طباعة

 توثيق النص

 

 

 

قبس من بلاغة الفاروق رضي الله عنه

بقلم الدكتور علي البدري

الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية – كلية اللغة العربية والآداب

 

 

الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل.. من بنى عدي بن كعب بن لؤي.

كناني قرشي يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجد الثامن (كعب بن لؤي) .. وهو خطيب قريش في الجاهلية..

أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة. فهي ابنة عم كل من أبي جهل. وخالد بن الوليد رضي الله عنه.. وشارك عمر خاله المشرك أبا جهل في هيبة قرشية دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو ربه أن يعز الإسلام بأحد العمرين.

واستجيبت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان الفاروق رضي الله عنه ثاني رجلين هما أحب الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

كان الفاروق طويلاً مهيباً. كأنه راكب والناس يمشون. ولونه يميل إلى الأدمة والشقرة، كما وصفه بذلك أولاده. وكانت سنه أصغر من سن الرسول صلى الله عليه وسلم بستة عشر عاماً كان قوي الحجة محباً للحق. مرهف الحس رائع البيان.

أسلم في السنة السادسة للبعثة بعد أربعين مسلماً تقريباً. وضربه المشركون لإسلامه وضربهم ورد على أبي جهل جواره.

وفرق الله تعالى بإسلام عمر بين الحق والباطل. وكان الجهر بالدعوة.ثم هاجر علناً. يقول علي:" لما هم عمر بالهجرة تقلد سيفه ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها. فطاف بالبيت سبعاً. ثم أتى المقام فصلى متمكناً. ثم مر على الملأ، وقال: شاهت الوجوه لا يرغم الله إلا هذه المعاطس. من أراد أن تثكله أمه، ويؤتم ولده وترمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي.! ! [1].

قال: فما لقيه أحد منهم ". ويقول ابن مسعود رضي الله عنه:

" كان إسلام عمر فتحاً. وكانت هجرته نصراً. وكانت إمارته رحمة. ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر.." وقال حذيفة رضي الله عنه:

 " لما أسلم عمر. كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قرباً. فلما قتل كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعداً " [2].

وشهد الفاروق جميع الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكثيراً ما نزل القرآن برأيه. ونشير إلى ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

من ذلك إشارته على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقتل المشركين أسرى بدر وشبهه النبي يومئذ بنوح إذ قال:{رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} [3] ثم نزل آيات سورة الأنفال برأي عمر وذلك قوله تعالى:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [4].

وعمر رضي الله عنه هو الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم. بأن يأمر نساءه بالاحتجاب عن الناس جميعاً ونزل بعد ذلك قوله تعالى... {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب} [5].

ويوم وفاة ابن أبي. قال الفاروق للنبي صلى الله عليه وسلم:" أتصلي عليه وقد قال يوم كذا: كذا وكذا وكذا يشير إلى قوله:{لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ}، وما نحن وهؤلاء إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك ".

ثم نزل قوله تعالى:{وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [6].

ولما اختلفت عائشة وحفصة رضي الله عنهما نزلت آية {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} [7].

مؤيدة لرأي عمر رضي الله عنه.

ويوم حديث الإفك قال للنبي صلى الله عليه وسلم:" يا رسول الله أترى ربك قد دلس عليك في زواجها! ! ثم قال:"سبحانك هذا بهتان عظيم". ونزلت آيات سورة النور ببراءة عائشة رضي الله عنها.

ولما سمع قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ..}الخ الآيات.

قال عمر بعدها:" فتبارك الله أحسن الخالقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكاتب الوحي: يومئذ هكذا نزلت فاكتبها ".

وهكذا نرى القرآن الكريم كثيراً ما ينزل برأي عمر رضي الله عنه.

هذا وقد ندبه رسول الله صلى الله عليه وسلم للرد على المشركين يوم أحد وقد قال أبو سفيان:" يوم بيوم بدر والحرب سجال: أعل هبل.

فرد عليه عمر: الله أعلى وأجل. لا سواء. قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

ثم سأله أبو سفيان: هل قتل محمد صلى الله عليه وسلم. فلما أجابه قال:" أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر " [8].

وكان دور الفاروق واضحاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد وفاته قال للصديق رضي الله عنهما:" أما علمت أن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة. قصداً إلى تولية هذا الأمر سعد بن عبادة وأحسنهم مقالة من يقول: منا أمير ومنكم أمير.

وجاء الشيخان ومعهما أمين هذه الأمة أبو عبيدة. فتكلموا يومئذ. وقال عمر: بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن. والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيهاً من غيركم، والعرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ".

