طباعة

 توثيق النص

 

 

 

تدوين السنة ومنزلتها

لفضيلة الدكتور عبد المنعم نجم

الأستاذ المساعد بكلية الحديث

بالجامعة الإسلامية

 

 

نريد بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموع ما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، ولا شك أن رسول الله مبلغ عن الله {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}[1]، ومبين عن الله مراده {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[2]؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين ما أراد القرآن أحيانا بالقول وحده، وأحيانا بالفعل وحده، وأحيانا بهما، كما صلى وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وحج وقال: "خذوا عني مناسككم"؛ فهي إذا شارحة للقرآن تبين مجمله وتقيد مطلقه، وتؤول مشكله، فليس في السنة شيء إلا والقرآن دلّ على معناه دلالة إجمالية، أو تفصيلة وتلك الدلالة من وجوه.

منها ما هو عام جدا، وهو ما ورد في القرآن من إيجاب اتباع الرسول صلى اله عليه وسلم، نحو قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[3]، وقوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[4] إلى غير ذلك من الآيات ومنها الوجه المشهور عند العلماء، كالأحاديث في بيان ما أجمل ذكره من الأحكام، إما يحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو مواقعه أو لواحقه، أو ما أشبه ذلك، كبيانها للصلاة والزكاة وغير ذلك مما وقع في السنة بيانا للقرآن.

 

السنة من الوحي:

السنة النبوية بالمعنى المتقدم - ما أضيف للنبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال والتقريرات - هي أحد قسمي الوحي الإلهي الذي نزل به جبريل الأمين على النبي صلى الله عليه وسلم، والقسم الثاني من الوحي هو القرآن الكريم.

فالسنة النبوية من الوحي، بذلك نطق الكتاب العزيز {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى}[5]، وبذلك جاءت السنة نفسها؛ فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن المقدام بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه"[6].

يقول المنذري في مختصر السنن: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.

يقول الإمام الخطابي في معالم السنن: "قوله "أوتيت الكتاب ومثله معه" يحتمل وجهين من التأويل، أحدهما: أن يكون معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطى من الوحي الظاهر المتلو.

ويحتمل أن يكون معناه: أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى، وأوتي من البيان، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب ويعم ويخص، وأن يزيد عليه فيشرح ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن.

وقوله: "يوشك شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن" فانه يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض؛ فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا.

(والأريكة): السرير، ويقال: إنه لا يسمى أريكة حتى يكون في حجلة[7].

وإنما أراد بهذه الصفة: أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم ولم يغدوا ولم يروحوا في طلبه في مظانه واقتباسه من أهله".

ثم يقول الخطابي: "وفي الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه".

 

عرض الحديث على القرآن:

أما ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله؛ فان وافقه فخذوه وإن خالفه فدعوه" فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا بن يحي الساجي عن يحي بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة.

ويقول الخطابي: "وقد روي هذا من حديث الشاميين، عن يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان. ويزيد بن ربيعة هذا مجهول، ولا يعرف له سماع من أبي الأشعث، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان وإنما يروي عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان". اهـ[8].

وعلى هذا فالسنة صنو الكتاب العزيز، والذي جاءنا بالقرآن هو الذي نطق بالسنة؛ فلا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وروى أبو داود بسنده عن عبد الله بن أبى رافع عن أبيه رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".

قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا[9]. وروى الحافظ ابن عبد البر بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك بأحدكم يقول: هذا كتاب الله ما كان فيه من حلال أحللناه وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب الله ورسو له والذي حدثه"[10].

 

شرف علم الحديث:

لا يختلف اثنان في أن علم الحديث أشرف علم بعد كتاب الله، كيف لا وهو المرتبة الثانية بعد القرآن، والمصدر الثاني للشريعة الإسلامية، نطق به الذي جاءنا بالقرآن من عند الله، المعطى جوامع الكلم المفوض إليه من الله أمر التبيين والتحصيل، روى أبو داود بسنده عن العرباض بن سارية.. فقال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي؛ فانه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين؛ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"[11].

