|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
|
|
تفسير آية
من كتاب الله |
|
لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي المدرس
بالمعهد الثانوي |
|
|
|
|
|
بسم الله الرحمن
الرحيم، ونصلي ونسلم على من نزل على قلبه الكتاب المبين، ثم بعد،.. لما كان كتاب
الله لا تنتهي عجائبه في الدنيا والآخرة، ومن أعاجيب كتاب الله هذه الآية التي
نريد- إن شاء الله – أن نمر بها بقدر ما يفتح الله علينا به، وليس الأمر أمر آية
تفسر، أو كلمات تقال وتسمع، لأن الكلام ما أكثره حتى ولو كانت كلام خير ولكن
المطلوب كله أن نسمع ونعقل ونعمل وإلا فكل كلام يكون على غير ما ذكرنا مجرد كلام
وحديث طلى حلو المسمع.. |
|
تم تعليق بعد ذلك
بالرضا أو بعدمه على ما قيل وسمع، ولا يستقر شيء في القلب، ولا تتحول الأحاديث
إلى العمل تطبيقاً لما سمع، ألا فلنرح أنفسنا من الآن ولنسكت، وكل يعمل على
شاكلته، ثم بعد ذلك ربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً، إلا أن الجامعة الإسلامية
التي ما قام بناؤها الشامخ الآن إلا على أساس التعريف بكتاب الله، وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم، داخل الدولة وخارجها وما أظنني أبداً أتملق أو أرائي أحداً معاذ
الله، فما بقي لي شيء بعد سني هذا أرائي من أجله، وإنما الذي بقي لي في هذه
الدنيا هو أن أقول كلمة الحق لأهلها، وكلمة الباطل لأهلها أيضاً ما استطعت إذاً
فالجامعة تقوم في كل مجال ترى فيه مناسبة بتبليغ كلام الله إلى الناس حيثما عن
لها ذلك وأمكن، وكان موسم الحج في مخيمها على هذه الصورة التي ترونها، كتاب الله
يتلى ويفسر ويبين، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تروى وتشرح وتوضح، ما
يتصل منها بالحج أو بغيره فدين الله شامل لكل شيء، والحج جمع جامع يمكن أن يقال
فيه أياً مما قال الله وما قال رسوله، فلا تجلسوا هنا على أساس أن تعرفوا فقط ما
هو الطواف، وما هو السعي وما هو الوقوف وما هو الرمي، لا إن هذا الموسم يمكن أن
يكون موسم الإسلام كله، ويجب أن يحاط يقدر الإمكان بما في دين الله قولاً وتوضيحاً
في أشهر الحج المعدودات، وعلى هذا فقد أردت أن أزيد على ما تعوده الناس في موسم
الحج، مما كادوا أن يملوه من الإقتصار على الحديث عن الحج وما يتصل به وكأنه لا
يعيش الإنسان في الحج إلا مع هذه الكلمات أو التحركات، ولهذا اخترت أية من كتاب
الله، لأفسرها بما يفتح الله به علي، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه
أنيب ونقرأ الآية المعنية أولاً {لَيْسَ الْبِرَّ
أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ
الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ
وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا
عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ
أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} الآية
177 من سورة البقرة. هذه الآية التي اخترتها لأجعلها موضوعي في هذه المجلة، ولا
أدعي أبداً بأنني قد أحطت علماً بكل ما في هذه الآية، ولو ادعيت ذلك أكون قد قلت
شططاً، وطلبت أمراً ليس سهلاً بلوغه، ولنبدأ بغير مقدمات طويلة، سائلاً الله أن
يفتح الآن القلوب قبل أن يطلق اللسان بالقول، وأن يجعلنا نأخذ بعد ذلك معناً ما
سمعناه، عسى الله برحمته أن يجعل هذا الموسم موسم خير وبركة لكل حجاج بيته، وليس
كما قال صلوات الله عليه:" يأتي زمان على الناس
