|
|
|
|
|
|
|
النفاق وَأضرَاره |
|
لفضيلة الشيخ علي الحذيفي |
|
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين |
|
|
|
|
|
|
|
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما
صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد ... |
|
فإن العلم بالأعمال التي تقرب إلى الخالق سبحانه هو ما يحرص
عليه المسلم الصادق، حتى يفعل من صالح الأعمال ما يحبه مولاه، ولا يستعظم المؤمن
ما يقدمه لربه من نفس أو مال فإن النفس إلى موت والمال إلى فوت ويشفق قلبه من كل
عائق يحول بينه وبين الله تعالى، ويخاف من كل قاطع يقطع عليه الصراط المستقيم
الذي بدايته الطاعة، ونهايته الجنة. |
|
وإن أكبر المصائب، وأعظم المعوقات عن الله تعالى استيلاء
النفاق على القلب، أو مخالطته للأعمال، كيف لا وقد كان سلف الأمة رضي الله عنهم
يخافون من النفاق أشد الخوف، لما يعلمون من خطره، ولما تبين لهم من ضرره، فقد
قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه:وقال ابن أبي مليكة :
"أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق على
نفسه"، ويذكر عن الحسن البصري رحمه الله قال:" ما خافه إلا مؤمن، ولا
أمنه إلا منافق "انتهى. وقال عمر رضي الله عنه لحذيفة
رضي الله عنه:" يا حذيفة نشدتك
بالله هل ذكرني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين" قال:"
لا ولا أزكى بعدك أحداً "، ومعنى هذا أن حذيفة
أراد أن يسد باب السؤال على نفسه حتى لا يسأل غير عمر رضي الله عنه، فيزكيه وهو
لا يستحق، لا أن غير عمر رضي الله عنه منافق. وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى
ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق قال:" ومن يأمن
على نفسه النفاق "؟. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قيل له : إنا ندخل على سلطاننا فنقول له بخلاف ما
نتكلم به إذا خرجنا من عنده قال:" كنا نعد هذا نفاقاً ". |
|
وفي المسند عن حذيفة رضي الله
عنه قال:" إنكم لتكلمون كلاماً إن كنا لنعده على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم النفاق "، وفي رواية قال :" إن
كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير منافقاً،
وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مرات ". |
|
فهذه حال القوم من الخوف من
النفاق، والإشفاق من التلوث به، مع امتلاء قلوبهم إيماناً ويقيناً، وسبقهم في
الخيرات، ونصرتهم لدين الله تعالى، فأين الحال من الحال، اللهم طهر قلوبنا من
النفاق وأعمالنا من الرياء وأعيننا من الخيانة. |
|
النفاق : |
|
قال في القاموس : نافق في الدين
ستر كفره وأظهر إيمانه وقال الجوهري في صحاحه :" والنفاق عمل المنافق "
وقال الراغب الأصفهاني في غريب القرآن:" ومنه
النفاق وهو الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من
باب واشتقاقه من النافقاء وهو حجر اليربوع الذي يحفره
فيجعل له بابين باباً ظاهراً يرى وباباً آخر رقيقاً لا يرى حتى إذا طلبه الصائد
دفع برأسه مارق من الجانب الآخر ونجا ". |
|
والنفاق في الشرع نفاق اعتقاد
ونفاق عمل، فنفاق الإعتقاد أن يظهر الإيمان بالله
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن مكذب لرسول الله صلى الله عليه
وسلم أو مكذب لبعض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مبغض له عليه
الصلاة والسلام، أو مبغض لبعض ما جاء به صلى الله عليه وسلم، أو كاره لانتصار
الإسلام، أو يفرح بانهزام الإسلام والمسلمين فصاحب هذا النفاق في الدرك الأسفل
من النار قد خلع الإسلام من عنقه قال تعالى:{وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ
بِمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى:{إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ
نَصِيرا}. |
|
وأما نفاق العمل فهو : أن يكذب في
الحديث أو يخون في الأمانة أو يفجر في الخصومة أو يخلف الوعد من غير كفر بالله
