طباعة

 توثيق النص

 

 

مرتكزات التربية الإسلامية (1)

لفضيلة الدكتور عباس محجوب 

كلية الدعوة

هناك علاقة وثيقة بين التربية والفلسفة نشأت هذه العلاقة من أن التربية قد ولدت من الفلسفة نتيجة اختلاف المذاهب الفلسفية وتطورها، إذ أننا عندما ندرس التربية بعامة نجد أن الفلاسفة من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو والغزالي وابن سينا وابن خلدون من المسلمين، وجون ديوي وروسو وغيرهم من المحدثين - نجد أن هؤلاء هم الذين تناولوا المشكلات التربوية ووضعوا أسس كثير من نظريات التربية مما يدل على الصلة بين التربية والفلسفة باعتبار التربية هي الترجمة العملية الواقعية للفلسفة والناقلة للفلسفة من مرحلة النظرية والفكرة إلى الواقع والممارسة والتربية علم مبني أيضاً على علم الأحياء وعلم النفس وعلم الإجتماع مما يجعلها كثيرة الإعتماد على هذه العلوم.

ولما كان للإسلام فلسفته المميزة وآراؤه الواضحة عن الله والكون والوجود ونظرياته ومفاهيمه عن الحياة فإن التربية الإسلامية تعتمد على نظرة الإسلام للوجود والكون وعلى أساس نظرة الإسلام للحقائق المادية والروحية في الكون والإنسان والمهمة التي استحق بها الإنسان الخلافة في الأرض وعلى أساس تحقيق التوازن بين الجانب الروحي في الإنسان والجانب المادي فيه.

وعلى هذا فإن المقصود بفلسفة التربية هو الإطار الذي يحرك العمل التربوي بوسائل مختلفة ولأهداف معينة فمن فلسفة التربية الإسلامية أن تعمل التربية لتحقيق الهدف من وجود الإنسان على الأرض وهو عبادة الله وتزكية النفوس وجعل مستوى العبادة في مستوى الإستحقاق إلى جانب تحقيق معنى الأخوة والمودة والمحبة بين المسلمين والعمل على تكوين أجيال مؤمنة بالله متمسكة بقيم الإسلام وتعاليمه مسايرة لروح العصر صامدة للتحديات التي تواجه المجتمعات، ولأن التربية الإسلامية تربية مستمرة في حياة الإنسان فإنها تعتبر التعليم حقاً وواجباً في حياة الإنسان يأخذ منه ما يستطيع دون قيد إلا قيد القدرات والإمكانيات.

وهي تعتبر التعليم استثماراً إنسانياً واقتصادياً واجتماعيًا مرتبطاً بحركة المجتمع وموجهاً للموارد البشرية عن طريق تكوين وتدريب الكفايات القيادية والفنية والفكرية في مختلف الميادين، كما أنها تعمل على إيجاد الإنسان المسلم المتكامل الذي يجمع بجانب قدرته الفنية التزامه الإسلامي داخل مجتمعه الذي يقوم على أخوة الإسلام ويرفض النزعات العنصرية والقومية والقبلية واللغوية والإقليمية والذي يعزز ويربط الأمة بتراثها الثقافي الإسلامي أولا ثم العالمي حتى يمكن لجيل الإسلام أن يتفاعل مع الثقافات العالمية ويتمكن من القيام بواجب تبليغ الدعوة وحمل الرسالة، والتربية الإسلامية تعمل إلى جعل التربية أداة التغيير والتطور ومواجهة تحديات الواقع المختلف { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُون قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ}[1].

فالتربية الإسلامية تعمل لبناء الإنسان الذي يرفض الجمود والتخلف في أي شكل من أشكاله والإسلام يجعل التربية أوسع معنى وأشمل مدلولاً لأنه نتيجة التربية وأثرها. ولأن التربية تشمل الإنسان كله عقله ونفسيته وروحه وجسده وأفكاره وسلوكه وتفكيره ومفاهيمه وهي لا تكون في المدرسة فحسب بل في المسجد والشارع والنادي ووسائل الإعلام المختلفة - إنها تشمل الإنسان كله والحياة كلها.  

أما التعليم فهو جزء من التربية ونوع من أنواعها ولم يعد التعليم كما كان في الماضي وسيلة تلقين للمعلومات والأفكار وحفظهما وترديدها بل أصبح وسيلة من وسائل التربية في تكيف الإنسان مع الواقع المراد له والموجه إليه، فالإسلام يهتم بالتعليم باعتباره وسيلة من وسائل التربية في تحقيق أهدافها وحمل محتواها. فحق لكل مسلم أن يتربى ويتعلم قدر استطاعته وفي حدود إمكانياته فالأمم ترقى بالعلم وتسمو بالمعرفة وتتهذب بالتربية لأنها وسيلة الأخلاق القويمة والتدين الصحيح وبالتربية تدبر الأمة أمور معائشها وتنظم حياتها ويشعر أفرادها بأنفسهم ويدركوا واجبهم ويحسنوا عبادة ربهم، ومن هنا كان واجب الدولة المسلمة في تربية رعاياها وتأهيل أفرادها وإعداد الوسائل الميسرة للتربية حتى يكونوا أفراداً صالحين مؤمنين مؤهلين لمهمات الخلافة وحمل الأمانة. ويتساءل البعض: لماذا لم نجد في العلوم الإسلامية القديمة علماً يسمى علم التربية؟.

