طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

من مشاهد الإعجاز النفسي  في القرآن الكريم

لفضيلة الدكتور علي البدري 

الأستاذ المشارك بكلية اللغة العربية

 

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً. والصلاة والسلام على خاتم المرسلين الذي أوتي الكتاب ومثله معه. وبعد ...

فإن القرآن الكريم كتاب الله تعالى. كتاب خالد. وحجة دامغة. وحكمة بالغة. ومعجزة متجددة. ما بقي الجديدان. تعهد الله تعالى بحفظه فقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[1] على حين أن التوراة والإنجيل لم يحظيا بمثل هذه الرعاية الإلهية وترك شأنهما لأمانة أهل الكتاب.

فخانوهما. وحرفوهما. قال تعالى:{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}[2]. والقرآن الكريم كتاب أنزله الله تعالى. ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد [3].

ودعا أهل الكتاب إلى الحق فقال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[4].

هذا ولا يختلف منصفان اثنان سواء منهم في ذلك من شرح الله صدره للإسلام. ومن  جعل على بصره غشاوة. في هذه الحقيقة الواقعة " إعجاز القرآن " [5].

والقرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً. يعرض على دنيا الناس آيات التحدي. في قوله تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[6] .

وقوله جل في علاه:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[7].

وقوله سبحانه وتعالى:{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}[8].

وقال عز شأنه:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[9]. ثم أعلن القرآن الكريم للناس هذه الآية الكريمة:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}[10].

هذه آيات التحدي. يتلوها الناس منذ فجر الإسلام. لقد قرعت آذان الجاحدين مرات ومرات. وعجزوا وما يزالون وسيظلون عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن الكريم. أو بمثل عشر سور فقط. أو بمثل سورة واحدة. ودون ذلك خرط القتاد. وذلك أمل بعيد المنال والسورة القصيرة الواحدة ونحوها من الآيات فوق طاقة البشر مهما بذلوا في ذلك من حيلة.

ومما ينبغي أن يعرفه الناس. أن إعجاز القرآن الكريم ليس في ألفاظ أو معانيه فحسب. وإنما جوهر الإعجاز في خصائص في نظم القرآن وراء ألفاظه ومعانيه [11]. وذلك فوق طاقة الإنس والجن مجتمعين أو متفرقين. ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

وعلى الرغم من أن جوانب إعجاز القرآن الكريم كثيرة أوضحها نظمه الفريد. الذي يقول عنه الزمخشري: " وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حداً يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره "[12].

فإن هناك جانباً هاماً في الإعجاز وهو صنيعه النفوس المستعدة لمعرفة الحكمة وفصل الخطاب. فلا يسمع المرء كلاماً. يخلص إلى النفس كما يخلص القرآن الكريم إليها. فتحس بروعته وحلاوته. وعظمته ومهابته. وتأمل قوله تعالى:

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}[13]. وإذا تأملت النفس المؤمنة آيات من كتاب الله تعالى. ازدادت إيماناً. وتأمل قوله تعالى:

س ِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}[14].

والقرآن الكريم تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[15].

وإذا تحدث عن الوعيد. عادت النفوس من مرتاعة قد علاها الوجيب وتغشاها القلق والفرق.!! لقد حال القرآن الكريم بين كثير من النفوس ومضمراتها أيام الجهالة والجحود. فكم من عدو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. من صعاليك العرب وفتاكها. أقبلوا يريدون اغتياله! فإذا بهم يسمعون آيات من الذكر الحكيم فيقول قائلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا رسول الله لقد كان وجهك أبغض الوجوه إليّ. وكان دينك أبغض الأديان إليّ. فوالله لقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ. وأضحى دينك أحب الدين إليّ ". [16] ( من حديث ثمامة بن أثان ).

وهكذا تصبح عداوتهم موالاة. ويضحي كفرهم إيماناً. إنه صنيع الوحي الإلهي في نفوس البشر. وذلك مالا يتوفر لأي كتاب سوى القرآن الكريم ونظمه الفريد [17]، وتلك دلائل شاهدات على الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.

