طباعة

 توثيق النص

 

 

 

من أبحاث فقه السنة

سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء

لفضيلة الدكتور أحمد علي طه ريان / الأستاذ المساعد بكلية الحديث الشريف

 

 

تقديم : الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وزوجاته أمهات المؤمنين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد: فمن المعلوم أن الشريعة الإسلامية قد جمعت إلى جانب ما امتازت به من المبادئ السامية والمثل العليا، والعقائد السمحة، والأخلاق الكريمة - كثيراً من القواعد التشريعية التي لها صفة الدوام والإستمرار في الشرائع السماوية السابقة.

وتعتبر من أجل تلك القواعد شأناً وأعظمها أثراً؛ السنن التي فطر الله الناس عليها، وجعلها لهم بارزة من السمات التي تميزهم عن غيرهم من مخلوقاته.

ونظراً لأن هذه السنن تعتبر من الأسس الهامة التي اتفقت عليها كل الشرائع لانسجامها مع التكوين الفطري للإنسان؛ كان لها هذا الإهتمام البالغ من بين السنن النبوية الكريمة؛ فقد أفردها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه، وحض على الإلتزام بها، كما أنه ميّزها عن غيرها من السنن بهذا الوصف الرائع الذي يشير إلى أنها لازمة للإنسان باعتباره إنساناً بغض النظر عن لونه أو عنصره أو دينه، وهو وصف الفطرة.

لذلك كانت هذه السنن بحاجة إلى إلقاء الضوء عليها بوجه خاص لإبراز، ما انطوت عليه من معان سامية وحكم بالغة وقواعد شرعية هامة حتى يتسنى للمسلمين التعرف والعمل بها، فيحرزوا بذلك فضيلة العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن الأنبياء قبله صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين، فنقول وبالله التوفيق:

 

بعض النصوص الواردة في سنن الفطرة

روى الإمام مسلم في صحيحه؛ عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمر والناقد وزهير بن حرب، جميعاً عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن الني صلى الله عليه وسلم قال: " الفطرة خمس. أو خمس من الفطرة: الختان والإستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب ".

كما رواه عن غير طريق سفيان؛ قال: حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحي؛ قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الفطرة خمس " وذكر الحديث [1].

2- وقال أيضاً في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن أبي شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط وحلق العانة، وانتقاص الماء ". قال زكريا: قال مصعب:" ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة ". زاد قتيبة: قال وكيع:" انتقاص الماء يعني الإستنـجاء" [2].

3- وقال أبو داود حدثنا يحي بن معين: أخبرنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن أبي شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها. ثم ساق الحديث السابق كما في مسلم. إلا أنه ذكر رواية أخرى قال: حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا أخبرنا حماد عن عليّ بن يزيد عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من الفطرة: المضمضة والإستنشاق ". فذكر نحوه ولم يذكر: إعفاء اللحية، وزاد : "والختان". قال "والإنتضاح". ولم يذكر انتقاص الماء؛ يعني الإستنجاء ".

قال أبو داود: وروى نحوه عن ابن عباس؛ وقال " خمس كلها في الرأس " وذكر فيه الفرق..

ولم يذكر إعفاء اللحية [3].  

وقد أخرج ابن ماجه حديث عمار بن ياسر بنفس اللفظ الذي ساقه به أبو داود. مع تقديم بعض الحروف على بعض [4].

وقد أخرج أبو عوانة في مستخرجه حديث عائشة بلفظ " عشر من السنة "، ذكر فيه الإستننثار بدل الإستنشاق [5].

 

أولاً: هذه النصوص من حيث الإسناد:

قال الحافظ العراقي: حديث أبي هريرة أخرجه الأئمة الستة فردوه - خلا الترمذي- من طريق سفيان بن عيينة. والترمذي والنسائي، أيضاً، من رواية معمر، والنسائي أيضاً من رواية يونس بن يزيد ثلاثتهم عن الزهري عن ابن المسيب ورواه النسائي من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة [6] وأقول بل مسلم رواه أيضاً عن غير طريق سفيان. فرواه - كما في الرواية الثانية- عن ابن وهب عن يونس.

