طباعة

 توثيق النص

 

 

 

خطاب الرئيس محمد ضياء الحق، رئيس دولة باكستان بعنوان:

خطوات لتطبيق نظام الإسلام

 

 

فيما يلي الترجمة العربية لخطاب الرئيس الفريق محمد ضياء الحق، الذي ألقاه على الأمة من على شاشة التلفاز والإذاعة المسموعة في الأول من محرم الحرام عام 1399هـ:

أيها السيدات والسادة..

السلام عليكم..! اليوم هو الأول من محرم الحرام، وهو اليوم الأول من التقويم الإسلامي..

ولا يخفى احترام المسلمين لعظمة وحرمة محرم.. إن هذا الشهر يذكرنا بالأحداث العظيمة عندما لم يتردد المؤمنون الحقيقيون من تقديم التضحيات العظيمة لقضيتهم العظيمة.

إن هذا الشهر يعلمنا أيضا الصبر والتجمل؛ إنني أناشد أبناء وطني أن يتجملوا بالصبر والتفاهم المشترك والوحدة طيلة السنة، ولا سيما خلال هذا الشهر؛ وذلك لكي يمكننا أن نسير قدماً إلى الأمام نحو غايتنا بثقة وتضامن عظيمين، وستغلق كافة دور السينما على الأقل في يومي 9 و 10 من محرم كرمز على احترام محرم الحرام.

إن السنة الهجرية 1399 قد جلبت معها خيرات وبركات جديدة؛ إن هذه السنة المباركة تبدأ بالإعلان عن تطبيق نظام الإسلام في هذه البلاد، لقد أدى مسلمو شبه القارة العهد على إدخال النظام منذ اليوم الأول الذي طالبوا فيه إيجاد وطن للمسلمين باعتبارهم أمة منفصلة، ومن المؤسف حقاً عدم تطبيق نظام الإسلام بالرغم من أن البلاد قد تأسست على ذلك الأساس، لقد استغل العديد من الشخصيات السياسية والحكام اسم الإسلام كما يشاءون، وبالرغم من مضي أكثر من ثلاثين عاما فانهم لم يقدموا أي شيء يذكر في هذا الاتجاه.

و بإمكاني القول بفخر وتواضع إن الحكومة الحالية منذ مجيئها إلى السلطة وهى لا تترك مجهودا إلا وبذلته في سبيل تطبيق نظام الإسلام، وانه لشرف لي ولحكومتي وزملائي والمتعاونين معي أنني استطعت أن أقوم ببداية معينة حول تنفيذ نظام الإسلام، وذلك بالإعلان عن بعض الخطوات التي اتخذت في هذا اليوم، وعسى الله تعالى أن يبارك جهودنا بالنجاح العظيم.

وقبل أن أفسر هذه الخطوات فإنني أجد أن من الضروري القول إنه لا يوجد هناك أية شبهة حول تطبيق نظام الإسلام: إن نظام الإسلام هو دستور حياة أوحاه الله سبحانه وتعالى على آخر أنبيائه محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل 14 قرنا، وقد سجل ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، إن كل مسلم مطالب اليوم أن ينظم حياته استنادا إلى دستور الحياة في حياته الفردية والاجتماعية.

وكما قلت في مناسبات عديدة إن الإسلام لا يعتبر دستور الحياة التام فحسب، بل هو طريقة الحياة يمكنها أن تتناسب مع تغير الأزمان، ومن أجل العثور على معالمها لدينا مصدران نسترشد بهما، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية، وفي القضايا التي لم تبحث في هذين المصدرين فإن أمامنا الاجتهاد على أن يكون ذلك متمشيا مع روح القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

إن الخطوات التي أعلن عنها اليوم هي مجهود للاستفادة من هذه الطرق الثلاثة.

أيها السيدات والسادة..

إن الإسلام يتكون من ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يتعلق بالمعتقدات التي بدونها لا يمكن للمرء أن يكون مسلماً، وهذه المعتقدات خالية من أي عنصر من عناصر الإكراه، ويسمح الإسلام في هذا المجال بالتبليغ (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)، وأحسن تبليغ هو بواسطة السلوك العملي.