وإذا أمكن أن نشير بإيجاز إلى بعض الذين ملك القرآن عليهم أقطار نفوسهم. وذلك على سبيل المثال لا الحصر – فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

لقد خرج يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصل إلى قلبه آيات من سورة طه فتحييه بعد موات. وتضيئه بعد إظلام. فلا يلبث أن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويضحي الفاروق رضي الله عنه أعظم نفسية إنسانية يقتدي المسلمون بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد الصديق رضي الله عنه. إنه صنيع القرآن الكريم في النفوس الطّاهرة. وإنه الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.

وأنيس الغفاري شقيق أبي ذر رضي الله عنهما يقول:" إن الناس يتهمون محمداً صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والشعر والجنون. !! وتالله لو وضعت القرآن الكريم على أقراء الشعر ( قوافيه ) فما التأم على إحداها. وهو ليس من أقاويل الكهنة. وإنه لصادق وإنهم لكاذبون ".

وتلك شهادة نفسية بما للقرآن الكريم من تأثير على النفوس التي شرح الله صدرها للإسلام.

وهذا الوليد بن عقبة يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يتلو قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[18]. فيقول:" إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمعرق وإن أعلاه لمثمر ثم أتبع هذا بقوله: وما يقول هذا بشر" [19].

ومثل هذا القول لا يقوله إلا رجل خالط القرآن الكريم أعماق نفسه وذلك من شواهد الإعجاز النفسي في القرآن الكريم. أما تأثر الذين ختم الله على قلوبهم ... فقد كان واضحاً أيضاً.

فهذا عتبة بن ربيعة يستقدم سلاح الإغراء ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيذهب إليه متحدثاً بلسان قريش كلها. وقبله قال له عمه أبو طالب:" يا ابن أخي أبق عليّ وعلى نفسك. ولا تحملني من الأمر مالا أطيق "!!

فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ".

وفي موقف آخر يقبل النبي صلى الله عليه وسلم مباهلة النصارى لأنه يحمل نفساً كريمة واثقة من نصر الله تعالى. ولكنهم يتراجعون [20]. ومع هذا الاطمئنان النفسي بنجاح الدعوة الإسلامية في مكة أو في المدينة. فلقد جاء عتبة هذا في مكة يقول للنبي صلى الله عليه وسلم:" يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت. وقد أتيت قومك بدين جديد فرقت به وحدتهم وشتَّت به ألفتهم. وسفهت أحلامهم وعبت آباءهم. فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها ... !!

إن كنت تريد بهذا الأمر ( الإسلام ) مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي لديك رئياً من الجن بذلنا لك الطب حتى يبرأ، أو لعل شعر جاش في صدرك فإنكم يا بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا نقدر عليه "[21].

وهكذا يكون الإغراء بالمال والجاه والسيادة. {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}[22] ولكن عتبة هذا لم يلبث إلا قليلاً حتى سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم من صدر سورة فصلت إلى  قوله تعالى:{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}[23]. وإذا بالرجل يلقي يديه خلف ظهره ويصفر لونه. وتأخذ الآيات عقله ولبه فيصيبه الأعيان. ويذهب إلى جماعة الكفر متثاقلاً. لا يستطيع المشي. فيقول لهم :

" يا معشر قريش. أطيعوني هذه المرة واعصوني فيما سواها. خلوا بين الرجل وما هو فيه. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم. وإن ظهر عليكم. فهو منكم. وملكه ملككم. وكنتم أسعد الناس. لقد سمعت من كلامه ما ليس شعراً ولا سحراً ولا كهانة. ثم قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم ".

ولم يلبث القوم أن اتهموه بالوقوع في سحر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ولكنهم قالوا: لقد عاد عتبة بغير الوجه الذي ذهب به إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ).

إنه التأثير النفسي بالقرآن الكريم. وذلك من سمات الإعجاز النفسي في كتاب الله عز وجل.

وفي بيعتي العقبة الأولى والثانية. سمع الأنصار آيات من كتاب الله تعالى فأشرقت بها نفوسهم - بعد ظلام – فعادوا إلى المدينة المنورة ( يثرب آنئذ ) فنشروا فيها الإيمان حتى قال الكثيرون: فتحت الأمصار بالسيوف وفتحت المدينة المنورة بالقرآن.

