طباعة

 توثيق النص

 

 

 

نماذج [1] من الدعاة الصالحين

الحلقة الأولى

الشيخ أبو بكر الجزائري

 

 

بسم الله، والحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.

وبعد: فإن دعاة الإسلام في كل زمان ومكان هم دعاة الحق والخير الناهون عن الباطل والشر.

الإسلام : ونعني بالإسلام : دين الله الذي جاءت به كل الرسل عليهم السلام.

دعاة الإسلام : نعني بدعاة الإسلام : أولئك المصطفين الأخيار من أنبياء الله تعالى ورسله نوحاً عليه السلام فمن بعده إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وحوارييهم وأنصارهم ممن يتبعون سنتهم ويهدون بهديهم.

الحق : ونعني بالحق : الإيمان بالله تعالى وعبادته وحده بما شرع لعباده أن يعبدوه به من كل أعمال القلوب، والألسن وسائر الجوارح، ليعدهم به للكمال والسعادة في الحياتين.

الخير : ونعني بالخير كل الفضائل النفسية والخلقية مما ينجم عنه طيبة النفس وطمأنينتها، وهدوء الخاطر، وصلاح البال، مما تتحقق به سعادة الإنسان في هذه الحياة، ويهيئ به للسعادة في الدار الآخرة.

الباطل : ونعني بالباطل : الإيمان بالطاغوت وعبادته دون الله تعالى، أو مع عبادته عز وجل من كل ألوان الكفر وضروب الشرك، وما يستتبع ذلك من البدع والأهواء المنافية للشرع والعقل معاً.

الشر : ونعني بالشر كل الرذائل والخطايا مما يفقد الإنسان طهارة نفسه، وفضائلها، ويحرمه السعادة في الدنيا والآخرة.

وهذه أمثلة حق صادقة، ونماذج حية ناطقة تمثل مواقف شتى للدعاة الصالحين، وهم يدعون إلى الحق والخير، وينهون عن الباطل والشر ولنبتدئ بأول أولئك الرسل نوح عليه السلام فنستعرض جوانب من حياة هذا الداعية الكبير، ليكون نموذجاً صالحاً للداعية المسلم اليوم يأخذ به، وينسج على منواله فيكمل في دعوته، ويشرف بها، ويبلغ الغاية المنشودة عليها، وهي هداية وإصلاح من أراد الله تعالى هدايتهم وإصلاحهم من الناس.

 

أ – نوح عليه السلام :

فمن هو نوح عليه السلام؟ وما هي الجوانب الهامة في حياته الدعوية التي يمكن للداعية المسلم الإستفادة منها في مجال الدعوة الإسلامية ؟

إن نوحاً هو عبد الله ورسوله نوح بن لامك بن متوسلخ بن اخنوخ ( إدريس ) بن برد بن مَهْلايِيل بن قبْنَس بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، هكذا يقول النسابون ويقولون: إن بينه وبين آدم عشرة قرون أي ألف سنة. هذا هو نوح عليه السلام.

وأما الجوانب الهامة في حياته الدعوية فهي تتمثل في الأرقام التالية:

(1) طول صبره .

(2) صدق لهجته .

(3) تلوينه أسلوب دعوته .

(4) شجاعته وعظم توكله على ربه عز وجل .

(5) صدق لجأه إلى ربه سبحانه وتعالى.

 

1- صبره الطويل :

وعن صبره الطويل نقول: إن نوحاً عليه السلام قد قضى في الدعوة إلى ربه تعالى من أجل أن يؤمن به، ويعبده وحده دون سواه، قضى دهراً طويلاً، دعا فيه قومه إلى عبادة الله وحده، وإلى تقواه، وإلى طاعته هو بوصفه رسول الله والمبلغ عنه فقال: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً}.

ولاقى في ذلك من الأذى ما لم يلقه كثير من الداعين إلى الله تعالى، فقد كذبه قومه ووصفوه بالجنون، ووصفوا اتباعه من المؤمنين بالإسترذال، ولم يعترفوا لهم بأي فضل عليهم. فقالوا: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا [2] بَادِيَ الرَّأْيِ [3] وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}. ولم يقفوا عند حد التكذيب والعيب بل تجاوزه إلى التهديد بالموت، فقالوا: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}والرجم عندهم بالحجارة وسيلة من وسائل الإعدام، كرجم الزناة المحصنين في الإسلام.

ولما أنذرهم عاقبة شركهم وتكذيبهم وإجرامهم، وخوفهم بعذاب الله تعالى سخروا منه، وطالبوه بالعذاب متحديين له في ذلك. فقالوا: {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.

قضى نوح عليه السلام في دعوته دهراً طويلاً فلم يكل خلاله ولم يمل حتى أوفى على تسعمائة وخمسين عاماً. وبعدها رفع شكواه إلى ربه عز وجل فقال: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. وقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}.