تعالى ولا تبغض ولا تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم قال الحسن البصري رحمه الله
تعالى:" من النفاق اختلاف القلب واللسان، واختلاف السر والعلانية،
واختلاف الدخول والخروج ". |
|
ظهور النفاق : |
|
لقد كان العهد المكي خالياً من النفاق لأن المسلمين كانوا
مستضعفين فلا دولة ولا مغانم فما كان يدخل في الإسلام إلا من أخلص لله تعالى لا
يخشى قوة فيصانعها، ولا يرجو منافع لينالها، بل إن الدعوة في مكة مطاردة،
وأتباعها مضطهدون يعذبون بأنواع التعذيب من المشركين لذلك لم يكن إلا إيمان خالص
أو كفر صريح، أما بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تغير الحال وأصبح
الإسلام قوة تخشى واشتبك المسلمون مع عدوهم في قتال كان لهم النصر من الله تعالى
في بدر وما بعد بدر، فدخل المنافقون في الإسلام ظاهراً لمصالح عاجلة. قدروها في
أنفسهم تفوت في نظرهم لو لم يتظاهروا بالإسلام، حتى قال عبد الله ابن أُبي بعد
بدر:" هنا أمر قد توجه "، فبايع وأسلم هو ومن معه من المشركين، ومن ثم
نشأ النفاق في المدينة، ووجدت هذه الطائفة ظاهرها مع الإسلام والمسلمين وباطنها
مع الكافرين. |
|
صفات المنافقـين : |
|
لقد هتك الله أستار المنافقين، وكشف أسرارهم، وأظهر مخبوء
صدورهم، وأخرج أضغانهم وجلى
أمرهم لعباده المؤمنين لعظم ضررهم وشدة البلية بهم ليحذروهم، ولألا يتلبسوا ببعض صفاتهم وأنزل فيهم قرآناً يتلى، حتى
لتكاد الأصابع أن تشير إلى هذا النموذج المكرور{وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ
فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}
وفي سورة التوبة من صفاتهم العجب حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما:"
مازالت تنزل وصفهم حتى ظننا أنه لا يبقى منا أحد إلا ذكر فيها "رواه أبو
عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ. |
|
الكذب :
|
|
الكذب هو السمة الظاهرة، والميزة الغلبة على أعمال
المنافقين، وهذا الخلق الذميم اختلط باللحم والدم والعصب منهم، وحل في سويداء
قلوبهم، فهو شعار أعمالهم ودثارها وهو الذي جرهم إلى الفجور والآثام، فهم كاذبون
مع ربهم، وكاذبون مع المؤمنين وكاذبون في الدنيا والآخرة، وكاذبون مع الكافرين
وكاذبون مع أنفسهم. أما كذبهم مع ربهم فهو أنهم يعاملون الله تعالى معاملة
المخادع لا معاملة المخلص، معاملة الكاذب لا معاملة الصادق، يعملون العمل والشك
يأكل قلوبهم، ويقومون بأفعال الخير والمرض مستول على أفئدتهم، يسيرون إلى الله
تعالى على حرف الطريق فما أن تقع أرجلهم على حرف الطريق حتى تخرج قال الله
تعالى:{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أي يظهرون
الإيمان بألسنتهم ويعتقدون الكفر بقلوبهم ظانين أن ذلك هو الكياسة والفطنة، وأن عملهم هذا نافعهم عند الله، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض
المؤمنين، ولو علموا أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً
وأنه يعلم السر وأخفى لو علموا ذلك لكان هذا مزدجراً لهم عن مخادعة الله عز وجل،
فإن العاقل يأنف أن يخادع مخلوقاً مثله إذا علم أن لديه من العلم ما يعرف به
خداعه، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة، فقههم وعلمهم وعزوب
عقولهم يظنون أن أمرهم على السداد، وأنهم سالكون سبيل الرشاد، فهذه الصلاة أشرف
الأعمال وأفضلها إذا قاموا إليها قاموا كسالى متثاقلين كارهين، متباطئين، لأنهم
كذبة في معاملة ربهم لا رغبة لهم فيها، ولا خشوع ولا يعقلون معناها، فلا أثر
للصلاة عليهم بالبعد عن الفحشاء والمنكر، لا يقومون بأفعال
الصلاة إلا كما يقومون بالتمارين الرياضية المحضة،
ولذلك كانت صلاة المنافقين جسداً بلا روح، ميتة بلا معنى قال الله تعالى:{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى}
هذه صفة ظاهرهم، وصفة باطنهم {يُرَاؤُونَ النَّاس}
أي لا إخلاص لهم، وإنما يشهدون الناس تقية ومصانعة، فالصلاة عليهم ثقيلة، وفي
الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"
أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما
ولو حبواً " وقوله تعالى:{وَلا
يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي في صلاتهم لا يخشون، ولا
يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون
غافلون، وإذا كان ذكرهم في الصلاة قليلاً وهي موطن استحضار القلب وكثرة الذكر
ففي غير الصلاة لا يذكرون الله تعالى إلا نادراً كأن تصيبهم مصيبة أو يقعوا في هلكة، وقد روى مسلم وغيره عن انس بن مالك رضي الله عنه قال
: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" تلك صلاة
المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يجلس يرقب
الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا
قليلاً " وإذا كان هذا فعله في صلاة العصر أو الصبح فغيرها من باب
أولى. |
|
وحال المنافقين في الصلاة
تبعث الوجل في القلب، والإشفاق من لوثة النفاق أن يكون المسلم مفرطاً في صلاته
أو ساهياً غافلاً، فمن أراد النجاة والقبول فليحاسب نفسه، وليزن عمله قبل أن
يحصل ما في الصدور، وتبلى السرائر. |
|
والزكاة قرينة الصلاة، لا يبذلها المنافقون بسخاوة نفس، وسماحة عطاء، بل يؤدونها بتثاقل وكراهة،
وانقباض قال تعالى:{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ
تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ
وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا
يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} وهذا حالهم في ركنين عظيمين
من الإسلام فما بالك بغير ذلك، ألا ما أكذب معاملتهم لربهم، وجدير بالقلب أن
يكون فعله كاذباً، وحق للقلب المريض أن يكون عمله مريضاً قال تعالى:{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} في قلوبهم مرض
أي شك ونفاق {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاًً}
أي ضلالاً إلى ضلالهم ، وشكاً إلى شكهم كما قال تعالى:{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ
أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ
يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ
رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} والجزاء من
جنس العمل شرعاً وقدراً فالمؤمنون لاهتدائهم واستقامتهم يزيدهم
الله هدى كما قال تعالى:{َالَّذِينَ اهْتَدَوْا
زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}
والمنافقون يخادعون الله تعالى وهو خادعهم ومن أثر خداع الله أن يستدرجهم في
طغيانهم وضلالهم ويخذلهم عن الوصول إلى الحق ويكلهم إلى أنفسهم، حتى يتردوا في الهلكات في الدنيا والآخرة. ولكذبهم مع ربهم تراهم جبناء في
النزال، قاعدين عن القتال، قد خلع الجبن قلوبهم فتلمسوا المعاذير في تخلفهم عن
الجهاد، ونكصوا عن نصرة الإسلام، واجتذبوا من أصغى
إليهم وثبطوه عن حماية الدين، كما قال تعالى :{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ
إِلاَّ قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ
إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ
حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ
اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} فأنت ترى من هذه الآية أنهم يثبطون المؤمنين عن
القتال ويدعونهم لترك الإشتراك في الجهاد، وأنهم لا
يباشرون القتال إن حضروه إلا قليلاً خشية الذم والتعبير، وأنهم يبخلون بمعاونة
المؤمنين بالنفس أو المال وأنه إذا جاءت الحب خفتت منهم الأصوات، وحفزتهم الأنفاس
ودارت منهم الحدقات، كمن نزل به الموت فهو منه في غشية بعد غشية، فإذا علموا أن
الخوف ارتفع والشدة زالت انطلقت منهم الألسن السليطة تفتك بأعراض المؤمنين ويقول
تعالى:{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا
نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا
الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ
مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً
لَهُمْ} ولا ينتظر من كاذب مع ربه أن يقدم نفسه أو ماله لنصرة دين