وذلك من أوضح الدلائل على الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.

وهذا هو الوليد بن المغيرة، يسمع القرآن الكريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:" لقد سمعت من محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو وما يعلى عليه ". إن هذا الوصف الجيد ليدل دلالة بالغة على مدى إحساسه النفسي بروعة القرآن الكريم. وهذا لا يتنافى مع كفره لأنه قد كفر عن علم. قال تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}[24].

إن الوليد بن المغيرة على الرغم من إحساسه النفسي بوحي السماء، اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر. وقال عنه:" هو شيء يكون ببابل من حذقه فرق به بين الرجل وامرأته وبين الرجل وأخيه ... وهكذا فرق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بين فلان وزوجته وبين فلان وأقاربه ". وراح يعدد ... ببصيرة عمياء. وقد رد الله تعالى هذا الكفور بأن يصليه سقر التي لا تبقي ولا تذر[25].

ومهما يكن من شيء، فتأثر الوليد بالقرآن الكريم لا شك فيه. وهو أثر من الإعجاز النفسي للقرآن الكريم والفضل ما شهدت به الأعداء.

إن الوليد قال للناس:" يا معشر قريش، ما رجل منكم أعلم بالشعر ولا برجزه ولا بقصيدة. والله ما يشبه كلام محمد شيئاً من هذا. وأنتم تزعمون أنه شاعر مجنون. فهل رأيتموه يخنق؟ وتزعمون أنه كاهن !! فهل جربتم عليه كهانة قط "؟ لقد عاش بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وخمسين عاماً أربعون منها قبل النبوة وثلاثة عشر عاماً بعدها.

فكيف يتأتى لأمثال هؤلاء المعتوهين أن يقولوا فيه ما قالوا ؟!! إنه الحقد وعمى البصيرة.

{وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}[26]. وهذا الرجلان هما الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي والقريتان مكة والطائف[27] إن تأثر الوليد هذا من أوضح دلائل الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.

وإن الجن حينما سمعوا القرآن الكريم لم يلبثوا أن قالوا:ما حكاه عنهم القرآن الكريم:{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً. وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً}[28] .

إن القرآن الكريم يضيء ظلمات القلوب. ما لم يكن أصحابها من المغضوب عليهم أو من الضالين[29] فهؤلاء قد بين الله تعالى شأنهم بقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}. وإذا سألت عن سر استواء الإيمان وعدمه عندهم؟ فالجواب قوله تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وإذا سألت عن سر هذا الختم المهلك للدنيا وللآخرة معاً؟ فالجواب قوله تعالى:{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}[30]. وتلك حال النفوس العمياء الصماء. وهي نفوس أكثر أهل الأرض قال تعالى:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}[31] أما النفوس السوية فإن القرآن الكريم يحييها بعد أن كانت متينة ويضيئها بعد أن كانت مظلمة. قال تعالى:

{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[32]. وقال عز شأنه:{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم}.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى آثاره في نفوس بعض رهبان النصارى، وقسيسيهم في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}[33]. وهذا لسماعهم بضع آيات من كتاب الله عز وجل. ولك أن تتأمل الآيات الكريمة الآتية :

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}[34] .

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا}[35].

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}[36] .

ويستطيع كل مسلم إذا تأمل القرآن الكريم أن يشعر بطمأنينة النفس قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[37] .

إن القرآن الكريم يشعر النفس بنعمة الرضا بقضاء الله وقدره [38] ويملؤها بكل معاني الخير [39] وهو علاج نفسي يغني عن جميع عقاقير الأطباء، الذين يسمون أنفسهم أطباء نفسيين وهم أحوج الناس إلى علاج نفوسهم. ومن عاش مع القرآن الكريم، عاش هادئ النفس مطمئن السريرة [40]. عاش في كنف الله تعالى يستشعر إيجابية صفات الله تعالى، وفاعليتها في الكون والحياة. فإذا أصابه سوء، واضطرته ظروفه إلى الضيق لجأ إلى ربه الذي يتولاه. وتذكر قوله تعالى:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}[41] وقوله تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}[42] وقوله تعالى:{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}[43] وقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء}[44] وقوله جل علاه:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[45] وقوله عز وجل:{إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}[46] وقوله تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}[47] وقوله تعالى:{مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}[48] وقوله عز شأنه:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}[49] وقوله سبحانه:{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ }[50] وقوله تعالى:{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.