أما حديث عائشة فقد أخرجه مسلم في صحيحه، وحسنه الترمذي كما أخرجه النسائي وابن ماجه. وقد ضعف النسائي رفعه. فإنه قد رواه موقوفاً على طلق بن حبيب؛ ثم قال: إنه أولى بالصواب من حديث مصعب بن شيبة. قال: ومصعب بن شيبة منكر الحديث [7] وجاء في شرح الترمذي: إن مصعب بن شيبة، لين الحديث؛ ثم نقل بعد ذلك قول الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: مصعب بن شيبة وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما؛ فحديثه حسن وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره: فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ [8].

وقد اختلف فيمن حدث منه النسيان والشك في الخصلة العاشرة، وهي المضمضة، فذكر مسلم وأصحاب السنن؛ أن مصعباً هو الذي نسي العاشرة، ووقع في رواية لمسلم أن الذي نسيها هو زكريا بن أبي زائدة والأول أكثر وأشهر.

وفي سن النسائي عن سليمان التيمي:" وأنا شككت في المضمضة إلا أن سليمان جعل الحديث من قول طلق "، وقال النسائي:" إنه أشبه بالصواب " [9].

والقائل: إلا أن تكون المضمضة؛ يحتمل أن يكون هو مصعب، ويحتمل أن يكون الراوي عنه هو الذي ذكرها.

وقد جزم بعدِّ المضمضة فيها أبو بشر بن إياس الراوي له عن طلق.. وقال النسائي؛ وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس و أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة [10].

وكذلك هو ثابت في حديث عمار بن ياسر عند أبي داود وابن ماجه [11].

وقد وافق النسائي في ترجيح رواية كل من سليمان التيمي وجعفر ابن إياس: الدارقطني في العلل. فقد نقل الحافظ السيوطي عنه قوله: هما أثبت من مصعب ابن أبي شيبة وأصح حديثاً. ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: مصعب بن أبي شيبة أحاديثه مناكير، منها عشرة من الفطرة.

ولا ذكر ابن منده أن مسلماً أخرجه قال: تركه البخاري فلم يخرجه، وهو حديث معلول رواه سليمان التيمي عن طلق ابن حبيب مرسلاً [12].

قال ابن دقيق العيد:لم يلتفت مسلم لهذا التعليل لأنه قدم وصل الثقة عنده على الإرسال - ثم - قال: وقد يقال في تقوية رواية مصعب : إن تثبته في الفرق بين  ما حفظه وبين ما شك فيه؛ جهة مقوية لعدم الغفلة. من لا يتهم بالكذب إذا ظهر منه ما يدل على التثبت قويت روايته، وأيضاً لروايته شاهد صحيح مرفوع في كثير من هذا العدد من حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان [13].

وقال الترمذي: هذا حديث حسن [14].

وتقدم ما نقلناه عن الحافظ ابن حجر من قوله في مصعب: وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما؛ فحديثه حسن وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ [15].

أما حديث عمار بن ياسر؛ الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه، وأشار إليه الترمذي [16] فقد صحح أكثر المحدثين إرساله؛ لأنه قد جاء في بعض روايات عن أبيه محمد بن عمار بن ياسر؛ ومحمد بن عمار ليست له صحبة. قاله المنذري في التخليص [17].

وجاء في رواية أخرى عن سلمة عن عمار بن ياسر؛ قال البخاري: إنه لا يعرف لسلمة سماع من عمار [18].

أما من حيث المعنى: فلم يزد حديث عمار عما جاء في حديثي أبي هريرة وعائشة سوى ذكر الإنتضاح وقد وردت فيه أحاديث كثيرة بحيث لو ضم بعضها إلى بعض لكانت مقوية له؛ من هذه الأحاديث: ما أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن سفيان بن الحكم الثقفي - أو الحكم بن سفيان الثقفي - قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بال يتوضأ – توضأ – وينتضح " [19]. وقد اختلف في سماع الثقفي هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال النمري له حديث واحد في الوضوء. وهو مضطرب الإسناد [20]. ومنها: ما جاء عن أسامة بن زيد أن جبريل عليه السلام لما نزل على  النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه الوضوء. فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها نحو الفرج فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرش بعد وضوئه.