والحقيقة أن المسلمين لم يعرفوا في تاريخهم علماً معيناً يسمى علم التربية لحداثة هذا الإصطلاح وحداثة العلم نفسه، والمسلمون لم يكونوا بحاجة إلى وجود هذا العلم لأنهم تمثلوا التربية عملياً في حياتهم وسلوكهم ومارسوه واقعاً في بيوتهم ومجتمعاتهم،ولم يكن عندهم التناقض الذي نحس به بين حركة التعليم وحركة المجتمع ونظام الدولة، فالمجتمع الإسلامي ينطلق نظامه في التعليم والسياسة والإقتصاد والحرب والإعلام من جوهر الإسلام ونظامه وتعاليمه فلم تكن حاجتهم لهذا العلم كحاجتهم لعلوم اقتضتها الحاجة لحفظ كتاب الله ومعرفته وتدوين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ووضع الضوابط له وإرساء قواعد المجتمع الجديد وحفظ لغة القرآن فالنحو جاء نتيجة ظهور اللحن في اللغة والفقه نشأ لتلبية حاجة المجتمع إلى رأي الدين في المشكلات الناجمة من حركة المجتمع واضطرابه وتطوره،وهكذا نجد لكل علم دافعاً لظهوره، وهو دافع ملح أو مكمل لحاجة من حاجات المجتمع الإسلامي ولم تتوفر للتربية كعلم أحد هذين الدافعين ليظهر في الوجود.

وليس معنى هذا أن المسلمين لم يعرفوا التربية فالقرآن والسنة يمثلان المرجعين الأساسيين لأسس التربية وأهدافها ووسائلها وخصائصها ونماذجها بل إن كثيراً من النظريات التربوية والنفسية التي يظن اكتشافها حديثاً لها جذور عند المسلمين والتربية الإسلامية تربية متميزة لها نظرياتها الخاصة وسماتها المتميزة التي تجعلها تتباين عن غيرها ولا يمنع هذا أن تكون هناك بعض الحقائق التربوية أو النظريات المشتركة بينها وبين غيرها من النظريات التربوية الحديثة.

والتربية الإسلامية تقوم على تقرير وجود حقائق مادية وحقائق روحية في الوجود وفي طبيعة الإنسان مما جعل هذه التربية مبنية على أساس من الواقعين المادي والروحي للإنسان، تنتظم حياته على أساسهما لأن الإنسان ليس ملكاً يعيش في السماء بروحه و ليس مادياً للدرجة التي تجعله منغمساً في الحياة الأرضية لأن له عالمه الروحي الواسع المتعمق في كيانه، فالتربية الإسلامية تقوم على تحقيق التوازن بين الجانبين الروحي والمادي في الحياة الدنيا أولاً والحياة الآخرة ثانياً، وهنا نجد اختلاف التربية الإسلامية عن غيرها من النظم التربوية في إعدادها للإنسان لا للحياة الدنيا فحسب بل للحياة الأخرى أيضاً.

فالتربية تعمل على تكوين أجيال مهذبة راقية قوية صادقة تقوم بواجبها في الحياة وتتحمل مسئوليتها الإنسانية وتعمل على تسخير علمها وحياتها في الفضيلة والخير وتتجنب الرذيلة وتراقب الله في السر والعلانية حتى تظفر بالسعادة والأمن والإستقرار في الحياة الدنيا والثواب والجنة في الحياة الأخرى يقول الله تعالى:{إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى}. [2]

معنى التربية

تدور كلمة التربية حول تنشئة الطفل مادياً بتغذيته ورعايته جسمياً، وعقلياً بتزويده بما يناسبه من ضروب المعرفة الإنسانية والثقافة البشرية، وروحياً بتزويده بما يزكي نفسه ويسمو بها. فالكلمة لغوياً ترد بمعنى الرعاية والزيادة والإصلاح والنشأة والنماء وقد تكون الكلمة مشتقة من ربا الشيء ربواً ورباءً أي زاد ونما أو من رب كما جاء في القاموس المحيط " فربها نماها وأصلحها وربرب الرجل إذا ربى يتيماً وربربت الأمر أصلحته وجعلته متيناً قوياً والربيبة الحاضنة لأنها تصلح الشيء وتقوم به تجمعه "[3] فالكلمة تدل على معنى الإصلاح والجمع وقد تستعمل مجازاً بمعنى علو المنزلة والتهذيب فيقال: فلان في رباوة قومه أي في أشرافهم.

يختلف مفهوم التربية باختلاف المنطلقات الفلسفية التي تخضع لها النظريات التربوية وباختلاف الطرق والوسائل التي تسلكها الجماعات الإنسانية في تدريب أجيالها وإرساء قيمها ومعتقداتها وباختلاف الآراء حول مفهوم العملية التربوية نفسها وطرقها ووسائلها فالتربية عند أفلاطون عملية توجيه وجذب الأطفال إلى الطريق الذي رسمته القوانين وأكدت عدالته خبرات ذوي العقول المفكرة ويرى أن التربية والسياسة تهدفان لتحقيق النظام الأسمى في الحياة ويجب أن تكون التربية في مراحلها الأولى أدنى إلى التسلية منها إلى الجد لأنها وسيلة الكبار لمعرفة ميول الأطفال الطبيعية والتربية مرتبطة عنده بالأخلاق التي يقصد بها العلاقات الإنسانية وطرائق العمل وأهمية ربط التربية بالأخلاق أن الأخلاق تؤدي إلى كبح جماح الشهوات عند الإنسان وتدفعه لطريق الحق والخير فتنعدم المنازعات بين الناس. وركيزة الأخلاق عنده إيمان الناس بإله وبدين يهديهم سواء السبيل فيه من الثواب ما يشجع على الخير ومن أساليب الشر ما ينهى الضال عن شروره ويعضد الثواب والعقاب بحتمية الخلود النفسي حتى يطمئن المثيب إلى أعماله ويخاف المذنب شر أفعاله.