ومن هالة الصراع المستمر منذ فجر التاريخ إلى اليوم وإلى الأبد بين الحق والباطل فعليه أن يتذكر قوله تعالى:{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ}[51] .

وبهذا تستريح نفسه ويوطن نفسه على استمرار هذا الصراع فيسعى إلى الجهاد بنفسه أو بماله أو بما يستطيع ! إن التفكر في معاني القرآن يشفي النفوس من أوجاعها وأسقامها. قال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً}[52] ومن تعرض للفتن فعليه أن يسلك سبيل القرآن الكريم قال تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [53]. ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن هذا القرآن مأدبة الله. فتعلموا من مأدبته ما استطعتم " [54]. ويقول جعفر الصادق:" عجبت لأربع كيف يغفلون عن أربع ( أي من الدعوات القرآنية ):

عجبت لمن مسه الضر. كيف يغفل عن قوله تعالى:{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} دعا بها أيوب فقال تعالى:{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}[55] .

وعجبت لمن يمكر به الناس. كيف يغفل عن قوله تعالى:{وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} والله تعالى يقول عقيبه:{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ}[56].

وعجبت لمن تكاثر أعداؤه كيف يغفل عن قوله تعالى:{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}. دعا بها المسلمون حين قال لهم الناس:{إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} فقال عز وجل:{فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ}[57] .

وعجبت لمن أصابه محزن. كيف يغفل عن قوله تعالى:{لا إِلَهَ إِلاَّأَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. وقد دعا بها ذو النون عليه السلام فاستجاب الله له. كما قال تعالى في كتابه الكريم: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} ولم يكن ذلك له خاصة. لأن الله تعالى يقول:{وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}[58] . وهكذا يتجلى لنا أن القرآن الكريم جوهر الطب النفسي، وأنه معجز إعجازاً نفسياً لا يماثله في هذا المجال أي كتاب في علم النفس أو في غيره. قال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} إن للقرآن الكريم تأثيراً جوهرياً في النفوس الطاهرة المطمئنة [59] . ولقد صور الشاعر الراحل هاشم الرفاعي كيف يكون القرآن الكريم راحة للنفس. لا ينفع غيره شيئاً على الإطلاق! وحتى في أحلك اللحظات. لحظات الإعدام. فيقول على لسان مظلوم حكم عليه بالإعدام فبعث برسالة إلى أبيه في ليلة التنفيذ منها قوله :

اللـيل من حـولي هـدوء  قاتـل

        والـذكريـات تمـور في وجـداني

ويشـدني ألـمي فأنـشد راحـتي

في بضـع آيـات  مـن الـقـرآن

والنفـس بيـن جـوانحي شفـافة

دب الخشـوع بهـا  فهـد كيـاني

قد عشـت أؤمـن  بالإله  ولم أذق

إلا أخـيـراً لــذة الإيـمــان

ثم يعود إلى التركيز على ما يريح النفوس ويعزيها عن فقد الحياة. على حبل المشنقة. فيولي وجهه جهة عدالة القرآن فيقول لأبيه :

هذا الـذي سطرتـه لـك  يا أبي

بعـض الذي يجـري بفـكر عـان

لكن إذا انتصـر الضيـاء  ومزقت

        بيـد الـجموع شريـعة القرصـان

فلـسوف يذكرني ويكبـر همـتي

من كان في بلـدي حليـف هـوان

وإلى لقـاء تحـت ظـل  عدالـة

قـدسـية الأحـكـام والمـيـزان

إن القرآن الكريم علاج للثكالى والمفجوعين والمرضى والمحرومين والبؤساء والمظلومين يفرون إلى ربهم بتلاوة كلماته فتكون عليهم برداً وسلاماً. والله بهم بر رحيم. يعيشون في كنفه راضين مطمئنين. شاكرين الله تعالى أن جعل لهم ألسنة رطبة بذكره على الدوام.