وبعد أن سبر غور القوم. حلل نفسياتهم، وعرف مركب طباعهم، وأيقن أنهم لا يؤمنون، بناء على وحي الله تعالى له بذلك: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ} .. وعلى ما شاهده من حال أجيالهم المتلاحقة وهم يتواصون بالكفر به وبتكذيبه في دعوته. دعا عليهم قائلاً: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً}. ولم يكن هذا عن قلة صبر منه عليه السلام، وإنما كان خوفاً منه على الجماعة المؤمنة أن يفتنها أولئك الكفار الفجار فيحولوها عن معتقداتها، ويضلوها عن سبيل ربها {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ} فلذا دعا ربه بهلاك الكافرين وتدميرهم قطعاً لدابر الكفر والكافرين وإنهاء لفتنة الشرك في الأرض والمشركين.

 

2- صدق لهجته :

وعن صدق لهجته نقول: إنه كان عليه السلام صادق اللهجة، واضح البيان وافي النصيحة، ظهر ذلك من أقواله وهو يخاطب قومه في شتى المواقف، والعديد من المجالات. فلنستمع إليه وهو يخاطب قومه آمراً إياهم بعبادة الله وحده، إذ لا إله لهم غيره، معللاً لهم أمره بعبادة الله وحده بخوفه عليهم عذاب يوم عظيم. فيقول: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

ولما رد عليه ملأهم قائلين: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، قال: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. وقال في بداية دعوته وهو يبلغها قومه لأول مرة: {أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. ولما ردوا عليه دعوته قائلين:{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ}؟. رد عليهم قائلاً: {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ، وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ}.

ومن خلال هذا الحوار القصير في هذه الجمل التي جاءت في القرآن الكريم وسمعناها عنه عليه السلام وهو يدعو إلى الإيمان بالله وعبادته وحده دون من سواه تظهر الحقيقة التي لقينا إليها وقررناها وهي صدق لهجته عليه السلام في دعوته، وصدق لهجته [4] في الدعوة عامل من عوامل نجاحها، والبلوغ بها إلى غاياتها.

 

3- تلوينه أسلوب دعوته :

وعن تلوينه أسلوب دعوته نقول: إن نوحاً عليه السلام لم يدخر وسعاً، ولم يدخر يأل جهداً في سبيل إبلاغ دعوته، ونشرها بين قومه، حتى ملوا ذلك منه، وضجروا له فكانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا ما يقول لهم، وما يدعوهم إليه من عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة ما سواه، ويستغشون ثيابهم فيغطون بها رؤوسهم حتى لا يروه ولا ينظروا إليه من شدة كراهيتهم له وبغضهم إياه.

ولم يمنعه ذلك من مواصلة دعوته فيهم متذرعاً بكل الوسائل الممكنة، فلم يترك باباً لإبلاغ دعوته إلا طرقه، ولا سبيلاً إلا سلكها وكان لحكمته في دعوته يراعي حال مدعويه، فيسر القول إلى بعضهم، ويجهر به إلى بعض آخر بحسب ما تتطلبه حال الأشخاص المدعوين، إذ من الناس من يكون ذا أنفة وحسية وكبر لا يرضى أن يجهر له بالقول، أو يدعي إلى الحق والخير، أو التوبة والإستغفار علانية بين الناس، ومنهم السهل الطبع اللين العريكة، الذي لا يشمئز من دعوته جهراً، ولا ينقبض أو يغضب إذا دعي إلى الحق والخير بين الناس.

وهذا من نوح عليه السلام تلوين لدعوته، وبحث لها عن كل ما يمكنها من الذيوع والإنتشار، ثم الفوز والإنتصار، ولنستمع إليه وهو يعرض شكاته ويرفعها إلى ربه تعالى ليعذره وينصره: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَاراً وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [5] وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}. فمن خلال هذه الشكاة التي رفعها نوح إلى ربه تتجلى حقيقة دعوة نوح عليه السلام وأنه كان ذا بصيرة في دعوته وعلم بها، يلون أساليبها، ويتحين الفرص لإبلاغها وإنجاحها يعتمد في دعوته على أسلوب الترغيب طوراً والترهيب طوراً آخر، ليأخذ النفوس بالحكمة ويحذو بها إلى محيط الدعوة بالرغبة أو الرهبة، هذا شأن الداعية الحكيم في دعوته العليم بها البصير بمتطلبات نجاحها.

 

4- شجاعته وعظم توكله:

وعن شجاعته وعظم توكله أقول: إن نوحاً عليه السلام كأن ذا شجاعة عظيمة شأنه شأن سائر الأنبياء والمرسلين، وإن تفاوتوا في ذلك قوة وضعفاً. أما توكله على ربه تعالى فقد كان مضرب المثل بحق، وتتجلى هاتان الصفتان: قوة الشجاعة، وعظم التوكل في الموقف التالي: جاء من سورة يونس عليه السلام قوله اللّه تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ}.