من أمتي، يحج أغنياؤهم للنزهة، وأوسطهم للتجارة، وقراؤهم للرياء، وفقراؤهم
للمسألة " نعوذ بالله من أن نكون الآن كذلك، ونعوذ بالله من أن نعيش
إلى هذا الزمان، إنما نسأل الله أن نكون الآن في حج خالص لوجهه، ولنبدأ في تفسير
الآية. {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ}، صحيح أن هذه الآية نزلت لأكثر من سبب، فقد أفهمنا
علماء أسباب النزول أنه قد يكون لنزول الآية سبب واحد، وقد تكون لأسباب عدة،
ولكن لا أريد أن آخذكم معي في خلافات العلماء، وإنما القصد هو أن نأخذ شيئاً ممسوكاً
ميسراً يمكن الاستفادة منه، ولا بد من مقدمة بسيطة جداً ثم بعد ذلك ندخل في
تفاصيل الآية، لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحول القبلة إلى البيت
الحرام، خاض اليهود والنصارى، وقالوا ما قالوا، فاليهود أرادوا أن يجعلوا القبلة
جهة المغرب، أي جهة بيت المقدس، ودعوني الآن مع الآية، وكثيراً ما تشد الحوادث
المؤلمة الإنسان بعيداً عن قصده، وقد يلام عندئذ أو لا يلام، فدعونا الآن من
مأساة بيت المقدس، ولنكن عند كلامنا المحدد بالآية، والنصارى طلبوا أن يجعلوا
القبلة جهة المشرق، والمسلمون فرحوا بالتحول الجديد، فأصبح الأمر له ثلاث دعائم،
لنأخذ من هذه الدعائم الثلاث كلمة {الْبِرَّ}
في النهاية بعد ذلك، اليهود يريدون المغرب والنصارى يريدون المشرق، والمسلمون
سروا بالبيت الحرام، وكل اعتقد صحة وجهته، ولابد أن يكون الحق في جانب واحد من
الثلاثة، ولن يكون الحق إلا ما أنزله الحق عندما حدد الوجهة، ومع ذلك خشي أن
يكون الأمر مجرد اتجاه إلى مكان، وليس اتجاهاً إلى من شمل سلطانه الزمان
والمكان، فقال سبحانه ليدخل الفرق الثلاثة في الآية موجهاً القول إليهم جميعاً حتى
إلى أصحاب الوجهة الحقة، وجهة البيت الحرام، فقد يتجهون هم أيضاً بأجسادهم إلى
بناء الكعبة ينحنون ركوعاً ويخرون سجوداً، ولكن الوجهة ليست إلى الله في علاه،
والعقيدة غير مصفاة، ويصبحون بذلك يؤدون الصلاة عادة وليست عبادة، وهنا لا يصبح الفرق
كبيراً بينهم وبين من اتجهوا إلى المشرق أو المغرب، فلا بد من الجهة والوجهة
وهنا يكون البر وليس دون ذلك، يوجد البر، فقال عز من قائل: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} فبدأت الآية بنفي جهتي النصارى واليهود
شكلاً وموضوعاً فبقيت جهة من الثلاث لم تنف إشارة إلى أنها الحقة، ولكن لينقى
حقها من كل كدر، ألزمت الآية أصحبها بسمات معينة كعقد لؤلؤى رائع إلى آخر
كلماتها، والبر في تفسيره العام هو كل طيب يعتقد به أو يقال به أو يعمل به، وأول
طيب يعتقد به هو بداية ما ذكرته الآية من أمر أهل البر، {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} والإيمان
بالله أمر طيب خفي يظهره قول طيب جلي ذكرته أكثر من آية { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}، الآية 24 من سورة إبراهيم والكلمة
الطيبة هي كلمة التوحيد يترجم بها الإيمان، وقوله سبحانه {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى
الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا
وَأَهْلَهَا} الآية 26 من سورة الفتح، وكلمة ( التقوى ) هنا أيضاً هي
كلمة التوحيد،لا إله إلا الله، والإيمان كله هنا، ومن هذا الكل يتفرع الجزء الذي
ذكرته الآية في بقيتها، إذاً فكلمة الإيمان وهي الشهادة بالوحدانية، هي تلك التي
أقام الله عليها دنياه وأخراه، وبغيرها خربت دنيا الناس وأخراهم إذاً فلابد أن
تفهم ليعمر بها المؤمن ما هو فيه وما هو آتيه، ولا يكفي فيها أبداً ترديد