ويتفق أرسطو مع أستاذه أفلاطون في كثير من آرائه التربوية ويتفقان في أن التربية من وظائف الدولة وأنها تعتمد في تربية الرجل على عاملين هما: الجسم الصحيح السليم وتكوين عادات جسمية مناسبة، ويرى أرسطو أن التربية عن طريق تكوين العادات - الصالحة يجب أن تسبق تربية العقل فكلاهما يهتم بتنمية العقل إلى جانب الجسم باعتبارهما انعكاساً للقوة الإلهية لأن سعادة الإنسان في إيمانه ووحدته مع القوة العليا والإيمان البشري بقوة الإله كفيل بتمكين الإنسان من اتخاذ القرارات الحكيمة في سبل الحياة المختلفة فالتربية عند أرسطو تعني النمو النفسي الجسمي السليم للفرد.

وأهمية آراء أرسطو التربوية أنها كانت نبعاً ثرياً للفكر التربوي الحديث وأساساً بنيت عليه مناهج التعليم بل إن تقسيم أرسطو للمعرفة كان الأساس في المعاهد القديمة إلى القرن الثالث عشر وليس معنى هذا أن آراءه قد نفذت كلها فقد اهتزت كثير من آرائه في عصر النهضة وبعد ظهور التجريب والبحث العلمي وواجهت آراؤه خاصة في الطبيعة نقداً كثيراً وإن ظلت آراؤه في المنطق محوراً للمناقشات.

ويرى (مارتن لوثر) أن معنى التربية وهدفها " هو مساعدة الفرد على فهم التزاماته الإجتماعية التي تجعل في الإمكان تحقيق مجتمع مسيحي سليم، ويتحقق مثل هذا المجتمع إذا عرف المواطنون الله وأطاعوه وإذا قدروا واحترموا الكرامة البشرية سواء بالنسبة لأنفسهم ولغيرهم "، كما يرى أن وظيفة التربية أكبر من مجرد الإهتمام بالناحيتين الدينية والعقلية فعليها أن تهتم بالفرد في نموه الجسمي والإنفعالي.

ومع ارتباط مفهوم التربية بالدين وتأسيسها على أسس دينية إلا أن اضطهاد الكنيسة للعلماء وتسلطها قد أدى إلى ثورة عامة على الكنيسة ودينها وازدهار العقلية العلمية وانعكس ذلك على تجريد المفهوم التربوي من عنصر الدين وتهكم فرنسيس بيكون (1501-1556) على الآراء القديمة وبناء المعرفة على الغيبيات ومطالبته بتربية الإنسان بطريقة علمية باعتبار أن العلم جدير بإسعاد البشر وتحسين ظروفهم المادية ورفاهيتهم ومع أنه لا يرفض الإلهام الإلهي إلا أنه يرفض أن يلعب ذلك أي دور في التربية التي تقوم على الأسس العلمية فقط وقد تأثر بهذه الآراء عدد من المربين. 

أما ج.هـ. بستالوتزي (1740-1827)فإن التربية عنده: هي نمو جميع قوى الإنسان   وملكاته نمواً طبيعياً في اتساق وانسجام كما يرى أن القدرات العلمية تعتمد على العادات التي تكونت من تكرار قوى المتعلم وتدريبه أكثر من الإعتماد على المعرفة البحتة، ويرى الفيلسوف الإنجليزي (هربرت سبنسر)(1820-1903) أن التربية إعداد للحياة الكاملة ويجب أن تكون المواد الدراسية والطرق التي تدرس بها مما يوصل إلى الحياة الكاملة وهو يهتم كغيره من المربين بالجانب الأخلاقي[4].

أما (سير برس تن) فيقول عن التربية:" لقد سلك الناس مسالك مختلفة في التعريف بالتربية ولكن الفكرة الأساسية التي تسيطر عليها جميعاً: أن التربية هي الجهد الذي يقوم به آباء شعب ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها. إن وظيفة المدرسة أن تمنح للقوى الروحية فرصة التأثير في التلميذ تلك القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة، وتربي التلميذ تربية تمكن من الإحتفاظ بحياة الشعب وتمد يدها إلى الأمام "[5].

إن المفاهيم التربوية كلها تتفق في وظيفة التربية ودورها في تدعيم عقيدة الأمة وتراثها الروحي بصرف النظر عن صحة العقيدة وصلاحها لبناء الحياة والحضارة وأن الأمم جميعاً تستهدي في تربيتها بدينها وعقيدتها يقول برفيسر كلارك:" مهما قيل في تفسير التربية فمما لا محيص عنه أنها سعي للإحتفاظ بنظرية سبق الإيمان بها وعليها تقوم حياة الأمة وجهاد في سبيل تخليدها ونقلها إلى الأجيال القادمة "[6].