وبتدبر هذه الآية الكريمة على النحو التالي:

نوح عليه السلام يشعر بأن قومه قد استثقلوا ظله وسئموا الحياة معه، وما أصبحوا لا يطيقون سماع كلامه، ولا رؤية وجهه كل ذلك كأن نتيجة لدعوته إياهم إلى عبادة الله تعالى وتقواه، وهم يصرون على الشرك والفسق ولا يريدون تركهما ولا التحول عنهما بحال.

كما يشعر أن قومه يهددونه بالقتل ويتوعدونه به في غير موطن: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}. فيعلمهم في وضوح أنه لا يخاف الموت ولا يرهبه وأنه قد توكل على ربه عز وجل فلذا هو لا يخاف سواه، ولا يعتمد على غيره بحال من الأحوال ويدلل على عدم خوفه من الموت، وعلى عظم توكله على ربه فيرشدهم إلى طريقة قتله والتخلص منه إن كانوا يعتزمون ذلك حقاً ويريدونه ويبالغ في التدليل على شجاعته وعظم توكله على ربه، فينبههم إلى أنهم عندما يجمعون أمرهم على قتله ينبغي لهم أن لا يترددوا في ذلك، حتى لا يفشلوا في مهمتهم ولا يكون أمرهم غمة عليهم.

بهذا التدبر للآية يتضح أن نوحاً عليه السلام كان من أقوى الناس شجاعة ومن أعظمهم توكلاً على ربه تعالى.

وقوة الشجاعة، وعظم الوثوق في الله والتوكل عليه من أخص صفات الدعاة الصالحين وبدونهما لا يقوى الداعي على تحمل رسالة الدعوة إلى اللّه تعالى، وإبلاغها إلى الناس.

 

5- صدق لجئه إلى ربه:

وعن صدق نوح في لجئه إلى ربه تعالى نقول: إن نوحاً عليه السلام كان صادق اللجئ إلى اللّه تعالى منيباً إلى ربه مسلماً إليه متوكلاً في كل شأنه عليه يظهر بوضوح في مثل قوله:{إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ}. وفي قوله وقد ازدجره قومه بعد صراع مرير تجاوزت مدته مئات السنين: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}. قال تعالى في الإخبار عن حاله مع قومه في تكذيبهم له، وزجرهم إياه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}أن انتصر يا ربي، فانتصر الله تعالى له فأنجاه وأغرق أعداءه ولما هدده قومه توعدوه، وقالوا:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}لجأ في صدق إلى ربه يطلب نصرته وأن يخلصه من قومه العتاة الطغاة الفاسقين فقال: {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. كما قال تعالى عنه: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}.

وأخيراً فنبي الله تعالى نوح عليه السلام اجتمع له من صفات الكمال في الداعية ما كان به أول الدعاة فقد جمع بين طول الصبر، وصدق اللهجة، وكمال البيان، وتلوين الأسلوب مراعاة لحال من يدعوهم بعد معرفته لنفسياتهم، وعظم الشجاعة وقوة التوكل وكمال الوثوق، وصدق اللجأ، وهي صفات ما اجتمعت لداع من دعاة الحق والخير، والناهين عن الباطل والشر إلا كان مثالاً يحتذى به وكانت حياته نموذجاً صالحاً يتمثل بها في حياة الدعوات الإصلاحية بين بني الناس.

فعلى أبنائنا النابهين الذين اختاروا لأنفسهم أن يكونوا دعاة حق وخير وأئمة هداية وإصلاح أن يتحلوا أولاً بالصبر واليقين إذ بهما تنال الإمامة في الدين، قال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}.

وثانياً أن يترسموا خطى الدعاة الصالحين وينسجوا على منوالهم وقد قدمنا لهم أصدق نموذج للداعية الصالح عرفته البشرية بعد سيد الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم ألا وهو أبو البشر الثاني نوح أحد أولي العزم من الرسل، فليذكروا منه طول صبره، وصدق لهجته، وكمال بيانه، وتلوينه لأسلوب دعوته وعظم شجاعته وقوة توكله وصدق لجئه إلى ربه، فإنهم بذلك يكسبون من صفات الكمال في الدعاة ما يعينهم على أداء مهمتهم وإبلاغ رسالتهم. حقق الله تعالى لهم ذلك.

وسلام على نوح في العالمين وعلى محمد في المرسلين .. والحمد لله رب العالمين.

 

ب- إبراهيم عليه السلام.

من هو إبراهيم ؟ ..

إنه أبو الأنبياء والضيفان إبراهيم بن آزر ( تارخ ) بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام .

هذا هو إبراهيم في نسبه اسماً وكنية. أما إبراهيم في كمالاته النفسية، فإنه أمة كاملة، وليس فرداً واحداً. كما قال عنه ربه تعالى في كتابه الكريم القرآن العظيم {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

وذلك لما جمع الله تعالى فيه الكمالات البشرية التي لا يجمع إلا في الأمة من الناس (العدد الكثير) فقد طفحت حياة الخليل بصنوف الإبتلاءات، وضروب البطولات ما أصبح به مثالاً صالحاً، وأسوة حسنة لكل راغب في الكمال البشري يفوز به بين العالمين. هذا وإن المرء ليحار عندما يريد أن يستعرض حياة كريمة شريفة، نادرة في خصائصها فذة في نعومتها وشمائلها كحياة إبراهيم الخليل، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، إذ تزدحم أمامه جحافل الكمالات الإبراهيمية فلا يدري ماذا يستعرض منها، وقد تشاكلت في الحسن، وتسامت في الجلال والجمال، وهذه كواكبها في سماء الحياة الإبراهيمية أنها: الدعوة، والحجة، والبلوى، والهجرة، والخلة، والقدرة، والرحمة والأمة وزاد في إشراق هذه الكواكب أن الأرض يومها كانت مقفرة من الحق والخير، مظلمة لا ضوء فيها ولا نور. ساد فيها الظلم وتحكمت في أهلها الأوثان. وانحرفت فيها الفطر البشرية، وتحجرت منها العقول الآدمية، فعبد الناس الأصنام وخنعوا للظلم واستكانوا للطغيان. والآن قد أظلمت سماء الحياة البشرية، وتغشت أرضها، وحل بها ما كان بأرض بابل والكلدانيين من سائر أنواع الكفر والظلم والشر والفساد والطغيان.

فهل لنا أن نستعير لها من كواكب الحياة الإبراهيمية ما تستنير به وتشرق من جديد. ولم لا..؟ وما المانع لنا..؟

وعليه فبسم الله، وعلى بركته نستعرض تلك الصفات الثمانية التي عددناها كواكب زهراً في حياة إبراهيم الخليل، صفة بعد أخرى، وما منها إلا وتمثل جانباً هاماً من حياة إبراهيم المفعمة بجلائل الأعمال وعظائم مثل الكمال، فلنستعرضها عَلناًَ نكتسب من أبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم الخليل ما يساعدنا على النهوض بأعباء ما أنيط بنا - بوصفنا مسلمين - من واجب الدعوة إلى الله تعالى ليعبد وحده بما شرع أن يعبد به فيكمل بذلك العابدون في دنياهم ويسعدوا في أخراهم.

 

1- إبراهيم الدعوة :

عند التأمل لا يرى أن هناك مبالغة في نسبة إبراهيم إلى الدعوة وإضافته إليه في قولنا إبراهيم الدعوة أو في كل ما ننسبه إليه من صفاته الكمالية التي امتاز عليه السلام، وذلك لأن إبراهيم عليه السلام غلبت عليه صفات فأصبحت كل صفة تمثل شخصية مستقلة، وذاتاً متميزة فإبراهيم يمثلها وهي تمثله فقولك دعوة إبراهيم، كقولك إبراهيم الدعوة، سواء بسواء. فعن إبراهيم الدعوة نقول: إن إبراهيم عليه السلام قد أضطلع بأمر الدعوة إلى الله تعالى في سن مبكرة جداً ولعل في قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} دلالة واضحة على أنه ابتدأ الدعوة إلى الله في حداثة سنه. ويرجع هذا أيضاً أنه بدأ بدعوته أباه قبل قومه وذلك لكونه في حجره وكفالته.

وفي دعوة إبراهيم أباه إلى عبادة اللّه تعالى وحده، جعل عبادة الأصنام قبل دعوة غيره من أهل بلاده دلالة قوية على رشد إبراهيم وحكمته. فقد أمر نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين في قوله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} فجمعهم ودعاهم كما جاء ذلك مبيناً في سيرته صلى اللّه عليه وسلم حيث ناداهم فعم وخص حتى قال:" يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت فإني لا أغنى عنك من الله شيئاً. أنقذي نفسك من النار " والآيات القرآنية التي عرضت دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه هي آيات سورة مريم عليها السلام فلنوردها ولنقف على مواطن العبرة والهداية منها.

قال تعالى:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً, إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً}. ففي نهيه عليه السلام أباه عبادة الأصنام بأسلوب الإستفهام الذي هو أخف على النفس من صيغة النهي لا تفعل مظهر من مظاهر الحكمة وفي الدعوة، لأن آزر بحكم أنه والد كبير السن له حق التبجيل الإحترام يتنافى معه مخاطبته بصيغة الأمر الدالة على العلو والقهر. وفي وصفة إله آزر الذي يعبده بأنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئاً متى أراد الله تعالى أن يعذبه إن هو استمر على الكفر به و عبادة غيره. مع أنه إخبار بالواقع الذي لا ينكره آزر عليه لعائن اللّه، إلا أنه أسلوب دعوى عال لا يرقي إليه إلا ذو القدم الراسخة في الدعوة، لان آزر كان غافلاً تماماً عن كون آلهته لا تسمع و لا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وإنما يعبدها تقليداً لغيره من أهل بلاده، فليسلب إبراهيم عنها أخص صفات الألوهية كان قد أماتها قلبه وهيأه بذلك الإيمان بالله السميع البصير الذي هو على كل شيء قدير.

