طباعة

 توثيق النص

 

 

 

فكرة الجامعة المفتوحة أو جامعة الهواء

لفضيلة الشيخ محمد الشربيني

خبير التعليم بالجامعة

 

 

قرأت فيما قرأت في الأيام الأخيرة فكرة تحقيق إنشاء جامعة مفتوحة أو (جامعة الهواء)، وفكرة الجامعة الأهلية والجامعة المهنية، ولكل من هذه الجامعات أسلوبها ومناهجها وأهدافها.

ولعل النوع المناسب لنا في جامعتنا الإسلامية بالمدينة المنورة هو ما يعبر عنه بالجامعة المفتوحة أو جامعة الهواء.. وهذه الجامعة لا يراد بها أن تكون جامعة مستقلة لها نفس النظم واللوائح التي تسير عليها جامعتنا والجامعات الأخرى بالمملكة، ولكن القصد من إنشائها هو العمل على تحقيق أهداف الجامعة الإسلامية على نطاق أوسع وأشمل خارج إطارها الحالي، بحيث ينتقل جزء من نشاطها التعليمي إلى أرجاء مختلفة من العالم.

ولتوضيح الفكرة المطلوب تحقيقها نشير إلى العناصر والنقاط الآتية:

أولا: الدارسين: من مختلف الجنسيات ومن شتى الأقطار، ولا يشرط في التحاقهم بالجامعة مؤهلات معينة وإنما من مختلف المستويات.

ثانيا: نظام الدراسة: ليست الدراسة حسب الطريقة السائدة في الجامعة النظامية، ولكن عن طريق المراسلات (النصوص العلمية)، والإذاعة الصوتية والمرئية في كل بلد من البلاد (بالأشرطة العلمية المسجلة).

ثالثا: مواد الدراسة: تقوم الإدارة المركزية بالجامعة بإعداد المادة العلمية (النصوص) للدارسين، وترسل هذه المادة إلى الطلاب بعناوينهم في مختلف البلاد بمعدل مرة كل أسبوع أو كل شهر حسب تقسيم المادة إلى موضوعات أو وحدات موقوتة بمدة الدراسة وعلى مدار العام الدراسي.

رابعاً: أسلوب الدراسة: يقوم الدارس باستذكار دروسه في داره في وقت فراغه في المادة العلمية المرسلة له، أو بالاستماع إلى بعض الدروس في الإذاعة المحلية المرئية والمسموعة.

يجتمع الدارسون في مقر مركز الدراسة المحلية أو الفرعية للاشتراك قي حلقات للمناقشة تحت إشراف مرشدين متخصصين في العلوم العربية والدراسات الإسلامية، من الذين تقوم الجامعة بتوزيعهم على مراكز التجمعات الدراسية للدارسين في مختلف الأقطار.

خامساً: المواد بالمراسلة: تشكّل المادة العلمية عن طريق المراسلة بالبريد أهم عناصر العملية التعليمية في أي مادة من المواد، وهو ما يسمى (بالنص) بالنسبة لأي مادة، ومعناه عمل أسبوع كامل للطالب، ولما كانت دراسة أي منهج تستغرق من 30- 32 أسبوعاً فنصوص المنهج لكل مادة علمية هي حوالي 32 نصاً بواقع نص لكل أسبوع، وبحيث ترسل النصوص على فترات منتظمة خلال العام الدراسي، ويذيل كل نصف بمجموعة من الأسئلة والتمرينات والتطبيقات لقياس فهم الطالب في موضوعات الدراسة المرسلة إليه.

سادساً: الاختبارات والتقويم: عناصر العملية التعليمية (المناهج الدراسية) في الجامعة المفتوحة تحدد من 10- 14 ساعة في الأسبوع، ولمدة ثلاثين أسبوعاً؛ للحصول على تقدير سنوي واحد في منهج أو مادة واحدة، وتعقد في نهاية العام اختبارات جماعية في مقر إحدى مراكز الثقافة أو المؤسسات التعليمية في تلك البلاد حسب الطريقة التي تنظمها الجامعة بالنسبة للامتحانات الخارجية، وترسل أوراق الإجابة إلى مقر الجامعة لتصحيحها وإعلان نتائج الدارسين وإبلاغهم بها.

سابعا: اقتصاديات المشروع الجديد: تحقق فكرة الجامعة المفتوحة وفراً كبيراً من خلال أسلوبها في اتباع طريقة معالجة المناهج والنصوص بالمراسلات البريدية، وما يتبعها من برامج إذاعية ومرئية على المستوى المحلي في كل قطر من الأقطار بالأشرطة المسجلة التي ترسل من الجامعة هذه البلاد، وهذه الأشرطة والمطبوعات ذات تكلفة عالية ولكنها تحقق وفراً كبيراً عما هو عليه الحال في نفقات الجامعة النظامية التي تتكلف بكل ما يتصل بحياة الطالب منذ التحاقه بالجامعة، سواء من حيث نفقات السفر إلى بلاده كل عام ثم ما يتكلفه الطالب من كتب ومراجع ونفقات الدراسة والإقامة وما يتبعها، وكذلك الخدمات الطبية وغيرها من تكاليف الإعاشة والإسكان والرحلات والمعسكرات والمسابقات، وسائر الخدمات والنشاطات التي تتطلبها الحياة الجامعية داخل أسوار الجامعة النظامية.