رواه أحمد وفيه رشدين بن سعد وثقة هيثم بن خارجة وأحمد بن حنبل في رواية وضعفه آخـرون [21].

وقد أخرج ابن ماجه؛ حديث أسامة من طريق أخرى لكن فيها ابن لهيقة - وفيه كلام - [22].

ومنها ما أخرجه: الترمذي وابن ماجه من أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأت فانتضح " [23].

 قال الترمذي: هذا حديث غريب: قال وسمعت محمداً يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث [24].

ومنها: ما أخرجه ابن ماجه عن جابر قال:" توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنضح فرجه " [25]. وفيه قيس بن عاصم وهو ضعيف [26].

وقد أخرج النسائي حديث الحكم السابق فقال فيه: عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن الحكم عن أبيه:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا ووصف شعبة، نضح به فرجه " فذكرته لإبراهيم فأعجبه [27].

ومن شأن هذه الطرق الكثرة: أن يقوي بعضها بعضاً تجعل الحديث صالحاً للعمل به إن شاء الله.

أما أثر ابن عباس الذي أشار إليه أبو داود؛ فقد وصله عبد الرازق في تفسيره والطبري من طريقه بسند صحيح واللفظ لعبد الرازق: أخبرنا معمر بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} الآية [28] قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والإستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة والختان ونتف الإبط. وغسل أثر الغائط والبول بالماء " [29].

وذكر الحافظ ابن حجر أن أبا حاتم قد أخرج أثر ابن عباس هذا من وجه آخر؛ فذكر فيه غسل الجمعة بدل الإستنجاء [30].

ويلاحظ هنا: أن أثر ابن عباس قد زيد فيه في الرواية الأولى على ما جاء في حديثي عائشة وأبي هريرة: الفرق. كما زيد فيه في الرواية الثانية. غسل الجمعة. أما - فما عدا هاتين الخصلتين فهو متفق مع الحديثين السابقين عن عائشة وأبي هريرة.

وهذا الأثر وإن كان موقوفاً على ابن عباس إلا أن السنة الصحيحة قد وردت بكل ما جاء فيه، ونذكر ذلك بإيجاز فيما يلي:

 أ – إن ما عدا الخصلتين السابقين: الفرق وغسل الجمعة فمذكور في حديثي أبي هريرة وعائشة كما أشرنا إلى ذلك قريباً.

ب - إن خصلة فرق الشعر لها شاهد في عدد من الصحاح؛ فقد أخرج البخاري في صحيحة والنسائي وابن ماجه واللفظ للبخاري: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه. وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد " [31].

ولفظ ابن ماجه والنسائي " وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه " [32].

وقد علل العلامة السندي في تعليقه على سنن ابن ماجه؛ حبه صلى الله عليه وسلم لموافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، قال: لاحتمال استناد عملهم إلى أمره تعالى أو لتألفهم .. وذلك قبل أن يطلع على أحوالهم ويتكشف له أنهم أبغض الناس إلى الله وأن التآلف لا يؤثر فيهم " [33].

وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت:" كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم ". قال عبد الله:" في مفرق النبي صلى الله عليه وسلم " [34].

جـ- أما الغسل يوم الجمعة فقد ثبت وروده في جملة من الأحاديث: نشير إلى بعض الصحيح منها: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل " [35]. ولفظ البخاري: " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " [36].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " متفق عليه [37].

أما خصلة الإستنثار التي وردت في حديث عائشة بدل الإستنشاق في مستخرج أبي عوانة فقد وردت في عدد كبير من الأحاديث الصحيحة تشير إلى بعضها فيما:

ما جاء في حديث عبد الله بن زيد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:" فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء" [38] ولفظ مسلم "فمضمض ثم استنثر ثم غسل وجهه "[39].

