طباعة

 توثيق النص

 

 

 

أثر الحج في النفس والمجتمع

للدكتور عبد الرحمن بله علي

كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد..

فقد فرض الله سبحانه وتعالى الحج مرة في العمر على كل مسلم، لما فيه من الأسرار النفيسة والفوائد الجليلة والمسلم لا يذوق طعم أسراره، ولا يلمس أثر فوائده إلا إذا أداه على الكيفية التي أداه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن كل عبادة لا تؤدي غرضها ولا تحدث في النفوس أثرها إلا إذا جاءت على المنهج المحمدي مظهراً ومخبراً، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: " خذوا عني مناسككم" .. والقائل صلى الله عليه وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي" والقائل عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك".

والواقع أن في العبادات من الكمالات النفسية والمنافع الاجتماعية ما لو أدركه المسلمون لانعكس على حياتهم خيراً وبركة ووحدة وصلاحاً ورشاداً وعزة وأمناً وسعادة، وتلك غاية لا تدرك إلا بتجويد العبادة وأدائها على حقيقتها، ومما أضر بنا أننا نؤدي عبادتنا صورة لا حقيقة وفرق كبير بين الصورة والحقيقة كالفرق بين صورة الأسد مرسومة على ورقة وبين حقيقته موجوداً في غاية.

وما نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم ومن تبعهم بإحسان - ما نالوا العزة الباقية على الزمان إلا أنهم كانوا يؤدون عباداتهم على حقيقتها المبينة في الشرع المحمدي تعمقاً في مدلولاتها التربوية وسبراً لأسرارها التشريعية والتماساً لفوائدها الاجتماعية، فلا غرو إن كانوا أعز الأمم وأقواها وأعظم الشعوب وأرقاها.

وإذا ذهبنا نلتمس حكم العبادات وأسرارها وآثارها على النفس والمجتمع وجدناها مجملة في القرآن الكريم مبينة في السنة المطهرة حقيقة في حياة السلف الصالح: قال تعالى عن الصلاة:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}[1] والفواحش والمنكرات من أقوى أسباب الضعف التي تقود المجتمع إلى المرض والهلاك. يقول سبحانه عن الزكاة:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}[2] فهي تطهر نفوس الأغنياء من الشح والبخل، وتزكي نفوس الفقراء فلا حقد ولا حسد ولا بغضاء، وكفى بالمجتمع قوة وسعادة أن يخلو من هذه الأمراض الخطيرة التي تهد قواه، وتزعزع أمنه، وتصدع وحدته، وتضعضع قوته. ويقول عز وجل عن الصوم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[3] .

فالصوم يورث تقوى الله، وهي إذ انتظمت المجتمع رجاله ونساءه وشبابه.. عماله وموظفيه.. زراعه وتجاره.. حكامه وجنوده فأكرم بمجتمع يتكون من المتقين. وعن الحج يقول عز وجل من قائل:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ}[4] فهو تربية على مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ورقيات الكمال. وهكذا تتعاون هذه العبادات على تهذيب الخلق، وتزكية النفس، وطهارة الروح كما تتعاون أنواع الطعام على بناء الجسم وصيانة البدن لينشطك في أداء وظائفه، ويؤدي في كفاءة جميع واجباته ومناشطه والمجتمع الفاضل أمنية أقضت مضاجع المصلحين، وأسهرت ليل المفكرين، فماتوا ولما يتحقق منها شيء حتى جاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بمنهج الخالق ووحي السماء فإذا المجتمع الذي كان أمنية في عالم الخيال حقيقة دنت من الناس، ورمت إليهم بخيراتها وثمارها، وملأت عيونهم بجمالها وقلوبهم بجلالها فإذا هم بها في غبطة وهناء وسعادة وأمن ورخاء روى التاريخ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما ولي قضاء المدينة المنورة على عهد أبي بكر رضي الله عنه مكث عاماً كاملاً لم ترفع إليه فيه قضية واحدة فطلب من الخليفة إعفاءه من منصبه فلما سأله عن السبب قال:" إن قوماً يوقر صغيرهم كبيرهم ويرحم كبيرهم صغيرهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، القوي فيهم ضعيف حتى يؤخذ الحق منه والضعيف فيهم قوي حتى يؤخذ الحق له، إذا مرض أحدهم عادوه وإذا مات شيعوه واتبعوه، قوم هذا شأنهم لا حاجة لهم بقضاء عمر".