الببغاء، كما لا يكفي فيها مجرد التعبير المحفوظ من أن معنى لا إله إلا الله لا
معبود بحق سواه، وإنما يجب أن نعود بعيداً لنعرف أولاً كلمة التوحيد حتى نصل بها
إلى ما حفظنا من تعاريف، فنقول إن الله لما خلق البشر لم يبدأ بترهيبهم وإنما
بدأ بترغيبهم، لما عرض عليهم في صورة البشريّ الأول، فأول ما عرض عليه جنته ولم
يره ناره، فوقعت المعصية فيها وتركت الجنة إلى شقاء الأرض، وأول ما حدث عليها من
إنسان اختار ما يدخل النار {فَطَوَّعَتْ لَهُ
نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الآية
33 من سورة المائدة، ولما تكونت أول مجموعة بشرية استحقت أن يرسل فيها أول رسول،
ما بدأوا دنياهم إلا بيغوث ويعوق ونسراً، ومن هنا عرفنا لماذا بدأت كلمة التوحيد
بالكفر قبل الإيمان ( لا إله ) من هذا كله، لا شيطان تعبد بطاعته عندما ينزغ،
ولا للهوى تتبع حتى تقبل، ولا ليغوث تدين بالضلال المبين، أنطق أولاً بالكفر بما
عدا الله، فلا إله من هذا كله، إلا الله خالق هذا كله، فأنت نظفت القلب أولاً مما
عدا الله، ثم ملأته بالإيمان بالله، فلم يعد فيه فراغ لسواه، فيصبح بعد ذلك لا
معبود بحق سواه، وتكون قد أدركت بوضوح معنى ( لا إله إلا الله )، فهو وحده الذي
يجب أن يعبد من كل خلقه، {وَالْيَوْمِ الآخِرِ}،
ولم يقل: واليوم الثاني، لأن الآخر هو الذي لا ينتهي حقيقة أو ذكراً فلا شيء
يخلفه، أما الثاني قد يكون بعده ثالث وهكذا، فالآخرة حياة بعد موت ليس فيها موت {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ
الأُولَى} الآية 56 من سورة الدخان والإيمان يقتضي التصديق بالخروج
من الحدث إلى حياة لا تنتهي، {وَالْمَلائِكَةِ}
وهم سكان السماء المكرمون، ومنهم كثير ينزل إلى الأرض لأعمال هم بها مكلفون {وَالْكِتَابِ} يشمل هنا كل كتاب أوحى به وليس
القرآن فقط {وَالنَّبِيِّينَ} سواء من
نزل عليه كتاب وكلف بشريعة، أو من وقف أمره عند النبوءة، وعند هذا القدر من
الآية نقول، إن البر بدأ بالإيمان بالله وهو سبحانه الغيب الأعظم، ادخر رؤيته
البصرية في الآخرة لمن آمن به في الدنيا غيباً مكتفياً بعجائب صنعه ومعجزات
رسله، فآمن تبعاً لذلك بكل غيب أخبر عنه، فالملائكة غيب لم يرهم الناس إلا النذر
الموحى إليه، والكتب غيب لم يدرك حقيقة نزلها إلا من نزلت عليهم، والصلة بين
النبيين وربهم غيب لا تلمس ولا تتصور، فالإيمان بهذا الغيب هو ملء القلب بضياء
المعرفة، فتبدأ الآية عندئذ بوضع الصفات التالية من صورة البر على تلك الركائز
الراسخة، والراسية رسو الجبال أو أشد في قلب الذي عرف، {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}، فالإنسان لا
شيء أعز عليه بعد روحه من المال، بل كثيراً ما كنت أسمع من يقول: المال عديل
الروح، والمال هنا يشمل كل ما
يميل إليه الإنسان، من ذهب وفضة وأنعام وحرث، وللمفسرين عندئذ رأيان، لأن إيتاء
المال ذكر هنا، وإيتاء الزكاة سيذكر بعد في نفس الآية، فقيل عن إيتاء المال هنا
هو نفس إيتاء الزكاة وإنما الذكر الأول للإيتاء هو أوجه الصرف ولمن تعطى، وقيل
إن القصد هو الحق الذي في المال سوى الزكاة المفروضة، بل ورأي ثالث استنبط من "الصدقة على القريب صدقة وصلة"، {ذَوِي الْقُرْبَى} وتبع ذلك في الترتيب {وَالْيَتَامَى} فاليتم قطع أليم لحنو عظيم
بالقلب واليد كان يمد لليتيم قبل أن يأتم بموت أبيه، ومد المال إليه بعد ذلك