ثامنا: جامعة الهواء في الخارج: والواقع أن فكرة الجامعة المفتوحة (جامعة الهواء) ليست جديدة؛ فقد سبقتنا إليها بلاد أخرى مثل المملكة المتحدة (بريطانيا)، وكان ذلك في عام 1969م-1389هـ أي منذ عشرة أعوام تقريبا؛ فقد صدر في بريطانيا مرسوم ملكي بإقامة الجامعة المفتوحة، وقد حققت نجاحاً كبيراً حتى أن الإقبال عليها كان شديداً؛ فقد بلغ عدد المتقدمين إليها ما يقرب من 24 ألف طالب في عام الإنشاء، وفي عام 1976م وصل عدد طلابها 55 ألفاً، وحصل على البكالوريوس في مختلف الفروع الدراسية 15 ألف طالب وطالبة.

ونظام الدراسة فيها يخالف ما هو عليه الحال في الجامعات الأخرى؛ فهي لا تجمع بين الطالب والأستاذ داخل الحرم الجامعي، بل أن الدراسة فيها تعتمد على استخدام النصوص المطبوعة (المادة العلمية)، وعلى (الأشرطة المسجلة) للمادة المذاعة في الإذاعة الصوتية والمرئية، وكذلك على (النشرات الدورية)، ودور الجامعة المركزية هو أنها تعتبر نواة مركزية علمية وإدارية تعد المادة التعليمية للدارسين عن بعد، ثم ترسل المادة إلى عناوين الطلاب في منازلهم في مختلف أرجاء البلاد، ثم تستقبل أوراق إجابات الطلاب في نهاية كل عام لتقوم بتصحيحها، واستخراج نتائج الدارسين.

تاسعا: تنفيذ الفكرة بالجامعة الإسلامية: إن أهم أهداف الجامعة الإسلامية كما ورد في المادة (2) من النظام العام للجامعة (أهداف الجامعة الإسلامية تثقيف من يلتحق بها من طلاب العلم من المسلمين من شتى الأنحاء، وتكوين فقهاء في الدين... الخ). وحيث إن الجامعة الإسلامية مفتوحة لجميع أقطار العالم دون تمييز، وبها طلاب لأكثر من ثمانين جنسية؛ فإذن أصبح الأمر يتطلب الانفتاح على العالم الخارجي وعدم الاقتصار على الدراسة في حدود الجامعة الحالية، وفي إطارها الداخلي بل لابد من الانتقال إلى المجال الخارجي.

وإذا كانت جامعة الهواء في بريطانيا قد انفتحت داخل بلادها، وإذا كانت مصر تفكر أيضاً الآن في إنشاء الجامعة المفتوحة لتخفيف الضغط على الجامعات النظامية بها؛ فإن الجامعة الإسلامية حسبما ورد في المادة (2) من نظامها العام: "مؤسسة إسلامية عالمية من حيث الغاية، وعربية سعودية من حيث التبعية، ذات شخصية اعتبارية مستقلة"، وعلى هذا فإن هذه الجامعة تتميز عن جميع جامعات المملكة - بل عن جامعات العالم - بأن هدفها الأساسي هو هدف عالمي وليس هدفاً محليا يقصد منه تخريج فئات من المتعلمين المتخصصين الذين يلتحقون بالعمل في مختلف أجهزة المملكة ومؤسساتها؛ لسد الحاجة في مجال الخدمات والإنتاج، ولتحقيق خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يعود على البلاد بالخير والرخاء.

والجامعة الإسلامية قد سلكت طريقها المرسوم، وحققت إنجازات باهرة (بعون الله تعالى) في السنوات الماضية منذ إنشائها عام 1381هـ وحتى العام الحالي 1399هـ (في مدة ثمانية عشر عاما) وبلغ عدد المتخرجين فيها حتى عام 97/96 1482 خريجا من 63 قطرا، واستكمالا لهذه النهضة المباركة فإنه من المفيد أن تنفتح على الخارج وأن تجعل العلم ميسوراً كالماء والهواء، وألا تكون له حدود مكانية معينة، مع عدم التقيد بإعطاء الدارسين أية شهادة، اللهم إلا وثيقة تثبت أنه قد أمضى عدداً من السنوات في تحصيل العلوم العربية والإسلامية، وأصبح مستواه مقبولا، أو جيداً، أو ممتازا.

ويحضرني في هذه المناسبة أن الأستاذ الدكتور عيسى عبده - وهو عالم جليل وأستاذ ضليع - قد أثار فكرة مماثلة لما نحن بصدده عندما كان يلقي محاضرة منذ أيام في النادي الأدبي بالمدينة المنورة عن (جامعة الدار) أو (جامعة المنزل)؛ لتعليم الفتاة والمرأة السعودية داخل بيتها بواسطة الحلقات الإذاعية المرئية والمسموعة، حتى توفر المرأة على نفسها الكثير من المتاعب التي تعانيها عند خروجها من بيتها وقضائها عدة ساعات في المدرسة النظامية صباحية كانت أو مسائية، ويقول الأستاذ المحاضر: إن جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض ربما تتبنى هذه الفكرة، وتعمل على تحقيقها وإخراجها إلى حيز التنفيذ في القريب العاجل.

آمل أن تقوم الجامعة الإسلامية بعرض فكرة الجامعة المفتوحة (جامعة الهواء) على الأجهزة المتخصصة بالجامعة؛ لدراستها دراسة وافية، وقد تصل إلى نتيجة إيجابية محققة للغايات والأهداف السامية التي أنشئت من أجلها الجامعة.

 وباللّه التوفيق، والصلاة والسلام على نبينا الكريم محمد بن عبد الله الصادق الو عد الأمين.