والحج مؤتمر يقام كل عام على نحو تعجز أقوى أمم العالم وأدقها تنظيماً أن تقيم مثله ولو في العمر مرة ولا تكاد توجد جماعة من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلا وفي هذا المؤتمر من يمثلها. قال تعالى:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}[5] .

إذا علمنا أن لكل عبادة غايتها المثلى وهدفها الأسمى فإن للحج من الغايات الكريمة والعوائد المحمودة ما لا يستطيع القلم أن يحصيه عداً، أو يستوعبه دراسة وبحثاً، وعليه سيكون حديثنا قليلاً من كثير وغيضاً من فيض.

 إن الحاج إذا عزم على الحج، وشرع في الأعداد له فالذي يجدر به أن يبتعد عن الأخلاق الذميمة فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل ولا يشاحن، ولا يزاحم الناس، ولا يؤذي أحداً، ولا يظن به سوءاً، ولا يضمر له شراً، ولا ينظر إليه بإزادراء، ولا يطلق لسانه في أعراض الناس، ولا يستمع إلى غيبة ولا نميمة، ولا يستمع إلى منكر من القول وزور، ولا يشتغل بسفساف الأمور، ولا يغش، ولا يكذب ولا يرائين ولا يظلم، ولا يتكبر إلى غير ذلك من الأخلاق المذمومة التي نهى عنها الدين، وحذر منها، وهي وإن كانت منهياً عنها في كل وقت وحين إلا أنها في الحج آكد وبالحاج أليق.

وفي الوقت الذي يتخلى فيه عن الأخلاق القبيحة يتحلى بالأخلاق الحسنة والخصال الحميدة، فيأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويبر والديه، ويصل أرحامه، ويصلح بين الناس، ويصدق في حديثه، وينصح في بيعه وشرائه، ويتصدق من ماله ويخلص في أعماله ويرخص نفسه في سبيل ربه، ويحسن إلى جاره، ويرحم الصغير ويوقر الكبير، ويرفق وبالضعيف، ويرشد الحائر، ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ويدعو إلى الحق، ويعين عليه، ويقضى به، ويتفانى فيه، إلى غير ذلك من الأخلاق الكريمة التي دعا إليها الدين ورغب فيها، وأمر الناس أن يأخذوا منها بأوفر نصيب لما لها من انعكاسات مدهشة على النفس والمجتمع، وتجاوب كامل مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، روى أن أكثم بن صيفي خطيب العرب المشهور وحكيمهم في الجاهلية قال حين علم ما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم - "إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن ديناً لكان في أخلاق الناس حسناً ".

والواقع أن المشكلة التي يعاني منها  مجتمعنا ليست مشكلة سياسية ولا هي اقتصادية، إنما هي مشكلة أخلاقية، فنحن في زمن كثر فيه الشر وحاملوه وقل فيه الخير وفاعلوه، وماتت فيه الضمائر، وخربت الذمم، وتفشت الأنانية مما كان له أثر سيء على المجتمع فضعف وتفكك، وكف بذله، وخف بين الأنام وزنه فإذا ما حلت هذه المشكلة تداعت جميع المشكلات. وفي الحج تروض نفس المسلم في هذا المؤتمر الإسلامي العظيم فإذا هذه الأخلاق قد تأصلت في نفسه، ونزلت منها منزلة الطبع، فيعود إلى بلاده مدرعاً بها داعياً إليها.