امتداد لجزء عظيم كان قد انقطع عنه باليتم لما مات العائل {وَالْمَسَاكِينَ}، وكلمة المسكين تعبير عن الذي
أسكنته وأذلته الحاجة، فانزوى وانطوى على همه، فيحوله الإيتاء من أهل السخاء إلى
إنسان متحرك متصل بالمجتمع، يعمل معه أخذاً وعطاء بالمال الذي أوتيه {وَابْنَ السَّبِيلِ}، سالك الطريق إلى غاية لم
يبلغها لنفاد ما يبلغه، فيعينه ما أعطيه على إدراك مقصده والاجتماع بمطلوبه
ليفرح ويسر بعد غربة، وانقطاع ووحشة، {وَالسَّائِلِينَ}،
ولو كانوا على جياد مسومة وتعلوهم ثياب مطرزة، ما داموا مجهولين وليسوا معروفين بالاحتراف
للسؤال، فقد تكون طارئة كبرى ونازلة عظمى حلت بهم فأتربت أيديهم، وبقي عليهم أثر
نعمة ذهبت، فلا يجوز تعنيف السائل على مظهر يبدو منه عدم حاجته إلى السؤال {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ
يَتْبَعُهَا أَذىً} آية 263 من سورة البقرة، {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} آية 10 من
سورة الضحى، وما أبعد الفرق بين اليد التي أعطت واليد التي أخذت " اليد العليا خير من اليد السفلى " والخيرية
هنا على لسان الصدوق صلى الله عليه وسلم تشمل الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يد
اكتفت واغتنت وعزت، فامتدت لتعطى وليس لتأخذ، ويد افتقرت واحتاجت فأمدها الفقر
لتأخذ لا لتعطى، وفي الآخرة أجرت اليد التي أعطت لأنها شكرت، والثانية لا أجر
لها على ما أخذت، بل قد تعاقب إذا كانت امتدت متسمرئة سهولة السؤال عن السعي الحافظ
لماء الوجه، أما المؤتي فهو بنيته يثاب على كل حال {
وَفِي الرِّقَابِ}. وهنا تقدير تفسيري بين "في" و
"الرقاب"، أي (وفي فك أو إعتاق الرقاب) المسلوبة الحرية، من عبيد
وإماء وأسارى، كأن يعتق ما يملكه من عبد أو أمة تاركاً ثمنهما صدقة لله، أو يشتري
الرقاب ويعتقها كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، أو يفتدي الأسير ليطلق من إساره,
ولكن لنا وقفة عند كلمة الرقاب، فقد جهل علينا الجاهلون لما قالوا: إن الإسلام
يدعو أن يملك الإنسان أخاه الإنسان كما يملك شاة أو بعيراً، وما من وصف يليق بهم
إلا أنهم أعداء جاهلون كما قلت، وها هي كلمات الآية تخزيهم وتغشي أعينهم، فهي
هنا لا تأمر بفك الرقاب فقط وإنما تفهم المؤمن بالله أنه لا يتم له الإيمان
ويحوز صفات البر إلا إذا كان من المخلصين للعبيد من عبوديتهم، حسية أو معنوية،
ولقد أعلنها الإسلام حرباً غليظة لما جاء ووجد مصيبة الرق وتجارته تملأ فجاج
الأرض كما يتاجر في الخراف والحمير، بل وجعل من ألزم الكفارات إذا وقعت المعصية
من المؤمن أن يعتق رقبة إذا أحب أن يسارع إلى المغفرة ومحو الذنب، فالمظاهر من زوجته
يلزم بعتق رقبة ولا يقبل منه ما دون ذلك إلا إذا كان لا يملك رقاباً، ونفس الأمر
للمفطر في رمضان، وللواقع في يمينه، وهكذا، بل من غير هذا وذاك جعل الله تعالى
من أعظم القربات إليه عتق الرقاب، إن المتخرصين علينا قد علموا ذلك وعموا عنه،
فهي العداوة للإسلام ولا شيء غير ذلك، لقد قضينا على الرق كما أمر ديننا، وهم لا
زالوا يتاجرون في الرق ويستعبدون ويستعمرون. |
|
لكن إتيان المال
للمجموعة الآنفة من قوله تعالى {وَآتَى الْمَالَ
عَلَى حُبِّهِ} إلى {وَفِي الرِّقَابِ}
وضع لها المفسرون شرط الحاجة من هؤلاء جميعاً إلى المال. أما من ملك المال وبخل
به على نفسه فلا يعطى من مال غيره مهما كانت الصلة، {وَأَقَامَ
الصَّلاةَ}، إنه وإن كانت الصلاة هي قمة العبادات المؤداة بدنياً بعد
رسوخ الإيمان قلبياً، فإن ترتيبها اللفظي في الآية لا ينقصها عن ترتيبها المعنوي