ومنها حديث أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم " إذا استجمر أحدكم وتراً وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر " [40].

ومنها حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا استيقظ أحدكم من منامه فلينتثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه " [41].

 

ثانياً : عدد خصال الفطرة:

يستفاد مما ذكر: أن العدد - خمس، أو عشر - لا مفهوم له، وأن خصال الفطرة كثيرة، وليست محصورة في الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة، أو العشر المذكورة في حديث عائشة؛ فقد وجدنا ثلاث خصال أخرى في حديث عمار والأثر الوارد عن ابن عباس كما وجدنا رابعة فيما أخرجه أبو عوانة في مستخرجه.

 وبذلك تبلغ هذه الخصال خمس عشرة خصلة [42].

وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي:" إن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة ". ثم تعقبه ابن حجر بقوله:" إن أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك فلا ينحصر في الثلاثين بل تزيد كثيراً ". فقد أخرج الترمذي من حديث أبي أيوب رفعه " أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح ". وقد اختلف في ضبط " الحياء " فقيل هي بفتح المهملة وفتح التحتانية وقد ثبت في الصحيحين " الحياء من الإيمان " وقيل هي بكسر المهملة وتشديد النون "الحِنَّاء" فعلى الأول: خصلة معنوية تتعلق بتحسين الخلق. وعلى الثاني: خصلة حسية تتعلق بتحسين البدن. وأخرج البزار والبغوي في معجم الصحابة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق فليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده رفعه " خمس من سنن المرسلين " فذكر الأربعة إلا النكاح وزاد: " الحلم والحجامة " وهكذا [43]..

وأما قول مسلم في حديث أبي هريرة عن طريق يونس بن يزيد عن الزهري. "الفطرة خمس"، وكذلك رواية النسائي من طريق سفيان: "الفطرة خمس"؛ فإن سفيان قد رواه على الشك كما هو عند مسلم من طريقه أيضاً: "الفطرة خمس أو خمس من الفطرة"؛ فإما أن يكون الشك منه أو ممن فوقه أو من الرواة عنه [44].

وقد وقع في رواية أحمد: "خمس من الفطرة "ولم يشك. وكذا في رواية معمر عن الزهري عند الترمذي والنسائي [45]. وقد قال ابن دقيق العيد: دلالة مِن على التبعيض: فيه أظهر من دلالة هذه الرواية على الحصر [46].

وقد أجاب العلماء عن هذا الإختلاف الواقع في ذكر عدد خصال الفطرة في الأحاديث السابقة بأجوبة كثيرة من أهمها ما يلي :

الأول :

أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أفرد ذكر الخمس الواردة في حديث أبي هريرة لبيان شدة الحاجة إليها وأنها أهم من غيرها ويؤكد ذلك حديث ابن عمر عند النسائي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الفطرة: " قص الأظفار وأخذ الشارب وحلق العانة " فاقتصر فيه على ثلاث خصال وقد رواه البخاري بلفظ : " من الفطرة : حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب " [47] فهو من باب قوله صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة " و"الحج عرفة" وهو كثير [48].

الثاني :

أن يكون قد أعلمه الله تعالى ببعض الخصال فأخبر بها ثم أعلمه بعد ذلك بالزيادة الواردة في الأحاديث الأخرى على تقدير صحتها [49].

 

ثالثاً : عبارة " سنن الفطرة " بين الوضع اللغوي والإصطلاح الشرعي :

السنن : جمع سُنّة تطلق في الأصل على عدة معان من بينها ما يلي :

1- إنها تطلق على الوجه لصقالته وملاسته:تقول وجه مسنون؛ أي مخروط أسيل كأن قد سنّ اللحم عنه. ومن هذا ما حكاه صاحب الفائق في غريب الحديث؛ " أن النبي صلى الله عليه وسلم حصّه على الصدقة فقام رجل قبيح السُّـنَة صغير القِـمّة يقود ناقة حسناء جملاء فقال "هذه صدقة" [50].