ويرى (جون ديوي) من أكبر علماء التربية في العصر الحديث أن التربية وسيلة راقية مهذبة لدعم العقيدة التي يؤمن بها شعب أو بلد وتغذيتها بالإقتناع الفكري القائم على الثقة والإعتزاز وتسليمها بالدلائل العلمية إذا احتيج لها، ووسيلة كريمة لتخليد هذه العقيدة ونقلها سليمة إلى الأجيال القادمة وأن أفضل تفسير لنظام التربية هي أنها السعي الحثيث المتواصل يقوم به الآباء والمربون لإنشاء أبنائهم على الإيمان بالعقيدة التي يؤمنون بها والنظرة التي ينظرون بها إلى الحياة والكون وتربيتهم تربية تمكنهم من أن يكونوا ورثة صالحين للتراث الذي ورثه هؤلاء الآباء عن أجدادهم مع الصلاحية الكافية للتقدم والتوسع في هذه الثروة[7] كما تعني التربية أيضاً " كل المؤثرات الموجهة التي يراد منها أن تصوغ كيان الإنسان وتهدي سلوكه في كل نواحي الحياة جسدية كانت أم عاطفية أم اجتماعية أم فكرية أم فنية أم أخلاقية أم روحية، فالتربية تشمل كل المنظمات والعوامل والأساليب والطرق التي تدخل في نطاق الفعاليات التهذيبية "[8].

فالتربية هي وسيلة المجتمع لأداء وظيفة نقل الثقافة ودعم العقيدة وإرساء المثل والقيم التي يراد غرسها في النشء والمبادئ التي يراد توجيههم إليها، وعن طريق التربية تصوغ الجماعة أفرادها والدول شعوبها وتوجه سلوكهم وأخلاقهم وفق الأهداف التي يسعى المجتمع إليها، ولأن الطفل هو محور العملية التربوية فإن ذهنه وحياته لا بد أن تتشكل بالقالب الذي وضع له وبالعلوم والمعارف التي يزود بها فتهيمن على أفكاره حتى لا يجد في الحياة منظاراًًً غير المنظار الذي أريد له استخدامه في ملاحظاته وتجاربه، فالتربية لذلك تعني " كل عملية أو مجهود أو نشاط يؤثر في قوى الطفل وتكوينه بالزيادة أو النقص أو الترقية أو الإنحطاط سواء أكان مصدر هذه العملية الطفل نفسه أم البيئة الطبيعية أم الإجتماعية بمعناها العام، أو بمعناها الضيق المحدود فالطفل خاضع باستمرار لعمليات تغيير في تكوينه الجسمي والعقلي والخلقي وهذه العمليات هي التربية "[9].

فالطرق التربوية والأساليب والحقائق العلمية التي تساعد على تربية الطفل وتحقيق نموه العقلي والنفسي والأخلاقي والجسمي، تستخدم كلها للوصول إلى النمو الذي يؤدي إلى وجود الإنسان الكامل الذي يحقق أهداف الفلسفة التربوية التي تسلكها التربية وتعمل لها. فالتربية تهتم إذن ببناء الفرد من ساعة وجوده على الأرض ليؤدي دوره المرسوم له في الحياة وليكون قادراً على التغلب على العقبات تعترضه والأحداث التي تواجهه ولأن التربية تهتم بالناحية الخاصة بالنمو ولأنها تعمل لتحقيق النمو الكامل للإنسان عقلياً وجسمياً ونفسياً وخلقياً واجتماعياً لهذا كان من تعريفات التربية أنها عملية التكيف بين المتعلم وبيئته، فالإنسان في سبيل وظيفته يعمل على بقائه أولاً ولا يكون ذلك إلا بتوجيه السلوك وتعديله وتكوين العادات الطيبة والإستفادة منها وتنمية القدرات وصقلها. والتربية تعمل على تشغيل أو تحديد هذه الملاءمة بين الكائن الحي برغباته وأهدافه وبين العالم الخارجي بعقباته ومشاكله، وبعبارة أخرى أن هدف التربية كعملية ملاءمة، هو تكييف الكائن الحي مع مشاكل البيئة.

وأياً كانت هذه التعريفات فإنها كما قلنا لم تخرج عن المفهوم الذي تعارفت الأجيال عليه من أنها العمل على بناء الإنسان منذ طفولته ليكون إنساناً سوياً في جوانبه العقلية والروحية والصحية والنفسية والجسدية في ضوء الديانة أو الفلسفة التربوية التي تؤمن بها أمة ما والعقيدة التي تحيا بها بصرف النظر عن صحة تلك العقيدة أو فسادها وهي عندنا تقوم على عقيدة الإسلام التي جاء بها أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم ليربي الإنسان وفق استعداداته وقدراته التي أودعها الله فيه ووفق منهج الله ونظامه وهديه وتربيته التي جعلت القرآن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وسلوكه وحياته.