وقوله له:{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً}. فإنه عليه السلام تحاشى أن يصم والده بوصمة الجهل التي يأباها الإنسان حتى ولو كان جاهلاً حقاً كما أنه لم يصف نفسه بالعلم تمدحاً وتعالياً على والده، وإنما أخبره أنه جاءه من العلم ما لم يأته هو وأو أتاه ما أتي إبراهيم من العلم لما طلب إليه أن يقوده الهدى، ولكان هو القائد له ولنفسه أيضاً وهو أسلوب عظيم لا يشعر معه المدعو بأدنى غضاضة، أو أية إهانة، أو انتقاص كرامة، فلا يتعقد نفسياً، ولا يتحطم شخصياً، ومتى بقيت للمدعو كرامته وشخصيته أمكنه أن يأخذ مع الداعي له ويعطى، وهو طريق الوصول إلى معرفة الحق. وبالتالي إلى الهداية المطلوبة لمن شاءها اللّه تعالى له.

وقوله له:{يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً}.

فإنه بعد إقناعه والده أن ما يعبده لا يسمع ولا يبصر ومن كان كذلك لا يعبد عقلاً ولا شرعاً مع استمرار آزر على عبادته أعلمه في هذه الجملة الكلامية أنه إنما يعبد الشيطان، ونهاه عن ذلك معللاً له النهي بأن الشيطان كان ومازال للرحمن عز وجل عصياً، وطاعة العاصي تعرض المطيع للعذاب الذي ينال العاصي، إذ طاعة العاصي للسلطان تعتبر معصية للسلطان نفسه وبذا ينالهما جزاء المعصية معاً، ولهذا قال له في إشفاق عليه ورحمة به: يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً، إذ يجمعه وإياه صعيد العذاب، بعد اليم والتوبيخ والعتاب فتتم الولاية بينهما بسبب القرب الذي حصل لهما.

وقوله له: {سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}. بعد غضب والده عليه وتهديده له بعذاب الرجم بالقول أو الفعل ومطالبته بالبعد عنه وهجرته له دهراً طويلاً. إذ قال له: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً}. أقول إن قوله له سلام عليك سأستغفر لك ربي، لقول من أسد الأقوال لا يقوله إلا من أوتي رباطه الجأش، ورحمة القلب، وهما من ضروريات الداعي الناجح، ولذا كان الخليل إمام الدعوة وقدوتهم في الحياة.

وبعد هذا العرض والسماع لدعوة إبراهيم لأبيه وأقرب الناس إليه نستعرض دعوة إبراهيم وهو يوجهها إلى قومه وأهل بلده لنقف على مظاهر كماله في دعوته العامة بعد الخاصة. ولنطلب ذلك من سورة العنكبوت إذ جاء فيها قول الله تعالى:{وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}.

ففئ هذه الجمل الكلامية التي وجهها إبراهيم عليه السلام إلى قومه الوثنيين، وحكاها عنه القرآن الكريم، لتكون حافزاً كبراً للمنزل عليه نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم على إبلاغ دعوته إلى قومه، وثباته عليها، ائتساء بإبراهيم إمام الموحدين واقتداء به في مجال الدعوة والبلاغ المبين.

كما تكون درساً نافعاً لكفار قريش، ولكل مشركي العرب، إذ يتعلمون من خلالها بطلان الشرك الذي هم عليه، وأحقية التوحيد الذي يدعون إليه.

ففي قوله: يا قوم اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً. إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون، وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

في هذا القول الكريم من مظاهر العلم والحكمة وسلامة التوجيه، وحسن الدعوة ما لا يقادر قدره، الأمر الذي يجعل إبراهيم أحد نماذج الدعاة الصالحين، الذين يؤتسى بهم ويقتدى باتباعهم.

وإن أمعنا النظر وأعملنا الفكر في هذه الكلمات التي ألقاها إبراهيم في قومه دعوة لهم إلى الحق، وإرشاداً لهم إلى سبيله تجلت لنا ينابيع الحكمة، وعناصر العلم الغزير الواسع وأساليب البيان الفتان.

إن في قوله:{يا قَوم} بدل ( أيها المشركون ) من استمالة قلوب القوم، واستهواء نفوسهم ما يجعلهم لا ينفرون من سماع دعوته، والتأمل فيها، لأن القومي عادة لا يريد ما يضرهم أو يسئ إليهم ولكن يريد لهم ما ينفعهم ويرفعهم.

وفي قوله:{اعْبُدُوا اللَّهَ} تقرير منه بالإيمان بوجود الله تعالى، ونفي للتعطيل الذي هو مذهب الملاحدة الدهريين، لأن أمرهم بطاعة الله تعالى مستلزم للإيمان به عز وجل.