2- ومنها: أن السنة تطلق على الطريقة والسيرة حسنة كانت أو سيّئة, ومنه ما جاء في الحديث المشهور: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "[51] وفي مجمع الزوائد: عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من سنّ سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك. ومن سنّ سنة سيئة فعليها إثمها حتى تترك .. الحديث " رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون [52].

ويرى بعض اللغويين: أن السنة إذا أطلقت إنما يقصد بها: الطريقة المحمودة فقط. جاء في التهذيب: السنة هي الطريقة المحمودة المستقيمة. فإذا قيل فلان من أهل السنة؛ معناه: أنه على الطريقة المستقيمة المحمودة. وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. أو من سننت الإبل؛ أي أحسنت رعيتها والقيام عليها.

أما السنة في لسان الشرع : فإنها إذا أطلقت فيه فإنما يراد بها: كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير من غير القرآن. والبعض أضاف: أو كان صفة له صلى الله عليه وسلم كما أضاف الشاطبي ما كان قد سنه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم كجمع المصحف وتدوين الدواوين. وما كان عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم [53] مستدلاً بما جاء في الحديث العرباض بن سارية عند أبي داود " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ"  وحديث أبي هريرة من قوله عليه الصلاة والسلام: " تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال:" ما أنا عليه وأصحابي " [54] وغير ذلك.

ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة؛ القرآن والحديث، ومنه ما جاء في الحديث:" إنما أُنَـسيَّ لأسن " [55] أي إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الصراط المستقيم وأبين لهم ما يفعلوه إذا عرض لهم نسيان.

وإذا قيل سنة الله: كان المراد: أحكامه وأمره ونهيه. و سنّ الله الأحكام للناس؛ بينها لهم- وسنه الله سنة، أي بينه طريقاً قويماً قال الله تعالى:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ}[56] أي  سنّ الله ذلك في الذين نافقوا الأنبياء وأرجفوا بهم؛ أن يقتّلوا أين ما ثقفوا أو وجدوا [57].

والفطرة: بكسر الفاء وتسكين الطاء المهملة؛ من الفطْر بمعنى الشق تقول: فطر ناب البعير أي شق اللحم وطلع.

وقيل الأصل فيه: الإبتداء و الإختراع: تقول: فطر الله العالم: أي أوجده ابتداء واخترعه- وفي التنزيل على لسان سيدنا إبراهيم {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفا}[58] والجمع منه: فطور: وفي التنزيل { هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} الآية [59]. 

والفطرة: هي الحالة منه وصارت تطلق على عدة معان من بينها ما يلي:

أ- صدقة الفطر، وقد اختلف في سبب تسميتها بذلك: فقال الحافظ بن حجر:" لأنها تجب بالفطر من رمضان ".. وقال: ابن قتيبة:" المراد بصدقة الفطر؛ صدقة النفوس، مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة " [60].

ب- الخلقة التي يكون عليها كل مولود أول خلقه في رحم أمه، قال تعالى:{الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}[61] أي خلقني. وقوله تعالى:{وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} الآية [62]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة " يعني الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة فإذا ولده يهوديان هوّداه في حكم الدنيا، أو نصرانيّان نصّراه في حكم الدنيا، أو مجوسيان مجّساه في حكم الدنيا، أي أن حكمه في الدنيا حكم أبويه حتى يعبر عنه لسانه، فإن مات قبل بلوغه مات على ما سبق له من الفطرة التي فطر عليها. فهذه هي فطرة المولود [63].

وقال ابن الأثير:" المعنى أنه يولد على نوع من الجبلة والطبع المهيأ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها. وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد.."[64]

وقيل المعنى: كل مولود يولد على معرفة الله تعالى والإقرار به فلا تجد أحداً إلا وهو يقر بأن له صانعاً وإن سماه بغير اسمه ولو عبد معه غيره [65].

