طباعة

 توثيق النص

 

 

 

خمسة أحكام للحج في آيـة واحـدة

للدكتور عبد الفتاح عاشور

 الأستاذ المشارك في التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية

 

 

من توجيهات القُرآنِ الْكَريم فِي الْحَجِّ

خَمْسَة أحْكَامٍ للحَج في آيةٍ وَاحدَةٍ مِنْ سُورة الْبقرَة:

1-  إتمام الحج والعمرة

2-  الإحصار

3-  الحلق

4-  فدية الأذى

5-   التمتع

 

قال تعالى:

{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.. (سورة البقرة آية 196)

جاءت هذه الآية من سورة البقرة تبين بعض أحكام الحج وتقرر عدة معايير ومبادىء ربطت الإنسان بخالقه وأرشدته إلى الطريق الواضح المستقيم.

وقد جاءت هذه الآية وما قبلها وما بعدها في سورة البقرة إقراراً للمنهج الإلهي في تعهد الأمة المسلمة بالتربية والرعاية والتوجيه، فقد ذكر لنا ربنا قبل هذه الآية صفات الإنسان البار ونادى الأمة المؤمنة ففرض عليها القصاص في القتلى، وبين لها بعض أحكام الوصية وأحكام الصيام، كما نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وبين أن الأهلة مواقيت للناس والحج، كما دعا إلى الجهاد في سبيل الله وأمرنا أن نقاتل المشركين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، ووضع الركيزة القوية للجهاد في سبيل الله حين أمر بالإنفاق وحث عليه، فإن إعداد المجاهدين ليس بالأمر السهل ولا الهين إنما يحتاج إلى البذل والتضحية والعطاء. يحتاج إلى المال الوفير، وإذا شح الناس بأموالهم هلكت الأمة وتعرضت للدمار، ولهذا قال:{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}..

فالإحسان مطلب أهل الإيمان، إنهم يبذلون غاية وسعهم لتأتي هذه الأحكام التي أمرهم الله بها على خير ما يحب ربهم ويرضى، إنهم يجعلون من إحسانهم في أداء عملهم وسيلة ينالون به رضا مولاهم الذي أخبرهم بأنه يحب المحسنين. وعلى طريق هذا الإحسان يأمرهم الإله الكريم العظيم ويوضح لهم ما يجب عليهم أن يلتزموا به إذا ما أرادوا الحج والعمرة، ويبين لهم بعض أحكام الحج ومعاييره فيقول: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ..} الآيات..

فلنتابع هذه الأحكام وتلك المعايير كما نطق بها الوحي الإلهي وأوضحتها ألفاظ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المشرفة.

 

1-   وأتموا الحج والعمرة لله..

بدأت هذه الأحكام بقوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ..} فما هو المقصود بإتمام الحج والعمرة؟ وما معنى أن يكون هذا الإتمام لله..؟؟

إن الأمر لا يرد بإتمام شيء إلا إذا كان قد بدىء فيه، ولهذا اتفق العلماء على وجوب إتمام مناسك الحج والعمرة إذا ما أحرم بها المسلم. بدليل قوله بعد هذا الأمر {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}..

يقول ابن عباس:" من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما: تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل " وعنه أيضاً أنه قال:" الحج عرفة " [1].

أما قبل الشروع فيها فليس في الآية دليل على وجوب الحج والعمرة، فإذا ما أردنا أن نعرف حكم كل منهما فعلينا أن نبحث عن أدلة أخرى ليتضح لنا أن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن العمرة واجبة، وأن وجوب الحج ليس موضع خلاف، إنما موضع الخلاف هو العمرة: هل هي واجبة أو مندوبة؟

وقد قال بالوجوب جمع من الصحابة والتابعين منهم: علي وابن عباس وابن عمر وعائشة وزين العابدين وطاووس والحسن البصري وابن سيرين، وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء، وهو المشهور عن الشافعي وأحمد، وحجتهم في هذا حديث أبي رزين العقيلى أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن (أي السفر) فقال: "حج عن أبيك واعتمر" [2].

وفي هذا يقول الإمام أحمد:" لا أعلم في إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح منه ".

ومن أدلتهم على الوجوب أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها قالت:" قلت يا رسول الله: هل على النساء من جهاد؟؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة..." [3].