الثابت لها على كل العبادات، لأن الآية ذكرت الأمور التي يتكون منها البر على
صورة أقسام ثلاثة، كل قسم يضم مجموعة متحدة الغاية، فالمجموعة الأولى غايتها
رسوخ اليقين في صدر المؤمن إلى قوله تعالى:{وَالنَّبِيِّينَ}،
ومجموعة القسم الثاني تنظيم المجتمع الإسلامي وإحكام صلته ببعضه ليتآخى فيستقر
ويأمن وذلك من قوله سبحانه:{وآتَى الْمَالَ عَلَى
حُبِّهِ إلى.. وَفِي الرِّقَابِ}، والقسم الثالث في آخر الآية غايته
صقل النفس والتسامى بها لتتم لها السعادة بالعبادة الموجودة في هذه المجموعة،
وبدأ سبحانه هذه المجموعة بإقامة الصلاة، ونلاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل هنا،
وصلى، أو: أدى الصلاة، لأن الذي يحرك جسده بالصورة المعروفة للصلاة، يكون قد صلى
أو أدى الصلاة، ولو لم يتم ركوعها ولا سجودها، ولو جمعها جميعها آخر النهار
وفعلها جملة واحدة يكون قد صلى أو أدى الصلاة، ولو صلاها في بيته وليس مع
الجماعة يكون قد صلى أو أدى الصلاة، وهكذا، ولكنه في كل هذه الحالات لا يكون قد
أقام الصلاة، وإقامتها شرط في قبولها، ولهذا كانت الآيات التي تحدثت عن الصلاة
في القرآن من النذر ألا تذكر معها كلمة (إقامة) أو ما يشتق منها، فتجدها بالماضي
(وأقام الصلاة) وبالمضارع (ويقيم الصلاة) وبالأمر (وأقم الصلاة) واسم الفاعل
(والمقيمين الصلاة)، وقد لخص تفسير الإقامة في أربع؛ أن تؤدى في أول وقتها وأن
تكون مع الجماعة في المسجد، وأن تكون تامة كاملة الأركان قراءة وركوعاً وسجوداً
وخشوعاً، وألا تصاحبها المعاصي التي تضيع ثوابها {إِنَّ
الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} هذه الأربعة هي
ما تقام بها الصلاة كما أمر الله تعالى، وبغيرها تكون صلاة ولا تكون إقامة صلاة،
يراه الناس يصلي وقد لا يراه الله كذلك {وَآتَى
الزَّكَاةَ}، سبق في المجموعة الثانية قوله تعالى:{وَآتَى الْمَالَ}، فإيتاء المال إطلاق، وإيتاء
الزكاة تقييد، وأخذ ذلك من إجبار الدابة على قيدها في مكان أمانها، وعندما يؤدى
القصد من القيد حيث لا خوف على الدابة فتطلق لتزداد حركتها داخل الحظيرة وخارجها،
فالزكاة قيد يلزم به المؤمن أولا حسب القدر المقرر بالشرع، فإن آتى المال على
حبه بعد ذلك – كما ذكرت الآية آنفاً قبل ذلك – فهو من سمات البر ومتمماته، ولقد
سبق إيتاء التطوع قبل إيتاء الفرض ليعلم والله أعلم أن الزيادة في الخير وإن لم
تفرض لها عند الله قدرها العظيم، فيعطيها المؤمنون السابقون في الخيرات أهمية
الفرض طمعاً فيما عند الله تعالى من جزيل الأجر وعظيم المثوبة، فمجتمع يكون على
هذه الصورة وقد اتبع توجيهات السماء وسارع إلى العمل بها لا يمكن إلا أن يكون
مجتمعاً سعيداً رغيداً، وهل يمكن أن يكون لكيد الملحدين وسموم الشيوعيين مغمز يشيعون
أو مدخل يلجون، لكن لما منع مجتمعنا اليوم زكاة الله منعوا تبعاً لذلك من باب
أولى إيتاء المال فيما سوى الزكاة، حيث أحضرت الأنفس الشح مع زيادة المال لدى
الأغنياء في هذا الزمان، لقد أصبح المجتمع الإسلامي اليوم فريقين، فريق بات فيه
الثراء دولة بين الأغنياء وفريق بات الثرى مأواه يتقلب عليه جوعاً ومناماً،
لأن الفريق الأول قطع مدد الله
المفروض عن الفريق الثاني، فانقطعت الصلة ونبت البغض وأصبح نداء المعدة لدى
الجائعين الضائعين هو النداء الملبى دون النظر إلى مصدره ولو كان نداء إلحاد أو ارتداد،
والمسلمون هم السبب ثم يتباكون إذا استشرى الداء، فلا فرض أدوه ولا مستحب فعلوه