جـ- الإبتداء والإختراع: وفي التنزيل العزيز:{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} [66] قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما، أنا فطرتها أي ابتدأت حفرها "[67].

وقد اختلف العلماء في بيان المعنى المراد من سنن الفطرة الواردة في هذه الأحاديث التي هي قيد البحث: فقال الحافظ أبو سليمان الخطابي: فسر أكثر العلماء، الفطرة في هذه الأحاديث بالسنة؛ وتأويل ذلك: أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم بقوله تعالى:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الآية [68]، أول من أمر بها إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم  التسليم. ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ} الآية [69] قال  ابن عباس رضي الله عنهما: أمره بعشر خصال ثم عددهن فلما فعلهن، قال:{إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}[70] يقتدى بك ويستن بسنتك، وقد أمرت هذه الأمة بمتابعته خصوصاً. وبيان  ذلك في قوله تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [71] ويقال كانت عليه فرضاً  وهن لنا سنة [72].

وبعد أن ذكر العراقي حكاية الخطابي عن أكثر العلماء، بأن الفطرة هي السنة، قال: ويدل عليه: رواية أبي عوانة في المستخرج لحديث عائشة:" عشر من السنة " [73] ومعلوم أن مراده  بالسنة: هي الطريقة المحمودة التي استنها الأنبياء عليهم السلام.

ويرى فريق آخر من العلماء أن المواد بالسنة في أحاديث الفطرة؛ هي السنة التي تقابل الواجب عند الفقهاء. وهي: ما طلبه الشارع طلباً غير جازم [74].

وهذا الرأي غير ظاهر: إذ ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب بعض هذه الخصال، فقد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي قوله في شرح الموطأ: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث - يقصد حديث أي هريرة: خمس من الفطرة - كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين. إلا أن الحافظ لم يرتض هذا القول من ابن العربي؛ فقد تعقبه بقول أبي شامة: بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهي النظافة؛ لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كاف [75].

ويقوي وجهة ابن العربي ما قاله ابن دقيق العيد- نقلاً عن بعض العلماء- من أن الأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه؛ أن يكون من أركانه لا من زوائده حتى يقوم دليل على خلافه. وقد ورد الأمر باتباع  إبراهيم عليه السلام، وقد ثبت أن هذه الخصال، أمر بها إبراهيم عليه السلام، وكل شيء أمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به .

وقد يناقش هذا، بأن وجوب الإتباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه. بل يتم الإتباع بالإمتثال، فإن كان واجباً على المتبوع كان كذلك في حق التابع وعلى ذلك فيتوقف ثبوت هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل عليه السلام [76].

وسيأتي لهذا الموضوع مزيد من بيان في شرحنا للأحكام التي تستفاد من هذه الخصال - إن شاء الله .

ويرى فريق ثالث؛ أن المراد بالفطرة هنا: أصل الدين الذي اتفقت عليه كل الشرائع كقوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ.. الآية} [77] وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج. وقال النووي في شرح المهذب جزم الماوردي والشيخ أبو إسحاق؛ بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث، الدين[78] وهذا الرأي من شأنه أن يقوي وجهة ابن العربي في القول بوجوب الخصال الخمس الواردة في حديث أبي هريرة.

ويرى فريق رابع؛ أن المراد بالفطرة هنا: الإسلام، ومنه قول حذيفة:" لو مت على هذا مت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم " [79] وعليه قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ اللبن ليلة الإسراء " أصبت الفطرة " [80].

وقد أشار القاضي البيضاوي إلى أنه لا تعارض بين هذه المعاني جميعاً حيث قال في بيان الفطرة المرادة هنا: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليها [81]..

 

رابعاً : أهمية الإستمساك بهذه الخصال :

يترتب على الإستمساك بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية نشير إلى أهمها فيما يلي :

1- في التمسك بهذه الخصال شرف الإتباع لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وسنن الأنبياء قبله وقد قال تعالى:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [82].