ومعلوم أن الحج المبرور يمحو الخطايا، ويغفر الذنوب قال عليه الصلاة والسلام: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" حديث صحيح وهكذا يعود الحاج وهو أنقى صفحة وأطهر قلباً، وأسهل للخير قوداً، وأبعد عن الشر قصداً ولا شك أن الذنوب تثقل الكاهل، وتسود القلب، وتضعف العزيمة، وتشل الحركة المباركة، فإذا تطهر المسلم منها نشطت همته، وتوجهت إلى العمل الصالح إرادته، فكان أكثر ما يكون بذلاً وعطاءً.

كما أن الحج يتيح للمسلم مشاهدة تلك الأراضي المقدسة التي شع منها نور الإسلام، وارتفع فوقها علم التوحيد، وتعطرت أجواؤها بالدعوة النبوية. وهذا مما يقوي الإيمان ويمتن العقيدة. والمسلم في حاجة ماسة لذلك لأن الفتن الهائجة لا يكاد يخلو منها زمن، أو ينجو منها وطن، والإيمان أقوى سلاح يستطيع به المسلم مواجهة الموجات المادية والهجمات الاستعمارية ورياح الأفكار الإلحادية، فالإيمان هو حصن الأمان وسفينة النجاة وقارب الخلاص فما أحرى المسلم أن يتفقد إيمانه بفعل كل ما يقويه ويعلى أسواره من الصالحات وترك كل ما يضعفه ويهيض جناحه من المعاصي والموبقات.

إن حاجتنا المنشودة وأمنيتنا المطلوبة هي الإيمان بالله واليوم الآخر، ذلك الإيمان المتوهج في النفوس الذي ينمي في الإنسان الملكات الخيرة المباركة. ينمي لبه.. ضميره. وإرادته.. وخلقه، وتأتي تبعاً لذلك ونتيجة له التنمية المادية. إن الذي أضر بالعالم، وجعله ويعيش في قلق دائم وتوتر مستمر، وساقه إلى شفا هاوية حرب ذرية ثالثه كونه متقدماً مادياً متخلفاً روحياً، من هنا يظهر لك خطأ الذين ينادون بالتنمية المادية في مجتمعاتهم قبل التنمية الروحية، بل إن مناداتهم تلك ألصق بالخطأ من ألصق الخطأ بنفسه. إن مثلهم مثل من وجد غريقاً جائعاً يستغيث فتركه للأمواج تبتلعه، وذهب يبحث له عن طعام يقيم به أوده، ويسد به جوعه، وكانت الحكمة تقتضي أن ينقذه أولا من الغرق ثم يذهب فيبحث له عن طعام, ونحن لا نقلل من أهمية الطعام ولزومه للإنسان، ولكن الذي ننكره هو الكلف به والعكوف عليه وترك ما عداه من طعام الروح وحاجاتها، إن الحكمة تقتضي على الأقل أن تسير التنميتان معاً كفرسي رهان أو كركبتي بعير إن لم تتقدم الثانية على الأولى.

وفي الحج يتدرب المسلم على كمال الطاعة لله ورسوله، لأنه يؤدي بعض الشعائر وهو لا يدري ما وراءها من حكمة، وهذا أدخل في باب الطاعة لله تعالى والإقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، ومما يجب عليه طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مع الرضا التام والتسليم والمطلق في كل شأن وعلى أية حال، فهي دين يثاب المرء على فعله، ويعاقب على تركه وعلى قدر إيمانه تكون طاعته وتسليمه ورضاه.

وتأتي بعد ذلك طاعة أميرك الذي بايعته على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فتطيعه في المنشط والمكره والعسر واليسر والغضب والرضا والغنى والفقر قال عليه الصلاة والسلام: "السمع  والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". فهي إذن طاعة واعية قائمة على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبقدر طاعتك لله ورسوله صلى الله عليه وسلم تكون طاعتك لأميرك قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [6].