فجنوا شر مخالفة الكتاب ومجافاة السنة بما نحن غارقون فيه اليوم وبما هو معروف
للكل وإلى الله المشتكى. {وَالْمُوفُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} ومشكلة الوفاء بالعهود والوعود في
مجتمع مسلمي اليوم أمر آخر نتج عن تركه وعدم الوفاء بما يقال أو يتعهد به على
مستوى الفرد والمجموع والحكام، أننا أصبحنا نعيش في بحر متلاطم قوامه عدم الصدق
وفقدان الثقة وسوء الظن وعدم اطمئنان النفس إلى غيرها، حتى الوعود والعهود
المكتوبة يتلاعب بها ويتحايل على نقضها، ويدخل في ذلك مواثيق المنظمات ومعاهدات
الحكومات، ذلك لأن الأصل الملزم للوفاء بالعهد لم يعد موجوداً في الصدور، وهو
خشية الله وخوف عقابه إذا وقع خلف الوعد أو خيانة العهد، وإنما ديدن اليوم أن
يظل الوفاء ما ظل النفع الذاتي أو الخوف من ضرر يتوقع ويصبح العهد هباء إذا لم
يخش من نقضه ضرر لدنياه، ولا على باله شيء من سوء عاقبة حتى يحيق المكر السيئ بأهله،
وعندها فقط يتذكر العهد بعد فوات الوقت {وَالصَّابِرِينَ
فِي الْبَأْسَاءِ}، قالوا عن البأساء أصلاً إنه الفقر الشديد، على
أنه المذل للنفس الإنسانية والمهين للكرامة البشرية بأكثر مما عداه مما يصاب به
الإنسان، ولكن يدخل في البأساء أيضاً كل ما تبتئس به النفس وتكتئب فيما بعد
الفقر الذي هو أشد ما يحزن ويبئس، فلا تجوز لمن يبتئس أن ييأس، فالحياة قلب
وأيامها دول، وعليه أن يعتقد والصبر الجميل ستر مسدول عليه بأن الله سيجعل بعد
عسر يسراً، وأن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً، ولن يغلب عسر يسرين، لكن
أقول والأسف شديد إن ضيق الصدر وضياع الصبر في مجتمعنا الحالي أصبح هو المهيمن
على تصرفاتنا، وكأننا نريد أن نخضع الدنيا لهوانا وميلنا، ونسينا أن ما عسى أن
نكرهه قد يكون خيراً لنا وأن العكس أيضاً قد يكون ولماذا نذهب بعيداً في التدليل
بعدم الصبر، ونحن الآن في منى نعيش التجربة كاملة، أرأيتم ما يفعل الناس عند
الجمرات أثناء الرجم، هذا يدفع هذا، وهذا يسيء إلى هذا بلسانه أو بيده، واستعملت
القوة البدنية وسط هذا الزحام لزيادة آلام الناس وعنائهم، وأكثر ما وقع بهم
الحيف أهل الضعف من النساء والعجزة والمرضى وكبار السن، هل هذا هو الصبر في أعظم
المواقف الذي يمتحن فيه أهل الإيمان ويظهر منهم حقيقة الصبر ليعظم لهم الأجر؟
وإذا تعرضنا لما يحدث عند الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة لقلنا
كثيراً مما ترونه جميعاً معي، بل إن عدم الصبر مع فريضة الصبر هذه وهي فريضة
الحج يظهر جلياً على كثير من الحجاج وهم جلوس داخل خيامهم، فتراه ناقماً لأنه ما
تصور وهو في بلده مرفه مدلل أنه سينام في ظل قطعة قماش وأن الرمل هو الفراش،
وأنه لو استطاع أن يرسل في استدعاء قصره المشيد بفراشه الطري الرخي لفعل، وما
خطر في باله أن الحج يقوم على مشقة يصبر عليها الرجال المبتغون المثوبة من
الكبير المتعال، {وَالضَّرَّاءِ} والأغلب
في تعريفه أنه المرض، فأكثر ما يتضرر به الإنسان الأوجاع وفقدان صحة البدن، ولكن
ذلك أيضاً لا يمنع كما قلنا من التضرر بغير المرض من ابتلاءات الله كما يشاء
والتي لا ترياق لها إلا الصبر المحتسب، {وَحِينَ
الْبَأْسِ}. وقت القتال حينما ينادى بخيل الله لتركب، وهو رمز عسكري في
الماضي، وما يشبهه اليوم ومستقبلاً مما يستنفر به الرجال لإذلال حزب الشيطان. {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} الآية 14 من سورة التوبة.