قال الإمام الخطابي: "والنواجذ آخر الأضراس، واحدها: ناجذ، وإنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة؛ فعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعاً له أن ينتزع، وذلك أشد ما يكون من التمسك بالشيء، إذا كان ما يمسكه بمقاديم فمه أقرب تناولا وأسهل انتزاعا. وفي قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى"[12].

يقول الإمام النووي: "إن من أهم العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات، أعني معرفة متونها، صحيحها وحسنها وضعيفها وبقية أنواعها المعروفة، ودليل ذلك أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات، وعلى السنن المحكمات، وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالما بالأحاديث الحكميات، فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجَلّ العلوم الراجحات وأفضل أنواع الخير وآكد القربات، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو مشتمل على بيان أفضل المخلوقات، عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات الخ"[13].

ويقول العلامة الشهاب أحمد المنبتي الدمشقي الحنفي "إن علم الحديث علم رفيع القدر عظيم الفخر، شريف الذكر، لا يعنى به إلا كل حبر، ولا يحرمه إلا كل غمر، لا تفنى محاسنه على ممر الدهر، لم يزل في القديم والحديث يسمو عزة وجلالة، وكم عزّ به من كشف الله له مخبآت أسراره وجلاله؛ إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين، ويظهر المقصود من حبله المتصل المتين، ومنه يدرى شمائل من سما ذاتا ووصفا واسما، ووقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عربا وعجما.

و ناهيك بعلم من المصطفى صلى الله عليه وسلم بدايته وإليه مستنده وغايته، وحسب الراوي للحديث مشرفا وفضلا وجلالة ونبلا، أن يكون أول سلسلة آخرها الرسول، وإلى حضرته الشريفة بها الانتهاء والوصول.

وطالما كان السلف يقاسون في تحمله شدائد الأسفار، ليأخذوه عن أهله بالمشافهة، و لا يقنعون بالنقل من الأسفار، فربما ارتكبوا غارب الإغتراب بالارتحال إلى البلدان الشاسعة لأخذ حديث عن إمام انحصرت روايته فيه، أو لبيان وضع حديث تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه.

وتأسى بهم من بعدهم من نقلة الأحاديث النبوية؛ فضبطوا الأسانيد وقيدوا منها كل شريد، وسبروا الرواة بين تجريح وتعديل، وسلكوا في تحرير المتن أقوم سبيل، ولا غرض لهم إلا الوقوف على الصحيح من أقوال المصطفى وأفعاله، ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله؛ فهذه هي المنقبة التي تتسابق إليها الهمم العوالي"[14].

وفي كتاب الخطة: "اعلم أن آنف[15] العلوم الشرعية ومفتاحها، ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها هو علم الحديث الشريف الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملك كل نهي وأمر، ولولاه، لقال: من شاء وخبط الناس خبط عشواء وركبوا متن عمياء.. وهو تلو كلام الله العلام، وثاني أدلة الأحكام...

تم قال: وما الحق إلا فيما قاله صلى الله عليه وسلم أو عمل به أو قرره أو أشار إليه أو تفكر فيه أو خطر بباله أو هجس في خلده واستقام عليه.

فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب، والعمل بهما في كل إياب وذهاب، ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء، ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}.

فياله من علم مزج بدمه الحق والهدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى.

وقد كان الإمام محمد بن علي بن الحسين رحمه الله يقول: "إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث". لقد صدق فإنه لو تأمل بالنظر العميق والفكر الدقيق، لعلم أن لكل علم خاصية تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة، وهذا العلم تعطي مزاولته صاحبه معنى الصحابة؛ لأنها في الحقيقة هي الإطلاع على جزئيات أحواله صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها، وعند بعد الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول، ويرتسم في خياله بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان، وإليه أشار القائل بقوله:

أهل الحديث هموا أهل النبي وإن

لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: "أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم".

فالحاصل أن أهل الحديث - كثر الله سوادهم، ورفع عمادهم - لهم نسبة خاصة ومعرفة مخصوصة بالنبي صلى اله عليه وسلم لا يشاركهم فيها أحد من العالمين، فضلا عن الناس أجمعين؛ لأنهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم". اهـ بتصرف[16].

 

فضل نشر الحديث وروايته:

روى أبو داود بسنده عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى بلغه؛ فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه"[17].

قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه من حديث عبّاد والد يحيي عن زيد بن ثابت. اهـ[18].

وروي: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها".

وفيه روايات عدة لهذا الحديث.

قال سفيان بن عيينة: "ليس من أهل الحديث أحد إلا في وجهه نضرة لهذا الحديث".

يقول الإمام الخطابي:" في قوله "نضر الله " معناه: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة، يقال بتخفيف الضاد وتثقيلها، وأجودهما التخفيف.

وفي قوله: "ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" دليل على كراهة اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط والاستدلال لمعاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه وجوب التفقه والحث على استنباط معاني الحديث، واستخراج المكنون من سره". اهـ.

وقد قيل في قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}[19] ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك؛ لأنه لا إمام لهم غيره صلى الله عليه وسلم[20].

وقد ورد في شرف الحديث وأصحابه، وفضل الإسناد وأربابه أخبار كثيرة؛ فمن ذلك حديث أسامة بن زبد رفعه: "بحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"، وهذا الحديث رواه من الصحابة علي وعمر وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة وأبو أمامة، وأورده ابن عدى من طرق كثيرة كلها ضعيفة، كما صرح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البر.

لكن يمكن أن يتقوّى بتعدد طرقه ويكون حسنا لغيره، كما جزم به العلائي.

وفيه تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين الذين غلوا في الدين، وتأويل الجاهلين بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها.

قال النووي في أول تهذيبه: "وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة هذا العلم بحفظه، وعدالة ناقليه، وأن الله يوفق في كل عصر خلقا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئا من علم الحديث؛ فان الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئا". اهـ.

على أنه قد يقال: ما يعرفه الفساق من العلم ليس بعلم؛ لعدم عملهم". اهـ[21].

وقال العراقي: "قال ابن عبد البر: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه، واستدل على ذلك بحديث رواه من طريق أبي جعفر العقيلي من رواية ابن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله …به" أورده العقيلي في الضعفاء في ترجمة معان بن رفاعة، وقال: لا يعرف إلا به، ورواه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل.

وفي كتاب علل الحلال: أن أحمد بن حنبل سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنه كلام موضوع؟ فقال: لا هو صحيح؟ فقيل له: ممن سمعته؟ قال: عن غير واحد …الخ "[22].

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل[23].

 

تدوين الحديث وأطواره منذ فجر الإسلام حتى عصر أصحاب الصحاح الستة

لما كان الحديث من أصل الفروض وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه؛ فلذلك يسر الله للعلماء الثقات الذين حفظوا قوانينه وأحاطوا به؛ فتناقلوه كابرا عن كابر، وأوصله كما سمعه أولهم إلى أخرهم، وحببه الله إليهم لحكمه حفظ دينه وحراسة شريعته؛ فلم يزل هذا العلم من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم غضا طريا، والدين محكم الأساس قوي البنيان.

أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين خلفا عن سلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما سمع من الأحاديث؛ فتوفرت الرغبات فيه، فما زال لهم من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انقطعت الهمم شغف على تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد ويفني الأموال والعدد ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلاد شرقا وغربا في طلب حديث واحد يسمعه من راويه؛ فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته، ومنهم من تقترن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه إما لثقته في نفسه، وإما لعلو إسناده؛ فانبعثت العزائم إلى تحصيله.

وكان اعتمادهم أولا على الحفظ والضبط في القلوب، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه محافظة على هذا العلم، كحفظهم كتاب الله، ولا معولين على ما يسطرونه وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم.

فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثرت الفتوحات، ومات معظم الصحابة وتفرقت أصحابهم وأتباعهم وقلّ الضبط، وكاد الباطل يلتبس بالحق احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة؛ لأنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والقلم يحفظ؛ فمارسوا الدفاتر وسايروا المحابر وعقدوا العزم وأجابوا في نظم قلائده أفكارهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارهم، واستغرقوا في تقييدهم ليلهم ونهارهم، فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها، ودونوا دواوين ظهرت شفوفها؛ فاتخذها العالمون قدوة، ونصبها العارفون قبلة.