الحاج وهو يؤدي مناسكه يلغي من ذهنه هذه الآماد الزمنية التي تفصل بينه وبين رسوله عليه الصلاة والسلام فكأنه يعيش في زمنه وبين أصحابه يطوف بطوافه ويسعى بسعيه ويقف بوقوفه ويرمي برميه وهكذا يستشعر جلال هذا الموكب النبوي الذي تحف به ملائكة الرحمن، وتهتف معه قلوب المسلمين. بهذا الإحساس المبارك تنمو عند المسلم ملكة الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته والدفاع عن شريعته والخير كل الخير في الإقتداء بالرسول الأعظم وإحياء سنته والسير على هداه، والشر كل الشر في التخلي عن ذلك ولله در وليد الأعظمى إذ يقول:

  مثـلى ومنـهـاجاً سلـماً نـيرا

ورجـعت للتـاريخ أنـظر  سيـره

  رجـلاً يـؤثر دون  أن  يتـأثـرا

وبلـوت أخـبار الرجـال  فلم أجد

  وسـرت على هـداه مـكـبـرا

إلا النبي محمـداً  فجـعـلته  مثـلى

  شـبراً علـيه هـوى ولا متـأخرا

متمـسـكاً بهـداه  لا  متـقدمـاً

  قلـبي ولم أر في الحـياة تعـسـرا

وشعـرت أني  مطـمئن  "سـاكن"

  شـر المبـادئ ما يبـاع  ويشترى

وهتـفت  والدنـيا  تـردد  عالـيا

ويوم أن يرجع المسلمون إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ومبادئ دينهم فقد اهتدوا إلى منبع سعادتهم ومصدر قوتهم.

وفي الحج تدريب على حياة الجندية وتحمل المشاق. واذكر أني قرأت خاطرة للدكتور جعفر شيخ إدريس في عدد من مجلة (المسلمون)، وخلاصة هذه الخاطرة أن الحج أشبه ما يكون بالمناورات الحربية، فهذه اللقاءات الخاطفة والوجبات الخفيفة والحركات السريعة والخيام المضروبة والتوقيت الدقيق والحرص على إصابة الهدف ثم انقضاء المهمة والشوق إلى الأهل والحنين إلى لقائهم، هذا كله يذكر بالمناورات الحربية والتدريبات العسكرية، وهو ما أدركه العسكريون، واعترفوا به، ولم يكونوا يومها يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحج جهاد لا قتال فيه" [7] في كل ذلك تربية على حياة التقشف ودربة ومران على تحمل المشقات والتحلي بالأخلاق القوية الفاضلة. والمسلم لابد له أن يدفع ضريبة الجهاد في سبيل الله طيبة بها نفسه، فدينه دين جهاد وتضحية وفداء لا دين دعة ووداعة ودعوى، فهو يأمر إتباعه أن يبتعدوا عن الحياة الهشة الناعمة التي لا تكسب المرء إلا الترهل والغفلة وموت الضمير، وأن يتعشقوا حياة الجد والجهاد والجود والحركة الدؤوبة التي لا تهدأ أبداً، دفاعاً عن دين الله ضد العدو الطامع فيهم المتربص بهم.

 وإن كان الحج جهاداً لا قتال فيه فإن هناك إخوة لكم مدججين بالسلاح يمسون ويصبحون فيه رابضين كالأسد الضواري مرابطين كأروع ما يكون الرباط في عديد من أراضي المسلمين المحتلة. نسأل الله تعالى أن يثبت أقدامهم، وينصرهم على عدوهم فتعود إلى المسلمين أرضهم السليبة وأقداسهم المطهرة الشريفة.

والجهاد لا يكون بالنفس وحدها ولكن يكون بالنفس والمال فالله عز وجل يقول:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[8].

ومن آداب الحج أن يكثر الحاج من النفقة على المحتاجين، وليكن إنفاقه عن سماحة نفس وطيب خاطر حتى يرتفع لدرجة القبول لأن الإنفاق على كره من صفات المنافقين الذين قال الله فيهم:{وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}[9] وهذا منهج في التربية قويم سرعان ما يجعل المرء يسخر نفسه وماله في سبيل الله تعالى بعد أن تعود عليه وتخلق به، وتثبت من نفسه.