أما الجزء الثاني فهو العبادات، وهو أمر يعتقد العلماء أن الدولة بوسعها أن تجبر كل المؤمنين على أدائه، وفي الظروف الحالية لا تريد الحكومة إصدار أية أوامر لا يمكن أن تطبق بصورة فعالة، إن الصلاة ذات أهمية أساسية بين العبادات، وإذا أعلنت الحكومة - اعتبارا من غد - أن أداء الصلاة أمر على كل مواطن مسلم في هذا البلد؛ فهل بوسعها أن تدخل بيوت 700 مليون مسلم لتجد من أدى الصلاة ومن لم يؤديها؟..

إنني لا أقول ذلك لأتحاشى الموضوع؛ لأنني أعلم أن بوسع الحكومة أن تطبيق الصلاة جزئيا إذا لا تقدر على ذلك كلياً، غير أننا نود في هذا الوقت بالذات أن نعتمد على الإقناع وليس على الإجبار. وسنبدأ بخطوة إلى الأمام في هذا المضمار في المؤسسات الحكومية؛ وأصدر الآن توجيهات بضرورة إعداد الترتيبات خلال أسبوع لأداء الصلاة في كافة المؤسسات الحكومية خلال ساعات العمل، وأنا أتوقع من كافة رؤساء الأقسام أن يكونوا قدوة لموظفيهم بأداء الصلاة إن لم يقدروا على إمامة الصلاة بأنفسهم.

ثانيا: أود أن ألتمس أن نؤدي الصلاة في أوقاتها بصورة فردية أو جماعية، وأن نقنع عائلتنا وأقربائنا على أداء الصلاة، وإذا تمكنا من أداء الصلاة فإننا نكون قد قطعنا نصف الطريق في مجال العبادات.

وكمثال فإن أداء صلاة الجمعة هو أمر حيوي، وفي الوقت الذي أفضل فيه شخصيا أن تكون العطلة الأسبوعية يوم الجمعة؛ فإنني لا اعتقد أنه من الضروري أن تغلق كافة المؤسسات والأقسام الحكومية والمصانع والحوانيت والشركات التجارية يوم الجمعة، وربما يكون من المناسب بغض النظر عن المكاتب الحكومية أن تنظم كافة المؤسسات الأخرى أعمالها الأسبوعية بصورة يضمن استمرار نشاطات العمل خلال كافة أيام الأسبوع، وعندما يحين وقت صلاة الجمعة فلا بد أن تغلق كافة الحوانيت ومراكز الأعمال استناداً إلى التعليمات الإسلامية.

وفي هذا المجال أتذكر مثيل ذلك في بعض الأقطار الإسلامية حيث تتوقف كل الأعمال عندما يسمع الناس الآذان، وبذلك يعرف كل غريب وكل زائر أنه في دولة إسلامية.

وأرغب أن نحول يوم الجمعة على الأقل إلى مناسبة كبيرة هي صلاة الجمعة بدلا من أن نجعلها عطلة يجب أن نجعلها تجمعا يوحي إلى التوحيد كل جمعة، كما رأينا مناظر الصلاة التراويح (في شهر رمضان المبارك)، التي تطمئن لها القلوب خلال السنة الماضية، وسأرى يوم الجمعة القادمة مدى استجابة المؤمنين لندائي هذا.

أما القسم الثالث من الإسلام فيتعلق بالقوانين وبعضها شخصية بينما الأخرى عامة.

أما فيما يتعلق بالقوانين الشخصية فإن المحاكم تقوم فعلا بحسم القضايا استنادا إلى معتقدات كل مواطن، وسنستمر بهذه العملية في المستقبل أيضا، وما يدور في ذهننا يتعلق معظمه بالقوانين العامة، وأريد تطبيق كافة القوانين المتعلقة بالرفاهية العامة: أعني بذلك مؤسسات الزكاة والعشر، وهى أعمدة هامة للنظام الاقتصادي الإسلامي.

إن إحدى الأسباب التي أدت إلى التأخير في تطبيق النظام الإسلامي هي ضرورة القيام بأعمال ضخمة فيما يخص بالمجال الاقتصادي؛ فليس لدينا طرق عملية لتقدير الموارد التي نستمدها من الزكاة والعشر، ولا نعرف بالضبط النسبة التي يمكن أن تعطيها الزكاة والعشر من احتياجاتنا الوطنية والمبالغ الأخرى المطلوبة، وفيما أننا نحتاج إلى ضرائب أخرى بالإضافة إلى الزكاة والعشر لتغطية المصاريف الوطنية، وإن من المهم أن اذكر أنه لابد من تغير نظام الريع الحالي من أجل تطبيق نظام العشر.