لقد قال بعض هؤلاء الراضين:" لو علم رجال الدنيا اللذة التي نحن فيها مع ربنا، لقاتلونا عليها بالسيوف. وما ذلك إلا بسبب الرضا النفسي الذي أسبغه عليهم كتاب الله الكريم:{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ}[60] أما المفتونون فيقول الله تعالى عنهم :{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[61] .

إن تربية المرء على هدي كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم تورثه سكينة في قلبه وطمأنينة في نفسه يشعر بحلاوتهما مادام على صلة بالقرآن[62] ولقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه:" لا يخلق عن كثرة الرد. ولا تنقضي عبره. ولا تغنى عجائبه. هو الجد ليس بالهزل. لا يشبع منه العلماء. ولا تزيع به الأهواء. ولا تلتبس به الألسنة. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا:

{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}. من قال به صدق . ومن حكم به عدل. ومن خاصم به فلج. ومن قسم به أقسط. ومن عمل به أجر. ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم !! ومن طلب الهدى في غيره أضله الله. ومن حكم بغيره قصمه الله. هو الذكر المبين. والصراط المستقيم. وحبل الله المتين. والشفاء النافع. عصمة لمن تمسك به. ونجاة لمن اتبعه. ولا يعوج فيقوم ولا يزيع فيستعتب " ا.هـ [63] .

هذا وصف نبوي كريم للقرآن الكريم – {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[64] . وإن هذا الكتاب الخالد . هو مصدر هداية المسلمين فرداً فرداً وهو سبيل إصلاح نفوس البشرية صلح أول هذه الأمة. ولن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها. به ألف الله تعالى بين قلوب المؤمنين فقال عز شأنه لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[65] .

وبه أنزل الله تعالى السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم:{فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}[66] ، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}[67] .

إن تأثيره في النفوس لمن أوضح سمات الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.

 

 

 



[1] سورة الحجر آية 9 .

[2] سورة البقرة آية 79 .

[3] سورة إبراهيم آية 1 .

[4] سورة المائدة الآيتان 5 ، 16 .

[5] التصوير الفني في القرآن للأستاذ سيد قطب ص11 .

[6] سورة الطور الآيتان 3 ، 34 .

[7] سورة هود الآيتان 3 ، 14.

[8] سورة يونس الآيتان 38، 39.

[9] سورة البقرة الآيتان 23، 24.

[10] سورة الإسراء آية 88.

[11] أنظر إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي ص 238 وما بعدها – وانظر أيضاً البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن للزملكاني تحقيق د. أحمد مطلوب و د. خديجة الحديثي ط بغداد ص53 – وانظر معاني القرآن للفراء ط دار الكتب المصرية ص19.

[12] الكشاف جـ2 ص473 وانظر إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة منير سلطان ط الأسكندرية سنة 1397هـ/ 1977م ص176.

[13] سورة الزمر آية 23 .

[14] سورة الأنفال آية 2 .

[15] سورة فصلت آية 42 .

[16] من هدي النبوة للأستاذ الشرباصي الحسنين ط القاهرة ص76 .

[17] إعجاز القرآن ... لعبد الكريم الخطيب ص234 ط سنة 1394هـ وانظر فكرة النظم بين وجوه الإعجاز ... للدكتور فتحي أحمد عامر ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

[18] سورة النحل آية 90 .

[19] الرسالة الشافية للإمام عبد الظاهر ص125 من ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ( دار المعارف ).

[20] مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن للدكتور محمد عبد الله دراز ترجمة الأستاذ محمد عبد العظيم علي ص 172 .

[21] بيان إعجاز القرآن للخطابي تحقيق عبد الله الصديق ط 1372هـ/ 1953م ط القاهرة ص 94 .

[22] سورة النساء آية 77 .

[23] سورة فصلت آية 1 – 13 .