أما من قال بأنها سنة مؤكدة تؤدى مرة واحدة في العمر: فهم الحنفية والمالكية، وحجتهم في هذا اقتصاره صلى الله عليه وسلم على الحج في بيانه لأركان الإسلام الخمس، ويدل على ذلك قوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فقد اقتصر على الحج أيضاً ولم يذكر العمرة.

يقول الإمام الشوكاني بعد أن ساق كثيراً من أدلة الفريقين:" والحق عدم وجوب العمرة لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف ولا دليل يصلح لذلك، لا سيما مع اعتضادها بما تقدم من الأحاديث  القاضية بعدم الوجوب ". [4]

وإذا كان معنى إتمام الحج والعمرة إتمام أفعالها بعد الشروع فيهما، فما معنى أن يكون هذا الإتمام لله ؟ ؟ .

إن هذا تأصيل لقاعدة إسلامية تنبني عليها حياة الإنسان المسلم، تلك القاعدة هي الإخلاص لله في السر والعلن، وطلب مرضاته في كل قول وفعل، وفي كل حركة وسكون، وتفسيراً لهذا الإخلاص في أداء الحج والعمرة نجد كثيراً من عبارات أئمة السلف منها قول مقاتل:" إتمامهما ألا يستحلوا فيهما مالا ينبغي" ومنها قول بعض أهل العلم:" إتمامهما: إنفاق الحلال الطيب في سفرهما" ومنها ما روي عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس أنهم قالوا:" إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك"، وقريباً من هذا ما روي عن سفيان الثوري أنه قال:" إتمامهما أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة حتى إذا كنت قريباً من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت".

يقول ابن كثير عليه رحمة الله:" وذلك يجزي ولكن التمام أن تخرج له لا تخرج لغيره" [5].

وكان عمر- رضي الله عنه- ينهى عن الاعتمار في أشهر الحج ويرى أن هذا من تمامهما، وذلك ليكثر الوافدون لبيت الله الحرام على امتداد العام، وهذا ما روي عن القاسم بن محمد، وقتادة، فهما يقولان:" إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة ولكن هذا مردود بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: عمرة بالحدييبة في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر، وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانىء:" عمرة في رمضان تعدل حجة معي ". وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه- عليه السلام- فعوقت عن ذلك بسبب الطهر كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري.

 

2-  {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}:

هذا هو الحكم الثاني في الآية وهو الإحصار.. فما هو الإحصار؟ وماذا يفعل المحصر؟؟.

الإحصار هو: المنع، فهل كل ما يمنع الوصول لمكة يوجب الفداء والقضاء؟ وهل يمكن أن نقول: إن من تمكن من الوصول وأدى بعض المناسك ومنع من البعض يعتبر محصراً؟ وماذا سمى الفقهاء من يدرك وقت الوقوف بعرفة: سواء كان ذلك بعذر أم بغير عذر؟ وماذا يفعل هذا وذاك؟؟.

يرى الحنفية أن الحصر يتحقق بالمنع من الوصول إلى مكة بعد الإحرام: بعدو أو مرض أو غيرهما، ودليلهم في هذا قوله تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فقد قالوا:" هناك فرق بين الإحصار والحصر. الإحصار يكون بالمرض ونحوه والحصر يكون بالعدو والذي في الآية هو الإحصار، وإنما يدخل فيه حصر العدو لأن العذر بالعدو في المنع أقوى "، وما رآه الحنفية هو الموافق لما قال أهل اللغة، فقد قال ابن العربي:" هذا رأي أكثر أهل اللغة "، وقال الزجاج:" إنه كذلك عند جميع أهل اللغة "، وقال أبو جعفر النحاس:" على ذلك جميع أهل اللغة ".

ويؤيد الحنفية في ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة بأسانيد صحيحة عن عكرمة قال سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري يقول:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" قال عكرمة سألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا:" صدق ".

 ويرى الشافية وأهل المدينة:" أن المراد بالحصر في الآية هو المنع بالعدو، بدليل قوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} والأمن يكون من العدو، أما الأمن من المرض ونحو فبعيد، كما أن الآية نزلت عام ست في الحديبية حين منع المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخول مكة لأداء العمرة، فيكون الحصر بالعدو هو المقصود لا غير ولا يلحق به غيره ".

