طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 في رحاب القرآن الكريم تفـسير آية من سورة النـساء

 لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري

رئيس قسم التفسير بالجامعة

  

                                                                         

{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً}

الآية : 4 من سورة النساء

 

مبحث الألفاظ الآية :

: الإعطاء يقال آتاه كذا إذاً أعطاه ، فمعنى لا تؤتوا : لا تعطوا .

الإيتاء

: جمع سفيه وهو في اللغة الضعيف العقل لجهله وعدم بصرته. وفي الشرع هو من لا يحسن التصرف في المال لضعف إدراكه وجهله بالتصرفات المالية أو لغلبة الشهوة وهوى النفس على عقله. وهو عام في كل من لا يحسن التصرف في المال بإتلافه وإضاعته، أو بإفساده بالإنفاق فيما يضر، أو لا ينفع وسواء كان السفيه رجلاً أو امرأة ، أو ولداً .

السفهاء

: جمع مال وهو كل ما يتموّل به من صامت كالذهب والفضة والحبوب والثمار والعقارات من أراضي ودور ومصانع ، أو ناطق كالحيوان وخاصة بهيمة الأنعام من إبل وبقر وغنم ، والخيل والبغال والحمير .

والأموال

: وقرئ في السبع قيماً جمع قيمة وهي ما تقوم بها الأمتعة والقيام ما به يقوم الشيء ويصلح، فالأموال قوام حياة الفرد والجماعة إذ تقيم الحياة وتصلحها.

والقيام

: الوعد الجميل والقول اللين الحسن كان يقول الولي أو الوصيّ للمحجور عليه لسفهه: إن هذا المال مالك وما أنا إلا حافظ له من أجلك وإذا كبرت أو رشدت سوف يعود إليك وتتصرف فيه، لأنك مالكه وصاحبه.

والقول المعروف

 

معنى الآيـة:

ينهي اللّه سبحانه وتعالى جماعة المسلمين الذين هم ما بين زوج أو أب، أو وليّ أو وصيّ أو حاكم مسئول ينهاهم أن يعطوا السفهاء من الرجال والنساء والأولاد أموالهم التي هي ملك لسفهائهم في الواقع ينهاهم أن يُطلقوا أيدي سفهائهم في تلك الأموال فيضيّعوها أو يفسدوها ويتلفوها بإنفاقها في غير حاجة، أو بإنفاقها في معصية الله ورسوله كأن ينفقوها في شرْب وأكل ولبس ما هو حرام على المسلمين.

وأمرهم تعالى أن ينفقوا عليهم منها ما هم في حاجة إليه من طعام وشراب ومسكن ولباس. وأن يلينوا لهم الكلام ،  ويطيبوا خواطرهم بالعدة الجميلة ، بأنهم إذا رشدوا ردوا عليهم أموالهم ، بعدما تكون قد نمت لهم وكثرت …

 

مناسبة الآية لما قبلها:

لما أمر اللّه تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم بقوله {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}، وأمر بإيتاء الزوجات مهورهن بقوله:{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}، عقب على ذلك بهذه الآية مبيّناً أن السفهاء من الرجال والنساء والأولاد لا يحق لهم أن يعطوا المال وإن كان مالهم ثبت لهم بالحق الشرعي- وذلك خشية أن يضيّعوها لخفّة عقولهم، وضعف إدراكهم، جهلهم بالتصرفات المالية فقال تعالى:{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ.. الخ } .

 

ما اشتملت عليه الآية من أحكام:

قد اشتملت هذه الآية على أحكام منها:

ا- الحجر على السفيه وهو منعه من التصرف في ماله إلا بقدر محدود لا يتجاوز بنفقته الضرورية اليومية من طعام وشراب، وكسوة...

2- حرمة المال واعتباره قوام الحياة وعصبها التي تقوم وتصلح عليه، ولذا حرم تعالى إتلافه، وتبذيره، وإنفاقه فيما يضر أو لا ينفع .

3- وجوب النفقة على السفيه من رجل وامرأة وولد حتى يرشد وترد إليه أمواله .

4- وجوب المعرفة بأوجه التصرفات المالية لمن بيده مال يريد التصرف فيه.

5- المال قوام حياة الجماعة المسلمة ؛ فلا يجوز إعطاؤه لمن يفسده بالتبذير والإنفاق في معصية الله تعالى كائناً من كان... إذ الملكية الخاصة لا تخول لصاحب المال أن يفسده بأيّ وجه من أوجه الفساد، لأن المال قوام حياة الناس كلهم فيحرم على الفرد منهم إتلافه وإفساده بحال من الأحوال.

 

هداية الآية:

إن هذه الآية الكريمة هي أولى ثلاث آيات جاءت في كتاب الله تعالى، لتكون قانوناً عاماً لكيفية إنفاق المال، و التصرف فيه بحيث لو اتبع هذا القانون أحد من الناس لما افتقر في حياته ولا احتاج إلى ما يقيم به أوده أبداً ، وفي الحديث الصحيح :" ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، ولا عال من اقتصد "، يعني ولا افتقر من اتبع قانون الإنفاق العام الذي وضعته هذه الآيات الثلاث .