 

الحديث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

بعث النبي صلى الله عليه وسلم والعرب في جهالة جهلاء وضلالة عمياء موروثة عن ذي قبل، فكان من رحمة الله بهم وبالإنسانية جمعاء أن أرسل فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.

والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، أشرف الناس نسبا وأكرمهم أما وأبا وأصلا ومحتدا.

ومن الحكمة البالغة أن بدأ بالدعوة سرا حتى لا يفجأ القوم بها، خاصة وهم غارقون في جهلهم يتخبطون في غيهم، فتبعه أفراد قلائل، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، ثم جهر بالدعوة إلى الله؛ فدخل في الدين خلق كثير، دخلوا الإسلام عن بينة من أمره، واستمعوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، فخالطت أنوار الإيمان قلوبهم، لا سيما وهم متعطشون إلى ما ينقذهم من ظلمات الشرك ويهديهم إلى صراط مستقيم؛ فصادف الإسلام قلوبا مستعدة متهيأة فتمكن فيها كل التمكن، وجرى الإيمان فيهم مجرى الدم في عروقهم، ذلك أنهم عرفوا من النبي عليه السلام أن هذا الدين هو طريق سعادتهم ومعقد عزهم وسبب نهضتهم وتقدمهم، فعقدوا عليه خناصرهم، وأحبوا رسول الله حبا يسمو على الأبناء والآباء، وانكبوا على ما جاءهم به من القرآن يحفظونه، وعلى ما حدثهم في بنائه العظيم بعد القرآن الكريم، كما علموا أمر الله باتباعها، وتحذيره الشديد من مخالفة أمره، اعتقدوا هذا بقلوبهم ووضعوه نصب أعينهم.

ملكت الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم، وسيطرت على ألبابهم وحواسهم، وأفسحت قلوبهم حبا لله ورسوله عليه السلام، وألهبت نفوسهم نشاطا نحو العلم والعمل؛ فلم يدخروا وسعا في حفظ الأحكام والسن.

وإلى جانب هذه الحمية الدينية، استعداد فطري ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر ووفرة الذكاء وكمال العبقرية.

فالصحابة عرب خلص أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، فكل اعتمادهم على ملكاتهم في الحفظ، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية، فقد حفظوا أنساهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم، وكثيرا ما كانت تقع بينهم المفاخرة المفاخرة بالأنساب والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم، وأخبار خصومهم، مما يرفع من شأن أعدائهم.

ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب، والتنابز والمثالب بالألقاب، مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوفر لأمة من الأمم؛ فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فاندفع الصحابة إلى تلقي حديث رسول الله بنهم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله.

وتظاهر العامل الروحي والعامل الفطري؛ فأتى القوم بما لم يأت به أمة من يوم أن بعث الله رسله إلى الخلق، فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم.

 

الطريقة التي تلقى الصحابة بها الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لم يكن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يجيد الكتابة إلا نفر قليل؛ فقد كانت الأمية غالبة عليهم، فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم على استعدادهم في الحفظ، كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر خوف اختلاطه بالقرآن الكريم، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إما بطريقة المشافهة، وإما بطريقة المشاهدة لأفعاله وتقريراته، وإما بطريق السماع ممن سمع منه صلى الله عليه وسلم، أو شاهد أفعاله وتقريراته؛ لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه صلى الله عليه وسلم، بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته.

 

كتابة الحديث في عهد النبي عليه السلام:

تقدم أن الصحابة قد اعتمدوا على الحفظ في تلقي ما يأتيهم به النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم البعض أن قلة التدوين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعود بالدرجة الأولى إلى ندرة وسائل الكتابة، وأنا لست مع من يقول بذلك؛ لأنها لم تكن قليلة إلى هذا الحد الذي يبالغ فيه، وهي - على كل حال - قلة نسبية، قد تكون أحد العوامل في ترك كتابة الحديث، ولكنها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الأدوات صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم من تجشم المشاق وركوب الصعاب في كتابة القرآن كله في اللخاف والعسب والأكتاف والأقناب وقطع الأديم، ولو أنهم أرادوا تدوينه مثل القرآن لفعلوا، ولكن الصحابة بتوجيه من نبيهم ومن تلقاء أنفسهم كانوا منصرفين إلى تلقي القرآن، مشغولين بجمعه في الصدور والسطور، وكان كتاب الله يستغرق جل أوقاتهم، كما يملك عليهم مشاعرهم، وحديث رسول الله حينئذ أكثر من أن يحصوه، فله في كل حادثة قول، وفي كل استفتاء توضيح، وفي كثير من الوحي القرآني تبيان وتفسير، فأنى للكتبة منهم الوقت لمتابعة الرسول عليه السلام في كتابة جميع ما يقوله أو يعمله أو يقر الناس عليه، خاصة وأن الكاتبين منهم قليل.