وفي هذا يقول ابن عباس:" لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال تعالى:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ} فليس الأمر حصراً [6] .

وإنما يتحقق الإحصار بالمنع من الوقوف بعرفة والطواف، وهذا عند الحنفية، وأما عند الشافعية فيتحقق بالمنع بالعدو من الوقوف أو الوقوف أو الطواف أو السعي.

وإذا كان هذا هو الإحصار فإن هناك الفوات أيضاً، وهو قريب من الإحصار وذلك بأن يطلع فجر يوم النحر ولم يقف المحرم بعرفة سواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الحج عرفة " [7] .

فمن لم يحضر وقت الوقوف فاته الحج.

فماذا يفعل المحصر؟ وماذا يفعل من فاته الوقوف بعرفة؟؟

أما بالنسبة للمحصر فقد قال تعالى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي فما تيسر من الهدي، فعليه أن يذبح شاة في موضع إحصاره كما قال الشافعية أو يبعثها للحرم لتذبح عنده أو يبعث بثمنها لتشترى به ثم تذبح هناك كما قال الحنفية، على ألا يتحلل إلا بعد مرور وقت كاف يمكن للهدي أن يصل فيه للحرم ويذبح، تحقيقاً لقوله تعالى:{وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.

وبذبح الهدي يتحلل من إحرامه. وقال الشافعية: لا يتحلل إلا بعد الذبح والحلق أو التقصير، بدليل فعله صلى الله عليه وسلم لذلك يوم الحديبية، وبفعله اقتدى أصحابه رضي الله عنهم.

وإذا كان المحصر قد تحلل من إحرام واجب وجب عليه القضاء، ومن فاته الوقوف بعرفة: عليه أن يتحلل بعمرة بأن يطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر وعليه الحج من قابل، أما النفل فعند الأئمة الأربعة يجب عليه القضاء لقوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ..} وذلك عام في الحج والعمرة: فرضاً أو نفلاً، وفي رواية عن مالك وأحمد أن النفل لا قضاء فيه.

ومع التحلل بالعمرة والقضاء: هل يجب عليه هدي؟ ؟ عند الحنفية: لا هدي عليه، وعند الأئمة الثلاثة: يجب عليه هدي يذبحه في حج القضاء وذلك لما رواه مالك في موطئه بسند صحيح أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجاً حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة أضل رواحله وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر فذكر ذلك له فقال عمر:" اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركك الحج قابلاً فاحجج واهد ما استيسر من الهدي ".

 

3- {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}

وهذا هو الحكم الثالث في الآية، فما صلته بالحكمين السابقين؟ ؟ هل هو تابع لقوله:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}؟ أو لقوله:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}؟ ؟

جمهور العلماء يرى أن هذا النهي تابع لقوله:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، لا لقوله:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} لأن المحصر يذبح هديه في موضع الإحصار ولا يجب عليه أن يبعث بهدية إلى الحرم، هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أحصر في الحديبية.

وقد رأى الحنفية - كما سبق أن بينا - أن المحصر يجب عليه أن يبعث شاة تذبح عنه في الحرم، أو يبعث بثمنها لتشترى به ثم  تذبح هناك، ولا يتحلل إلا بعد أن يمضي وقت يتمكن فيه من يأخذ الشاة أو يشتريها من الوصول للحرم وذبحها عنده.

وقد أجاب الحنفية على نحره - صلى الله عليه وسلم- في الحديبية بأن طرق الحديبية من الحرم فالرسول- صلى الله عليه وسلم – ذبح الهدي في الحرم.

وأما من قال: إن هذا النهي تابع لقوله:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فقد رأى أن الحلق يأتي بعد إتمام أفعال الحج والعمرة لمن كان قارناً، أو بعد الفراغ من أحدهما لمن كان مفرداً أو متمتعاً، فقد ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت:" يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟. فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ".

ومحل نحر الهدي كما قال تعالى:{لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وعلى هذا نستطيع أن نفهم حكم الترتيب بين الحلق والذبح، ومن الواضح أن هذا الترتيب واجب ويؤيده فعله صلى الله عليه وسلم وقد قال: "خذوا عني مناسككم" كما يؤيده قوله تعالى:{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [8].