أما فيما يتعلق الأمر بالزكاة فان الموضوع الرئيسي هو موضوع الثقة، وهو أمر يختص بالجميع على اختلاف درجاتهم. إن عليهم أن يدركوا أن الأموال المكتسبة بالجهد الكبير والتي يدفعونها على شكل زكاة ستجمع بالأسلوب الصحيح وتصبح للشخص المستحق وتنفق للأغراض المشروعة.

وفي هذا الخصوص أحب أن أذكر أنني شكلت فعلا لجنة تتكون من بعض الوزراء الاتحاديين ورئيس مجلس الفكر الإسلامي، وتقوم هذه اللجنة باستعراض نظام الزكاة والعشر، وان شاء الله سترفع هذه اللجنة توصياتها إلى الحكومة.

ومن المواضيع المهمة الأخرى هي إلغاء نظام الربا، ويبحث هذا الموضوع خبراء ذوى تفكير إسلامي، وحالما سيجد هؤلاء حلا عملياً ستطبق إن شاء الله النظام الاقتصادي الإسلامي.

أما في الوقت الحاضر فإنني أعلن الخطوات التالية:

1- إلغاء الربا على المبالغ المستلفة من الموارد الحكومية.

2- عدم استيفاء أية فوائد على القروض الممنوحة لموظفي الحكومة من درجة 1 إلى درجة 15 بواسطة مؤسسة تمويل بناء البيوت.

3- ستقوم مؤسسة الاستثمار القومي باستراتيجية جديدة في المستقبل، على أساس المشاركة على قدم المساواة وليس على أساس الربا.

وبالإضافة إلى ذلك قمت بتوجيه وزارة المالية بإعداد برنامج عملي خلال شهر واحد لأجل إزالة لعنة الربا المستحصل من القروض التي تقدمها مؤسسة تمويل بناء البيوت المعطاة للأشخاص غير موظفي الحكومة المذكورين أعلاه، وأن تجعل هؤلاء من ممتلكي الأسهم بما يتناسب والاستثمار التي تقوم به المؤسسة.

أما الآن فإنني أعود إلى الخطوات التي أكمل العمل الأولى بالنسبة لتحقيقها.

إن الإعلان عن هذه الخطوات هو أمر ضروري؛ لأن تأخير الإعلان عنها لمدة بضعة أشهر قد جعل العناصر الانتهازية تقوم بدعاية مضلة، وهى أن الحكومة الحالية تعطي وعوداً كاذبة حول تطبيق نظام الإسلام مثلها مثل الحكومات السابقة.

إن هدف خطابي هو الإعلان عن الخطوات التي أكملت، وأن نعلمكم عن الخطوات التي نمر بها؛ إن الخطوات التي حسمت هي كالتالي:

1- ستؤسس (هيئة شريعة) في كل إقليم على مستوى المحكمة العليا، و( هيئة شريعة استئنافية) على مستوى محكمة الاستئناف العليا، وذلك بالإضافة إلى المحاكم الحالية. وفي هذه الخصوص سأصدر قانوناً رئاسيا ستقرأ محتوياته في الصحافة.

2- رئيس القضاة لكل محكمة عليا أو محكمة الاستئناف العليا سيقترح تشكيل لجنة من القضاة لتشكيل كل (هيئة شريعة)، من بين هؤلاء ثلاثة قضاة جيدو الإلمام في الشريعة الإسلامية والفقه، وسيعين هؤلاء كأعضاء للهيئة.

3- من حق الحكومات الاتحادية والإقليمية وكل مواطن أن يطرح أي قانون سنته الحكومة أمام الهيئة لتقرر هل هو إسلامي أم غير إسلامي، وبوسع كل هيئة شريعة أن تعيد النظر في صيغة القوانين دون أن يطرح ذلك عليها.

4- إلغاء رسوم المحكمة على أي طلب يقدم إلى هيئة الشريعة.

5- ستضم كل هيئة شريعة هيئة علماء ومحامين، وستضم الهيئة فئة خاصة من العلماء الجيدي الإلمام بالحديث والفقه، والمؤهلين على البت في قضايا الشريعة، كما سيعين أولئك المحامون المسجلون في محكمة الاستئناف العليا أو الذين عندهم خبرة 5 سنوات على الأقل في المحاكم العليا، وسيتم تعيين هذا الصنف من المحامين أعضاء في هيئات شريعة.