 ا-{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ }.

2-{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً}.

3-{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}.

وبيان ذلك: أن طلب المال بإنتاجه والحصول عليه من مصادره كالتجارة والصناعة والفلاحة والاكتساب بالاستخدام ليس مشكلاً ؟ إذ حب المال فطريّ في الإنسان يشهد له قول الله تعالى:{إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. والخير هنا هو المال. كما يشهد له الواقع إذ العالم الإنساني اليوم قد أصبح يؤله المال تأليه الشرك لوثنه الذي يعبد دون الله تعالى. حتى أصبح الأفراد كالجماعات لا تعتبر ولا تقوم إلا باقتصادياتها ، وأموالها ، لا بآدابها وأخلاقها، وذلك باستثناء قلة من المؤمنين .

وعليه فليس حب المال واكتسابه والحصول عليه هو المشكل في حياة الناس وإنما هو إنفاق المال والمحافظة عليه ، إذ من الناس من يطغى على نفسه حب المال فيركب أفدح الخصال وأقبح الوسائل لجمعه والمحافظة عليه كبيع عرضه ودينه ، أو منعه والشح به حتى يمنع كل حق ماليّ عليه والعياذ بالله تعالى ، ومن الناس من يجهل قيمة المال فلا يقدره قدره فيبذره حتى ينفقه في أخبث الأشياء ، ويسرف فيه حتى يخرجه من يده ولو كان مال قارون كما يقولون . ولا سبيل إلى قانون ضابط يعصم المال وصاحبه من الفساد إلا ما وضعته هذه الآيات الثلاث التي ذكرنا ؛ إذ الأولى تقرر مبدأ احترام المال واعتباره عصب الحياة وقوامها فتحرم إطلاق يد السفهاء فيه حتى لا يضيع ويتلف . والثانية تقرر مبدأ الاقتصاد في النفقة فتنهى صاحب المال عن البخل به ، والشح في إنفاقه حيث تتعيّن النفقة ويجب البذل والعطاء، ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك وهذا اللفظ كناية عن منتهى الشح والبخل فاليد المربوطة بالعنق لا يمكنها أن تنفق . كما تنهاه عن الإسراف والتبذير وهما الإنفاق لغير حاجة ضرورية، أو في المعصية ولا تبسطها كل البسط، وهذا اللفظ كناية عن الإسراف المالي ، والتبذير في النفقة المشروعة وغير المشروعة ، فاليد المبسوطة كل البسط لا تمسك شيئاً فلا يبقى بها دينار ولا درهم . وتعلل للحال الأولى {ِفَتَقْعُدَ مَلُوما} إذ الذي يمنع إنفاق المال حيث يجب أن ينفق يلومه الناس، لأنه منعهم حقوقهم ، وحال دون بقاء حياتهم كريمة صالحة، وللثانية {مَحْسُوراً} والمحسور هو المنقطع عن مواصلة السير كلاً وتعباً .

 فالذي يبدد ماله ويخرجه من يده عن مواصلة حياته إذ قوامها المال وقد بدده وأفسده فيقعد حينئذ عن الحياة عنه ، وهذا هو الموت المعنوي القائد إلى الموت الحسي .

والثالثة : وتقرر مبدأ الاعتدال في الإنفاق فتحرم الإسراف ، والتقتير معاً .

{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} : أي بين التبذير والإسراف المحرمين وبين الشح والبخل  المذمومين سبيل وسط وهو الاعتدال والاقتصاد في إنفاق الأموال والتصرف فيها . فهذا هو القانون القرآني لإنفاق المال والتصرف فيه من أخذ به نجا ، وسعد ، ومن أعرض عنه هلك وشقي ولا يلومن إلا نفسه .

والسؤال الآن هو : ما مدى فهم المسلمين لهذا القانون المالي وأخذهم به ؟

والجواب أما المسلمون الأولون فقد فهموه حق فهمه ، وعملوا به وآية ذلك ما بلغوا إليه من مستوى حضاري لم يصل إليه غيرهم في دنيا الناس يومئذ . ويدل على فهمهم له وأخذهم به سؤال عبد الملك الخليفة الأموي ابنته فاطمة وقد زوجها من ابن أخيه عمر بن عبد العزيز حين زارها وقال لها: "كيف معيشتكم "؟ فقالت:" الحسنة بين سيئتين ": تعني بالحسنة الاعتدال في النفقة، وبالسيئتين الإسراف والتقتير الذي هو التضييق في النفقة .

وأما المسلمون اليوم فقد جهلوا كل شيء حتى أنفسهم فأنى لهم أن يفهموا مثل هذا القانون القرآني المالي كما عجزوا عن الأخذ بأي قانون من قوانين الإصلاح في الحياة ، وذلك لأنهم ماتوا موتاً معنوياً ، والميت لا يسمع ولا يبصر ، ولا يقبل ولا يدبر . فاللهم يا محيي الأموات أحيهم ، ويا مجيب الدعوات أجب دعواتنا فيهم . فارددهم إلى الإسلام ، وأعزهم به ، وكمّلهم عليه فأنك على كل شيء قدير .