ومع ذلك قام بعض هؤلاء الكاتبين بتقيد جميع ما سمعه ورآه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرهم على ذلك حين أمن التباس السنة بالقرآن، على حين كتب أفراد آخرون أشياء قليلة، وظل سائرهم بين قارئ كاتب لكنه مشغول بالقرآن شغلا لا يتيح له كتابة الحديث، فغدا يسمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ويعمل به ولا يجد الحاجة لتقييده، وبين أمي يحفظ من القرآن والحديث ما تيسر له في صدره، وهو ما كان عليه أكثر الصحابة في بدء الإسلام ومطلع فجره.

وانصرف الصحابة إلى القرآن جمعا له في الصدور والسطور، واشتغالهم به عن كل شئ سواه كان جزءا من التوجيه النبوي الحكيم لهؤلاء التلامذة الخالدين من الأميين والكاتبين، وهو توجيه متدرج مع الحياة والأحياء متطور مع الأحداث التي تعاقبت على المجتمع الإسلامي، فما كان لهذا التوجيه أن يجمد على صورة واحدة، بل روعي فيه الزمان، وروعيت الأشخاص.

فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة الأحاديث أول نزول الوحي مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن، ولا سيما إذا كتب هذا كله في صحيفة واحدة مع القرآن.[24]

وقال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"[25].

 

الصحف المكتوبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

ثم أذن بذلك إذنا عاما حين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثيرون، وأمن اختلاطه بسواه، فقال عليه الصلاة والسلام: "قيدوا العلم بالكتاب"[26].

من المؤكد أن بعض الصحابة كتبوا طائفة من الأحاديث في حياته صلى الله عليه وسلم، ومنهم من كتبها بإذن خاص من النبي صلى الله عليه وسلم.

من تلك الصحف: صحيفة سمرة بن جندب (60هـ)، كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه، وهي التي يقول فيها ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير.

ومن أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي (الصحيفة الصادقة) التي كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشتملت على ألف حديث، كما يقول ابن الأثير[27]، ومحتواها محفوظ في مسند أحمد بن حنبل[28]، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهده صلوات الله عليه، وهذه الوثيقة كانت نتيجة محتومة لفتوى النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو وإرشاده الحكيم له؛ فقد جاء عبد الله يستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الكتابة قائلا: أكتب كل ما أسمع؟ قال: "نعم"، قال: في الرضا والغضب؟ قال: "نعم؛ فإني لا أقول في ذلك إلا حقا".

وسأذكر الحديث فيما بعد، والذي يظهر لي أنه لا بد أن يكون عبد الله بن عمرو قد أخذ في كتابة الحديث بعد هذه الفتوى الصريحة من الرسول الكريم، وتلك الصحيفة الصادقة كانت ثمرة هذه الفتوى، وآية اشتغال عبد الله بن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف أيضا قول أبي هريرة الصحابي الجليل: "ما في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب"[29].

وقد أتيح لمجاهد بن جبر (103هـ) أن يرى هذه الصحيفة عند صاحبها عبد الله بن عمرو[30]، وكان عبد الله بن عمرو - لشدة حرصه على هذه الصحيفة - لا يسمح لأعزّ الناس عليه بتناولها، ورؤية مجاهد لها لم تكن إلا عرضا؛ فإنه قال: "أتيت عبد الله بن عمرو؛ فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئا! قال: هذه الصحيفة الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت هذه وكتاب الله والوهط فلا أبالي علام كانت عليه الدنيا! والوهط أرض كان يزرعها"[31].