فقضاء التفث هو إزالة الشعر وقد جاء بعد الذبح فدل على وجوب الترتيب وهذا رأي الحنفية فمن قدم الحلق على الذبح وجب عليه دم تأخير. وقد ذهب الشافعي وصاحبا أبي حنيفة إلى أن هذا الترتيب سنة، ومن ترك السنة فقد أساء ولكن ليس عليه فداء ودليلهم في هذا ما روي عن عبد الله بن عمرو قال:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي قال: "ارم ولا حرج"، وأتاه آخر فقال إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: "ارم ولا حرج "، وقال في رواية عنه " أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النحر فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا: حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمى وأشباه ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "افعل ولا حرج.. "لهن كلهن، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: "افعل ولا حرج "[9] وعن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال:" لا حرج ". [10].

وهذا أيضاً رأي المالكية فقد رأوا أن الترتيب بين الحلق والذبح غير واجب فلو فعل واحداً منهما قبل الآخر جاز وليس عليه شيء، وبالحلق يحصل التحلل الأول فيحل له ما كان محظوراً عليه إلا الجماع فإنه لا يجوز له إلا بعد طواف الإفاضة، وبه يتحلل التحلل الثاني.

4-            {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}هذا حكم من حلق رأسه بعد إحرامه وقبل أن يأتي الوقت المعلوم لإزالة شعره، وهو في هذه الحالة عليه فدية يخير فيها بين أمور ثلاثة: صيام ثلاثة أيام، أو الصدقة بثلاثة آصع لستة مساكين، أو النسك: بشاة.

وفي هذا حديث البخاري بسنده إلى كعب بن عجرة إذ قال لمن سأله عن الفدية من صيام:" حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، ما تجد شاة، قلت: لا، قال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك.."

يقول كعب:" فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة ".

وهذا الفدية لمن كان مريضاً مرضاً يضطره إلى حلق رأسه أو من كان برأسه أذى كما رأينا من حال كعب بن عجرة، أما العامد الذي لا عذر له، وأما المعذور بغير المرض والأذى كالناسي والجاهل بالحكم والمكره، فقد اختلفت فيه أقوال الأئمة:

فالحنفية: يرون أن الواجب على هؤلاء الدم عينا أو الصدقة عيناً على حسب جنايتهم إلا أنهم قالوا بسقوط الإثم عن المعذور بغير المرض والأذى، وإن وجب عليه الفداء والأئمة الثلاثة: جعلوا العامد كالمعذور: مخيراً بين الأمور الثلاثة، أما المعذور بغير المرض والأذى: فعليه الفداء: مخيراً عند المالكية، وعليه الفداء مخيراً عند الشافعية والحنابلة، إن كانت الجناية فيها إتلاف كالحلق والتقصير وتقليم الأظافر، وليس عليه شيء فيما ليس فيه إتلاف كاللبس وتغطية الرأس والطيب.

وهذه الفقرة من الآية هي القاعدة التي بنى عليها الأئمة آراءهم فيما يجب على المحرم من الفداء إذا ما لبس شيئا ًغير ملابس الإحرام أو غطى رأسه أو حلقها أو قصرها أو قلم أظافره، أو تطيب أو دهن فخالف بذلك ما يجب عليه حال الإحرام.

وتفصيل القول في هذا مرجعه إلى كتب  الفقه [11]، وحسبنا هذا القدر في بيان معنى قوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. وإن كان قد بقي علينا أن نعرف المكان الذي يؤدى فيه الفداء؟ ؟.

ويقول الشوكاني في ذلك:" اختلفوا في مكان هذا الفدية: فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء، وبه قال أصحاب الرأي. وقال طاووس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء. وقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع. وهو الحق لعدم الدليل على تعيين المكان [12]"

 

5- التمتع والقران

قال تعالى:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..}.

حين نقرأ قوله تعالى:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ } نتساءل: مم يكون الأمن؟ هل هو الأمن من العدو خاصة، أو منه ومن غيره كالمرض ونحوه؟؟

المتبادر من سياق الآية ومن معنى الأمن أن الأمن لا يكون إلا من العدو خاصة وهذا ما يؤيد رأى الشافعية وأهل المدينة الذين قالوا:" إن الإحصار لا يكون إلا من العدو، أما المرض وغيره فالمنع به لا يسمى إحصاراً ".