وإذا نظرت إلى الإحرام وجدت فيه من الحكم والإسرار والفوائد ما يجعله منهجاً تربوياً فريداً في بابه عظيماً في آثاره، فهو نية في القلب قبل أن يكون تجرداً من المحيط والمخيط، وهو إقبال على الله تعالى قبل أن يكون قدوماً للبيت الحرام.. فيه إذن إخلاص العمل لله تعالى والبعد عن الرياء والسمعة من ناحية الباطن وفيه الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة الظاهر وهناك تلازم بين الظاهر والباطن، وترابط بين المادة والروح وهذا ما يميز الإسلام عن المسيحية الروحانية واليهودية المادية، فهو دين الكمال ودين الفطرة قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}[10] والسجود مثلاً معنى من المعاني وهو الخضوع ولكن لا بد من وضع الجبهة والأنف على الأرض ليكون أبلغ في الدلالة، وأوضح في الإشارة وهكذا.. الإحرام هو النية والنية محلها القلب ومع هذا لا بد من التجرد والالتزام بالشروط ليكون دائم الذكر حاضر القلب شديد الحرص، وبهذا يرتفع العمل، ويقبل، ويثاب عليه لأنه جمع شرطي القبول وهما الإخلاص والصواب، وقال بعض العلماء في قوله تعالى:{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} قال: أخلصه وأصوبه. قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لا يقبل، وكذلك إذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً.

وتظهر روعة التربية في أن المحرم يحرم عليه الطيب ولبس المخيط والمحيط وإزالة الشعر من جميع بدنه وتغطية رأسه وتقليم أظافره والجماع والمباشرة وعقد النكاح وقتل الصيد ما دام محرماً، وهي فترة يتدرب فيها المسلم على حبس النفس عن شهواتها وصرع سلطان الهوى، ليكسب في النهاية قوة العزيمة وشدة الشكيمة وصلابة الإرادة والخروج عن مألوف العادة وهي فترة قصيرة محدودة ولكن فيها من تهيئة الجو وشدة التركيز ما يجعل أثرها بعيد المدى في النفس البشرية فلا تكاد تنتهي حتى يتخرج المسلم وفي يده شهادة بالمغفرة وقبول عمله - إنه يحصل على نفس صافية وروح طاهرة وبصيرة مشرقة وسلوك قويم وأقدام مصفوفة وجهود مرصودة على طريق الحق والخير والجهاد.

وفي التلبية.. لبيك اللهم لبيك إجابة لداعي الله إجابة بعد إجابة وتجديدها ورفع الصوت بها عند تجدد الحالات دلالة على أنه يجيب داعي الله تعالى في كل الأوقات وعلى مختلف الحالات فلا يمنعه عنها بيع ولا شراء ولا شغل، فتلقاه يجيب على الدوام منادي الصلاة وداعي الجهاد، ويبادر إلى كل عمل فيه صلاح لدينه ودنياه.. وهكذا ينبغي أن يكون  المسلم سباقاً إلى المكرمات نهاضاً إلى كل ما يكسبه شرفاً وذكراً حسناً، وشعائر الإسلام وعبادته لا تألو جهداً في تأصيل هذه القيم الرفيعة في نفس المؤمن تذكره بها من وقت لآخر وتمده بها على طول الزمان كأنها محطات منصوبة على الطريق تمد المسافر بالوقود ليواصل المسير، ويقوم بالأعباء، ويحلق بركب المكرمات.

 في الإحرام والتلبية إعلان بصوت عال عن حقارة الدنيا وخفة وزنها في نظر المسلم وميزانه الدقيق، وأنها أضعف من أن تستعبده أو تصرفه عن تلبية نداء ربه، وأنها موضوعة في يده لا في قلبه، وفي مقدوره أن يضعها تحت قدميه، ويجعل صوتها الناعم دبر أذنيه.