ولقد شاعت في عصر الصابة صحيفة خطيرة الشأن أمر النبي عليه السلام نفسه بكتابتها في السنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه (بدستور) للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة، وهي الصحيفة التي دون فيها كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حقوق المهاجرين والأنصار واليهود، ولفظ الكتابة صريح في مطلعها: "هذا كتاب محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس"[32]. وقد تكررت فيها عبارة أهل هذه الصحيفة وغير ذلك من الصحف.

 

عصر الخلفاء الراشدين:

سار الأمر على ما تقدم، حتى إذا كان عهد الخلفاء الراشدين لم يتغير الحال، فقد كانت آراء هؤلاء الخلفاء في التشدد في الرواية والتورع عن الكتابة امتدادا لآراء إخوانهم الصحابة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم! فهذا أبو بكر يجمع بعض الأحاديث ثم يحرقها، يقول الذهبي بسنده: حدثني القاسم بن محمد قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا، قالت فغمني فقلت: أتتقلب بشكوى أو لشيء يقلقك؟ فلما أصبح قال: أي بنية! هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فدعا بنار فحرقها، فقلت: لِم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدثني؛ فأكون قد نقلت ذاك فهذا لا يصح". اهـ [33].

وكان أبو بكر أول من احتاط في قبول الأخبار؛ فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال:" ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله عليه السلام يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر.

ومن مراسيل ابن أبي مليكة: أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم؟ فقال: (إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا؛ فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله؛ فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه). فهذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري، لا سداد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر الثقة بثقة آخر، ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقول الخوارج". اهـ.

وهذا عمر بن الخطاب لا يلبث أن يعدل عن كتابه السنن بعد أن عزم على تدوينها.

عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب الني صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبنها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا[34].

وفي رواية أخرى: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن يكتبها ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شئ فليمحه[35].

والخلفاء الراشدون لم يتشددوا في أمر الكتابة وحدها، بل بلغ بهم الورع أن راحوا يتشددون حتى في الرواية.

وعمر بن الخطاب هو الذي سنّ للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب؛ فروى الجريري (سعيد ابن إياس) عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلّم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له فرجع، فأرسل عمر في أثره، فقال: لِم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع"، قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك! فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس فقلنا: ما شأنك، فأخبرنا وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره.

أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر؟ ففي هذا دليل على أن الخير إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم؛ إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم؛ لئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن اهـ.

أقول: ومن هنا بدأ علم أصول الحديث أو مصطلح الحديث، وأنه نشأ مع الرواية فكانا توأمين ولدا وعاشا معا.

فإذا رأينا كلا من أبي بكر وعمر - بعد هذا - يكتبان الحديث أو ينصحان بكتابته[36]، وأن كثيرا من كبار الصحابة في عصرهما كانوا كذلك ينصحون بالكتابة ويأمرون بها أمرا صريحا، أدركنا علة ذلك التشدد الذي وصفناه قبل، وثبت لنا - كما قال إسماعيل بن إبراهيم بن علية البصري (200 هـ) أن الصحابة إنما كرهوا الكتابة لأن من كان قبلكم اتخذوا الكتب؛ فأعجبوا بها؛ فكانوا يكرهون أن يشتغلوا عن القرآن[37].

وكما قال الخطيب البغدادي: "إن كراهة من كره الكتابة من الصدر الأول: إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه"[38].

 

رأي آخر:

يقول الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلي في فوائده على ما رواه ابن بشكوال: "إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صار الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن؛ لأن السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها، فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم، ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرص الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله؛ فكانوا في الذي جمعوه من القرآن مجتمعين، وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصا مختلفين، فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه، ولو طمعوا في ضبط السنن كما اقتدوا على ضبط القرآن لما قصوا في جمعها، ولكنهم خافوا إن دونوا ما لا يتنازعون فيه أن يجعل العمدة في القول على المدوّن، فيكذبوا ما خرج عن الديوان فتبطل سنن كثيرة، فوسعوا طريق الطلب للأمة فاعتنوا بجمعها على قدر عناية كل واحد في نفسه، فصارت السنن عندهم مضبوطات، فمنها ما أصيب في النقل حقيقة الألفاظ المحفوطة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي السنن السالمة من العلل، ومنها ما حفظ معناها ونسي لفظها، ومنها ما اختلفت الروايات في نقل ألفاظها، واختلف أيضا رواتها في الثقة والعدالة، وهي تلك السنن التي تدخلها العلل فاعتبر صحيحها من سقيمها أهل المعرفة بها على أصول صحيحة وأركان وثيقة لا يخلص منها طعن طعان ولا يوهنها كيد كائد". انتهى[39].