2- المحافظة على الصورة الحسنة التي خلق الله الإنسان عليها والتي أشار إليها في قوله: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [83] فكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر بها حسنها.

3- استمرار التمسك بهذه الخصال فيه استمرار المحافظة على نظافة المواضع التي تعتبر مصدراً للأذى والرائحة الكريهة في جسم الإنسان فيظل الشخص على طهارة دائمة.

4- في المحافظة على هذه الخصال تحسين لهيئة الإنسان كإنسان قبل أي اعتبار آخر من جنس أو لون أو دين.. وقد سبقت الإشارة إلى قول ابن العربي: أن من ترك هذه الخصال لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين.

5- في التمسك بهذه الخصال محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب لأن الإنسان إذا ظهر في الهيئة الجميلة، كان أدعى لانبساط النفس إليه؛ فيقبل قوله ويحمد رأيه. والعكس بالعكس.

6- في التمسك بهذه الخصال إحسان إلى المخالط والمقارن؛ من أهل أو صديق أو جليس  وذلك بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة.

7- قي التمسك بهذه الخصال مخالفة لشعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر.

8- يترتب على العمل بهذه الخصال فوائد بعيدة الأثر، فإن عدم إزالة الأتربة والشوائب التي تعلق بشعيرات الأنف وكذلك الطفيليات التي تتكون داخل القلفة من شأنها أن تسبب للإنسان أضراراً بالغة لها أسوأ الأثر على صحته.

9- كما أن في التمسك بها غلبة للشيطان، وقطع لوساوسه وبعد عن تسويلاته، وهو ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتقدم: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلينتثر ثلاث مرات فإنّ الشيطان يبيت على خياشيمه " [84].

خامساً: معاني هذه الخصال وما يتعلق بها من أحكام وآداب:

وسيكون تناولنا لهذه الخصال حسب ترتيبها في كتب الفقه والحديث، أي سنبدأ بالكلام عن الخصال المتعلقة بالطهارة أولاً. و نختم بالخصال المتعلقة بالزينة؛ من باب تقديم التخلية على التحلية.

 

الخصلة الأولى: انتقاص الماء. بالقاف:

وقد وردت هذه الخصلة في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم وبقية الجماعة ماعدا البخاري.

وقد ذكر وكيع - أحد رواة هذا الحديث: أن المراد بانتقاص الماء هو الإستنجاء بالماء [85].

وقال ابن ماجه - أثناء سرده للحديث - بعد ذكر الإنتقاص: يعني الإستنجاء [86]. وقال البدر العيني – موضحاً العلاقة بين الإنتقاص والإستنجاء بالماء- : الإنتقاص : انتقاص البول بالماء إذا غسل المذاكير به [87].

وقال أبو عبيد- من علماء اللغة - انتقاص الماء: غسل الذكر بالماء، وذلك أنه إذا غسل الذكر ارتد البول ولم ينزل. وإن لم يغسل نزل منه الشيء حتى يستبرأ [88].

وقيل الصواب: انتفاص الماء بالفاء. والمراد: نضح الماء على الذكر من قولهم لنضح الدم القليل: نُفْـصَة. وجمعها: نُفَص [89].

ولكن تفسير وكيع هو الأشهر والأصوب. وذلك لأن الإستنجاء بالماء هو الذي يساعد على تخلية الذكر من بقايا البول، المترسب في بعض ثنايا الذكر. ويكون ذلك في الوضوء حتى يكون المرء على يقين من عدم نزول شيء من بوله أثناء وضوئه أو بعده.

أما النضح، فإنما يكون بعد الوضوء - على  ما سيأتي- وليس المراد منه نقص البول بل الغرض منه إزالة الوسوسة من قلب المؤمن. في الطهارة.

وقد اختلف أهل اللغة في الأصل الذي يرجع إليه استعمال الإستنجاء في إزالة آثار البول والغائط عن السبيلين

فحكى العيني عن صاحب المطالع: أن الإستنجاء: إزالة النجو. وهو الأذى الباقي في فم المخرج