وفي قوله:{واتقوه} بعد أمرهم بعبادة الله تعالى نهى لهم عن الشرك في عبادته سبحانه وتعالى لأن التقوى لله تعالى مستلزمة لعدم قطع عبادته ولإفراده تعالى بها، وعدم إشراك غيره فيها، فيكون قوله هذا كقوله الله تعالى في القرآن الكريم من سورة النساء {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} .

وفي قوله {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} ما يجذبهم إلى التعقل والتفكر فيما يدعوهم إليه من الهدي والخير، حيث أشعرهم بأن ما يدعوهم إليه من عبادة الله وتقواه بنفي الشرك عنه، والإستمرار في عبادته، خير لهم في الحال والمآل من الكفر والشرك لما يثمره الإيمان والطاعة والتوحيد من الكمال النفسي، والإستقامة في الحياة وما يستتبع من سعادة الدنيا والآخرة، ولما يعقبه الكفر والشرك والعصيان من آثار سيئه في النفس والسلوك، وما يستلزم ذلك من الردى والشقاء والهلاك في الحياتين.

وفي قوله:{إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، دعوة لهم إلى الإرتفاع بنفوسهم عن منحدر التقليد والجمود إلى مستوى العلم والتفكير، فإن من يعلم الخير والشر، والحق والباطل ويقدر على التمييز بينهما يدرك أن عاقبة الحق والخير أحمد من عاقبة الباطل والشر وأن عبادة الله وتقواه خير من الكفر والشرك ومعصية الله.

وفي قوله:{تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} قصر لهم على الحقيقة التي يتجاهلونها وهي أنهم ليسوا على شيء في عبادتهم لأوثانهم، لأن الأوثان من صنيع أيديهم وبذلك لم تكن أبدأً أهلاً لأن تعبد مع الله الخالق لكل شيء إنها في الواقع لم تعد أن تكون إفكاً ائتفكوه، وكذباً اختلقوه فلا يصح عقلاً أن تعبد بحال من الأحوال، وهي مفتقرة في وجودها إلى من صنعها، ولو حكم العقل في القضية لحكم بعبادة الصانع، وبطلان عبادة المصنوع.

وفي قوله:{إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} برهنة منه عليه السلام على بطلان عبادة تلك الأوثان، لأنها لا تملك لعابديها رزقاً، والإله يعبد ويتوسل إليه بالطاعة وشتى القرب ليهب الرزق والخير والبركة والعافية، فإن كان لا يملك ذلك فهو لا يهبه، ولذا فلا حق في عبادته وطاعته وهكذا قرر إبراهيم بطلان آلهة قومه بهذا المنطق من الكلام، لحكمته وعليه السلام.

وفي قوله:{فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} بناء لصرح التوحيد على أساس بطلان الشرك وتهاويه، فإن الآلهة التي لا تملك الرزق يجب أن ترفض عبادتها، وأن يتجه المفتقرون إلى الرزق إلى الذي يملكه ويعطيه فليعبدوه ليهبهم الرزق، وليشكروا له ذلك ليحفظه عليهم ويزيدهم منه، فإن شكر النعم يحفظ العبد ويستوجب المزيد.

وفي قوله:{إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تذكير لهم بالمعاد والحياة الآخرة، ليربي في نفوسهم ملكة التقوى لله تعالى ويحي في قلوبهم عقيدة البعث والجزاء التي قد تكون الوثنية أتت عليها وأماتتها في نفوسهم.

وفي قوله:{وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} إعلان منه عليه السلام أنه يتكلم من مركز القوة وأنه ليس براغب ولا راهب فهو يقول قولته، وتنفذ دعوته فإن استجابوا وآمنوا ووعدوا واستقاموا نجوا من العذاب وفازوا بالنعيم، وإن كذبوا فليس ذلك بضائرة شيئاً، فقد كذب الذين من قبلهم رسلهم كهود وصالح، ونوح من قبل، وما ضر ذلك رسل الله في شيء بل أنجاهم الله وأهلك المكذبين وليس هناك ما يخافه الدعاة إلى الله تعالى من عدم استجابة الأقوام لهم إذ ما عليهم إلا البلاغ المبين وقد بلغوا وبينوا.

 

2- إبراهيم الحجة :

وعن إبراهيم الحجة نقول: لقد أخبر الرب تبارك وتعالى أنه آتى خليله إبراهيم حجته التي تفوق كل حجة، وتعظم سائر الحجج، إنها حجة خالق العقول والحجى يمنحها من يشاء وقد وهبها إبراهيم ليتغلب بها على من يحاجه، ويريد أن يحجه، قال تعالى:{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.

ولما كانت قوة الحجة من أسباب النصر على الخصوم، وكان الداعية المسلم يعتمد على قوة الحجة في دعوته لأن ذلك من أسباب نجاحها فإنا نستعرض هنا موقفين عظيمين لإبراهيم عليه السلام قارع فيهما الحجة وانتصر فيهما على خصوم التوحيد من قومه، ليشاهد من خلال الإستعراض كيف كان الخليل عليه السلام يرد حجج المبطلين، وينتصر على الظالمين والمشركين بما آتاه الله من العلم والحكمة وقوة الحجة لعل من يقتدي به عليه السلام في أساليب دعوته وكيفية استخدام حجة ربه ليظهر على خصومه وينتصر على أعداء دعوته.