 وهكذا يقطع الفاروق رضي الله عنه الشك باليقين. في أسلوب يفيض بلاغة وبياناً وبايع الناس أبا بكر رضي الله عنهم جميعاً.

وبعد وفاة الصديق سمع الفاروق أناسا يفضلونه عنه. فأبى ذلك ثم قال: لو لا موقف أبين بكر يوم الردة ومنع الزكاة، لردت إلى التاريخ دولة المسلمين.

 وعندما تولى الخلافة رضي الله عنه قال في بلاغة وتواضع:

ما كان الله ليراني أرى نفس أهلا لمجلس أبي بكر ثم نزل عن مجلسه مرقاة ثم قال: .. أيها الناس إني قد وليت عليكم. ولو لا رجاء أن أكون خيركم لكم. وأقواكم عليكم وأشدكم استضلاعاً بما ينوب من مهم أموركم. ما توليت ذلك منكم. ولكفى عمر مهما محزنا انتظار موقف الحساب بأخذ حقوقكم ووضعها في مكانها. فربي المستعان فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عز وجل برحمته وعونه وتأييده.

وهذا أسلوب سهل مطبوع لا التواء فيه ولا غموض. ولا هو بالمتكلف الممجوج.

وقديما قال النقاد: إن خبر القول ما كان معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى سمعك [9].

ويقول الحاحظ: أحسن الكلام. ما أغناك قليله عن كثيره. وما كان معناه في ظاهر لفظه. فهو الذي يصنع في القلوب صنيع الغيث في التربة.

وعلى هذا النمط رأينا عمر يقول لقواد المسلمين: اسمعوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشركوهم في الأمر ولا تجهدوا مسرعا فإنها الحرب والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف.

وقال لسعد بن أبي وقاص: ترفق بالمسلمين في مسيرهم. ولا تجشمهم سيرا يتعبهم.. حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم. وإذا وطئت أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم. ولا يخف عليك أمرهم. وليكن عندك من تطمئن إلى نصحه وصدقه. فإن الكذوب لا ينفع خبره وإن صدقك في بعضه. والناس عين عليك وليس عينا لك. ولا تبعثن سرية ولا طليعة في وجه تتخوف منه غلبة أو ضيعة أو نكاية. فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك. واجمع إليك مكيدتك وقوتك. ثم لا تعاجلهم المناجزة ما لم يكرهك قتال حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله. وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها فتصنع بعدوك كصنعه بك.

وآمرك ومن معك أن تكنوا أشد احترسا من المعاصي منكم من عدوكم. فإن ذنوب الجيش  أخوف عليهم من عدوهم. ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح.. فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها. كما ابتلوا بالصبر عليها. فما صبروا لكم فتولوهم خيرا. 1 هـ.

وكان يقول للمجاهدين. قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. و لا تمثلوا عند القدرة ولا تجبنوا عند اللقاء. ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شن الغارات.

وبهذه الدراية الواسعة بالحرب فتح الفاروق العراق والشام ومصر وأرمينية وكل امبراطورية فارس حتى قيل أن الرقعة التي فتحها لو تمت لعشرة خلفاء في عشرة أمثال خلافته لعدوا من الفاتحين. وكانت توجيهاته مصوغة بعبارات مسبوكة محبوكة ملؤها البالغة وسحر البيان.

وفي صيانته للأسرة المسلمة نراه يقول لرجل أزمع الطلاق لأنه لا يحب زوجته: ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب فأين الرعاية وأين التذمم [10].

وهكذا تبدو توجيهاته السديدة في الأمور الصغيرة والكبيرة.

وكان جزاؤه على الله تعالى. فقد كان راتبه اليومى درهما وربع درهم. فقالت له أمرأته يوما إنها ادخرت ربع الدرهم ثم اشترت قميصا. فصادر ثمن  القميص وخفض راتبه اليومي إلى درهم فقط.

كان الفاروق رضي الله عنه يقول للمسلمين منتهزاً فرصة الحج.. يا معشر المسلمين: إنا لم نبعث عمالنا إليكم ليضربوا أبشاركم. ويأخذوا أموالكم. ولكن بعثناهم ليعلموكم ويخدموكم فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلى. فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه فقال ابن العاص: حتى وإن أدب رعيته؟ فقال الفاروق: إي والله لأقصنه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه. ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم. ولا تجمروهم فتفتنوهم. ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم.

