طباعة

 توثيق النص

 

 

 

التدخين وأمراض القلب

لفضيلة الدكتور محمد علي البار 

عضو الكلية الملكية للأطباء بلندن

 

 

يعتقد كثير من الناس أن تدخين السجائر يؤثر على الرئتين فحسب.. فلقد أصبح من المعلوم لدى العامة والخاصة أن السجائر تسبب سرطان الرئة .. ولكن قليلين هم الذين يعرفون تأثير السجائر على القلب والجهاز الدوري.

إن تأثير السجائر على القلب والجهاز الدوري يرجع إلى وجود مادتين سامتين في السجائر هما: النيكوتين وأول أكسيد الكربون.

فأما المادة الأولى وهي النيكوتين فهي مادة شديدة السمية. إذ تكفي الكمية الموجودة منه في سيجار واحد لقتل إنسان في أوج صحته إذا أعطيت له هذه الكمية بالوريد .. ومع هذا فإن أي مدخن يأخذ أضعاف هذه الكمية يومياً دون أن تقتله مباشرة.. فكيف يا ترى يتمكن الجسم من مواجهة هذه المواد الشديدة السمية. يستطيع الجسم بواسطة الإنزيمات أن يحول هذه المواد السمية إذا أخذت بالتدريج إلى مواد أقل سمية وأبطأ فاعلية.

يؤثر النيكوتين على القلب والجهاز الدوري عن طريق زيادة ضربات القلب كما تزداد الكمية التي يضخها القلب في كل ضربة. وهذا أحد أسباب وجيب القلب وخفقانه التي يعاني منها كثير من المدخنين .. والسبب في ذلك أن مادة النيكوتين تزيد من إفراز مادة الأدرينالين ومادة النور أدرينالين... وهما المادتان المسئولتان عن زيادة ضربات القلب وانقباض الأوعية الدموية ..

وهكذا يضطر القلب إلى زيادة عمله عند تدخين كل سيجارة وفي نفس الوقت تفل كمية الدم التي تغذي عضلة القلب وذلك لانقباض الشرايين التاجية التي تغذي عضلة القلب بالدم.. فالنيكوتين يسبب انقباضه هذه الشرايين التاجية كما يسبب أيضاً انقباض الأوعية الدموية في كافة أنحاء الجسم ..

وليس هذا فحسب وإنما يساعد - النيكوتين على تكوين الجلطات بتأثير مباشر على المواد التي تسبب تخثر الدم.. وفي نفخ انح على أن تلتصق ببعضها مكونة جلطة تسد مجرى الدم.. وتعتمد الإعراض على الوعاء الدموي الذي انسد بالجلطة فإذا كانت الأوعية الدموية للرجل هي التي انسدت فإن ذلك يسبب ألماً شديداً في الساق ثم ينتهي بالغرغرينا وبتر الساق أو الفخذ. وأما إذا كان الإنسداد في أحد الشرايين التاجية فإن ذلك يؤدي إلى جلطة القلب التي كثيراً ما تنتهي بالوفاة.

هذا باختصار تأثير مادة النيكوتين على القلب والأوعية الدموية فما هو تأثير أول أكسيد الكربون..؟

إن أول أكسيد الكربون هو غاز ينتج عن الإحتراق عندما تكون كمية الأكسجين قليلة .. واحتراق السجائر يؤدي إلى تكون غاز أول أكسيد الكربون بنسبة واحد إلى خمسة في المائة .. وخطورة هذا الغاز أنه شديد القابلية للإتحاد بالهيموجلوبين. ( صبغة الدم الحمراء ) والتي تحمل الأكسجين.. فينتج عن ذلك أن جزءاً كبيراً من الهيموجلوبين يتحد بأول أكسيد الكربون.. ويبقى جزء بسيط لحمل الأكسجين ( غاز الحياة ). في الأنسجة والخلايا..وذلك يؤدي إلى الذبحة الصدرية وخاصة عند المصابين يتصلب الشرايين ..  أو عند القيام بمجهود عضلي شديد .. أو حتى عند هيجان العواصف واشتعال الغضب.

إن تدخين عشرين سيجارة يومياً يؤدي إلى حرمان الجسم من خمسة عشر في المائة من الهيموجلوبين .. إذ تصبح هذه الكمية متحدة مع أول أكسيد الكربون ولا يمكن الإستفادة منها في حمل الأكسجين.

ولقد اكتشف أن لهذا الغاز تأثير في زيادة ترسيب الكوليسترول على جدر الأوعية الدموية مما يساعد على سرعة تكون تصلب الشرايين وبالتالي الجلطات..

هكذا يتبين لك باختصار ما تفعله السجائر بالقلب والأوعية الدموية وفي آخر تقرير للكلية الملكية للأطباء الذي نشر قبل بضعة أسابيع في لندن ذكر أن 000ر31 رجل و8000 امرأة قد لاقوا حتفهم نتيجة جلطة القلب في عام 1974.. وجميع هؤلاء ما بين الخامسة والثلاثين والرابعة والستين ويرجع التقرير وفاة 9500 شخص من هؤلاء إلى التدخين مباشرة.. أما عدد الذين ظلوا على قيد الحياة ولكن حياة ملؤها الأسقام والأدواء فقد بلغوا مئات الألوف.

ويبلغ عدد الذين أصيبوا بجلطات المخ عشرات الآلاف سنوياً وكثير منهم يلاقي حتفه في الحال ولكن من يبقى يكون أشد تعاسة ممن مضى إلى العالم الآخر فذلك قد أراح واستراح. أما من بقي فهو للعذاب والآلام والعناء لا يكاد يرفع يده إلا بمعونة ولا يخطو خطوة إلا بالإستناد إلى غيره. فهو في عنت ومشقة هو ومن معه..

وأهون عليه من كل هذا العذاب أن يبادر إلى هذه الأفعال التي بين يديه فيقذفها بعيداً عنه.. ليتمتع بصحته وشبابه.. فقد أثبت الطب أن كل عشر سجائر تفقدك ساعة من عمرك كل يوم وتضيف لك عشرات الساعات والأيام والشهور والسنين في التعاسة والأمراض والأسقام. ولا بديل لك إلا أن تحزم أمرك وتعزم عزمك أكيدة على ترك هذه السجائر دون رجعة. وأسأل ربك العون والتوفيق فإنه جدير بأن يهبك العون إذا لجأت إليه صادقاً. والله يتولاني وإياكم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمته، فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جرئ ! .. فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسّع الله عليه  وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ .. قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواداً ! .. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ". (رواه مسلم)