مرتكزات التربية الإسلامية

إننا نستمد بطبيعة انتمائنا الإسلامي مرتكزات وأسس التربية الإسلامية من المصدرين الأساسيين للعلوم الإسلامية كلها وهما: الكتاب والسنة لأن أصول التربية الإسلامية ومرتكزاتها وأهدافها موضحة ومفسرة في هذين المصدرين الأساسيين، أما النظريات التربوية الإسلامية فهي وإن كانت مستمدة من الكتاب والسنة إلا أنها في مجملها تمثل آراء علماء المسلمين ومفكريهم خلال تاريخ الإسلام الطويل وهذه النظريات تختلف عن الأسس والأهداف في أنها تمثل آراء البشر القابلة للتطور والتعديل والزيادة والنقصان والنجاح والإخفاق،وقد اجتهد علماء المسلمين في آرائهم التربوية داخل إطار الإسلام وبثوا آراءهم التي تمثل النظرية التربوية في الإسلام من خلال كتب الفقه والحديث والأدب والتصوف وعلم الكلام والأخلاق.

وارتبطت التربية الإسلامية بفلسفة الإسلام ونظرته إلى الإنس والكون لأن اتصال التربية بالفلسفة وثيقة، فإذا كانت الفلسفة تعمل لبناء المجتمع وتكونه فإن وسيلته لذلك هي التربية القائمة  على نظرة الفلسفة للإنسان والكون، فالنظرية التربوية منبثقة من الفلسفة التي استمدت منها والتربية هي أداة الفلسفة لبناء الأفراد والمجتمعات ونقلها من المرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق، ومن هنا فإن التفرقة بين الأصول والأهداف والنظرية التربوية الإسلامية أمر ضروري بالنسبة لدراسة مرتكزات التربية الإسلامية.   تقوم التربية الإسلامية على ركائز تمثل الأساس بالنسبة لها وهذه المرتكزات هي:

أولاً: مرتكز العقيدة الإسلامية:

تمثل العقيدة المرتكز الأساسي للتربية الإسلامية إذ أن الإيمان بالله هو الموجه لسلوك الإنسان والدافع له إلى اتجاه الخير والنصير له من حيث العناية والرعاية والتوفيق كما أنه الذي يصرفه عن طريق الشر ويجعله متحلياً بالفضائل وحسن الخلق. ونقصد بالإيمان أركان الإيمان التي في حديث أبي هريرة:

 " قال ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك "[10].    

ولأن هذا الإيمان هو الموجه للسلوك والضابط له والمتصل اتصالاً وثيقاً بالأعمال الصادرة من الإنسان فإن التربية الإسلامية تربط دائماً بين العمل والسلوك ثم بين العمل الصادر من هذا الإيمان وبين الجزاء قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً}[11] ويقول:{ وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} والقرآن مليء بالآيات التي تقرن الإيمان بالعمل فالإيمان الحق هو الذي يصدر عنه السلوك وينبع منه العمل الصالح ويخرج منه الخلق الكريم فحسن الخلق والإخاء المودة واجتناب الكبائر والتمسك بالفضائل يجب أن تصدر كلها عن هذه العقيدة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول مبيناً عملية الربط بين الإيمان والسلوك الصادر من المؤمن في التربية الإسلامية:" لا إيمان لمن لا أمان له ولا دين لمن لا عهد له " ويقول في سلوك المؤمن نحو جاره ونحو نفسه:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"[12].

" ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع بجنبه "[13]. كما يتحدث عن أثر الإيمان في تجنب الرذائل وارتباط الإيمان بالسلوك ساعة فعل العمل.

" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن "، " ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "، إن التربية الإسلامية في ربطها المحكم بين العقيدة السلوك وجعل العمل نابعاً من العقيدة والعقيدة أساساً لكل فعل، إنما تؤكد أهمية ربط التربية بمعتقدات الأمة، وكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ترتكز على هذا الجانب وتؤكد عليه وهو: أهمية ربط الأمة بعقيدة الأمة، وقد بينا في تعريفنا للتربية عند (جون ديوي) الذي يرى التربية وسيلة لتدعيم عقيدة الأمة كما أن التربية في نظر البروتستانتيين تعمل على تنمية المعتقدات الدينية وزيادة ميل الطفل وحبه للكنيسة لأن على ذلك ستترتب سعادته الأبدية.

ولأن التربية الإسلامية تربط بين العقيدة والعمل باعتبار العمل مظهراً للإيمان وترجمة له فإن الله سبحانه وتعالى جعل العمل معياراً حقيقياً لصدق الإيمان فربط دائماً بين الإيمان والعمل وذم الذين لا يربطون بينهما {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}[14]{الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}.

والعقيدة التي هي أساس من أسس التربية لا بد أن ترتكز على دعائم أهمها:

الإيمان بالله الذي لا إله غيره وبملائكته ورسله وتوحيد الله في الألوهية باعتبار ذلك القاعدة الأساسية لكل دين أنزله الله سبحانه وتعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} ويترتب على الإيمان بلا إله إلا الله الإيمان بأنه خالق الكون وخالق البشر وخالق الحياة والموت أنه العليم بكل ما يقع في الكون وما يدور في النفس الإنسانية من الخير والشر {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}[15] {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}[16] وكل صغير وكبير من صنع الله سبحانه و تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ}[17] والله سبحانه وتعالى خالق هذا الكون هو الذي سخر هذا الكون لينعم به الإنسان وأعد له من أسباب الحياة ونعمها ما ييسر له سر وجوده في الأرض {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}[18] .