وفي الحج تتجلى المساواة في أبهى حللها وأسمى معانيها، فإن تباعد المسلمون دياراً، واختلفوا ألسنة وألواناً فهاهم متساوون في زيهم وتلبيتهم وطوافهم وسعيهم ووقوفهم ورميهم وفي المباح وفي المحظور، لا فرق بين أحمر وأسود ولا بين غني وفقير، ولا بين سوقة وأمير، وذلك أبعد للنفرة من النفوس، وأنقى للصدور من الإحن والأحقاد، وأدعى لها أن تتقارب وتتآلف، وترتفع عن حزازتها العميقة واختلافاتها القديمة، فيعودوا كما أمرهم الله تعالى إخواناً متحابين.

والمساواة في الإسلام ليست نصوصاً أو بنوداً فحسب كما هي عند بعض الأمم ولكنها واقع معاش يحياه الناس يذوقون طعمه، ويلمسون في المجتمع أثره، إن الناس في نظر الإسلام لا يتفاضلون بأشكالهم ولا بألوانهم. إنما محك التفاضل هو تقوى الله عز وجل فكل من يحمل قلباً تقياً، ويسلك مسلكاً سوياً، ويعمل عملاً يفيد العباد والبلاد كان عند الله أكرم وبفضله أجدر ولرحمته أقرب قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[11].

وإذا نظرت إلى العبادات في الإسلام نظرة فاحصة، وجدتها معرضاً رائعاً للمساواة في أقصى معانيها وأسمى أبعادها ومراميها ليست هناك عبادة خاصة بالملوك وأخرى لا تليق إلا بالسوقة، إنما هي شرع واضح كالشمس في رابعة النهار مبذول للجميع والكل في سواء أعظمهم أجراً وأرفعهم مكانة من تمسك به واجتهد في، وعول أمره عليه يصرف النظر عن لونه أو جنسه أو مكانته.

أما الطواف بالبيت فأمره عجب، هذا البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً يستقبله المؤمن في صلاته على البعد خمس مرات في اليوم والليلة، ها هو الآن يقف أمامه وينظر إليه وقد ملأ عينه وقلبه جلاله وهو لا يبعده إنما يعبد ربه جل جلاله الذي جعله مثابة للناس وأمناً ومركزاً تلتف حوله قلوب المسلمين في المشارق والمغارب فيتوحدون في الاتجاهات والأهداف.

والطواف به يرمز إلى التزام شرع الله والعمل به وترك ما عداه من أفكار ومذاهب ونظم أرضية، فهو يلتزم منهج الله تعالى التزامه الطواف حول بيته الحرام عملاً ودعوة إليه والسعي تردد بين الصفا والمروة. والوقوف بعرفة تذكير بيوم القيامة ليأخذ المسلم أهبته ولا يشغله عنه حطام الدنيا ونعيمها الفاني، كما أنه فرصة للوقوف مع النفس لمحاسبتها وتذكيرها ومعاتبتها ومراجعتها فإن وجد خيراً حمد الله تعالى وسأله المزيد منه والثبات عليه وإن وجد غير ذلك بادر بالتوبة والوقوف بين يدي الله الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسطها نهارا ليتوب مسيء الليل.. ورمي الجمرات رمز لرجم الشهوات النفسية والمذاهب البشرية ولك ما يخالف شرع الله ويروم تقويض بنيانه وهدم صروحه وكيانه. أما الذبح فإن الله عز وجل لا يريد منا أن نتقرب إليه بسفك دم الحيوان فإنه لن ينال منا لحومها ولا دماءها ولكن يناله التقوى منا.

ولا بد أن يكون الحاج قد أدرك في نفسه الآثار الطيبة للرفقة الصالحة التي صحبها في سفره، وأدى معها مناسك حجه، وتعلم منها الكثير من المزايا السامية والصفات اللازمة للقيام بالواجب نحو الله تعالى والدعوة إليه، فمن آداب الحج ومستحباته أن يختار الحاج رفقة فاضلة الأخلاق طيبة المعشر عالمة بالأحكام راغبة في الخير كارهة للشر لتكون له عوناً على أداء نسكه على وجه ينال به الأجر، ويحظى بالقبول، وقد يتعلم منها أمور الدين والرفق وبين الجانب والإيثار والصبر على ما يطرأ عادة على المسافرين من غلظة، في الكلام وجفاء في الطباع وربما كانت سبباً في هدايته حالاً ومستقبلاً فكأنها فصل في مدرسة الحج الكبيرة. فإذا عاد إلى وطنه اجتهد في الانتماء إلى الجماعة المسلمة الصالحة الداعية إلى الله تعالى فيضع يده في أيديهم، ويضيف ما له وجهده وفكره إلى ما يبذلون في سبيل الله ودعوة الخلق إليه ويظل هكذا مثابراً مرابطاً مجاهداً مستمسكاً بهدي الله ومنهاجه، منصرفاً عن طريق الشيطان وزيغه واتباعه.