وبعد الأمان وزوال الخوف، على المحرم أن يتم نسكه.. فما هي الصورة التي أحرم بها؟ هل أحرم بالحج فقط (وهذا هو الإفراد) أو أحرم بالحج والعمرة معا (وهذا هو القران) أو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، وبعد أن طاف وسعى حلق وتحلل، وانتظر إلى يوم التروية في مكة (وهو اليوم الثامن من ذي الحجة) فأحرم بالحج (وهذا هو التمتع) وهو التمتع الخاص، والمشهور من كلام الفقهاء. والقران هو التمتع العام، لأن المحرم استفاد عمرة مع حج في سفرة واحدة، كما أن من أحرم بالعمرة فأداها وتحلل بما كان محظوراً عليه أثناء إحرامه، ولما جاء يوم التروية أحرم بالحج فاستفاد- أيضاً- حجاً وعمرة، ولذلك لا يحج على المفرد هدى. إنما يجب الهدى على القارن والمتمتع بأن يذبح كل منهما ما استيسر من الهدى وأقله شاة، وله أن يذبح البقر لأن النبي صلى الله عليه وسلم- ذبح عن نسائه البقر وكن متمتعات [13] ووقت ذبحه يوم النحر بمنى وقبل الحلق [14].

فإذا لم يجد الهدى. إما لعدم المال أو لعدم الحيوان فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فمتى يصوم هذه الأيام الثلاثة؟ وإلام يكون الرجوع؟ هل هو رجوع إلى رحله وأمتعته؟ أو رجوع إلى أهله ودياره ؟؟.

قال العلماء:" الأولى أن يصوم الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة في العشر "، وقال ابن عباس:" يجوز له أن يصومها من حين إحرامه "، والأفضل كما رأى جلة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وعلي-   " أن يصوم يوماً قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة أما يوم العيد فلا يجوز صيامه، وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه :" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صيام يومين. يوم الفطر، ويوم النحر " [15]،كذلك أيام التشريق لا يجوز صيامها، لما رواه مسلم عن نبيشة الهذلى رضي الله عنه قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله ".

ومن فاته الصيام قبل العيد تحلل ووجب عليه دمان: دم التمتع، ودم التحلل قبل نحر الهدى عند الحنفية ولا يلزمه سوى قضاء صومها عند الشافعية.

وإذا كان قد صام الأيام الثلاثة فقد بقى عليه صيام سبعة أيام، فمتى يصومها؟ يقول الله تعالى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} فلم يذكر إلى أي شيء يكون الرجوع هل هو رجوع إلى الرحال، أو رجوع إلى الأهل والديار والأوطان؟؟

بالأول: قال مجاهد وعطاء، وبالثاني قال جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم حتى حكى ابن جرير الإجماع على ذلك، ويؤيدهم في هذا ما رواه البخاري بسنده عن عبد الله ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس حين قدم مكة في حجة الوداع:" من كان  منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا ليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله".

وبصيام الثلاثة والسبعة تكمل العشرة، ولذلك قال:{تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} وهذا من باب التأكيد كما تقول:" كتبت بيدي، وسمعت بأذني، وكما قال تعالى:{وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}[16]..وكما قال:{وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}[17].."

وقال الزجاج: إنما قال سبحانه: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} مع أن كل أحد يعلم أن الثلاثة والسبعة عشرة: لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام في الحج والسبعة إذا رجع.

وقال المبرد:" ذكر ذلك ليدل على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقى منه شيء بعد ذكر السبعة [18]"..

وهذا التمتع وما فيه لغير أهل الحرم أما أهل الحرم فلا تمتع لهم. قال تعالى:{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

يقول ابن عباس:" يا أهل مكة لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم إنما يقطع أحدكم وادياً، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم وادياً ثم يهل بعمرة [19].."