وقد ذكرنا أن العقيدة لابد أن تنعكس على الإنسان وسلوكه فإذا ما آمن المسلم إيماناً يقينياً بالله سبحانه وبعلمه ومرافقته الدائمة لعبده كان هذا الإيمان محدداً لسلوك المسلم كفرد وسلوك الجماعة كأمة مسلمة فالعقيدة لابد أن تترجم في حياة الفرد الذي يعلم بأن الله مطلع على سره ونجواه وأن أفعاله مكتوبة وهو محاسب عليها، ولابد أن تترجم في حياة الجماعة فتبني نظام حياتها وفق هذه العقيدة التي آمنت بها.

إذ أن شهادة لا إله إلا الله تعني كما يقول الشهيد سيد قطب:

" إفراد الله سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان - والحاكمية.. إفراده بها اعتقاداً في الضمير وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة فشهادة لا إله إلا الله لا توجد فعلاً ولا تعتبر موجودة شرعاً إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجوداً جدياً حقيقياً يقوم عليه اعتبار قائلها مسلماً أو غير مسلم.

ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية.. أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله. لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها، ولا في أي جانب من جوانبها، من عند أنفسهم - بل لابد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه.. وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه وهو رسول الله وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول: شهادة أن محمداً رسول الله "[19] .

   إن عنصر الإيمان بالله خالق الكون والحياة والإنسان عنصر فعال في توجيه سلوك الإنسان نحو الخير والعبودية الكاملة لله ونبذ ما عدا الله من طواغيت وأصنام تستعبد الإنسان وتنحرف بسلوكه في الحياة.

والذي يؤمن بالله غيباً يؤمن بالكتب بعامة والقرآن الكريم بخاصة لأنه كما ذكر الله كتاب هداية ونور وطريق إلى الله {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[20]، والإيمان بالكتاب الذي هو نور للناس يقتضي الإيمان بكل ما فيه من أحكام وقوانين باعتبار أن هذه الأحكام والقوانين إنما جاءت لتحقيق العبور بالإنسان من ظلمات الكفر الإلحاد والأساطير والأوهام والخرافات والأرباب والطواغيت إلى نور الإيمان بالله الذي ينير الطريق القويم ونور العدل والحرية والطمأنينة والمساواة. واتباع ما جاء في الكتاب أمر من الله سبحانه {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}[21]. واتباع من جاء بالكتاب أمر منه أيضاً {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول}[22]. {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[23]. والكتاب هو الفاصل في أمور الحياة صغيرها وكبيرها حقيرها وعظيمها طيبها وخبيثها. {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[24]، فالذي يؤمن بالله وبكتابه وبرسله وما جاءوا به من عند الله هدياً ونوراً وأحكاماً وقوانين هم المفلحون في الدنيا والآخرة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}[25].

والجانب السلوكي الذي يجب أن يتمخض عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره واليوم الآخر يأتي في مقدمته أن تكون الطاعة لله ثم لرسوله لأن في طاعته طاعة لله فطاعة الكافرين والمنافقين والشياطين والمبتدعين والفسقة ليس من الإيمان بل إن طاعة ولي الأمر لا تجب إذا لم يكن عاملاً بكتاب الله منهجاً للحياة وسلوكاً للبشر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} ويقول:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه} ومظهر هذه الطاعة أن يحكم المسلمون بما أنزل الله وأن لا يتحاكموا إلى الطاغوت والشيطان والكفرة والملحدين وقوانين البشر وأنظمتهم {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}.

إن أهم الوسائل التي تمارسها التربية الإسلامية في سبيل غرس الإيمان في القلوب والذي يدفع السلوك للعمل هو الإهتمام ببعض الجوانب العملية منها:

1- حاجة البشر الفطرية لهذا الإيمان لأن الإيمان بالله هو الذي يمنح الطمأنينة والإستقرار ويحرر الإنسان من الخوف والأوهام والخرافات {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً}[26] وحاجة البشرية إلى الله سبحانه وتعالى والإيمان به الإحساس الدائم بوجود أمر ملازم للوجود البشري ويقول في ذلك كريس موريس: " أن كون الإنسان في كل مكان ومنذ بدء الخليقة حتى الآن، قد يشعر بحافز يحفزه إلى أن يستنجد بمن هو أسمى منه وأقوى وأعظم، يدل على أن الدين فطري فيه ويجب أن يقر العلم بذلك وسواء أحاط الإنسان صورة محفورة بشعوره بأن هناك قوة خارجية للخير أو الشر أم لم يفعل فإن ذلك ليس هو الأمر المهم بل الحقيقة هي اعترافه بوجود الله والذين أتيح لهم العلم بالعالم لا يحق لهم أن ينظروا نظرة الإزدراء إلى فجاجة أولئك الذين سبقوهم أو الذين لا يعرفون الآن الحق كما نراه. بل إننا بالعكس يجب أن تأخذنا الروعة والدهشة والإجلال لاتفاق البشر في جميع نواحي العالم على البحث عن الخالق والإيمان بوجوده. أو ليست روح الإنسان هي التي تشعر باتصالها بالله؟ أم نخشى أن نقول بأن الحافز الديني الذي لا يملكه إلا الإنسان هو جزء من الكائن الواعي كأية صفة أخرى من الخصائص؟ إن وجود الحافز هو برهان على قصد العناية الإلهية "[27].