الله تعالى، إنما يكون بذل النفس والمال من صادق مع ربه، مخلص في إيمانه ولهذا
قال تعالى:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا
مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ
يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} وقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} وقد جاء في
الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هـريـرة: " من مات
ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ". |
|
وأما كذبهم مع المؤمنين فهو
إظهارهم محبتهم ومودتهم، وهم في الباطن عدو لهم، وحرب عليهم يتربصون بهم
الدوائر، ويبلغونهم الغوائل، يشجون عليهم أن ينفقوا معهم قبضة، أو يضربوا معهم
بسوط، لأنهم لا يريدون للإسلام نصرة، ولا لحزب الله رفعة، قال تعالى:{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا
خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ
يَعْمَهُونَ} وقوله تعالى: {وَإِذَا
لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} يفيد أنهم كانوا يتجنبون
مجالسة المؤمنين كثيراً، لأنهم لا يأنسون بهم، ولكن إذا جمعهم مكان أو التقوا في
طريق على وجه الندرة، قَالُوا آمَنَّا}
{وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ}
يفيد أنهم مدفوعون بالرغبة إلى مجالسة شياطينهم وهم اليهود، وأن الأنس والفرح قد
تملك قلوبهم، فالإنسان لا يخلو إلا بمن يأنس به وفي غمرة الأنس يبوحون بمخبوء
ضمائرهم {إِنَّا مَعَكُمْ} في الباطل
والحقيقة {ِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}
بهؤلاء السفهاء، لنقف على أخبارهم، ونقضي ما عسى أن يكون من شرهم، وكما إن يحكي
القرآن الكريم فعلهم وقولهم حتى يصب عليهم الوعيد المخيف {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي
طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} وما أشقى من استهزأ الله به، إنه لا يفلت
من العقوبة ولا ينجو من الأخذ والهلكة. وقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:" وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه
وهؤلاء بوجه ". |
|
رضوا بهذه الحال المهينة، وهذه
الصفة الوضيعة، رضوا بالذبذبة والإضطراب بين حزب
المؤمنين، وحزب الكافرين، ليسوا مع أحد الفريقين ظاهراً وباطناً، قال تعالى:{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى
هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي متحيرين بين
الإيمان والكفر فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا مع الكافرين ظاهراً
وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، فلا يستقر لهم حال،
أعاذنا الله من النفاق. وقد روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:" مثل
المنافق كمثل الشاة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة،
وإلى هذه مرة، ولا تدري أيهما تتبع " والعائرة المترددة من عارت الشاة
بين الفحلين إذا ترددت لا تدري أيهما ينزو عليها،
وروى الإمام أحمد بعض لفظه ومعناه من حديث ابن عمر، وما دفعهم إلى هذا الطريق
المظلم، وهذا المسلك الوضيع إلا مصلحتهم الذاتية ومآربهم الدنية، ومرض قلوبهم
فكروا وقدروا أنهم إن اتبعوا داعي الإيمان ظاهراً وباطناً فقد يكون حظه الفشل
والخذلان، وإن اتبعوا أعداء الإسلام ظاهراً وباطناً فقد تكون العاقبة لأهل
الإيمان، فاتخذوا صفة المراوغة والمخاتلة والغدر والدس، شأن النفس الضعيفة
الحقيرة قال تعالى:{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا
قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا} أي
انتهكوا في الفتنة والضلالة وأوغلوا فيها، ويقول تعالى:{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ
فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ
لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
وقوله تعالى:{أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ}
