|
|
|
|
|
قبسات من أخلاق النبوة |
|
الشيخ محمد المجذوب |
|
|
|
|
|
|
|
سئلت عائشة عن أخلاق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت:"
كان خلقه القرآن " وتريد بذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان في مسلكه الخلقي
محققاً لأدب القرآن في كل ما أحبه اللّه من الصفات العليا، وكمثل من ذلك نذكر أن
اللّه تعالى أمر بالوفاء بالعهد فكان صلى اللّه عليه وسلم أوفى الناس بعهد، وأمر
بالتواضع فكان أكرم الخلق تواضعاً، وأمر بالعبادة فكان أكثر العباد إقبالاً على
العبادة، وحث على الشجاعة في الحق فكان أشجع البشر، وحبب للمؤمنين الصفح والعفو
فكان صلى اللّه عليه وسلم أعفى الخلق وأصفحهم، وحض على الرحمة والبر فلا يعرف من
يدانيه رحمة وبراً.. |
|
وهكذا نعلم أنه صلى الله
عليه وسلم كان يمثل سلوكه الكامل أكرم الأخلاق التي رغب الله فيها عباده
الصالحين.. حتى كان صلى الله عليه وسلم يقول:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " فهنا
يجعل تثبيت الفضائل الخلقية بمثابة الهدف الأعلى لرسالته صلوات اللّه وسلامه
عليه. |
|
لمحة عن شجاعته: |
|
كان صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى في الشجاعة، قد تجلت
شجاعته في الناحيتين المعنوية والحسية على السواء،
ولكي ندرك مبلغ شجاعته المعنوية نتذكر أنه قد وقف بدعوته الربانية في وجه
العالم، إذ كان العالم قد انصرف كله عن طريق الله وغرق في بحر من المعاصي
والآثام والشرك، فثبت على دعوته يحتمل في سبيلها أشد ألوان الأذى والبلاء. وقد حاولت قريش معه مختلف الوسائل حتى الإغراء بالملك والمال
فلم يزدد إلا ثباتاً وتصميماً، حتى كتب الله له الفلاح، وأظهر دينه على الدين
كله.. أما شجاعته الحسية فلا مثيل لها في ما عرف في
تاريخ الناس، يستوي في ذلك عهده السابق للبعثة وعهده النبوي.. وقد تجلت شجاعته
لعهده الأول في جهره بالكره لآلهة قريش على ملأ من عُبَّادها إذ أقسم بأنه لا يبغض شيئاً
بغضه لها. وذات مرة خرج في قافلة بعض أعمامه إلى اليمن وكان في سن الحداثة. وفي
أحد الأودية واجههم فحل من الإبل مستوحش جامح فلم يجرؤ على الدنو منه أحد سواه
فتغلب عليه وكبح جماحه.. أما شجاعته بعد البعثة فعجب
من العجب لقد ثبت يوم حنين في وجه الآلات من هوازن.
بعد أن تفرق عنه الناس خوفاً من الكمين المفاجئ وهو يهتف بالأعداء:" أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " وحسبنا
في ذلك ما روى عن علي رضي الله عنه:" إنا كنا إذا حمى البأس واحمرَّت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد
أقرب إلى العدو منه " وطبيعي أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم تعبيراً
عن ثقته التامة بربه وتحقيقاً للتوجيه الآلهي الحكيم
في قوله تعالى:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا
كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}. |
|
لمحة عن وفائه : |
|
إن الحديث عن وفاء محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة
وبعدها طويل لا يقوم به الإيجاز بالغاً ما بلغ وحسبنا من أمثلته بعض الحوادث
يقول عبد الله بن أبي الحماء:" بايعت محمداً
ووعدته أن آتيه فنسيت فذكرته بعد ثلاثة أيام فإذا هو في مكانه ولما رآني لم يزد
على أن قال:" لقد شققتَ علي، أنا هنا منذ ثلاثة
أيام أنتظر.." هذا وفاؤه في الجاهلية أما في الإسلام فلنذكر من
أمثلته الكثيرة موقفه يوم الحديبية من أبي جندل بن سهيل
بن عمرو، فقد جاء يرسف في قيود المشركين طالباً إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم الحماية. |
|
ولكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان قد اتفق مع سهيل أبيه أن يسلم إلى قريش من لجأ إليه من المسلمين دون
إذن وليه، فرد أبا جندل وفاء بعهده الذي لم يكن قد كتب بعد. |
|
وفتح مكة نفسه إنما حدث بسبب وفاء رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم لحلفائه من خزاعة، ذلك لأن قريشاً نقضت
عهدها اعتدت على خزاعة فجاء كبيرها
سالم الخزاعي يطالب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
بالعهد، فلم يتردد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلبث إلا ريثما جمع جنوده وزحف على مكة ففتحها
اللّه عليه. |
|
ولا عجب في ذلك فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما يطبق بذلك
أمر الله الذي يقول كتابه الحكيم {وَأَوْفُوا
بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}. |
|
تواضعه وسماحته: |
|
كان صلى الله عليه وسلم
أحسن الناس تواضعاً، وأكثرهم لطفاً وسماحة وبعداً عن التكليف يعامل بذلك أبعد
الناس وأقربهم على السواء. |
|
زار رسول الله صلى الله