2- إيجاد الرغبة للإيمان والطلب للهداية قبل الإعتماد على الأدلة النظرية لأن خلو الرغبة من قلب الإنسان لا يجعله مؤمناً مهما ذكر له من الأدلة والبراهين وفي ذلك يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[28] .

ويقول على لسان سيدنا نوح:{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً} فهم لا رغبة لهم في الإيمان بالرغم من الأدلة المادية المتعلقة بحياتهم والدافعة للإيمان التي ذكرها الله لهم { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}[29]. {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا}[30].

ويمكن إيجاد هذه الرغبة بالترغيب والترهيب والجزاء والعقاب والآيات في ذلك كثيرة منها:{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[31] .

ولا يتم الترغيب في الإيمان إلا إذا تخلص الإنسان من ربقة التقليد والتعصب لعقيدة الآباء والتكبر والتعالي واتهام الناس بالجهل والفساد في العقائد {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}[32].

3- ربط الإيمان بالله بحياة الفرد وإشعاره بقرب الله منه والمراقبة الدائمة له حتى يكون هذا الشعور ضابطاً للسلوك وموجهاً له {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}[33].وربط الإيمان بحياة الفرد يتدرج من وضع يده على المحسات إلى ما لا يحس بدءاً بالإنسان نفسه وما بينه وبين الطبيعة الإلهية من توافق وانسجام {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ  أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [34].

ثم التدرج إلى صورة أكبر من نعم الله على الإنسان {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}[35].

4- بيان التوافق بين الإيمان والعلم لأنهما يكملان بعضهما لأن العلم الذي تؤمن به هو العلم الذي مصدره الله  سبحانه وتعالى الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم والذي خلق الإنسان وعلمه البيان فبالعلم والإيمان يوجه السلوك ويقوم وتعتقد القلوب وتفهم {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ}[36].إن القرآن يحدثنا أن التأمل والتفكير في الظواهر الطبيعية واستعمال الحس والمشاهدة هي وسيلة المعرفة لله والدالة على وجوده وبديع خلقه وإحكام صنعه ثم هي الوسيلة لتقوية الصلة العقلية بالله {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[37].والتربية الإسلامية تدعو إلى كشف حقائق الوجود لمن تربيهم وتدعو إلى استخدام الحواس والقدرات التي أودعها الله في الإنسان ليدرك عجائب صنع الله فيكون نابعاً من إدراك وفهم وراسخاً لا يتزعزع ولا ينقص بل يزيد وينمو.

ثانياً: مرتكز الإنسان والفطرة:

اختلف العلماء حول الطبيعة الإنسانية بين من يرون الإنسان مادة أولية تطورت وتعقدت ومن يرونه عقلاً وروحاً ومن يرونه مكوناً من الروح والمادة واختلفت تبعاً لذلك تفسيراتهم لطبيعة الإنسان هل هي طبيعة حيوانية أم طبيعة روحية أم متوسطة بينهما.

أما الإسلام فله رأيه في طبيعة خلقه فالقرآن يحدد خلق الإنسان فيقول:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[38]. فالقرآن يبين أن الإنسان خلق في أطوار {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}[39]. والأطوار هي انتقال الإنسان من مرحلة الطين إلى مرحلة الإنسان ولا اهتمام لنا بالسل وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً سلة التي بين هذين الطورين إذ أن التحديد العلمي لذلك قد يكون صحيحاً وقد لا يكون والنفخة الروحية التي ذكرها القرآن هي التي جعلت من الطين إنساناً مكرماً، أما التفاصيل الموجودة في الآية فهي تتناول أطوار نشأت الفرد الإنساني بعد أن صار إنساناً ويقول أيضاً:{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ}. ويقول: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فإذا فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.

من تفسير هذه الآية يقول سيد قطب رحمه الله:" ولقد كان خلق الإنسان من عناصر هذا الطين اللزج المتحول إلى صلصال ثم من النفخة العلوية التي فرقت بينه وبين سائر الأحياء، ومنحته خصائص الإنسانية وأولها القدرة على الإرتقاء في سلم المدارك العليا الخاصة بعالم الإنسان، هذه النفخة التي تصله بالملأ الأعلى: وتجعله: أهلاً للإتصال بالله وللتلقي عنه ولتجاوز النطاق المادي الذي تتعامل فيه العضلات والحواس، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول والتي تمنحه ذلك السر الخفي الذي يسري به وراء الزمان والمكان ووراء طاقة العضلات والحواس إلى ألوان من المدركات وألوان من التصورات غير محدودة في بعض الأحيان.

ذلك كله مع ثقلة الطين في طبعه ومع خضوعه لضرورات الطين وحاجته من طعام وشراب ولباس وشهوات ونزوات، ومن ضعف وقصور وما ينشئه الضعف والقصور من تصورات ونزعات وحركات.

 والتوازن بين خصائص العناصر الطينية فيه والعناصر العلوية هو الأفق الأعلى الذي يطلب إليه أن يبلغه وهو الكمال البشري المقدر له. فليس مطلوباً منه أن يتخلى عن أحد عنصريه ومطلبه ليكون ملكاً أو يكون حيواناً "[40].