وقال لعمرو في موطن آخر.. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا [11].

وهكذا شفى الفاروق رعيته من كثير من عيوبها.

وعندما اعترضت عليه امرأة بحق. قال على ملأ من الناس: أصابت امرأة وأخطأ عمر..

وهذا لا يكاد يصدر عن مسئول في دنيا الناس. إلا متأدبا بأجدب الإسلام.

وقال في عبارات أخاذة بالألباب: لو أن جملا هلك ضياعا بالعراق لخشيت  أن يسألني عنه ربي...

وكان الفاروق رضي الله عنه فطنا كيسا واعيا لأسرار الله في كونه. فقد ظل أكثر من عشرة أعوام خليفة للمسلمين يخطب الجمع والأعياد وغيرهما.

وكانت رسائله الصادرة في دولة مترامية الأطراف تفيض بالحكم والأمثال جارية بين طرفي الإيجاز والإطناب. وكانت بلاغته واضحة لا لف فيها ولا دوران وكان لا يجنح إلى الإطناب إلى إذا اقتضاه المقام. ومن ذلك رسالته في القضاء التي قال فيها للقاضي.

آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك. حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.. ومراجعة الحق خير من التمادى في الباطل.. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد. أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب.

وإياك والضجر والتأفف بالخصوم والتنكر عند الخصومات.. ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله فما ظنك بثواب الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام [12].

وكتب إلى معاوية في القضاء يقول له:

.. أدن الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه. وتعهد الغريب. فإنك إن لم تتعهده ترك حقه ورجع إلى أهله. وإنما ضيع حقه من لم يرفق به..

كتب إلى شريح يقول له: .. لا تشار ولا تمار ولا تبع ولا تبتع في مجلس القضاء ولا تقضين بين اثنين وأنت غضبان [13].

وهكذا ترى أسلوبه رضي الله عنه مترددا بين الإيجاز والإطناب والمساواة. وأساليبه فطرية مطبوعة وإن أردت المزيد فتأمل كتابه أهل إيلياء (بيت المقدس) والذي منه:

أنه أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم.. ولا يسكن معهم أحد من اليهود.

وعليهم أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم.

ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم.. فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم حتى يبلغوا مأمنهم.

وفي موطن آخر نراه يحذر قراء القرآن الكريم فيقول: أريدوا الله بقراءتكم وأريدوه بأعمالكم فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل وإذ النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فقد رفع الوحي وذهب النبي صلى الله عليه وسلم.

.. فمن أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا وأثنينا به عليه. ومن أ ظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه. ويقول.. وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة. ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوه ساعة أورثت حزنا طويلا [14].

ويقول: إن بعض الطمع فقر. وإن بعض اليأس غنى . وإن بعض الشح شعبة من النفاق. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.

هذا وكان الفاروق ببيانه الرائع  المعهود لا يخشى في دين الله لومة لائم. نفذ هذا بكل دقة وأوصى به الخلفاء من بعده، أوصاهم بالمهاجرين والأنصار والمسلمين عامة. وأوصى بأهل الذمة أيضا إذا ما أدوا ما عليهم طوعا أو عن يد وهم صاغرون.

وأوصى الأمراء. ألا يغلقوا أبوابهم دون المسلمين وإلا أكل قويهم ضعيفهم.

أما حكمته المأثورة فلك أن تعرف منها هذه الأقوال العمرية.. الكريمة:

أعقل الناس أعذرهم للناس- لا تؤخر عمل يومك لغدك- لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له- كفى بالمرء غيا أن يكون فيه خصلة من ثلاث.

أنه يعيب شيئا ثم يأتي مثله- أو يبدو له من أخيه شيء يخفى عليه من نفسه- أو يؤذى جليسه فيما لا يعنيه- وقوله: ثلاث يبقين لمك الود في صدر أخيك. أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس. وتدعوه بأحب الأسماء إليه.

ومن أقواله الجامعة. لست خبا. والخب لا يخذعنى.

ومن تذوقه المرهف. أنه مر على قوم لا يعرفهم وكانوا يصطلون فقال لهم السلام عليكم يا أهل الضوء ولم يقل يا أهل النار.

وسأل رجلا ما اسمك؟ قال: ظالم بن سارق. فقال له تظلم أنت ويسرق أبوك.

وسأل غلاما مخطئا فقال: نحن متعلمين. فقال له:لخطؤك في كلامك أشد علينا من خطئك في نضالك.