عليه وسلم منزل أحد الصحابة ذات يوم فسلم فرد صاحبه رداً خفياً. وحين لم يسمع رد الرجل عاد من حيث أتى فأتبعه الرجل قائلاً:
يا رسول اللّه إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك رداً خفياً لتكثر علينا من السلام
فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. |
|
لقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ظن أن صاحبه لا
يأذن له بالدخول ثم عاد فدخل حين علم برغبته في دخوله، وكان من عادته صلى اللّه
عليه وسلم أن يعاقب مع رفاقه على مطيته فيركب حيناً ويمشى حيناً، وكان يردف
عليها ويروي جابر أنه صلى الله عليه وسلم كان يتخلف في السير فيزجي الضعيف ويردف
ويدعو لهم. وذات يوم كان في سفر أصحابه ولما أرادوا إعداد الطعام تقاسموا العمل
بينهم فقام صلى الله عليه وسلم يجمع الحطب وأبى أن يقوم أحد عنه بذلك. |
|
ومن صفاته الأخلاقية صلى
الله عليه وسلم أنه كان يبدأ الناس بالسلام وإذا تحدث إلى أحد انصرف إليه بكله،
وإذا صافح أحدهم لم يبدأ بسحب يده. يجلس حيث ينتهي به
المجلس، يرفع ثوبه ويخصف نعله ويخدم نفسه وأهله: ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة
والمسكين. |
|
ولا غرابة في شيء من ذلك
فهو قدوة المؤمنين والمثل الأعلى للأخلاق التي يحب الله أن يتحلى بها المجتمع
الإسلامي. وهو الذي يقول:" إن من أحبكم إلي
وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً
" ويقول:" لا يدخل الجنة من كان في
قلبه ذرة من كبر " وحسبه مدح ربه له بقوله الحكيم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ}، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ
لِلْمُؤْمِنِينَ}. |
|
رحمته صلى اللّه عليه وسلم: |
|
وصف اللّه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}
وأنه {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ
رَحِيمٌ} فكان صلى اللّه عليه وسلم يقول:"
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "، " لا تنزع الرحمة إلا من شقي " وقد وصف نفسه فقال صلى
الله عليه وسلم:" إنما أنا رحمة مهداة "
وقد تجلت هذه الميزة في أفعاله صلى الله عليه وسلم جميعاً لم يعامل بها أصحابه
وأقرباءه وحدهم، بل شمل بها الصديق والعدو والحيوان والإنسان، وهو بذلك يخالف
عادة العرب الذين نشأ فيهم وعاصروه، إذ كانت الجفوة والقسوة أبرز أخلاقهم حتى إن
أحدهم رأى ذات مرة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقبل الحسين فاستغرب ذلك وقال:
إن لي عشرة أولاد ما قبلت أحداً منهم. وقال له أعرابي آخر أتقبلون
الصبيان؟ فما نقبلهم فقال صلى اللّه عليه وسلم:" أَو أملك لك أن نزع اللّه من قلبك الرحمة "
ورأى صلى الله عليه وسلم مرة حُمَّرةً ترفرف.. فقال:"
من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها ". |
|
ومن رأفته بالحيوان قوله صلى الله عليه وسلم:" دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها
تأكل من خشاش الأرض " وسئل مرة يا رسول اللّه: وإن لنا في البهائم
لأجراً؟ فقال:" في كل كبد رطبة
أجر ".. |
|
وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحفاوة بالمساكين ومن
قوله فيهم:" ابغوني
ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ". ولذلك أحبه الضعفاء والأرقاء
حباً عجيباً، حتى أن مملوكه زيد بن حارثة آثره على والده، وقد روى عن أنس رضي
اللّه عنه أنه قال:" خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال
لي أفٍ قط ". |
|
وسئل مرة أن يلعن أعداءه فقال:"
ما جئت لَعَّاناً بل رحمة " وقد أصيب أعداؤه في مكة بعض السنين بضيق
وجدب فأرسل إليهم بمعونة كريمة، وهم الذين أخرجوه وآذوه وعذبوا أصحابه، وما
كانوا ليدخَّروا وسعاً في سبيل إيذائه.. وبعد فهذه
أمثلة يسيرة من أخلاق سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم. |
|
وهي قطرات من بحر لا سبيل إلى استيعابه في صفحات قليلة..
وهى على غرابتها بالنسبة إلى المألوف، لا تُستغرب من إنسان اصطفاه اللّه ليكون
رحمة للعالمين، وأسوة للمتقين، والأنموذج الأمثل
للعبد الرباني الذي يمثل بسلوكه الأعلى أخلاق القرآن العظيم. |
|
ونحن حين نعرض هذه الأمثلة من أخلاق المصطفى صلى الله عليه
وسلم لا ننسى أن أول واجباتنا نحوها هو التقرب منها
ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، واتخاذها القدوة المثلى
لسلوكنا أفراداً وجماعات، في وقت أصبحت الأخلاق الفاضلة فيه غريبة مستغربة،
وبذلك نعيد لمجتمع الإسلامي ميزاته الفضلى وصفاته المثلى،
التي بها جعل الله المسلمين الأولين {خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..} ويومئذ نكون قد حققنا في أنفسنا ما
أحبه الله لنا، وما دعانا لتطبيقه في قوله الخالد:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} 33 ، 21. |