ثم على الحاج وقد انتهى من أداء حجه أن يعلم أن الجج بيعة ماضية في العنق إلى يوم القيامة.. إنه بايع الله عز وجل على ألا يشرك به شيئاً، وأن يطيعه ولا يعصيه أبداً، ويطبق منهجه، ويدعو إليه.. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .. ويقول الحق ولا تأخذه فيه لومة لائم.. سلماً لأوليائه حرباً على أعدائه فلينظر من يبايع، ليصون بيعته، ويحفظ عهده، ولا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.

لعلنا ندرك السر في اهتمام الإسلام بالتربية الفردية القائمة على الأسس المتينة، ذلك لأن المجتمع إنما يتكون من الأفراد فإذا كانوا صالحين كان المجتمع صالحاً والعكس صحيح.. إذا أردت بناء سفينة قوية متماسكة تحمل البضائع، وتصارع الأمواج، وتسير إلى غايتها آمنة مطمئنة فاختر لها الألواح الجيدة المتينة، وإلا فإنك لن تظفر إلا بسفينة هشة ضعيفة سرعان ما تحطمها الرياح، وتبتلعها المياه.

فالإسلام يسعى إلى إقامة المجتمع الفاضل المتماسك المتعاون الآمن في ظل كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يدع فرصة تؤدي إلى قوته، وتزيد من منعته إلا هيأها واستغلها، والحج من أعظم المناسبات التي يجب على المسلمين استغلالها بما يعود عليهم بالخير والعز والنصر فهاهم قد تلاقوا في هذه الأرض التي باركها رب السماء، ويتلاقون كل عام، وذلك أنفى للشتات وأدعى للوحدة والوئام، وأحمل لهم على أن يتباحثوا ويبرموا الاتفاقيات، ويتبادلوا المنتوجات، ويتدارسوا المشكلات التي تشغل بال شعوبهم، وصولاً إلى الحلول المناسبة لها، واستشرافاً إلى المجتمع الإسلامي المتراحم المتعاون، وتحقيقاً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

وعلى المسلمين عامة وولاة أمورهم خاصة أن يثقوا في دينهم وفي مقدرته على التصدي لمشكلاتهم وحلها حلاً جذرياً فيجعلوه عصمة أمرهم ومركز تجمعهم ونقطة انطلاقهم ومشرق شمسهم، ولا يذهبوا عنه وينظروا لغيره التماساً للحول والعلاج والرخاء فيكونون:

  والمـاء فـوق ظهـورها محمـول

كالعير في البيـداء يقتلـها الظـما

محمد عليه الصلاة والسلام موجود ملء السمع والبصر في وحيه الذي أنزل عليه من رب العالمين وفي سنته المطهرة التي صدرت عنه، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي"..

والله تعالى نسأل أن يوفق ولاة أمور المسلمين إلى كل ما فيه نصر لدينهم وعز لأوطانهم ورخاء لشعوبهم.

 

 



[1]العنكبوت 45.

[2]التوبة 103.

[3]البقرة 183.

[4]البقرة 197.

[5]سورة الحج 27-28-29.

[6]سورة النساء 58.

[7]الكاتب يشير إلى حديث عائشة حين سألت الرسول صلى الله عليه وسلم:" هل على النساء من جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة"- المجلة.

[8]التوبة 111 .

[9]التوبة 54.

[10]المائدة 3 .

[11]الحجرات 13.