إن وجود خصائص مادية وخصائص روحية في الإنسان جعلت التركيب الإنساني جامعاً لصفات ترجع بعضها إلى الناحية المادية وبعضها إلى الناحية الروحية فيه وبعضها إلى امتزاح الناحيتين في الإنسان وهذا ما يسمى بالميول والدوافع والغرائز، أو ما يسمى بالفطرة التي تشمل الثلاثة وكل واحدة من الثلاثة لها دلالتها وتفريعاتها فالغرائز هي الإستعدادات النفسية العضوية فطرية أو موروثة تجعل المرء يحدد مواقفه سلباً أو إيجاباً إزاء مواضيع معينة بعد إدراكه لها مباشرة أما الدوافع فهي كل أمر يدفع الإنسان إلى سلوك معين أو تغير داخلي معين سواء كان الدافع داخلياً من الإنسان أو خارجياً من بيئته التي يعيش فيها. والدافع يشمل كل الدوافع كالميول والرغبات والحوافز والحاجات وذلك كله يعبر عنه الإسلام بالفطرة باعتبارها قوة دافعة تدفع الإنسان إلى القيام بأفعال معينة نتيجة مواجهة مواقف معينة في الحياة، ولا نود أن نفصل الدوافع كلها ولكننا سنعرض لبعضها، فحب التملك دافع فطري في الإنسان عالجه القرآن مراراً {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً} وقد ترتبت بعض الصفات على غريزة حب التملك في الإنسان مثل التدافع في الدنيا وحب الشهوات والنساء والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث وهو مع ذلك هلوع جزوع إذا أصابه شر ومنوع وناس إذا أدركه الخير.

يقول الله تعالى:{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}[41].

فهذه الآيات تصور النفس الإنسانية التي تتحكم فيها الإنفعالات حين لا تستند إلى عقيدة ثابتة وقيم دائمة فهي تلجأ إلى الله في ساعات الشدة فإذا صرف الله عنهم الشدة نسوه بل كفروا بما آتاهم من فضله ورحمته وقد يفرح الإنسان برحمة الله ونعمه وتنسيه الفرحة شكر النعمة والرحمة بل قد يجبر ويتكبر ويبطر فإذا ابتلاه الله في نعمته جزاء عمله تملكه اليأس والقنوط من رحمة الله. وهذه الحالات هي للنفس البشرية التي لا تستقيم على منهج الله ولا تثبت على قيمه.

هذه الدوافع الفطرية والغرائز المادية كلها خير إذا وجهت إلى الخير وشر إذا وجهت إلى الشر واسيء استعمالها.

أما الدوافع الفطرية الروحية فإن الإسلام قد قررها ومنها نزعة التدين في الإنسان واستعداده الفطري في الإلتجاء إلى الله ومعرفته والركون إليه والإطمئنان عنده بصرف النظر عن صحة التدين أو انحرافه فالبشرية في تاريخها لم تخل من الآلهة التي عبدتها باطلاً من دون الله من الأشجار والأحجار والنيران والأبقار بل والبشر أنفسهم ولكن الفطرة السليمة هي التي عاهد الله عليها بني الإنسان وأخذ منهم العهد عليه {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}[42].

وعن الآية روي عن ابن عباس قوله:" إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وتكفل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة "[43] .

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه ". ويقول الحديث القدسي:" إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً "[44].

وقد سبق أن ذكرنا الطبيعة الإنسانية في آراء الفلاسفة والإسلام وقد ذكرنا أن الإسلام يرى في الإنسان طاقات ضخمة يمكن توجيهها إلى الخير إذا وجهت توجيهاً صحيحاً وإلى الشر أو لم يحسن استخدامها فالإسلام يرى أن الدوافع والغرائز والميول يمكن أن توجه إلى الخير لتسمو بالإنسان وترقى به وتخلصه من الخلود إلى الأرض والركون إلى الشهوات وطاعة الشيطان وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:" إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} ".

والإسلام يقرر أن الإنسان كثيراً ما ينحرف عن فطرته ولكن التربية هي الوسيلة لإرجاع الإنسان إلى فطرته وتوافقه معها وإرسال الله الرسل للناس مع إشهاده لهم على أنفسهم إنما هي الوسيلة لهداية الإنسان إلى فطرته وتوجيهه إليها ومع أن القرآن يذكر أن الله ألهم النفس تقواها وفجورها وأن الإنسان قد يفلح بتزكيتها ويخيب بدسها فإن سيدنا  إبراهيم يدعو الله قائلاً:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[45].

 فالرسل جاءوا معلمين للكتاب ومزكين للنفوس وموجهين للدوافع والفطرة {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}[46].

وهكذا نجد أن الإسلام يقرر أن التربية تقوم على أساس من تقرير وجود غرائز وميول ودوافع تسير سلوك الإنسان وأن مهمة التربية هي توجيه هذه الطاقات الطبيعية إلى الخير وإلى وجهتها التي خلقت من أجلها وعلى دور التربية وواجبها يترتب الجزاء الأخروي {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[47].

 

 

 



[1] الأحزاب   23-24

[2] طه 74-76.

[3] القاموس المحيط 389-390.

[4] راجع د. سعد مرسي -  تطور الفكر التربوي ص 425 وما بعده الفصل الثالث العصور الحديثة.

[5] أبو الحسن الندوي- التربية الإسلامية الحرة ص 75 ط2.

[6] المصدر السابق ص 76.