والقرآن زاخر بآيات البطولة والرجولة وعزة والركض إلى حيث النداء وكرامة
الشهداء، سيرة في الدنيا عطرة وفي الآخرة عظمة، هكذا كنا يوماً فخرت أعناق
الطواغيت تحت نعالنا، ودانت الجبال الشم لعزائمنا، ونظرة الرضا من الله في
الآخرة لجنده هؤلاء شيء مستحيل وصفه، فماذا دهانا اليوم وا أسفاه، فقنا النمل
عدداً وتمزقت أوصالنا بدداً، وطمع فينا وفي قدسنا عدو ضربت عليه الذلة، وما
سمعنا في دنيانا بقدر ما بلغنا عن خبرها منذ وجدت أن لأهل التيه مكان دائم، وأن
لهم دولة وأرضاً، إلا لما أبطلنا آيات الجهاد وأوقفنا أسوة الرسول الذي سير ستين
سرية وقاد بنفسه سبعة وعشرين جيشاً وقاتل بنفسه في تسع منها، نعم قامت لليهود
أعداء ربهم وقتلة أنبيائه ومبغضوا أوليائه دولة، ودولة اقتطعت من أكبادنا، حدث
ذلك لما نسينا الله فنسينا بتسليط أحقر خلقه وتمكينهم منا ليذيقنا وبال أمرنا،
فهل من صلح مع الله وقد رأينا نذره وما أمسينا فيه، عسى أن يصلح أمرنا ويعيد
إلينا عز أيامنا؟.. {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}،
والصدق هنا وعلى عمومه يشمل ثلاثة جوانب، صدق الاعتقاد وصدق القول، وصدق العمل،
ونحن المخلوقين لا ندرك من غيرنا صحة الاعتقاد، فالقلوب يعلم ما بها العليم
بذاتها، أو قد نتصور صدق المعتقد بقسم منه قد يصدق فيه وقد يكذب، ولكن الصدق في
الآية هنا وصف من الله للذين عملوا بجوانب الخير المذكورة فلابد أنهم صادقون لما
وصفهم الله بالصدق العليم بصدورهم، وصدق القول أظهر لنا من صدق الاعتقاد، حيث
نستطيع مطابقة الخبر القولي للواقع العملي، ولكن ذلك يمكن أن يخالف، فقد يكون
حريصاً على صدق قوله أمام الناس، وقد يكون عكس ذلك إذا غاب عنه الناس، لكن صاحب
الصفات التي في الآية لما وصف بالصدق من ربه فيصبح بالتأكيد صادقاً أمام الناس
أو في غيبتهم، والصادق في العمل أمامنا قد يكون قصده مراءاتنا أيضاً لنثني عليه
حيث لا يرى إلا في مواضع الخير وأماكن التقوى، ولكن لا ندرى هل كان ذلك أمام
الله أم لا؟ لكن في هذه الآية العظيمة، لما أصبح من أهلها ووصفه منزلها بالصدق،
فهو إذاً باليقين صادق العمل، ومن هنا لما جمع جوانب الصدق الثلاثة يكون جمع
الأسس الثلاثة جميعها التي في الآية (1)، الاعتقاد القائم على الإيمان بالغيب
فلا يشرك ولا يشك ولا يسأل (2)، أخوة المجتمع الإسلامي القائمة على الترابط
والتعاون على البر (3)، تزكية النفس والتسامى بها ابتداء بالصلاة فما دونها من
بقية العبادات وهنا نفى عن نفسه صورة البر الزائفة بوجهة المادة على المشرق أو
المغرب دون جهة الروح المفصلة في الآية المجيدة، وأحلى وأجمل ما حمله معه المتصف
بهذه الآية هو ختامها لما أسبغ عليه نعمة التقوى ظاهرة وباطنة، فأصبح سلوكه سلوك
الربانيين وهذا أعلى منازل العباد عند الله بعد الملائكة والأنبياء. |
|
هذا إيجاز موجز في معنى
آية واحدة من كتاب الله، وقد تعرض للحديث عنها كثير من العلماء في كتيبات وكتب
منفصلة حتى وصل بعضهم في الكلام عنها إلى كتاب مستقل بلغت صفحاته خمسمائة صفحة،
فما بال القرآن كله إذاً؟.. سبحان من جعله كما قال عنه مخاطباً نبيه الذي أنزل
عليه وجعله به خير عباده {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}.. "سورة النحل آية
89" والمقصود بقوله تعالى {لِكُلِّ شَيْءٍ}
كل شيء شمل الدنيا التي ستنتهي والآخرة التي لا تنتهي، هكذا فهمه الكرام الأعلام
السابقون من أهل هذا القرآن، واليوم ما أمره عند من ينتسبون أو يدعون الانتساب
إليه، إنني أستطيع القول بلا أقل تحرج، إن قوله تعالى على لسان رسوله في بداية
ما نزل القرآن:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ
إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} "سورة
الفرقان: آية 30 " .. يمكن أن تقال هذه الآية حرفاً ومعنى، وإلا فمن يجيبني