 

- الموقف الأول :

كان له مع الطاغية النمرود البابلي الذي ادعى الربوبية أول من ادعاها من الخلق. وقد عرض هذا الموقف القرآن الكريم عرضاً موجزاً في عدة جمل لا تتجاوز العشر حيث قال تعالى من سورة البقرة:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

وعرض هذا الموقف يكون كالتالي بابل من بلاد العراق ملك جبار يقال له النمرود بن كنعان بن كوشى بن سام بن نوح عليه السلام امتد ملكه حتى شمل كل المعمورة يومئذ ودام زمن ملكه نحواً من أربعمائة سنة فغره طول العمر وسعة الملك وقوة السلطان فادعى الربوبية كما ادعاها من بعده فرعون مصر على عهد موسى عليه السلام، فحضر مجلسه إبراهيم عليه السلام بعد حادثة إلقائه في النار ونجاته منها فدعاه إلى الإيمان بالرب تبارك وتعالى فأنكر الطاغية أن يكون هناك رب غيره، وأخذ يناظر إبراهيم في شأن وجود الله تعالى وربوبيته لكل شيء وما حمله على ذلك إلا كبرياؤه واغتراره بسعة ملكه وطول عمره.

وحاول الطاغية أن يقنع إبراهيم بأنه لا رب إلا هو، وأنه هو الرب لا غير فأنكر عليه ذلك إبراهيم ورده وكان الطاغية قد سأل إبراهيم عن ربه فقال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت. فعرفه له بصفاته الخاصة به وهي الإحياء والإماتة وهما من مظاهر وجود الله تعالى وعلمه وقدرته، وتدبيره للكون والحياة. لأن من قدر على إعطاء الحياة وسلبها قادر على كل شيء ممكن وعلمه وقدرته، وتدبيره للكون والحياة. لأن من قدر على إعطاء الحياة وسلبها قادر على كل شيء ممكن في هذه الحياة هو الرب الحق الذي يستحق عبادة الخلق. أما من لا يحيي ولا يميت ولا يرزق الأحياء ولا يدر حياتهم فليس أهلاً للربوبية بحال من الأحوال، وعرف الطاغية أنه مهزوم أمام هذه الحجة الباهرة وقال من أجل الحفاظ على مركزه والبقاء على ما وجهه وصيانة لموافقة المنهار أمام قوة الحق : {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}، بهذا قد اعترف ضمناً أن هنا رباً غيره، كل ما في الأمر أنه هو أيضاً رب يحيي ويميت كما يحيي رب إبراهيم يميت، وتقول الأخبار أنه عمد إلى جانيين في السجن قد استوجبا القتل فدعاهما إلى مجلسه فنفذ حكم الإعدام في أحدهما وعفا عن الآخر. بذلك خدع عقول الحاضرين من أهل بطانته ورجال مجلسه، وأنه فعلاً يحيي ويميت، إلا أن إبراهيم تفطن للخدعة وعرف المغالطة وقال له إنك أحييت حياً ولم تحيي الميت والرب الحق يحيي الميت ويميت الحي وإن بقيت على مغالطتك فإن الله يأتي بالشمس صباح كل يوم من المشرق فأت بها أنت من المغرب. ولم يجد الطاغية في هذا مجالاً للمغالطة والتضليل كما وجد ذلك في الأولى كما أنه لم يجد ما يقدمه حجة تدحض حجة إبراهيم فانقطع الطاغية وبهت وبان زيف حجته وبطلت دعواه، وقامت الحجة عليه لله.

 

نتائج هذه المناظرة :

نلخص ثمرة هذا الموقف في النقاط الست التالية:

1- قوة السلطان وسعة الملك وطول العمر من موجبات الغرور والطغيان للإنسان.

2- الدعاة يغشون مجالس الملوك لنصحهم ووعظهم وإرشادهم، أو لدعوتهم إلى ربهم. ولا ينقص ذلك من شرفهم ولا يمس بكرامتهم.

3- صاحب الرسالة يبلغها ولا يهاب في ذلك سلطاناً ولا يخاف بطشاً ولا عدواناً.

4- الإدلاء بالحجة يكون بعد الإنكار أو ظهور علاماته.

5- الإنكار بالحجة من القوية إلى الأقوى لإفحام الخصم وإقامة الحجة عليه.

6- النصر والغلبة لدعاة الحق وناصريه، والهزيمة والإنكسار لدعاة الظلم والقائمين عليه.