أي توليناكم وناصرناكم وخذلنا المؤمنين عن قتالكم فإذا انكشف بعض أمرهم وظهر
شيء، من خداعهم ومكرهم، وتناقلت الألسن بعض عوار
كلامهم لجوا في الأيمان الكاذبة، وفزعوا إلى الحلف المتتابع ليدفعوا عن أنفسهم
ما به يفتضحون وما به تحل بهم العقوبة كما قال تعالى:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا
كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ} {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا
عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} { وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ
مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} فهم يكثرون الحلف لأنهم
فقدوا الثقة في أنفسهم فعلموا أنهم كاذبون فأرادوا أن يعوضوا تلك الثقة
المفقودة، ويغطوا كذبهم بالأيمان الكاذبة، ويلبسوا على الناس هذا الكذب. |
|
إن شأن اليمين كبير، فهي تعظيم لله تعالى، لا تكون إلا
لأغراض عالية كقطع النزاع بين المتخاصمين وتأكيد الأخبار الصحيحة، ولكن
المنافقين اتخذوها وقاية لهم من انكشاف حالهم، وفضيحة أمرهم فهان عليهم اسم الله
تعالى، ونزع خوف الله وتعظيمه من قلوبهم كما قال تعالى:{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} والعجب كل العجب
أن الوقت الذي تبعثر فيه القبور، ويقوم الناس لرب العالمين، تتجلى للكافرين
الحقائق لا يمترون فيها فيقولون فيما ذكر الله عنهم {قَدْ
جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ
شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا
نَعْمَلُ} ويقول تعالى:{وَلَوْ تَرَى
إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا
أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ}
أما المنافقون فإنهم في هذا الوقت لا يزالون في ريبهم يترددون ويحلفون لله تعالى
كذباً أنهم كانوا طائعين ظانين أن ذلك نافعهم كما كان الحال في الدنيا قال تعالى:{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ
كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ
هُمُ الْكَاذِبُونَ} فهم كاذبون في الدنيا والآخرة. وهم كاذبون حتى
مع أوليائهم الكافرين إن وعدوهم لم يفوا، وإن ضاقت بهم الأمور تخلوا عنهم كما
قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا
يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ
أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ
فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ
مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ}
وهم يعلمون من أنفسهم أنهم كاذبون قال
تعالى:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} أي كاذبون
في اعتقادهم وفي أنفسهم. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أربع من كن فيه كان منافقاً ومن كانت فيه خصلة منهن
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر
وإذا عاهد غدر "، وخرجاه في الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال:" آية المنافق ثلاث
إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان " وفي رواية لمسلم " وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ". |
|
خلف
الوعد |
|
هذا فرع من الكذب لكنه من أخطر أنواع الكذب وأضرها بمصالح
الناس، فإن الموعود يترك مصالحة الحقيقية للمصالح المظنونة
فتفوته مصالحه كلها، ويذهب وقته بلا عوض وتضيع حقوق العباد المنوطة
بالموعود، وخلف الوعد يزرع العداوة والبغضاء والحقد، ويؤدي إلى الإنتقام وإثارة الفتن، وينزع الثقة والصدق من صاحبه وما
أكثر هذا الخلق البغيض من الكثرة الكاثرة من أرباب
الوظائف المتولين أمور الناس، فهم يعدون ولا يوفون، ويقولون ولا يفعلون،
فالمواعيد عندهم لا تنتهي حتى تبدأ، وقد يموت من يبتلى بهم وحاجته في صدره فتموت
معه، وخلف الوعد على نوعين أحدهما أن يعد ومن نيته
ألا يفي بوعده وهذا أشر الخلق ولو قال أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته ألا