6- إن طريقة عمل هيئة الشريعة سيكون إسلاميا في طبيعته وسيقوم العلماء والمحامون والشهود الذين يمتثلون أمام هذه الهيئات بمساعدتها على توضيح القانون تحت المناقشة، وشرح وجهة النظر الإسلامية بدلا من النقاش في صالح هذه القوانين أو ضدها، هذا بالإضافة إلى أن الهيئة لها صلاحيات في دعوة عالم أو فقيه أو محام أو مفكر أو باحث من نفس البلاد أو من خارجها، وإنني آمل أن ينضم القضاة المتقاعدون الذين عملوا في المحاكم العليا والمتمكنين من القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه إلى هذه الهيئات بصفة خبراء.

7- لكل هيئة شريعة صلاحيات المحاكم المدنية، ولها حق طلب أي شهود أو وثائق أو مواد أخرى.

8- إن أقدم عضو في الهيئة يعتبر رئيسها وتقوم الهيئة بالإعلان عن قراراتها على أساس الأغلبية.

9- وفي حالة عدم اقتناع أي فرد بحكم هيئة الشريعة فبإمكانه أن يثير الموضوع في هيئة الشريعة الاستئنافية.

10- لا يمكن تحدي قرارات هيئة الشريعة أو هيئة الشريعة الاستئنافية في محكمة الاستئناف العليا أو المحاكم العليا أو في أية محاكم أخرى.

11- تنشر قرارات (هيئة الشريعة) في المجلة الرسمية، وستبين الهيئة في حكمها المواضيع غير الإسلامية للقانون وتستشهد بالأدلة لنعزز رأيها.

12- يتحتم على الحكومة أن تعدل القوانين المعنية ضمن الوقت المعين استنادا إلى قرارات الهيئة لتحول القوانين إلى أخرى تتفق مع الشروط الإسلامية.

13- تدفع الحكومة كافة المبالغ التي تصرفها هيئة الشريعة وهيئة الشريعة الاستئنافية والعلماء والمحامون و الخبراء.. الخ.

لقد كان هذا عن تأسيس (هيئات الشريعة) وسلطاتها القضائية وطريقة عملها.

إن الخطوات التي ذكرتها هي جزء من مجهودات عامة تبذلها الحكومة من أجل تأسيس مجتمع إسلامي، ومن أجل تحقيق هذا الغرض يتوجب علينا إزالة الآثار غير الإسلامية من طريقة حياتنا واقتصادنا ومن نظامنا الشرعي والتربوي والثقافي، وتحول كل ذلك إلى نظم تستل من تعاليم الإسلام.

اليوم نتخذ الخطوة العملية نحو مصيرنا الفكري الذي حدده المسلمون تحت قيادة القائد الأعظم الحكيمة منذ 38 عاما مضت.

وأوجد - بفضل الله تعالى - الجو الملائم اليوم لنظام الإسلام؛ ولذلك فإن كل الخطوات صغيرها وكبيرها ستكون بهذا الاتجاه، وإن كل الحكومات الحالية وفي المستقبل ستسير بهذا الطريق لتحقيق نفس الغرض، ولأن مصيرنا كان نظام الإسلام فان مصيرنا الآن وفي المستقبل هو نظام الإسلام أيضا..

 عاش نظام الإسلام.. عاشت باكستان..

 

تعليق المجلة:

خطاب رئيس دولة باكستان الإسلامية نقدمه للمسلمين بعامة وحكامهم بخاصة.. آملين أن يكون الإيمان بصلاحية الإسلام نظاما ومنهج حياة ودستور أمة هو المنطلق لبناء الخطوات التي يمكن أن تحول واقع الأمة الإسلامية من واقع يعيد على الإسلام إلى واقع مستمد من الإسلام ومنطلق منه.

وقد يختلف الناس على الخطوات التي يمكنها تغيير هذا الواقع باختلاف بلدانهم ومدى قرب عاداتهم ونفسياتهم من الإسلام، ولكنهم لا يختلفون على الأسس والأهداف التي ينبني هذا الواقع عليها؛ لأنها مأخوذة من الكتاب والسنة.

ويمكننا أن نستفيد من خطوات باكستان ومن الخطوات المطروحة والتي يمكن أن تطرح، والمهم هو إخلاص النوايا لله والاتجاه إليه والسعي لإعلاء كلمته في الأرض.. {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.. صدق الله العظيم..

 "أسر ة التحرير"