عن هذه الأسئلة؟ كم حاكم مسلم الآن ينفذ حكومة القرآن؟ كم فرد من المسلمين اليوم
يحفظونه والنذر الذي حفظه كم منهم فهمه، والأكثر ندرة من الذي فهمه هل على نفسه
طبقه ونفذه؟.. إن الذي بقي من القرآن الآن مقرئو المآتم والإذاعات والحفلات
يتاجرون به ويشترون بآياته ثمناً قليلاً، وقراءتهم إلى الغناء والتلحين أقرب،
ليشدوا أسماع الجهلاء بحسن النعم وليس بحسن المعنى، والذي بقي من القرآن الآن
آلاف من النسخ المطبوعة المكدسة في المساجد وفي المكاتب للغبار والفئران
والأرضة، والذي بقي من القرآن الآن قراءته على القبور واستعماله للاستجداء
والسؤال، والذي بقي من القرآن الآن جعله للشعوذة والأحجبة خوفاً من المرض والحسد
ومس الجن في اعتقاد البلهاء المستدرجين والذي بقي من القرآن الآن كتابة بعض
آياته على حلى النساء وخواتم الأصابع للرجال والنساء وفي غمرة الجنابة والحيض
والجماع ودخول المراحيض وإزالة البراز والبول بالأيادي المكتوب عليها اسم الله
وآياته، كل هذا وأكثر منه يحدث من الذين يقولون إنهم أمة القرآن المؤمنون بمنزله
سبحانه ومبلغه صلى الله عليه وسلم، يحدث منهم هذا بهذه الصورة المجرمة الوقحة
ولا يستحون معها أن يقولوا إننا مسلمون ونؤمن بكتاب الإسلام، ولم لا يكون من
أمتنا ذلك ولم تبال حكوماتهم في برامج تعليمها على اختلاف مراحله بكتاب الله، لا
تحفيظاً ولا تفهيماً ولا علومه المتخرجة منه إلى بعض جامعات وسط هذا الخضم
المتلاطم من الجهل والنعيق بما لا يسمع إلا بالانحراف والإرجاف فهل من غيورين
محزونين على ما أمسى فيه كتاب الله من ترك وتجاهل وإهمال فيتعاونوا على إعادة عصر
القرآن الذي كان يهيمن فيه على كل تصرفات المجتمع بأسره صغاراً وكباراً، فقد حدث
أن كان الأصمعي رحمه الله يمر في طريق فوجد كما قال:" صبية خماسية أو
سداسية العمر تجلس أمام بيت أهلها وهي تردد:( أستغفر الله لذنبي كله، انقضى
الليل ولم أصله )، فقال لها الأصمعي: أصغيرة لم يجر عليك قلم بعد في السماء،
وتستغفرين الله بهذه الفصاحة؟ فقالت الصبية: وأين هذه الفصاحة من آية قصيرة في
كتاب الله لم تزد عن السطرين، اشتملت على خبرين (تقصد الأخبار البلاغية) وأمرين،
ونهيين، وبشارتين. فازداد الأصمعي غرابة وعجباً من حديث الصبية، وسألها عن هذه
الآية وما تحويه من الأمور الأربعة التي ذكرتها، فقالت: الآية هي قوله تعالى:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ
فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } (سورة القصص رقم 7). والخبر الأول فيها
يفيد الوحي {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى}
والخبر الثاني يفيد الخوف {فَإِذَا خِفْتِ
عَلَيْهِ} والأمر الأول {أَرْضِعِيهِ}
والأمر الثاني {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ}
والنهي الأول {وَلا تَخَافِي} والنهي الثاني
{وَلا تَحْزَنِي} والبشارة الأولى {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} والبشارة الثانية {وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}. فسر الأصمعي
من قول الصبية أيما سرور وقال: تعلم الأصمعي الذي يدعي أنه يعلم الناس من صبية
في عمر أحفاده ". |
|
هذا أمر وقع في حقبة
من أحقاب عصر من عصور أضاءت بنور القرآن شملت الصغير والكبير، واليوم لا يعرف
شيئاً عن القرآن صغير ولا كبير إلا من كان في هذا الزمان كالنواة مع القطمير،
فأصابتنا المذلة لما هجرنا كتاب العزة إلى خصوم هذا الكتاب {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعاً} سورة النساء آية 140 فهل من عودة إلى القرآن لنعود
غالبين بعد أن أصبحنا مغلوبين نعم باعتقاد أكيد {كَتَبَ
اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}
سورة قد سمع آية 22. |
|
وعلى الله فليتوكل
المؤمنون. |
|
عبد الفتاح عشماوي |
|
المعهد الثانوي |