وأخيراً أن السر في هذا الإنتصار الباهر الذي حققه إبراهيم على خصمه النمرود عليه لعائن الله تعالى هو موالاة الله تعالى لإبراهيم فإن من والاه الله تعالى أخرجه من كل ظلمه، وأمده بكل نور وبه ينتصر ويظهر إذ ذكرت هذه القصة تدليلاً على قوله تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

 

الموقف الثاني :

جاء هذا الموقف في قول الله تعالى من سورة الأنعام، {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

ولنستعرض أحداث هذا الموقف على النحو التالي:

أنه بعد أن ألان إبراهيم جانبه لوالده وعرض عليه دعوة الله تعالى في لطف وظرف وأدب ازداد عتو آزر وظهر إصراره على كفره، وعدم تراجعه عن موقفه العدائي لإبراهيم داعي الله تعالى الأمين. هنا تغير موقف إبراهيم إزاء آزر فاتسم بنوع من الشدة والصرامة فقال ما قصه الله تعالى في كتابه من سورة الأنعام:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} وفي هذا تصريح كامل بتضليل آزر وقومه خالٍ من كل مواربة أو مجاملة.

ورأى إبراهيم عليه السلام أن يسلك في هداية قومه طريق الوقوف بهم على مظاهر الكون وآيات الله فيه ليريهم خطأهم في عبادة غير الله تعالى من تلك الأصنام التي لا تخلق شيئاً ولا تنفع ولا تضر أحداً علهم يثبون إلى رشدهم ويعودون إلى عبادة ربهم الحق الذي خلقهم ورزقهم ويميتهم ثم يحييهم وهو على كل شيء قدير.

فلما أظلم الليل بغروب شمس النهار وطلع كوكب من الكواكب المنيرة ونظر إليه وقال في أسلوب استفهامي إنكاري: هذا ربي أي أهذا ربي؟ كما يزعمون؟ فلما أفل الكوكب وغاب بغروبه في الأفق قال: لا أحب الآفلين. وبذلك قرر عدم صلاحية الكوكب للألوهية لذهابه، وطلب غيره مما يصلح لذلك. فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل القمر، قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين. فأرى إبراهيم قومه وأسمعهم أنه باحث عن آية طالب له متطلع إلى يوم يعرف فيه ربه الذي خلقه ورزقه وخالق كل العالمين حتى رأى الشمس بازغة وهي أعظم كوكب في السماء وأكثر الكواكب إشراقاً ونوراً وضياءً. فلما رآها قال هذا ربي هذا أكبر. فلما أفلت بغروبها وذهاب جرمها واختفائه عن أعين الناس واجه قومه بالحقيقة التي ينشدها لهم يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين. وهنا حاجه قومه في توحيد ربه فأنكروا عليه ذلك كما أنكروا عليه براءته من آلهته فانبرى لهم قائلاً: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ}، فكيف يصح عقلاً أن أتنكر لربي رب السماوات والأرض فأنكر وجوده وأنكر توحيده، والحال أنه قد هداني لمعرفته فعرفته وإلى صراطه المستقيم فسلكته، أبعد كل هذا تحاجوني في ربي أما ترعون، أم أنكم قوم لا تعقلون؟. ولما رأوا من إبراهيم الإصرار على التوحيد، وإبطال الشرك والتنديد به، وشاهدوا استخفافه التام بآلهتهم المدعاة الباطلة خوّفوه بآلهتهم، وأنها ستنتقم لنفسها ولعابديها منه إن هو بقي على معاداتها والإستخفاف بها والسخرية منها.

فرد عليهم إبراهيم قائلاً: سأبقى على توحيد الله، وعلى الدعوة إليه، مندداً بشرككم ساخراً من آلهة باطلكم، ولا أخاف تلك الآلهة التي تشركون بها إن تصيبني بشيء، إذ أنها لا تنفع ولا تضر لضعفها وحقارتها إن هي إلا أصنام نحتموها بأيديكم، وعبدتموها بأهوائكم، فكيف تضر، أو يخاف منه ضر أو شر، اللهم إلا إذا أراد ربي أن يصيبني بشيء عقوبة لي على تقصير مني في عبادته، أو ابتلاء لي في طريق دعوته للصبر عليها، أو أتخلى عنها فإن ذلك من مقتضيات حكمة الله وعلمه، فقد وسع ربي كل شيء علماً.

ثم بعد إقامة الحجة عليهم في بطلان آلهتهم وعجزها عن إصابته بأي أذى أو سوء لم يرده الله تعالى له. أقبل عليهم يوبخهم بجهلهم وغفلتهم وعدم تذكرهم إذ لو علموا بطلان ما هم عليه، ولم يجهلوا الحق الذي يدعون إليه، ولم يغفلوا عن واقع الحياة التي يعيشون وتذكروا في أنفسهم أن ما يخوفون به إبراهيم إنما هو جماد لا حياة فيه، ولا سمع ولا بصر له فكيف يمكنه أن يضر إبراهيم، أو يناله بأدنى سوء، لما خوفوه عليه السلام بما اتخذوا من أصنام آلهة ولكنهم جهلاء غافلون فاقدون لكل تدبر أو تذكر.