يفعل كان كذباً وخلفاً. |
|
الثاني أن يعد ومن نيته أن يبدو له فيخلف من غير عذر له
وكلا الأمرين من كبائر الإثم، وخلق من أخلاق النفاق قال الله تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ
فَضْلِهِ لنصدقكن وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا
أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ}. |
|
ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: "
وإذا خاصم فجر " أي خرج عن الحق عامداً، وفي سنن أبي داود عن ابن
عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من خاصم
في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع " وفي رواية له أيضاً :" ومن أعان على خصومة
بظلم فقد باء بغضب من الله " ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: " وإذا عاهد غدر "
أي نقض العهد والعقد والمواثيق التي تراضى عليها العباد واشتملت على مصالحهم
والله تعالى وصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون، والمنافق لا هم له إلا
مصلحته الذاتية فإذا لاحت له نقض للوصول إليها العهود، والمواثيق، وداس الأخلاق
وتخطى الحواجز والموانع، هذه معاملتهم للخلق وتلك معاملتهم للخالق سبحانه. |
|
نبذهم
اـوحي |
|
لقد وصف الله المؤمنين بأنهم يخضعون باطناً وظاهراً لكتاب
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأنهم يستجيبون لما دعاهم إليه ربهم قال
تعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ
إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} لأن الله
تعالى أمرهم بذلك في قوله:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ
فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}
فعند التنازع والإختلاف توزن الأمور بميزان الوحي
الذي لا يخيس شعيرة، ومن ثم يرضى المؤمنون ويظهر
الحق، وتستبين الجادة، وحال المنافق بخلاف هذه الحال إذا دعوا إلى الله ورسوله
ليفصل بينهم في المنازعات، ويهديهم من الضلالات، ويخرجهم من الظلمات أعرضوا
إعراض المستكبرين وإن كان له نفع وحق طلبوه بحكم الله وأقبلوا خاضعين كما قال
تعالى:{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ
الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} فلن يضر الله إعراضهم ولن
ينفعهم ما وافق أهوائهم، وقد نفى الله الإيمان عمن هذه صفته في قوله:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ
آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ
يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ
الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ
مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} فهذه الآيات تبين
صفة المنافقين في التحاكم، وفي تقاضي الحقوق، وفي
مرجعهم في التنازع فأنت ترى أن طريقتهم مزدوجة مرة إلى الطاغوت، ومرة إلى الوحي،
ولكنّ تحاكمهم كثيراً ما يكون إلى الطاغوت وهو الباطل من الكهان أو يهود أو حكم
الجاهلية، وقليلاً ما يكون تحاكمهم إلى الوحي كما ذكر الله ذلك بإن الدالة على التقليل في قوله:{وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}
وكما ذكر الله تعالى في قوله:{إِذَا أَصَابَتْهُمْ
مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} فهذا يفيد أنهم
يقدمون التحاكم إلى الطاغوت، ولا يتحاكمون إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا عضتهم الشدائد، وأحاطت بهم المصائب وفي أثناء
الحكومة يعتذرون من سوء صنيعهم وعدولهم عن كتاب الله وسنة رسوله بالحلف إننا ما
أردنا إلا الخير والمداراة والمصانعة هذا حالهم في التحاكم
وتلك حالهم في الولاء، والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض أي متشابهون وإن
تراخى الزمان وبعدت المسافة، فمنافقوا زماننا أغلظ
نفاقاً من المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنافقوا
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرجعون إلى حكم الله في المصائب،
ويتحاكمون إلى الوحي في بعض الأوقات، ومنافقوا زماننا
لا يتحاكمون إلى الوحي لا في المصيبة ولا في العافية فيا مسلم سلم فالمنافقون
متشابهون إذا قال مؤمن: شريعة الله هي أولى بعباد الله في حكم ما بينهم وفصل
خصوماتهم، وإصلاح حياتهم قال المنافقون: هذا إذا كان المواطنون مسلمين أما الآن
فإن تحكيم الشريعة يثير حساسية الأقليات غير المسلمة ويعرض البلاد للإنقسام الطائفي، ولكن نوفق بين الشريعة والقانون الوضعي
فيكون هناك محاكم شرعية ومحاكم قانونية وضعية {أَلا
فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} ونسوا أن الأقليات غير المسلمة لم تتفيأ ظلال العدل إلا في حكم الإسلام ولم تعرف الحياة
الآمنة إلا في عهده. وإذا قيل تعالوا لمذهب سلف الأمة من سادات
العارفين واسمعوا ما قال الله تعالى وقال رسوله صلى الله عليه وسلم قال
المنافقون: هذه ظواهر لفظية لا تفيد اليقين وهذه أحاديث آحاد لا تثمر القطع ولا
يعمل بها في العقيدة، والسلف لم يكونوا متبحرين في العلوم، ولم يحرروا المسائل
الكلامية، ويؤصلوا القواعد، ويدققوا
النظر فقد كانوا مشتغلين بالأوامر تاركين النواهي، ونحن نريد أن نوفق بين
القواعد العقلية والنصوص الشرعية، وإذا قيل: المسلم مأمور بترك التعصب المذهبي
والرجوع عند اختلاف الأئمة رحمهم الله تعالى إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وآله وسلم.فما شهد له الدليل يؤخذ به ويعمل به وما لا
دليل عليه يطرح إذا قيل هذا رأيت الصدود والإعراض والرجوع إلى ما أنزل الله هو
كتاب الله والرجوع إلى الرسول هو الرجوع إلى سنته بعد وفاته. |
|
موالاتهم للكافرين : |
|
أصل الولاء هو المحبة وأصل العداوة البغض والمنافقون يحبون
الكفار ويبغضون المؤمنين ولذلك يتخذونهم أولياء من دون المؤمنين، فيعاشرون
الكفار ويصادقونهم ويصافونهم ويودونهم، مرة لأنهم
يريدون ارتفاع المنزلة والمكانة، وتعزيز أمرهم أمام الناس، فهم يلوذون بالكافرين
ظانين أنهم يملكون شيئاً من الرفع
والخفض بما عندهم من مال وأسباب، ولو كانت قلوبهم سليمة من المرض لعلموا أن مالك
العزة رب العزة وأنها لا تنال إلا بطاعته قال تعالى:{بشر المنافقين بأن لهم عذاباً
أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن
العزة لله جميعاً} وحيناً يوادون الكفار طمعاً وأملاً
في أن يصرفوا عنهم المكاره، وأن يكونوا في صفهم عندما
تدور الدوائر، وتختلف الأحوال قال تعالى:{فَتَرَى
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ
تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ
مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}
فهم عندما يرون حال الإسلام في ضعف والكفر ظاهر في الأرض يقفون مع شهود الأسباب
الظاهرة ويظنون بالله ظن السوء، يظنون إن إدالة الكفر
إدالة مستقرة، وأن أمر الإسلام مضمحل ولذلك يسارعون
في تولي الكافرين فرد عليهم ظن السوء الذي أسروه بقوله:{فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ
مِنْ عِنْدِهِ} وعسى من الله تعالى وعد لا يتخلف والفتح ظهور
المسلمين على الكافرين، وأمر الله تعالى كل ما يندفع به شر الكافرين لصالح
الإسلام والمسلمين مما لا صنع فيه وهناك يندم المنافقون على ما في أنفسهم، تتغير
الموازين، وتبطل الأسباب التي تخيلوها قال تعالى:{وَاللَّهُ
غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}. |
|
أخرج ابن جرير والبيهقي في
الدلائل وغيرهما عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول
الله صلى الله عليه وسلم:"إني أبرأ إلى الله
ورسوله من بني قينقاع" وذلك بعد غدرهم
وأخرج بن مردويه عن ابن عباس أن عبد الله بن أبي قال:"
إني أخاف الدوائر .." فهذا
هو المسارعة في توليهم. |
|
قول المنافق وعمله : |
|
المنافق يعجبك قوله، ويسوؤك عمله، قوله قول الصالحين وعمله
عمل المفسدين قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا
فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ
لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ
الْفَسَادَ} فإذا تكلم أظهر الفصاحة وأكد كلامه بأن الله يشهد أنه
صادق كأن يقول: ربي يطلع على الضمائر والخفايا وأن ما أقوله حق فيغير سامعه
بمعسول قوله، وهو أبعد الناس عن العمل بما يقول، {وَهُوَ
أَلَدُّ الْخِصَامِ} شد الخصومة من لجوج
في الباطل، وإذا ذكر بالله تعالى ليكف عن فعله وإفساده حملته الأنفة والحمية على
الإثم ضراراً وتمادياً {وَإِذَا
قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ
جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} قال ابن
القيم رحمه الله تعالى:" أحسن الناس أجساماً وأخلبهم لساناً،وألطفهم بياناً، وأخنثهم قلوباً، وأضعفهم جناناً، فهم
كالخشب المسندة التي لا ثمر لها قد قلعت من مغارسها
فتساندت إلى حائط يقيمها لألا يطأها السالكون " {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا
تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ
صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ} ؟ |
|
تشابه المنافقين : |
|
المنافقون متشابهون في الباطل
فأفعالهم متماثلة في السعي بالفساد والصد عن سبيل الله وإن تراخى الزمان وبعدت
المسافة قال تعالى:{الْمُنَافِقُونَ
وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} ومعنى
قوله تعالى:{بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ}
متفقون في الفعل يشبه آخرهم أولهم ويماثل بعضهم بعضاً
يحسبون المنكر حتى يصوروه بصورة المعروف فيقولون عن الخمر إنها المشروب الروحي،
وإنها تشحذ الذهن وتكسب القوة، وتحدث نشوة وفرحاً. وعن الدخان : إنه يزيل الهم،
ويدخل السرور على القلب، ويجلب صفاء الذهن ويعين على السهو، وعن الربا إنه ضرورة
اقتصادية، ومعاملة عالمية، وعن السكوت عن المنكر إنه مصانعة ومداراة للناس وحسن
خلق وعن من يخالط الفجار والأبرار بلا إنكار للمنكر إنه أحبى،
وينهون عن المعروف فيقولون عن الجهاد في سبيل الله إنه يصم المسلمين بالتعصب
ويؤلب عليهم الدول الكبرى، ويهدد مصالح البلاد، وعن الإسلام عامة : إنه قيود
ثقيلة وتكاليف شاقة على الإنسان تولد فيه العقد النفسية فهم يحسنون المعصية
ويقبحون الطاعة قاتلهم الله أنى يؤفكون ؟. |
|
ولعلك قائل: إن صفات المنافقين قد زادت على ما صح عن رسول
الله من أن خصال النفاق الكذبُ وخلف الوعد والفجور في الخصومة والغدر فيقال لك
إن ما ظننته زائداً داخل في الكذب فإن الكذب هو الذي
جرهم إلى الفجور كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال:" عليكم بالصدق فإن الصدق
يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى
يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي
إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ". |
|
وعن الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر: إنه يجر على القائم به معاداة الناس وكراهيتهم، ويجلب الأذية لصاحبه،
وخير منه المجاملة والمداهنة وهلم جراً. |
|
اجتماع النفـاق والإيمان : |
|
قد يجتمع الإيمان والنفاق العملي في العبد فيكون مؤمناً بما
معه من حقيقة الإيمان منافقاً بما فعل من الأعمال فقد روى الإمام أحمد بسند جيد
من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:" القلوب أربعة قلب أجرد
فيه مثل السراج يزهر وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس،وقلب مصفح فأما القلب الأجرد
فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب
الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب الخالص عرف ثم أنكر،
وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة
يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت
عليه " وقوله أجرد متجرد مما سوى الله ورسوله فأحب الحق وآثره
والقلب الأغلف الداخل في غلافه وغشائه والقلب المنكوس المنكب كالإناء المنكوس
على وجهه فلا يصل داخله هدى، والقلب المصفح المائل فيه إيمان ونفاق. |