وقد اتفق العلماء على أن أهل الحرم لا متعة لهم، ولكن هذا خص بأهل الحرم أو يلحق بهم من في حكمهم؟ كمن هم دون المواقيت؟ كما قال عطاء ومكحول أو من كان من الحرم على مسافة لا يقصر فيها الصلاة؟ كما قال الشافعية. لكل وجهة [20]وختاماً لهذه الآية يقول سبحانه:{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

وتقوى الله والخوف منه لهما هنا أهميتهما: إذ لا تؤدى أعمال الحج على وجه التمام والكمال إلا إذا قام بها المؤمن منبعثاً من إيمان عظيم بالله،وما له من صفات الجلال. والكمال وأي سلطة، وأي قوة في الأرض غير سلطان الله وقوته لا يمكن لها أن تدفع الإنسان إلى أداء تلك الأعمال في إخلاص وحب مهما أوتيت هذه السلطة وتلك القوة من مال وجاه وسلاح.

ومن لا يتقى الله ولا يخشاه؟ ومن يجرؤ على مخلفة أمر مولاه؟ إن الذي لا يتقى ربه ولا يخشاه والذي يتعدى حدود خالقه ومولاه: جاهل، غافل أحمق، وعليه أن يتبصر مواضع أقدامه قبل أن يخطو خطوة واحدة في طريق معصية الله، وعليه أن يعرف قدر الإله الذي سيقدم عليه لا محالة. لابد أن يعلم هذه الحقيقة قبل أن يخالف أوامر ربه، ولهذا قال سبحانه:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ..} ومن ذا الذي يطبق هذا العقاب؟ ومن ذا الذي لا يحسب له ألف حساب، إلا إذا كان من الغافلين، وهل تغنى الغفلة عن أهلها في مواقف الندامة والحسرات؟ وهل ينفع هؤلاء يوم اللقاء ما يسكبون من العبرات؟ ؟

نعوذ بالله من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ومن بطن لا يشبع ومن دعاء لا يستجاب.. ونسأله عز وجل أن يجنبنا العثرات وأن يكشف عن أمتنا الكربات وأن يهدينا سواء السبيل.

 

 

 

 


[1]تفسير ابن كثير جـ1 ص 230 .

[2]رواه الخمسة وصححه الترمذي .

[3]رواه أحمد وابن ماجة وإسناده صحيح.

[4]نيل الأوطار جـ 4 ص 314 ط مصطفى اليابي الحلبي بمصر- المطبعة الأخيرة سنة 1971م

بل الحق مع القائلين بوجوب العمرة لحديث أبي رزين العقيلى المذكور في صلب المقال وحديث عائشة رضي الله عنها وقد علمت ما قال الإمام أحمد في حديث رزين من أنه أجود وأصح ما رأى في وجوب العمرة. أما الاحتجاج باقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على ذكر الحج في بيان أركان الإسلام فلا ينفي وجوب العمرة بل يقال إنها واجبة وليست ركناً من أركان الإسلام. والواجبات في الإسلام كثيرة وليس من أركانه إذ لا تلازم بين الركنية والوجوب.. (المجلة).

[5]انظر تفسير ابن كثير جـ 1 ص 230.

[6]تفسير ابن كثير جـ 1 ص 231.

[7]رواه البخاري .

[8]سورة الحج 22-23 .

[9] متفق عليه.

[10]متفق عليه.

الصحيح في هذه المسألة أن الترتيب بين أعمال يوم النحر هو الأفضل بأن يرمى ثم يذبح ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما من قدم ومن أخر وخرج عن هذا الترتيب لظروف ما كنسيان مثلاً أو عدم معرفة أو أي عذر آخر فلا حرج عليه عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم في جواب من سألوه عن التقديم والتأخير " أفعل ولا حرج " .. (المجلة).

[11] بل المرجع الصحيح في تفصيل ما أجمل في القرآن هو السنة النبوية لأنها هي المفسرة للقرآن المفصلة لما أجمل فيه (المجلة)..

[12]فتح القدير جـ1 ص 196 ط الثانية 1964م مصطفى البابي الحلبي - مصر

[13]المقصود أن البقرة عن سبعة أشخاص لأنها نوع من البدن.. (المجلة)

[14]إذا راعى الترتيب تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو الأفضل (المجلة)

[15]متفق عليه.

[16]سورة الأنعام 6/38.

[17]سورة العنكبوت 29/48.

[18]فتح القدير للشوكاني جـ1 ص 197 .

[19]تفسير ابن كثير حـ1 ص 235 .

[20]الذي يفهم من ظاهر الآية أن غير أهل الحرم لا يدخل تحت هذا الحكم ولو كان قريباً من الحرم- حتى يثبت دليل بذلك (المجلة).