وكان يشجع الناس على تعلم الشعر فيقول: أفضل صناعات الرجل الأبيات من الشعر يقدمها في حاجته يستعطف بها الكريم ويستميل بها اللئيم. وكان يوصى بما قيل من الشعر في الإسلام. ورأى يوما حسان بن ثابت يقول الشعر في المسجد فقال له: أرغاء كرغاء البكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حسان إليك عنى فإنك تعلم أنني كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك فما يغير على شيئاً. فقال الفاروق: صدقت. وصدقت. وتركه ينشد.

ووصف حالته الجاهلية بأن أباه كان فظا يقول عنه. يدئبني إذا عملت ويضربني إذا فصرت ثم يتمثل يقول ورقة أو غيره.

يبقى الآله ويودى المال والولد

لا شيء مما ترى تبقى بشاشته  

والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا

لم تغن عن هرمز يوما خزائنه

والإنس والجن فيما بينها ترد

ولا سليمان إذ تجرى الرياح له

من كل أوب إليه راكب يفد

أين الملوك التي كانت نوافها

لابد من ورده يوما كما وردوا

حوض هنالك مورود بلا كذب

هذا وقد نسب إلى الفاروق شعر قليل كقوله:

أبر وأوفي ذمة من محمد

وما حملت ناقة فوق رحلها

وأعطى لرأس السابق المتجرد

وأكسى لبرد الخال قبل ايتذاله 

وكان الفاروق رضي الله عنه ناقدا مرهف الإحساس. إلا أنه كان كثيرا ما يحاول تطييب خوطر النهجوين  ولو كان الهجاء بينا. ثم يأخذ لهم حقهم ممن تقول عليهم. من ذلك حديثه مع بني العجلان عندما شكوا إليه هجاء النجاشى. ومن هذا الهجاء قوله:

وتأكل من كعب بن عوف ونهشل

 تعاف الكلاب الضاريات لحومهم

فقال الفاروق كفى ضياعا من تأكل الكلاب لحمه فقالوا إنه قال:

ولا يظلمون الناس حبة خردل

قبيلة لا يغدرون يذمة

فقال فاروق ليت آل الخطاب كذلك .. فقالوا هجانا، قال ما أسمع ذلك قالوا فاسأل حسان. فأجاب حسان. ما هجاهم ولكن سلح عليهم [15].

فالفاروق كان يعرف أنه هجاء جلى ولكنه حاول أن يستل الآلام من صدورهم فلما تمسكوا بحقهم عاقب لهم شاعرهم وحقا فقد كان الفاروق رضي الله عنه فضلا عما نسب إليه من الشعر ومن تشجيعه له. من أنقد أهل زمانه ومن أبلغ الناس.

قال ابن عباس

بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر.. إذا أقبلت، فقال عمر. قد جاءكم أعلم الناس به ثم قال: من شاعر الشعراء؟

قال ابن عباس: فقلت: زهير بن أبي سلمى. فقال هلم من شعره ما تستدل به على ما ذكرت فقلت: امتدح قوما من بني عبد الله بن غطفان فقال:

قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا

لو كان  يقعد فوق الشمس من كرم

طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا

قوم أبوهم سنان حين تندبهم

مرزءون بها ليل إذا حشدوا

إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا

لا ينزع الله منهم ما له حسدوا

محسدون على ما كان من نعم

فقال الفاروق: أحسن. وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بين هاشم بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين. ولم تزل موفقا.

وبهذا كان يقول عمر عن زهير : أشعر الشعراء من لا يعاظل في كلامه ولا يمدح الرجل إلا بما فيه. ولقد سأل كعب بن زهير يوما: هل بليت الحلل التي كساها هرم أباك. فقال له: بليت فقال عمر: ولكن الحلل التي كساها أبوك هرما. لم تبل. يشير على شعر زهير في مدح هرم بن سنان نحو قوله

يلق السماحة منه والندى خلقا

من يلق يوما على علاته هرما

وكان الفاروق ذواقة مرهف الأحساس. أبكاه متمم بن نويرة حين أنشد الصديق عينيته التي رثى بها أخاه مالك بن نويرة الذي قتل مع مانعي الزكاة والمرتدين ومنها:

من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

وكنا كندماني جذيمة حقبة

لطول اجتماع لم نبت ليلة م

فلما تفرقنا كأني ومالكا عا

ورق الفاروق لصبية الحطيئة إذ استشفع بهم إليه من حبسه وهو الذي لا يقبل شفاعة مخلوق مهما كان شأنه. والحق في دين عمر أحق أن يتبع .. إنها تعاليم الإسلام ولكنه رق لأطفال الحطيئة حين قال له:

زغب الحواصل لا ماء ولا ثمر

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ

فاغفر عليك سلام الله يا عمر

ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة

ألقى إليك مقاليد النهي البشر

أنت الأمام الذي من بعد صاحبه

لكن لأنفسهم كانت بك الأثر

لم يؤثروك بها إذ قدموك لها

بين الأباطح تغشاهم بها القرر

فامنن على صبية بالرمل مسكنهم

من عرض داوية يعمى بها الخبر [16]

أهلى فداؤك كم بيني وتبنهم

فأطلقه وأخذ عليه ألا يهجو مسلما بعد ذلك. واستطاع الفاروق أن يضرب بيد من حديد على يد كل عابث أو مستهتر. وبهذا فلم يتقول زنديق أي شعر يشيح بوجهه نحو الإسلام وفي عهده كله لم تقم لغير الشعر الإسلامي قائمة وكفاه بهذا أجرا وثوابا.

وظل الفاروق رضي عنه طوال مدة خلافته حاكما عادلا لا تأخذه في ا لله لومة لائم. مما يجعلنا نوقن أن الفاروق لا نظير له على الإطلاق في حكام الدنيا كلها قديمها وحديثها باستثناء أنبياء الله وباستثناء الصديق رضي الله عنه.

ولأمر فضي الله جل في علاه. استشهد الفاروق رضي الله في صلاة الفجر على يد المجرم الأثيم أبي لؤلؤة فيروز المجوسي. يبدو أن وراءه بعض اليهود والمجوس.

 وقال عمر عندما علم بنفاذ الطعنة المجوسية اليهودية:

الحمد لله الذي جعل نهايتي على يد رجل لم يسجد لله سجدة واحدة.وتوفي رضي الله عنه  لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة.

ودفن صبيحة أن ما في بيت عائشة بعد أن أمر ولده عبد الله أن يستأذن عائشة (وعمر في نعشه) ويقول لها عبد الله: عمر بن الخطاب بالباب يستأذن في أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن أذنت فبها والحمد لله. وإلا فادفني بالبقيع مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأذنت عائشة بعد أن كانت تتمنى أن تدفن هي بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبجانب أبيها رضي الله عنه. وكان سن الفاروق يوم استشهاده دون الستين بثلاث سنوات كما قيل [17].

وفي الختام نذكر وصف ابن عباس للفاروق حين سأله عنه معاوية فقال:

رحم الله أبا حفص كان والله حليف الإسلام ومأوى الأيتام ومنتهي الإحسان. ومحل الإيمان وكهف الضعفاء ومعقل الحلفاء.

قام بحق الله عز وجل صابرا محتسبا حتى أوضح الدين وفتح البلاد وأمن العباد. فأعقب الله على من يتنقصه اللعنة إلى يوم الدين.

.. رحم الله الفاروق وجزاه عن الإسلام والمسلمين أتم الجزاء وأوفاه.

{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}..

د/ على البدرى

الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية- كلية اللغة العربية والآداب.

 



[1]  الفاروق عمر للدكتور محمد حسين هيكل ص 23 .

[2]  تراجم أدبية للأستاذ السباعي بيومي ص 6، 7 .

[3]  سورة نوح الآيتان 26، 27 .

[4]  الأنفال آية 67. وما بعدها.

[5]  سورة الأحزاب آية 53.

[6]   سورة التوبة آية 84 .

[7]  سورة التحريم آية 5 .

[8]  السيرة الحلبية على بن برهان الدين الحلبي جـ 3 ص 495.

[9]  العمدة لابن رشيق ط 19025 ص 23 جـ 1 .

[10]  في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب جـ 2 ص 621 ط دار الشروق.

[11]  المصدر السابق جـ 2 ص 641 وعبقرية محمد للعقاد ص 87.

[12]  راجع النص كاملا في البيان والنبين للجاحظ تحقيق هارون جـ ص 48، 19 وراحعه أيضا في إعجاز القرآن للباقلاني تحقيق السيد صقر ص 140-142 .

[13]  لانشار.. لا تسخر. لا نمار.. لا تشك. ولا تبتع.. ولا تشتر.

[14]  الفاروق عم للدكتور محمد هيك ص 79 وما بعدها (2).

[15]  العمدة لابن رشيق جـ1 ص 29 ط 1925 .

[16]  الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ص 371 وما بعدها.

[17]  تراجم أدبية للأستاذ السباعي بيومي ص 34 طبعة القاهرة سنة 1935م.