزمتة، وإنما يقرر الإسلام أن هذا أمر قد زين للناس، فلا نكران له ولا مطاردة ثم يرسم له الطريق المشروع الذي يكون مباحاً في داخله محرماً فيما وراءه، وهو طريق الزواج الذي ندب إليه، وجعله سنة الإسلام، ومنع الرهبانية والإنقطاع للعبادة ..

ولما عزم ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على المبالغة في العبادة، ونوى واحد منهم العزوف عن النساء، قام عليه الصلاة والسلام يصحح هذا الفهم الخاطئ ويقول:" أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ".

وبهذا الطريق سلك الإسلام مسلكاً شريفاً نزيهاً، بعيداً عن إفراط المفرطين الذين أباحوا الإختلاط كعلاج للمراهقة والشباب، فشاع في بلادهم الإنحراف والشذوذ والفجور وقتلت معالم الرجولة في شبابهم، وأصبحت أمم الغرب الآن تكاد تحترق بلظى الخيانة والفسق من جراء بعدها عن هدي السماء ..

وبعيداً عن مغالاة المتشددين الذين يحاولون كبت هذا الهاجس الجنسي وقسره على عكس ما تأباه طباعه، كما تفعل البرهمية الهندية والرهبانية المسيحية.

ب- وما يفعله الإسلام بالنسبة لشهوة الجسد من حيث الإعتراف بها، تنظيم طريقة التنفيس عنها في طريق مشروع حلال ..

يفعله كذلك بالنسبة لغريزة حب المال .. التي يعتبرها أمراً مفطوراً في النفس كذلك {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً} [37] {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [38]..

ومن ثم اعترف الإسلام بالملكية الفردية .. فذلك له أثره في الإبتكار والإختراع وترقية الحياة..

لكنه في الوقت نفسه لم يدع الأمر على إطلاقه فيتحول إلى رأسمالية طاغية وإنما وضع حدوداً وقيوداً على رأس المال وعلى الربح .. منها : الإرث، الزكاة، تحريم الربا، والإحتكار، وكل مصدر خبيث للربح .. وذلك من شأنه أن يفتت الثروة بين أكبر قدر من الأهل والمجتمع، ويخلق نوعاً من التكافل بين الناس ..

وبعد .. فلعلك أدركت الآن معنى الواقعية في حياة هذا الدين، وأنها مطابقة منهج الإسلام لواقع الإنسان وظروفه الحقيقية المحيطة به في هذا الكون، لأن كليهما – المنهج والإنسان – صادر عن الله عز وجل، الإنسان خلقُ الله، والمنهج شرعُ الله ولا يمكن أن يتناقض شرع الله مع واقع خلق الله.

ولذلك فإن هذا المنهج الذي رسمه الله للحياة على ما فيه من سمو وارتقاء ومثالية هو في الوقت نفسه متوافق تماماً مع طاقات الإنسان الواقعية، ملتحم مع فطرته البشرية ونظام حياته، لأنه تشريع العليم الذي لا يجهل ، والحليم الذي لا يعجل والحي الذي لا يموت، والخبير بشئون النفس الإنسانية ودخائلها ولا يغيب عنه سبحانه شيء من أحوالها وخباياها، مهما دق أو صغر، أو غاب أو حضر، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [39].

والبشرية لن تجد الراحة والأمان، والسعادة الحقيقية والإستقرار إلا إذا التقت مع منهج ربها، كما تنزل على خاتم رسله {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [40].

 

 

 



[1] أصول الدعوة د. عبد الكريم زيدان 71 ط ثالثة.

[2] المرجع السابق.

[3] سورة البقرة - 286

[4] سورة الأحقاف /19، وسورة الأنعام / 132.

[5] سورة البقرة – 184 .

[6] سورة البقرة – 178 .

[7] سورة البقرة - 245 .

[8] سورة الشورى – 40 .

[9] سورة آل عمران 14 ، 15 .

[10] الإنسان بين المادية والإسلام ، محمد قطب / 101 ، 102 .

[11] عظماؤنا في التاريخ د. مصطفى السباعي / 71 – والإنسان بين المادية والإسلام – محمد قطب/ 103

[12] تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي 161 .

[13] المرجع السابق / 159 – والآية من سورة الأحقاف 20 .

[14] الإنسان بين المادية والإسلام، 104 .

[15] المرجع السابق.

[16] سورة البقرة – 184 .

[17] سورة البقرة 184 .

[18] سورة البقرة 185 .

[19] سورة البقرة 286 .

[20] سورة البقرة 286 .

[21] سورة البقرة 54 .

[22] انظر تفسير القرطبي 3/43 .

[23] سورة النساء 160 .

[24]سورة الأنعام 146 .

[25] الإصحاح 21 .

[26] سفر الخروج ، الإصحاح 21 .

[27] الإصحاح 21 .

[28] السابق .