 

حول النهي والإباحة:

اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الكتابة، فكرهها طائفة منهم لحديث أبي سعيد الخدري قال: "لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه"[40].

قال القاضي عياض:" كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال الخلاف، ومن مليح قولهم في ذلك: يعيبون علينا أن نكتب العلم وندوّنه وقد قال الله عزّ وجلّ: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى}[41].

وجاء في الإباحة والنهي حديثان؛ فحديث النهي وهو ما رواه مسلم عن أبي سعيد: "لا تكتبوا عني الحديث"، وحديث الإباحة: "اكتبوا لأبي شاه" متفق عليه.

روى أبو داود بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبو هريرة قال: لما فتحت مكة قام النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الخطبة خطبة النبي قال: فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي فقال: "اكتبوا لأبي شاه".

وبيّن في الرواية الثانية: أنها الخطبة التي سمعها يومئذ منه[42].

ورواه بن عبد البر بمثله[43].

وروى أبو داود بسنده عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: " أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق"[44].

وقد تقدم حديث أبي هريرة "ليس أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو…الحديث[45].

وقد اختلف في الجمع بينها وبين حديث أبي سعيد السابق، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث "اكتبوا لأبي شاه"، وحديث صحيفة علي رضي الله عنه[46]، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصاب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو ابن العاص كان يكتب ولا أكتب.

وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ[47]؛ لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معها فنهوا عن ذلك لخوف الاشتباه، وقيل: النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه، والإذن في غيره[48].

قال ابن القيم:" قد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر فيكون ناسخا لحديث النهي، وقد صحّ عن النبي أنه قال لهم في مرض موته: "إئتوني اللوح والدوار والكتف لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا" وهذا كتابة كلامه بإذنه" اهـ[49].

وقد قال ابن الصلاح: "ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة". ولقد صدق رحمه الله[50] .

 

عصر التابعين وتابعيهم:

وإذا انتقلنا إلى عصر التابعين هالتنا تلك الروايات المتضافرة على كراهة كبار التابعين وأوساطهم وأواخرهم للكتابة، ثم لا نلبث أن تجد كثيرا منهم يتساهلون في أمرها، يرخصون بها أو يحضون عليها، ونجدها أصبحت أمرا رسميا في عصر أوساطهم.

والأسباب التي حملت الخلفاء الراشدين على الكراهة على التدوين، هي التي حملت التابعين عليها، فإذا بطلت أسباب هذه الكراهة قال الجميع قولا واحدا، وأخذوا به وأجمعوا عليه، وهو جواز كتابة العلم، بل وإيثار تقييده التشجيع عليه.

هنا جاء دور الخليفة الورع التقي عمر بن عبد العزيز، حين أمر رسميا بالشروع في تدوين الحديث، إنما استند إلى آراء العلماء، ولعله لم يقدم على ذلك إلا بعد أن استشارهم أو اطمأن إلى تأييد كثرتهم، وإن كانت الأخبار المتضافرة توحي بتفرده في هذه الفكرة؛ لما له في القلوب من منزلة ولا سيما بين معاصريه الواثقين بتقواه وورعه.

ويتضح من جملة الأخبار المروية في هذا الشأن أن خوف عمر عبد العزيز من دروس العلم وذهاب أهله هو الذي حمله على الأمر بالتدوين.

 

التدوين العام للحديث:

يقول الحافظ ابن حجر في مقدمته:" اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدوّنة في الجوامع ولا مرتبة لأمرين:

أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في صحيح مسلم؛ خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.

وثانيهما: لسعة حفظهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة".

أقول: نفي كتابة الآثار المشار إليها، ليس على إطلاقه؛ فقد وجد من كتب أن عهد الني صلى الله عليه وسلم وأقره بل طلب عليه السلام أن يكتب كتابا لأصحابه، كما تقدم.